|| عروس الزعيم || bart : 02 《 زيارة 》
فيلا رافاييل - الساعة 11:00 صباحًا]
كانت شمس منتصف الصباح تتسلل من النوافذ الكبيرة، تغمر غرفة الجلوس بضياء دافئ، بينما جلست ليونا على الأريكة، ترتشف من فنجان شاي
دقّ جرس الباب.
وما هي إلا لحظة حتى دخلت الخادمة تعلن:
الخادمة:
《سيدتي... ضيفان بانتظارك. الآنسة إليزا وزوجها السيد ماتيو.》
رفّت عينا ليونا بدهشة خفيفة، ثم نهضت بتردد:
ليونا:
《إليزا؟ لم تخبريني أنكِ قادمة》
دخلت إليزا بابتسامتها الساحرة المعتادة، تحتضن ليونا بحرارة، بينما تبعها زوجها ماتيو، شاب أنيق يبدو عليه الاحترام الشديد.
إليزا (وهي تتفحص المكان):
《كان علينا أن نراكِ بعد هذا الزواج المفاجئ. قلتُ لنفسي: لا يمكن أن تكوني زوجة لرجل مثل رافاييل دون أن أعرف القصة الكاملة.》
ليونا (بابتسامة مجاملة):
《ليست هناك قصة... فقط مصلحة بين شركتين.》
ماتيو (وهو يجلس):
《مصلحة؟ غريب... لأن زوجك لا يبدو كرجل يقبل بعقود خالية من الفائدة الشخصية.》
ارتبكت ليونا قليلاً، نظرت إلى فنجانها دون أن ترد. ثم غيرت إليزا الموضوع:
إليزا:
《أخبريني، كيف هي الحياة معه؟ أعني... سمعتُ عن رافاييل الكثير. البعض يراه قاسيًا، غامضًا... والبعض الآخر يهمس أنه... ليس مجرد رجل أعمال.》
رفعت ليونا حاجبها...
ليونا:
《تقصدين ماذا؟》
إليزا (تخفض صوتها):
《رافاييل يعمل أحيانًا مع شركات حراسة خاصة....》
ماتيو (يحاول التدخل):
《إليزا، كفى. لسنا هنا لنخيفها.》
لكن ليونا نظرت إليهما ببطء، عقلها بدأ يربط الليالي الغريبة، غياباته المفاجئة، النظرات الباردة، لكنها لم تجرؤ على السؤال.
ليونا (بنبرة خافتة):
《... أحيانًا، أشعر أنني تزوجت شبحًا.》
صمت. حتى إليزا لم تجد ما تقوله للحظة، ثم أمسكت بيدها وقالت:
إليزا:
《مهما كان، أنا هنا. لا تدعي أي رجل... مهما بدا قويًا... سيبتلعكِ في صمته.》
كان الجو في غرفة الجلوس قد ازداد دفئًا، ليس فقط بسبب أشعة الشمس، بل من الكلمات التي بدأت تتسلل من بين شفاه إليزا، لقد دام حديثهما لأكثر من 3 ساعات .
إليزا (بضحكة مصطنعة):
《 أوه، بالمناسبة... ماتيو كان يتساءل كيف توافقتِ بسرعة مع شخص مثل رافاييل. أعني، من المعروف أنه لا يحب الحفلات... ولا النساء.》
شهقت ليونا بصمت، ونظرت إلى زوج صديقتها الذي أطرق رأسه بإحراج.
ماتيو (متداركًا):
《 لم أقصد الإساءة... فقط أنه نادر الظهور. لا نراه حتى في المؤتمرات الكبرى... وفي حفلكما، بالكاد تحدث إلى أحد.》
ليونا (تخفض عينيها):
《نحن ما زلنا... نتعرف على بعض.》
رنّ صوت خفيف لمفتاحٍ في الباب. نظرت الخادمة بارتباك.
الخادمة:
《 سيدتي... السيد رافاييل قد عاد.》
تجمد الجميع.
وقفت ليونا تلقائيًا وهي تضع الفنجان على الطاولة، بينما تبادل ماتيو وإليزا نظرات قلقة.
فتح الباب الرئيسي، ودخل رافاييل.
