وضع القراءة:

الفصل الثاني

الفصل الثاني
«يجب عليك معرفة ذلك يا بني.»
«إن جوابه في القصر، لا هنا بين الخول!»
«ربما قد تكون أنت، لكننا لا ندري حقاً.»
«أماه، لماذا تحترقين ولا تفعلين شيئاً؟»
«أبي، قم بإنقاذ أمي إنها تحترق! أبي، لماذا لا تتحرك؟!»
«مبير! مبير!... أين أنت؟!»
«استيقظ يا بني، فالناس يبحثون عنك، أنت الوحيد الذي يجب أن يعرف السر!»
انتفض مبير من مكانه وهو يلهث، ثم وضعه يده جهة قلبه محاولاً التقاط أنفاسه. كل يوم على هذا الحال، المشهد نفسه يتكرر له.
قام من مكانه مسرعاً وراح إلى حقيبته يبحث فيها وهو يردد عبارة واحدة:
«يجب عليّ أن أعثر عليه... يجب عليّ أن أعثر عليه... حتى لو كان مخبأً بين السطور... يجب عليّ ذلك!»
أخذ كتاباً مهترئاً بين يديه وأصبح يقلبه بشكل عشوائي ويده تهتز، بينما أنفاسه تتصاعد شيئاً فشيئاً. سمع صوتاً خافتاً صادراً من الصغيرة سوسن، معلنةً عن انزعاجها من تحركاته. تنفس بعمق، ثم ذهب باتجاه ركن الصالة وجلس هناك بهدوء محاولاً التهدئة من أنفاسه. بدأ قراءة الكتاب من جديد؛ فهو متعود على ذلك، منذ أن لمست يداه هذا الكتاب وهو يقرأه، حتى حفظ سطوره كلها، بل حفظ موضع كل سطر في كل صفحة.
نبس بهمس:
«يجب أن أعرفه، لا يجب عليّ التأخر... كل هذا بسببهم، هم السبب في حدوث كل هذا!»
ثم تنهد مطولاً، وفتح أولى الصفحات:
[التمركزات]
«منذ أول خطوة في هذا المكان، كان يُفترض أن يحكمه بعدل العَالِمُ "روليند لوتس" وزوجته، وأن ينجبا ذرية صالحة لإكمال ما بدأه أبواه. وإن لم يفعلا، فسيكون الحكم من نصيب أبناء أخت العالم؛ إذ لا بد لأحدهم أن تكون له خلفة في هذه المملكة، ليسود العدل ولتعم الحياة من جديد.
مات العالم وزوجته وقد رُزقا بسبعة أطفال؛ أربعة منهم أقوياء وثلاثة ضعفاء. وكذلك كان للفردين الآخرين نعمة الأبناء: أربع فتيات وفتيان. علموا أولادهم من العلم ما قدروا على جمعه من الكتب في كل مجال. وقبل كل هذا، ولِيختبر العالم قوة أبنائه، نظم دورة تشمل نقاط القوة الجسدية والعقلية والنفسية والحسية؛ ولكل نقطة أربعة اختبارات [غير معلنة]
كان من نصيب "آرثر" الفوز في اختبارات القوة العقلية، بينما نال "بروثن" المركز الأول في القوة الجسدية، وسبق "كيفر" و"كيفن" إلى المركز الأول في القوة الحسية. وعلى مستوى القوة النفسية و المركز الأول أخذه [غير معلن]،بقي أخوانِ والأخت الثالثة "كييرا" بدون فوز محقق .
أما الفائزين فقد تطورت إمكانياتهم عبر اختبارات عديدة أُقيمت لهم في كل سنة ليحافظوا على مستوى القوة ويزيدوا من مستوى الكفاءة، إلى أن توفي الملك وزوجته على فراش الزوجية بمرضٍ تَمّ لقبه بـ "الانحصار الذاتي"؛ وذلك لأنه لم يوجد له أي تفسير في كتب الطب.
لم يكن أمام هؤلاء الإخوة سوى الاتحاد لتكوين مملكة قائمة على العدل والمساواة بين كل الأفراد، لكن ذلك لم يحدث قط؛ إذ إن الإخوة الأربعة تزوجوا من بنات خالتهم، وما كان منهم إلا أن قاموا بنفي الضعفاء —ومن بينهم أختهم "كييرا"— إلى خارج أسوار المملكة، وذلك جزاءً لضعفهم وعدم قدرتهم على التكيف مع القوى المجدية.
أما عن عائلة أخت زوجة الملك، فكانت لها أربع بنات وهن [غير معلنة]، والفتيان هما "برودجن خول" و"جوسن خول". وحين انتقالهم إلى خارج أسوار المملكة، تزوج "جوسن خول" من "كييرا" وأنجبا أطفالاً كثيرين.
و على مدار السنوات كان الإخوة الأربعة يقومون بنفس الاختبارات لأبنائهم وبناتهم، وأيهم كان ضعيفاً كانوا ينفونه إلى خارج سور المملكة، وكان كل منهم يتزوج من المنفيين السابقين... وهكذا بُني نسلٌ عُرِف باسم "الخول".
وهذا حاضرنا الآن الذي يفرض على كل مجموعة من العائلات (خمس عائلات من الخول) أن يتم اختيار فتاة وفتى منهم لِيُعرضوا للاختبارات، وأي فائز يدخل أسوار المملكة ويصبح من ولاة الملوك وأمراء القصر الملكي.
وكل هذا لم يكن عبثاً، إذ إنه تم وضع التمانع في...»
«في ماذا؟! في ماذا أيها الجاهل؟! لماذا الأوراق بيضاء؟ ما بال الكاتب الجبان؟!»
