المجد للمرأة
المجد للمرأة
جزء 3 من 2
وضع القراءة:

الإنسانُ -بطبيعةِ الحالِ- لا يعرفُ قيمةَ ما يملكهُ إلا حينَ يفقدُهُ. ..

في أرضٍ صحراويةٍ يتوسطُها بحرٌ عميق، فتاةٌ صغيرةٌ لا يتجاوزُ عمرُها سبعَ سنواتٍ، ترعى الأغنامَ؛ تلعبُ معها تارةً، وتقصُّ عليها الحكايا تارةً أخرى، وكأنها بين إخوتها لا أغنامَها. كانت غارقةً في سعادتها، حتى اقتربت من منزلِها، فخرج لها والدُها وقال بجديةٍ:
— عليكِ أن تختاري الآن؛ فليسَ أمامَكِ سوى خيارينِ لا ثالثَ لهما: إما أن تدرسي، أو ترعى الأغنامَ.
​نظرت إليه الفتاةُ ببراءةٍ تامةٍ، وهي عاجزةٌ عن استيعابِ ما يطلُبُهُ ولماذا تضطرُّ للاختيارِ أصلاً. أصرَّ والدُها وطلب منها الحسمَ فوراً، فبدأت تحدثُ نفسَها بصوتٍ خافتٍ:
"المدرسةُ لا أعرفُ عنها شيئاً ولا أدري ماذا أفعلُ فيها، ولماذا أذهبُ لمكانٍ لا أعرفُ عنه سوى اسمِه؟ أما رعي الأغنامِ فهو مصدرُ سعادتي؛ فهم مثلُ عائلتي تماماً ويؤنس وحدتي.. حسناً، سأختارُهم."
​ثم التفتت إليه وقالت بثقةٍ:
— أختارُ رعي الأغنامِ.
​اتسعت عيناها فرحاً باختيارِها، لكنَّ فرحتَها لم تكتمل؛ فما إن سمعَ ردَّها حتى صفَعَها على وجهِها! وقعت الصدمةُ عليها كالصاعقةِ، فامتلأت عيناها بالدموعِ، ودخلتِ البيتَ قبلَه تاركةً خلفَها…
يفكِّرُ بأسى في ابنتِه الصغيرةِ يتيمةِ الأمِّ؛ فهو تزوَّجَ من أجلِها هي وأخيهِ الذي يصغرُها بسنةٍ. كانت لا تعرفُ شيئاً عن الحياةِ، وكان يُحدِّثُ نفسَه دائماً: "أريدُها أن تتعلمَ وهي لا تزالُ تلهو مع الأغنامِ الحمقاء!". لكنَّه كان يخشى الأسوأَ؛ فلو حدثَ له مكروهٌ -لا سمحَ اللهُ- فمن سيعتني بها؟
​كان يرى أيضاً أنها لم تتقبَّلْ زوجةَ أبيها، فجعلتِ الهواجسُ تغلِبُه: "بمن آمنُ عليها الآن؟ حسناً، لا بأس، ابنُ الجيرانِ شابٌّ محترمٌ ولم أرَ منه إلا كلَّ خيرٍ.. ماذا لو زوَّجتُه ابنتي؟!".
​لم يعد يعلمُ كم تبقى له من أيامٍ في هذه الحياةِ، فقد كان يشعرُ باقترابِ أجلِه، فقررَ أن يذهبَ إليهم في اليومِ التالي ليفاتحَهم في الأمرِ.
ـــــــــــــــــــــــــ
​❞حافظْ على قلبِكَ نقيًّا.. ولو وجدتَ مئةَ سببٍ لتتغيَّرَ نحو الأسوأ، ابحثْ عن سببٍ واحدٍ فقط لتبقى روحُكَ بريئةً وجميلةً مثلما أنتَ دائماً.​❝
​𓆩♡𓆩
في تمامِ الساعةِ الخامسةِ قبلَ شروقِ الشمسِ، خرجَ طفلٌ في السادسةِ من عمرِه.. يلتفتُ حولَه بحذرٍ، وبدأ يسيرُ مبتعداً عن المنزلِ حتى لمحَ وردةً جميلةً وكبيرةً في وسطِ البحرِ! أرادَ أن يمسكَ بها، فأخذَ يقتربُ منها بتوجسٍ.. لكنَّ الوردةَ كلَّما اقتربَ منها الطفلُ، ابتعدتْ عنه قليلًا كأنَّها تحثُّه على دخولِ البحرِ. نسيَ الطفلُ أنَّه يقتربُ من العمقِ، وصارَ كلُّ تفكيرِه منصبًّا على الوردةِ وكيفيةِ الإمساكِ بها، فظلَّ يسيرُ خلفَها وهي تتباعدُ عنهُ هكذا.. حتى دخلَ الطفلُ إلى منتصفِ البحرِ دونَ أن يشعرَ.
​توقفتِ الوردةُ حينئذٍ، فأمسكَ بها الطفلُ أخيرًا وتنفسَ الصعداءَ، لكنَّ فرحتَه لم تكتملْ؛ إذ سحبتْه الوردةُ إلى داخلِ البحرِ وغرقَ في أعماقِه..
​وبعدَ ربعِ ساعةٍ، خرجتِ الوردةُ وقد أصبحَ حجمُها كبيرًا للغايةِ وبداخلِها الطفلُ، كأنَّها لوحةٌ فنيَّةٌ يتوسطُها طفلٌ!! لكنَّ لونَ بشرتِه كان مُزرَقًّا، ولم يعدْ كما كان قبلَ قليلٍ!! نعم، لقد ماتَ مختنقًا!!
(المظاهرُ خدَّاعةٌ)؛ فقد خدعَه الكائنُ البحريُّ بتمثيلِه لشكلِ وردةٍ جميلةٍ حتَّى سلبَ روحَه فورَ اقترابِه!
​أشرقتِ الشمسُ واستيقظَ الجميعُ، وبدأ والدهُ يبحثُ عنه: "مصطفى!! مصطفى!!"؛ يرددُ اسمَه في أنحاءَ المنزلِ لعلَّه يمازحُه، لكنْ لا يوجدُ أيُّ صوتٍ أو حركَةٍ، فقال في محاولةٍ أخيرةٍ منه:
— لن أمنعَكَ من الخروجِ إن كنتَ مختبئًا في مكانٍ ما كعادتِكَ.. فأخرج!
​ولم يلقَ أيَّ ردةِ فعلٍ أيضًا، فتيقنَ أنَّه غيرُ موجودٍ هنا.. فخرجَ من المنزلِ ليراى تجمهرَ الناسِ حولَ البحرِ يتحدثونَ بحرقةٍ. وعندما رأوهُ، بدأوا يتهامسون فيما بينهم. شعرَ أنَّ هناك خطبًا ما، وانتابه خوفٌ شديدٌ؛ لماذا ينظرون إليه هكذا؟! أيعقلُ أن.. لا.. لا.. مستحيل.. هذا مستحيل!
بدأ يقتربُ منهم أكثرَ، وما إن بلغَ الشاطئَ حتى انقسمَ الناسُ إلى قسمينِ كأنَّهما بابانِ فُتحا معاً، تاركينَ له ممرًّا في المنتصفِ. كانت كلُّ الأعينِ تتربَّصُ به وبردَّةِ فعلِه.. هنا شعرَ بأنَّ الدماءَ في جسدِه تجمَّدتْ ثم تصاعدتْ إلى رأسِه فجأةً، فوقعَ نظرُه على تلكَ الوردةِ الغريبةِ في البحرِ، وهي المرَّةُ الأولى التي يرى فيها شيئاً كهذا!! مهلاً!! مهلاً!!
​"من هذا الطفلُ الذي يتوسطُ الكائنَ؟" سألَ وهو يلتفتُ إلى مَن حولَه، عسى أن يقولَ أحدهم شيئاً يثلجُ صدرَه.. أو لعلَّه يجدُ ما يكذبُ به ما تراه عيناه. لكنَّ أحداً لم يردَّ عليه، فصرخَ مكرراً سؤالَه بانفعالٍ: "تحدثوا! من هذا الطفلُ؟!". فكانت ردَّةُ فعلِهم أن أنكسوا رؤوسَهم نحو الأرضِ صامتينَ مرةً أخرى..
​حينها قررَ النزولَ إلى البحرِ؛ نزلَ، واقتربَ، وسحبَ الطفلَ.. ومجرَّدَ أن سحبَه اختفتِ الوردةُ في الحالِ.
​أحضرَ الطفلَ ووضعَه على الأرضِ دونَ أن يجرؤَ على النظرِ إلى وجهِه.. ثم قلَبَه ليراه أمامه فانصدمَ! علقَ لسانُه وعجزَ عن النطقِ.. إنَّ.. إنَّه.. إنه مصطفى!!
​❞ قيمةُ الأشخاصِ لا تُعرفُ إلا بعدَ فقدانِهم.. ​❝
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.