كان يرتدي قميصًا أسود مفتوح الزر الأعلى، مع معطف رمادي داكن.
عيناه كالعادة، هادئتان... لكن ببرودة قاتلة.
مسح الغرفة بنظرة واحدة.
رافاييل (بصوت منخفض وجاف):
《 يبدو أن لديّ ضيوفًا.》
إليزا (تبتسم بتوتر):
《 رافاييل... لم نكن نريد الإزعاج. فقط زيارة سريعة لصديقتي المقربة.》
رافاييل (بهدوء مريب):
《 الزيارات السريعة لا تدوم لأكثر من ساعة... أنتما هنا منذ ثلاث ساعات ! .》
بلع ماتيو ريقه، ثم وقف سريعًا:
ماتيو:
《 كنا سنغادر فعلًا... فقط أحببنا أن نطمئن عليها.》
اقترب رافاييل خطوة، ثم وقف أمامه مباشرة.
رافاييل (بصوت أخفض):
《 اطمئنوا عليها من بعيد في المرة القادمة. هذا المنزل... ليس مفتوحًا للفضوليين.》
تحركت ليونا بخفة، تقف بجانب زوجها.
ليونا (بهمس):
《 رافاييل... إنهم أصدقائي.》
لم ينظر إليها، فقط قال:
رافاييل:
《 أصدقاءكِ؟ من يتحدثون عني في الخفاء؟ 》
سحب نظراته عن ماتيو وإليزا، ثم أشار نحو الباب:
رافاييل:
《 الخادمة ستوصلكم.》
صمت ثقيل. نهضت إليزا بتثاقل، وضمت ليونا بسرعة:
إليزا (بهمس في أذنها):
《 كوني حذرة... هناك رجال يُبتلعون في الظلام، وهناك رجال يصنعونه.》
غادرا. بقي رافاييل واقفًا، لا يتحرك.
ليونا (بغصة):
《 كانوا فقط يزورونني. لا داعي لهذا التصرف...》
رافاييل (أخيرًا ينظر إليها):
《 إذا كنتِ لا تعرفين من أنا، فأقل ما يمكنكِ فعله... أن لا تسمحي لغيركِ بالتحقيق عني في منزلي.》
ثم مرّ بجانبها دون أن يلمسها، صاعدًا الدرج، تاركًا رائحة دخان باهتة في الهواء... وسؤالاً أكبر في قلبها:
《من يكون حقًا هذا الرجل الذي تزوجته؟》
نهضت فجأة، حافية القدمين، وصوت أساورها يرنّ في السكون وهي تهرول خلفه عبر الممرات الواسعة المظلمة.
ليونا (بصوت مبحوح، وهي تسرع نحوه):
《 رافاييل! توقف! 》
لكنّه لم يلتفت، فقط واصل طريقه نحو السلم المؤدي إلى الطابق العلوي.
تسارعت خطواتها حتى أمسكته من ذراعه، أجبرته على الوقوف.
استدار نحوها بوجه متجمد، لكنّ نظراته تحمل اضطرابًا داخليًا يخفيه بعناء.
ليونا (بصوت مختنق، بدموع تتجمع في عينيها):
《 لماذا تعاملني هكذا؟ لماذا وكأنني لا أُحسب في هذا البيت؟ 》
صمت، وتردد في الرد، فازدادت دموعها.
ليونا (بصوت مكسور):
《 أنا... لا زلت عروسك، رافاييل... أتذكر ذلك؟ لم يمر يوم على زفافنا! 》
اقتربت منه، والدموع تنهمر بصمت على خديها.
ليونا:
《 لم أطلب حبك، ولا اهتمامك، فقط... بعض الإنسانية. أن تساعدني على خلع ذلك الفستان حتى! أن تسألني إن كنتُ بخير، أو حتى تنظر إليّ وكأنني لست قطعة أثاث! 》
كلماتها اخترقت شيئًا داخله، لكنه تنفس بعمق ومال بوجهه جانبًا كأنه يهرب من المواجهة.
رافاييل (بجفاء):
《 هذه الحياة، ليونا. انا لم أطلب هذا الزواج، ولا أنتِ طلبتِه. كلانا عالق... والهرب ليس خيارًا.》
ليونا (صرخت وهي تضرب صدره بضعف):
《 لكنني لا أريد أن أعيش عالقة بين الجدران والبرود! إن كنتَ لن تنظر إليّ كزوجة... فلا تعاملني كعدوة! 》
نظراته تهتز لوهلة، يلتقط همس لنفسه :
《 لو علمت ما وراء هذا البرود لتمنيتي لو تصيرين عدوة 》
سحب ذراعه بلطف، وأدار ظهره مرة أخرى... لكن خطواته كانت أبطأ.
وقفت هي في مكانها، تغالب دموعها، وصوتها يناديه للمرة الأخيرة:
ليونا:
《 رافاييل... أنا لست صفقة. ولن أكون مجرد ظل في حياتك.》
لكنه لم يرد، واختفى خلف الظلال، تاركًا خلفه قلبها ينهار بهدوء في ظلمة القصر.
- غرفة النوم - الساعة 3:28 فجرًا ..
تنتفض ليونا من النوم، شهقة حادة تملأ الغرفة، تتلفّت حولها بذعر... ثم تلتفت نحو اليمين.
رافاييل مستلقٍ على طرف السرير، على ظهره، عيناه مغمضتان، أنفاسه ثابتة.
كأن لا شيء في العالم قد هزّه.
تضع يدها على صدرها، تحاول تهدئة نبضات قلبها المجنونة... لكن كل ما رأته لا يزال يطاردها.
ببطء، تتحرك على السرير... تتردد، ثم تهمس بصوت مرتجف:
ليونا:
《 رافاييل...؟》
لا رد.
تنحني نحوه قليلًا، أقرب، لعلّه يسمعها... رغم أنها تعلم، لم يكن نائمًا بالكامل. لم يكن هكذا منذ الليلة الأولى.
ليونا (بهمس أكثر رجاءً):
《 أنا... حلمت بشيء سيء... أرجوك... قل لي إنك تسمعني.》
يظل صامتًا، كأن النوم درع تحصّن به من صوتها.
عيناها تمتلئان بالدموع.
ليونا:
《 أعلم أنك لا تريدني هنا... لكني لا أزال زوجتك... أنا لم أطلب هذا الزواج أيضًا... لكني خائفة.》
تقفز الدموع من عينيها، تنحدر على وجنتيها وهي تضغط على صدرها بأصابعها المرتجفة.
ليونا (بصوت مكسور):
《 أحتاج فقط... إلى شخص لا يعاملني كأني عبء. حتى لو للحظة واحدة.》
يصمت.
وهي تنظر إليه للحظات، قبل أن تنهار جالسة على الأرض، أمام سريره، ظهرها لوجهه، وكتفاها يهتزان.
تدفن وجهها بين ركبتيها... تنفجر بالبكاء الصامت، وحدها، رغم قربه.
لكن رافاييل... لم يكن نائمًا.
عينه اليسرى، في الظل... انفتحت ببطء.
حدق فيها دون صوت... ثم أغلقها من جديد، كأن الصراع في داخله أشد مما يظهر.
ربما لم يكن مستعدًا لأن يمد يده بعد.
لكن شيئًا في نظرته كان يقول... إنه ليس باردًا كما يدّعي.
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
° بعد اسبوعين°
استيقظت ليونا متأخرة، شعرها منكوش كأميرة خرجت من حرب أحلام. تمطّت بتثاقل، ثم رمقت الوسادة المجاورة بحدّة، كأنها خصم لُدود.
ليونا (تغمغم):
《أجل... كالعادة، تبخّر قبل أن أفتح عيني...》
هبطت إلى الأسفل بثوب النوم الوردي المزيّن بأرانب كرتونية - كان ذلك أكثر ما يُغضب رافاييل، لذا ترتديه بانتقام أنثوي ناعم كل صباح.
وصلت إلى المطبخ... ورأت طاولة الإفطار مرتبة بدقة مبالغ فيها، عشر زهور بيضاء، ثلاث طبقات من الخبز المحمّص، وعصير برتقال لا يُشرب أصلًا!
ليونا (بتهكّم):
《 همم، صباح الخير أيها الفطور الملكي... يا ليت صانعه يَظهر مرّة بدل أن يترك لي رسالة! 》
كان "ماركو" يمرّ في الخلفية، يحمل صندوقاً كبيراً.
ليونا :
《 ماركو؟ ما هذا؟ 》
ماركو (بهدوء مريب):
《 صندوق فيه قمصان السيد... وصندوق فيه... شاي أخضر خاص بالهدوء العصبي.》
ليونا :
《 الهدوء العصبي؟ هل هو لي أم له؟》
ماركو ابتسم ولم يُجب... اختفى بسرعة وكأنه تدرب مع النينجا!
سارت ليونا نحو الحديقة... وهناك، كانت قطة ضخمة رمادية تجلس فوق كرسي رافاييل الجلدي المخصص له.
ليونا (تضع يديها على خصرها):
《 حتى القطة تحجز مكانه أكثر مما أفعل!》
مدّت يدها نحو القطة، لكنها هربت ببطء... وكأنها تقول:
"رافاييل ملكي أيضاً!"
**
في الجهة الأخرى من المدينة، كان رافاييل يجتمع بمجلس الشركة، بكامل الجدية والهدوء.
رافاييل : 《 نحتاج إلى إعادة هيكلة في فرع برلين... واحرصوا على توصيل العقود دون تأخير.》
رن هاتفه... نظرة سريعة، "ليونا".
لم يجب.
ثم جاءته رسالة:
ليونا:
《 أين أنت؟ هل ستقضي حياتك كلها تختفي قبل أن أستيقظ؟》
ثوانٍ من التردد... ثم أعاد الهاتف إلى جيبه دون رد، بينما كان نائبه يراقبه بصمت.
رافاييل (بجفاف):
《هل أكّدت الإدارة في سنغافورة موافقتها؟》
مارتين:
《"نعم، سيدي، فور توقيعك، ستنطلق الدفعة الأولى.》
رافاييل:
《جيد... أما بخصوص التسريب الأخير، فأرسل فريق المراقبة إلى الحدود الشرقية، لا تترك أثراً.》
ثم أشار بيده لينصرف مارتين ، وحذا حذوه المجلس اكمل ، بينما أخرج هو هاتفه بهدوء... نظر لرسالة ليونا مجددًا، لم يكتب ردًا.
مرّر إصبعه على الشاشة، تنهد، ثم أعاد الهاتف إلى الطاولة، لكنّ عينيه ظلّتا متشبثتين باسمهما الذي وُسِم معًا بقلوب صغيرة - ليونا.
في ذات اللحظة، كانت ليونا قد لجأت إلى غرفتها، بعد فطور بارد ووحدة أشد برودة.
جلست على طرف السرير، تضغط على زر الاتصال:
ليونا :
《ألو؟ ماما؟》
أمها (بصوت ناعم):
《ليونا... صغيرتي، ما بكِ؟》
ليونا (تتنهّد):
《لقد مرّ أسبوعان على زفافنا، ولا أشعر أنني متزوجة أصلًا! يخرج باكرًا... لا يتكلم... لا ينظر نحوي حتى. وكأنني قطعة أثاث جديدة في بيته.》
《 حبيبتي، الأمر ليس سهلاً... أنتِ لستِ في زواج حب، بل في رباط تحالف بين عائلتين. هذه البداية فقط، اصبري... هو رجل مشغول، والرجال الأقوياء يبدؤون قساة، ثم...》
وفجأة، قُطع صوت الأم، وحلّ بدله صوت آخر عميق، بارد، مألوف...
رافاييل :
《...ثم ماذا يا سيدة هيلينا؟ هل ستخبرينها أنني سأذوب عشقًا بها في الأسبوع الثالث من الزواج؟》
سكتت ليونا، جحظت عيناها، تجمدت الكلمات في حلقها.
ليونا (بصوت خافت):
《 ر...رافاييل؟!》
رافاييل (بهدوء):
《 لقد نسيتِ على ما يبدو أنني أستخدم نفس الحساب العائلي، والمكالمة مشتركة.》
أمها (مرتبكة):
《أوه... آه، لم أكن أقصد... نحن فقط قلقون على ليونا.》
رافاييل (ببرود):
《اطمئنوا، زوجتي بأمان. وإذا احتاجت شيئًا، يمكنها أن تطلبه مباشرة، لا عبر وسطاء.》
ثم... أُغلق الخط.
ليونا كانت لا تزال تمسك الهاتف، تحدق فيه وكأن شبحًا خرج منه.
ليونا (بصوت منخفض):
《 يا إلهي... لقد كان يسمع كل شيء؟!》
ألقت نفسها على الوسادة، تدثرت بها، وأطلقت صرخة صغيرة مكتومة... لم تكن تعرف إن كانت من الإحراج، أو الغضب، أو التوتر...
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
عندما فُتحت بوابة القصر الحديدية ببطء، تسللت أنوار السيارة السوداء إلى المدخل المبلل ، كانت ليلة ماطرة .
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة، والبيت ساكن إلا من ضوء خافت عند مدخل السلالم.
خرج رافاييل من السيارة دون أن يتكلم مع الحارس، ألقى نظرة خاطفة على السماء، زفر زفرة قصيرة، ودخل بهدوء كما اعتاد.
خطواته على الرخام أحدثت صدى واضحًا في المكان الصامت.
خلع سترته وألقاها على الأريكة، ثم توجه مباشرة إلى المطبخ.
فتح الثلاجة، أخذ زجاجة ماء و شرب نصفها واقفًا، ثم توجه نحو السلم الداخلي المؤدي للطابق العلوي.
في تلك اللحظة، كانت ليونا تقف خلف باب غرفتها، قد سمعت صوت المحرك، ثم خطواته، ثم فتح باب الثلاجة... وكأنها تحفظ تحركاته عن ظهر قلب.
لكنها لم تجرؤ على الخروج.
شعرت بغصة في حلقها.
تذكّرت ما قاله قبل أن يغلق الخط ، لم تكن تعلم إن كان غاضبًا، أو ساخرًا، أو ببساطة... لا يهتم.
لكن، ما إن سمعته يصعد، حتى أسرعت عائدة إلى سريرها، تظاهرت بالنوم، غطت جسدها جيدًا، وأغلقت عينيها بشدة.
دخل الغرفة بعد لحظات، لم يشعل النور ، بل خلع ساعته و وضعها على المنضدة، ثم جلس على طرف السرير .. لم يتحدث.
فتحت عينيها بخفة من تحت الغطاء، وجدته مستندًا إلى ظهر السرير، مغمض العينين، ورائحة عطره الباردة قد ملأت المكان.
مرت دقائق طويلة... ثم فجأة، تحرك.
رافاييل (بصوت منخفض):
《 أنتِ مستيقظة، أليس كذلك؟》
تجمدت في مكانها.
ليونا (بهمس):
《و... وإن كنت كذلك؟》
رافاييل:
《 أعتقد أن الحديث بينك وبين والدتك كان ممتعًا.》
هنا جلست فجأة، التفتت إليه، ونظرت له بعينين تلمعان في الظلام.
ليونا (منفعلة):
《 كنت تتنصّت؟!》
رافاييل (بهدوء):
《 بل كنت مستمعًا غير مقصود. هاتف المنزل مشترك، كما تعلمين.》
ليونا (بحنق):
《وهل هذا مبرر لأن تُحرجني أمام أمي؟! 》
لم يجبها.
بقي صامتًا.
ثم نهض ببطء من السرير، واتجه نحو النافذة، فتحها قليلًا، وراح ينظر إلى الحديقة.
رافاييل:
《 كل شيء في هذا الزواج مؤقت... وأنا لا أمارس التمثيل يا ليونا. لن أعدك بشيء، ولا أريدك أن تنتظري شيئًا.》
ليونا (بصوت يرتجف):
《 لكنني لا زلت عروسك... حتى لو لم يكن الزواج عن حب، ما زلت امرأة... مشاعري ليست اتفاقية ورقية.》
اقتربت منه، وقفت خلفه، ثم قالت بصوت مخنوق:
ليونا:
《 أحتاج فقط أن أشعر أنني مرئية في هذا المكان... لا شيء أكثر.》
استدار نحوها فجأة، قرب وجهه منها، حتى كادت أن تتراجع.
رافاييل (بهمس قاسٍ):
《 رأيتُ الكثير من الوجوه الجميلة، لكن أغلبها كان يخفي نوايا، وخناجر. فلا تطلبي مني أن أثق... بين ليلة وضحاها.》
كانت كلمات باردة... لكنها خرجت من فمٍ ارتعشت شفتاه للحظة، وكأن صقيع قلبه بدأ يتشقق.
ثم، دون مقدمات... مدّ يده وأعاد خصلة من شعرها خلف أذنها.
رافاييل (بصوت منخفض):
《 لكنني... لم أكرهك.》
تراجعت خطواتها، لم تفهم إن كان ذلك مجاملة أم تهديدًا مغلفًا. فقط قلبها كان يخفق بقوة غريبة.
قالت له بصوت هامس:
《 وأنا... لم أطلب أن تحبني. فقط... لا تتجاهلني.》
استيقظت ليونا باكرًا، قبل الجميع.
تململت قليلًا في فراشها، شعرت بالضيق يخنق أنفاسها دون سبب واضح، وكأن الغيوم الثقيلة خارج نافذتها قد تسللت إلى صدرها. كانت الليلة الماضية هادئة... أكثر مما ينبغي، وهذا الهدوء هو ما يُقلقها.
ارتدت معطفًا خفيفًا، غطّت به جسدها دون أن تغيّر ملابسها بالكامل. لم يكن في نيتها أن تبتعد كثيرًا... فقط قليل من الهواء، قليل من المطر، وقليل من المساحة لتتنفّس.
تسللت بهدوء إلى الخارج، خطواتها على الأرض الرخامية لم تُصدر أي صوت. مرّت قرب مكتب رافاييل... الباب مغلق. تنفّست براحة وهمست:
《الحمد لله... نائم.》
فتحت الباب الأمامي ببطء، كانت قطرات المطر قد بدأت تهطل، ناعمة أولًا، ثم ازدادت كثافة شيئًا فشيئًا. ورغم برودتها، شعرت بها منعشة... مطهّرة.
سارت على الطريق الحجري المؤدي إلى الحديقة الخلفية، الهواء نقي، عطر الأرض المبلّلة غمرها، فيما تبللت خصلات شعرها تدريجيًا، وبدأت حواف المعطف تمتص الماء.
جلست على المقعد الخشبي قرب الأشجار، وضعت يديها على ركبتيها وانحنت قليلًا، وعيناها تراقبان الأرض.
كانت تبكي بصمت.
لا أحد يُطاردها هنا بأسئلة، لا أحد ينتظر منها ردودًا مهذبة أو شجاعة مزيفة.
الدموع امتزجت بالمطر، فبدت متخفية تمامًا، كأن السماء تبكي بدلًا عنها.
تذكرت والدها، تذكرت حياتها قبل الزواج، أيامها في منزلها، ضحكات صديقتها، أشياء صغيرة كانت تبدو عادية... لكنها الآن، تساوي كنوز العالم.
مسحت وجهها بكمّ المعطف ووقفت، تنفّست بعمق ثم قالت:
《يكفي. لن أهرب من حياتي الجديدة...》
لكن الحمى كانت أسرع من عزيمتها. شعرت بقشعريرة، وسعلت بخفة وهي تغادر الحديقة وتعود إلى المنزل.
عند الباب، كادت تصرخ حين رأته.
واقفًا هناك، يداه في جيبيه، شعره مبعثر كما لو كان قد نهض قبل دقائق، وعيناه الداكنتان تراقبها دون تعبير.
لم يقل كلمة.
توقفت مكانها، تنهدت وهي تحاول الحفاظ على رباطة جأشها:
《أنا فقط خرجت قليلاً... احتجت لبعض الهواء.》
ظلّ صامتًا.
فابتسمت، ورفعت حاجبيها بتحدٍ:
《هل ستصرخ عليّ الآن؟》
اقترب منها خطوة. نظر إلى قطرات الماء تتساقط من أطراف شعرها، ثم إلى يدها التي تحكّ ذراعها بشدة. مدّ يده فجأة، وأمسك برسغها.
قال بصوت منخفض لكنه حاد:
《يدك باردة... وأنتِ ترتجفين.》
حاولت سحب يدها، فشدّها أكثر:
《ما الذي كنتِ تفكرين فيه بحق الجحيم لتخرجي بهذا الطقس؟》
همست:
《كنت أحتاج فقط... أن أبتعد للحظة.》
ظل ينظر إليها، ثم أطلق سراح يدها فجأة، وقال:
《اذهبي إلى الداخل. سأطلب إعداد مشروب ساخن.》
استدارت، لكنها لم تمشِ، فقط التفتت قليلاً وهمست:
《رافاييل... لماذا كنت عند الباب؟》
نظر بعيدًا وقال ببرود:
《لم أكن نائمًا. سمعت الباب... وظننت أن أحدًا يحاول التسلل. فقط.》
ابتسمت بسخرية مريرة:
《آه... إذًا كنت تحرس المنزل؟》
أجاب دون أن ينظر إليها:
《كنت... أحرسك.》
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
استفاقت ليونا وهي تشعر بثقل غريب على جسدها.
أغمضت عينيها ثانية، ثم فتحتهما ببطء، الشمس بالكاد تسللت من الستائر، لكنها لم تمنح الغرفة الدفء المعتاد... كل شيء بدا باهتًا.
مدّت يدها ببطء إلى جبينها، كان دافئًا جدًا... بل مشتعلًا.
سعلت بصوت خافت وهي تحاول النهوض، لكن رأسها دار فورًا، وشعرت بأرض الغرفة تميل تحتها.
《آه... يبدو أنني أصبت بالزكام.》
همست بصوت شبه مبحوح وهي تجلس على طرف السرير، تحاول التركيز في خطواتها التالية.
دقّ أحدهم الباب بلطف.
《هل أنتِ مستيقظة؟》
صوته.
أجابت وهي تكتم ألمها:
《نعم، أنا بخير.》
لكنه لم ينتظر إذنها، فتح الباب ودخل.
كان يحمل كوبًا من الماء ومنديلًا صغيرًا، وعلى وجهه تعبير لا يمكن تصنيفه، خليط بين القلق والتوبيخ المكبوت.
اقترب منها دون أن ينطق، حدّق في وجهها لثوانٍ، ثم قال:
《وجهك شاحب... أنفك محمر، وصوتك... مثل قطة مريضة.》
رفعت حاجبيها بتعب، ثم ابتسمت بسخرية:
《لطيف. لم أسمع وصفًا أجمل من هذا صباحًا.》
وضع الكوب أمامها وقال بهدوء:
《اشربي، لقد طلبت من الخادمة تحضير حساء ساخن.》
همست بصوت منخفض وهي تتجنّب النظر إليه:
《أنا بخير... لا داعي لكل هذا.》
ردّ بصوت جاف:
《لو كنتِ بخير، لما خرجتِ تحت المطر ليلاً كمن فقدت عقلها.》
ابتلعت كلماتها، لم تستطع الرد.
هو محق.
مدّ يده فجأة نحو جبينها، لمسها براحة كفه، ثم قال وهو يقطب حاجبيه:
《أنتِ محمومة.》
ارتبكت... لم تتوقع لمسته، ولم تتوقع ذلك الصوت المائل للحنان وهو يتحدث. شعرت بشيء يتقلّب في صدرها، شيء لم تعرف له اسمًا.
قالت بعد لحظة:
《هل... كنتَ قلقًا؟》
نظر إليها مطولاً، ثم تنحنح وهو يبتعد:
《 لا أريد فقط أن تموتي وتُحمّليني الذنب.》
ضحكت بخفّة رغم الألم، ثم همست:
《شكرًا... أيًا يكن السبب.》
خرج من الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
لكن قبل أن يبتعد، توقفت قدماه لثوانٍ عند العتبة، وقال دون أن يلتفت:
《ليونا... في المرات القادمة، فقط اخبريني حين تشعرين بالسوء. لا تختفي.》
《 انظروا من يتحدث ..》
لم يعلق .. لكنه مضى.
ظل اليوم يمرّ ثقيلاً داخل المنزل.
ليونا ممدّدة في فراشها، أنفاسها هادئة، قد خفتت الحمى قليلاً بفضل العناية، لكن ملامحها ظلت شاحبة، وعيناها نصف مغمضتين.
أما هو، فقد كان يجلس في غرفة المعيشة شبه تائه، يقلب هاتفه بين يديه دون هدف، يقرأ سطورًا في ملف عمل ويعيد قراءتها دون أن يفهم شيئًا.
حتى سكون البيت انكسر، حين دوى جرس الباب في المساء.
فتح الباب، فإذا بسيدة في الخمسين من عمرها تقف، بثياب أنيقة ونظرة قلقة، وعينين تشعّان بذكاء وخبرة الحياة.
انها امها ..
《أهلاً... مدام هيلينا .》
قالها متوترًا وهو يفسح لها الطريق للدخول.
ردّت بجفاف:
《أين هي؟》
أشار برأسه للطابق العلوي:
《في غرفتها... ترتاح. الحمى بدأت تهبط.》
تقدّمت خطوة، ثم التفتت إليه بحدة:
《ولماذا أصابتها الحمى أساسًا؟》
سكت.
كانت نظرته منخفضة، لكنه لم يجد الكلمات، فقط وقف كمن ينتظر صفعة مستحقة.
جلست الأم في الصالة بصمت. مرت دقائق، ثم قالت:
《هل تدري كم هو مؤلم أن أسمع من الخادمة أن ابنتي خرجت ليلاً وحدها تحت المطر؟ من دون أن تلاحظ؟ من دون أن تسألها لماذا خرجتي ؟》
أجاب بصوت خفيض:
《كنت نائمًا...》
قاطعته بنبرة حاسمة:
《وأين كنت حين عادت مبتلة؟ 》
تنهّد ببطء، وقال:
《صدقيني... أنا-》
《لم تكن تعلم؟! أنت زوجها، تعيش معها في نفس المنزل!》
أخفض رأسه أكثر. الصمت أثقل من الردود.
ثم رفعت صوتها قليلاً وهي تتابع:
《ليونا لم تكن بخير، لا من الداخل ولا من الخارج... ومع ذلك، كانت تبتسم... أمامي، أمامك، أمام العالم.》
ثم نظرت إليه مباشرة، نظرة أم تعرف ما تقول:
《لكن تلك الابتسامة، لم تكن لك.》
كأن سهماً اخترق صدره.
لم يجب.
أراد أن ينطق، أن يبرر، لكنه فقط... سكت.
لحظة طويلة مرّت.
ثم، وببطء، خرجت من حقيبتها وشاحًا صغيرًا، كانت ليونا ترتديه صباحًا، مبللًا.
وضعته على الطاولة أمامه وقالت:
《إن كنت تجهل وجعها... فأنا لا أجهل. لكنك إن قررت أن تفتح عينيك حقًا، فابدأ من هذا.》
اقتربت منه بخطوات بطيئة:
《لو كنت قريبًا منها، لعرفت... ابنتي لا تعرف كيف تطلب الاهتمام. لكنها تستحقه، رافاييل.》
قامت بهدوء، ثم همست قبل أن تغادر:
《اعتنِ بها... ليس لأنك مضطر. بل لأنها اختارت أن تكون زوجتك.》
غادرت، تاركةً صمتًا طويلًا خلفها.
لم يتحرّك.
لم ينبس بكلمة.
تابعت الأم بهدوء، وقد انكسرت نبرتها قليلاً:
《تظنها قوية؟ ربما. لكنها تبكي بصمت... وتحمل الكثير دون أن تتكلم.》
فتح الباب ودخل الغرفة على أطراف أصابعه، فوجد ليونا مستلقية، خديها محمران وشفتيها ترتجفان بضعف.
اقترب منها، وجلس على طرف السرير، ليلمس جبينها برفق... رفّت عيناها، فتحت عينيها بصعوبة، ولما رأته، همست:
《أهلاً... عدتَ؟》
ابتسم بخفة، وقال بصوت منخفض:
《كان يجب أن أكون هنا... آسف، ليونا.》
ضحكت بخفوت، رغم السعال الذي قطع ضحكتها:
《على الأقل... عدت قبل أن تطردك أمي من القصر.》
ثم أغمضت عينيها من جديد، وعلى شفتيها الصغيرة ارتسمت ابتسامة هادئة.
انتهى البارت !!!
كيف الرواية ؟
مليحة ؟
انا عاجبتني صراحة .
اول مرة اكتب على المافيا !
شاركوني الرأي في التعليقات ..
وشكرا على القراءة ♡
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!