الفصل الأول
**الفصل الأول**
أصوات هتافات تتعالى من كل زاوية، صوت المحركات، وحرارة المكان، والضوء الأحمر القاتم.. أجواءٌ تُوحي بمحرقةٍ جماعية، وقد كانت كذلك بالفعل. في وسط ذلك الصخب، يتردد صوت عربة جرارة تحمل أثقالاً وأرطالاً، يليه صراخٌ مدوٍّ من بعيد:
«ماذا تفعلُ أيها الغبي؟»
صمت الجميع وتوقفت العربة، وصاحبها يحاول استكشاف مصدر الصوت، إلى أن تلقى ضربةً على رأسه بقطعة خشبية طويلة، مصحوبةً بصراخٍ وتقريع:
«لماذا أحضرتَ الشمع إلى هنا؟ هل أنتَ مجنون؟ هذا فرع صهر الحديد وليس مكان صنع الشمع!»، ثم راح ينهال عليه ضرباً بالخشبة.
لم يفعل ذاك الشاب شيئاً سوى تغطية وجهه بيديه، ولم يكفَّ الآخر عن ضربه إلى أن انكسرت الخشبة من شدة البطش، فرمى بقاياها وأخذ يلكمه بيده. وفي هذه الأثناء، دخل رجل قوي البنية واتجه نحو تلك المسرحية، فهوى بلكمةٍ قوية على المعتدي طرحته أرضاً، ثم قال بصوت مبحوح وحاد وهو يسدد نظرةً حادة إلى الملقى أرضاً:
«تضيعُ الوقت بكل هذه السخافات! إن تكرر الأمر فسيتم تقطيعُك ووضعُك في فرن التصهير»، ثم صمت قليلاً ورفع أنظاره للحاضرين قائلاً بصراخ:
«إلى ماذا تنظرون؟ ابدؤوا العمل أيها الخوولُ المضطهدون!»، ثم التفت إلى صاحب العربة متهدداً:
«وأنتَ أيها الخائلُ الآخر، لا أريد أية أخطاء بعد الآن، وإلا فسيكون مصيرُك في الشباك».
فراح الشاب يجر عربته بسرعةٍ تُقارب الركض هرباً من ذلك الشخص الضخم، ومن لا يعرفه؟ إنه أحد الفائزين، لكن تسلطه الغاشم يجعلك تظن أنه ينتمي لتلك الفئة المضطهدة أيضاً.
ثم دخل إلى فرع التشميع، والذي لا يقل ضجيجاً عن سابقه، لينال نصيبه من التقريع على التأخير، وخرج ليجلب عربة أخرى مليئة بأقراص العسل بكميات كبيرة. استمر هذا العناء لساعات متواصلة من الجهد المنهك، ساعات تُفقد أعتى الرجال توازنهم العقلي والجسدِي.
وأثناء خروجهم من المعمل، كان الشاب يمشي بخطى سريعة ومفعمة بالحيوية، كما لو أنه لم يُضرَب قط في ذلك اليوم.
«يا لؤي، لماذا تمشي وكأنك هرم؟»
ثم راح يضحك وهو يسرع خطاه ليصل إلى لؤي، إلى أن باغته بضربة على ظهره وقام يركض هرباً، فتبعه الآخر في مرح يريد ردَّها له.
«ما بالك يا مبير؟ كل يوم تزداد طاقة وأنا طاقتي تنتهي في كل يوم!»
ثم اصطدم بشخص أمامه وهو يحاول التقاط صديقه من الحشد، فزاد من وتيرة مشيه كي لا يدخل في مشكلة معه، والتي ينتهي مطافُها بعقابٍ بطشِيٍّ من العريف، وهو لم يسترد عافيته بعد من أذاه السابق. ولكن، لماذا يعتبرونه تعذيباً وليس عقاباً؟ ذلك لأنه لا وجود لكلمة "عقاب" في قاموسهم؛ فكل سانحة تسقط في أيدي الكبار، يتفننون في استغلالها لابتكار أساليب نكالٍ تتسلى بها نفوسهم، وقانونهم السائر أنه لا شيء ممنوع عليهم، بينما كل شيء ممنوع على الآخرين.
ربما يكون مبير ولؤي صديقين من فئة واحدة، إلا أنهما مختلفان تماماً؛ فأحدهما عانده الحظ في كل محاولة—أو لعلَّه أهدرها يعقوبياً عن عمد—والآخر لم تبتسم له الأقدار بعد. لكنهما، ورغم كل شيء، يمتلكان من الصفات ما يكفي للفوز، وليس أي فوز.. فوزٌ بمراكز القدماء الأولى، لكن ذلك ليس ضمن مخططاتهما.