نبس مبير وهو يحاول تمالك نفسه؛ إذ إن حجم الكتاب كبير، لكن لم تكن فيه سوى خمس صفحات مكتوبة، ومائة وأربعين صفحة فارغة من الكتابة... كأنها تُركت عن قصد! لكن هذا الأمر كان يستشيط مبير غضباً في كل مرة. هو لا يريد أن يشارك صديقه هذا السر لكي لا يرهقه بأي تبعات قد تنتج عن هذه المشاركة، بل يريد إيجاد الخفاء، وإيجاد الجواب عن السؤال الذي أمره والداه بالبحث عنه بالتزامن مع اختفائهما من حياته.
في ظل كل هذه الأحداث، طُرِق الباب بقوة!
خرج لؤي من الغرفة مسرعاً نحو الباب، وفتحه على مصراعيه، ثم أدنى ناظريه لأسفل حين لمح "العميد". نظر ذلك الأخير إلى مبير ثم قال بسخط:
«هل تريد الموت؟ هيا، قدم الطاعة لي الآن!»
كان مبير يحدق فيه دون أية مشاعر لعدة لحظات، ثم أدنى ناظريه للأسفل ورأسه مرفوع.
فتح العميد ورقة وبدأ بقراءتها على مسامع مبير وصديقه:
«أعلنت المملكة عن بدء المسابقة، وذلك بشروط:
_من أصل خمس عائلات تُؤخذ فتاة طامث وفتى أدرك.
_كما أن التطوع يعفي العائلة من المسابقة لمدة عامين متتاليين.
*أي اعتراض حول هذا القرار يُأخذ بعين الاعتبار ويتم حصر العائلة بدون طعام ولا ماء إلى أن يتم الإعلان عن الفائزين.
وهذا بحسب ما يتم تجديده في كل عام، فقد تم إضافة معلومة جديدة بدلاً من التغيير في القوانين، وهي كالتالي:
إن كل أنثى ذات شعر طويل يمكنها أخذ المال عليه بحسب طوله وقوته، وهذا ما تعرفونه. أما الإضافة فهي: يمكن لأي مالكة للشعر أن تصنع شباك الصيد بشعرها وتقوم ببيعها بثمن مضاعف، وهذا لا يدخل ضمن التجارة الممنوعة.»
أغلق الورقة وهو ينظر إلى مبير بازدراء، ثم قال بنبرة متعالية:
«بما أنه ليس لديك عائلة، فأنت ممنوع من التطوع. ودون أن أنسى... لوست، قم بتفتيش المكان وأعطني تقريراً للوضع الداخلي!»
امتثل لوست لاوامر العميد , و بعد قليل خرج ثم أردف قائلا :
«لا يوجد سوى فتاة صغيرة وزوجة لؤي، والمكان مستقر لا مخالفات فيه.»
وجه العميد أنظاره إلى لؤي قائلاً بحذاقة ومكر:
«سيأتي وقت ترى فيه ابنتك تُسلب منك، سأحرص على ألا تتعمد الخطأ كوالدها!»
ثم ذهب متجهاً إلى المنزل المقابل لهم ليفعل الشيء نفسه. أما مبير، وعلى غير عادة الحاضرين، فقد رفع أنظاره يشاهد ذلك المشهد؛ هو يعلم أن ثمن تجرؤه سيكون الجلد وربما الصفع خمسين مرة، لكنه لم يعد يأبه لأي من هذا، بل يريد التخلص من كل هذه المهزلة، ويعرف أن وراء كل شيء أشياء خفية بالفعل .
دوى في المكان صوت صراخ واستغاثة من فتاة تتمسك بأمها:
«أرجوكِ يا أمي، لا أريد الذهاب معهم! لا أريد... لماذا أنا؟! لماذا يختارونني أنا وهذا أول عام لي بعد كبري؟ لماذا حظي عاثر؟!»
كانت تتمسك بأي شيء أمامها تحاول الإفلات والتملص منهم وهي تعرف أنها لن تستطيع، لكنها تحاول! خرج العميد ولوست تابعه وهما مكبلان الفتاة والفتى المختارَين من قبلهما، وعائلاتهما تتحسر على الفراق الذي لا يعرفون كم سيطول، وربما لن يطول بل سيكون أبدياً...
«كل فعل يجب أن يكون له سبب، لا شيء بدون سبب... هذا تفسير واضح لجعلي أنا الوحيد الذي يجب عليه معرفة الجواب.»
قال مبير ذلك بهمس يكاد يُسمع، ثم دخلوا إلى المنزل وأغلقوا الباب.
هكذا هي حياتهم؛ في كل عام يزداد رعب لؤي وزوجته من فكرة أن تصبح ابنتهم "سوسن" طامثاً، بدلاً من فرحهم بكبرها.
استمر اليوم كسابقه: من المعمل إلى منزل لؤي، وهكذا... إلى أن أتى يوم الإعلان عن النتائج الذي يحمل المفاجآت معه:
«الفائزون بالمراكز الأولى: لـ باب العقل سبعة، لـ باب الحس ثمانية، لـ باب الجسم تسعة عشر، لـ باب النفس صفر!»
«هَه! كما هو متوقع...»
قالها مبير وهو يجر عربته المليئة بمتاعبه.
ما خلف أسوار المملكة بإمكانه أن يكون إما مفاجأة أو كارثة، لا شيء ثالث... وربما لا يكون شيء! هذا عن الأسوار، فماذا عن البحر؟ ماذا وراءه؟ هل هو بحر ممتد أم وراءه حياة بالفعل؟ وإن لم يكن بحراً... ربما هو سور من نوع آخر !
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.