اتجه كل منهما إلى وجهته، بيت لؤي، حيث استقبلته زوجته وابنته الصغيرة بفرح وسرور، وبمجاملة خفيفة لمبير لأنهم يعتبرونه أحد أفراد العائلة وليس غريباً عليهم.
اجتمعوا جميعاً في صالة المنزل والصمت يترأس المكان، حتى نطقت الصغيرة بعفوية كعادتها:
«مبير، لماذا تعود دائماً مضروباً من عملك؟ ولماذا أَبَتِ ليس كذلك؟»
أجابها مبير بمداعبةٍ مرحة:
«لؤيٌ إن ضُرِبَ بعود كبريت لكان الآن طريح الأرض، إنه ضعيف جداً، ليس كـ صِنْوِكِ القوي، إنني أتحمل كل شيء!»
وختَم دُعابته بنغزاتٍ خفيفة على خاصرتها، وكانت أصوات ضحكاتها تملأ المكان.
حتى عاد كل شيء إلى الهدوء بعد أن طرح لؤي سؤالاً على مبير بشكل جدي:
«ألا زلت مستمراً في صنع ذلك الشيء؟ لماذا أنتَ مُصرٌّ إلى هذا الحد؟»
أجابه مبير بصوت مرح:
«يمكنك أن تستفيد منه وتصنع لنفسك هوية كالتي لدى العَوَاهِلِ، ما رأيُك؟» وأنهى كلامه بضحكة ساخرة.
ولم يجبه لؤي بشيء غير إرسال نظرة حادة له ليصمت الآخر، ثم يجيب بنبرة هادئة:
«أريد أن أشارك، لم يعد يعجبني ذلُّ المكان في المعامل هنا».
قهقه لؤي بصوتٍ مرتفع وممتد وهو يقول:
«أتُريد تجربة ذلٍّ من نوع آخر مثلاً؟»
فصمت الآخر وهو يحاول فهم كلامه، إلى أن نبس بهمس:
«أنتَ كنتَ في ذلك المكان قبلاً، هل حقاً ما يقال إن الفائزين يحظون بمعاملة مباشرة من العَوَاهِلِ؟ أم هذه أَرَاجِيفُ فقط؟»
قال لؤي بشكل صارم:
«أنتَ تريد الموت لا محالة! لقد نجوتُ بجلدي عبر حيلٍ ومناوراتٍ استنزفت كليّتي، لأقف أمامك اليوم بكامل جوارحي!»
«لكنك جربتَ بَابَ الحِذْقِ ولم تجرب الأشياء الأخرى! ربما الأبواب الأخرى تؤدي إلى الإفك المنتشر في الأرجاء؟!»
تنهد لؤي بعمق وهو يحدق بصديقه الذي يريد أن يغامر بحياته:
«ما غايتُك يا مبير؟ كل مرة تقول لي سبباً غير الحقيقي، ما هدفُك؟»
أجاب مبير وهو يتحاشى النظر إلى عيني صديقه قائلاً:
«لقد قلتُ لك إنني أريد أن أغامر...»
أسكته لؤي بسؤاله المفاجئ:
«إلى ماذا تريد الوصول؟ أنا أعرفك أكثر من نفسك، كل خطوة تخطوها ينطوي خلفها مأربٌ يخدمك لاحقاً؛ فأنت تشفّ عن دهاءٍ يفوق دهائي.»
صمت الآخر قليلاً ثم قال بصوت متزن ونظره مصوب نحو الرَّوْشَنِ:
«لدي سؤال لطالما كان يتردد في داخلي، لم أجد له تفسيراً بعد، وكل ما في عقلي يسيرني لأن أشارك لأعرف الجواب، ويحثني على الاحتفاظ به لنفسي ومعرفة إجابته وحدي».
فلم يعلق لؤي على كلام مبير، ثم نهض من المكان مشيراً لزوجته بفعل المثل، وتركا الصالة لينام فيها مبير بينما دخلا إلى الغرفة الوحيدة هناك ليناما. بقيت سوسن، الفتاة الصغيرة، بجوار مبير وهو يحكي لها قصصاً خيالية لما وراء الجدار الذي يحيط بالحوزة، إلى أن نامت الصغيرة، فقام مبير من مكانه وذهب إلى زاوية الصالة ثم نام هناك.
لم تكن هذه أحداثاً عادية كأي حدث، بل كان كل تفصيلٍ منها يتشبع ببذور فتنةٍ ترقب لحظة الانفجار.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول