عروس الزعيم
عروس الزعيم
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

|| عروس الزعيم || bart : 01 《 زفاف 》

💎 مهمتكم يا جواهري:
✧ 40 قراءة
✧ 20 تصويت
✧ 10 تعليقات
بعدها ينزل البارت القادم مباشرةً 💎
تألقت القاعة بأضواء ناعمة تتراقص على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة، فيما كان الحضور يتبادلون التهاني والمجاملات المزيفة...
الجميع يبتسم، يصفق و يهمس بكلمات الثناء على " التحالف الذهبي" الذي وُلد هذا المساء .
تحالف بين شركتين لطالما تنافستا بشراسة، انتهى بزواج لا يحمل سوى الطمع على كتفيه ، وسط القاعة المبهرة ، وقفت ليونا بثوب زفاف أبيض كالعاج ، يفترض أن يكون حلم كل فتاة، لكن عينيها كانتا مجوفتين من الفرح .
لم تكن الأميرة السعيدة التي تتوق لعناق زوجها، بل مجرد دمية تُقدَّم على مذبح الصفقات ، بثمن أغلى من روحها.
نظرت نحو العريس...
كان رافاييل دومينيك، نائب رئيس شركة "دومينك العالمية" يقف بجوارها بكامل أناقته ، ببدلته السوداء المصممة خصيصًا لهذا المساء، ووجهه الخالي تماما من الانفعال.
لم يتكلم لم يبتسم ، لم ينظر نحوها حتى ، كان حضوره ميكانيكيا كأن زفافه مجرد اجتماع عمل آخر أُجبر على حضوره.
أُعلنت نهاية الحفل بتصفيق صاخب ، وما إن غادر الحضور القاعة حتى انقلب كل شيء إلى صمت ثقيل ، خرجت ليونا برفقة رافاييل، وعلى باب القصر كانت عشر سيارات سوداء فاخرة مصطفّة بترتيب دقيق ، تقف كالحراس في استعراض واضح للقوة.
فتح أحد الحراس الباب الخلفي للسيارة الرئيسية، دون أن ينبس بكلمة ركبت ليونا أولًا، وجلست قرب النافذة، عيناها تلاحقان الحشود التي تلاشت واحدة تلو الأخرى، وكأنها تُودّع ما تبقى من حياتها القديمة.
ثم دخل رافاييل بهدوء قاتل، جلس إلى جانبها دون أن يلتفت نحوها.
أغلق الباب وانطلقت السيارة، تتبعها تسعٌ أخرى، كقافلة تحرس كنزًا لا يعلم أحد أنه قلب مكسور.
داخل السيارة، عمّ صمت بارد، لم يكسره سوى صوت المحرك.
ليونا نظرت إلى يديها، كانت ترتجف رغم كل شيء.
قالت في سرّها《 لقد أصبحت زوجته... لكنه لا يراني.》
أما رافاييل، فكان ينظر للأمام بعينين جامدتين.
لم يكن لديه نية لتقديم دور روميو في قصة لم يكتبها قلبه.
إنه يعرف تمامًا لماذا قبل بهذا الزواج.
لمصلحة شركته.
لحسابات لا علاقة لها بالعاطفة.
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
وصل الموكب أخيرًا إلى قصر ضخم أشبه بقلعة، جدرانه العالية توحي بالفخامة والغموض معًا.
نزلت ليونا بصمت، تتبع خطوات رافاييل وهو يدخل دون أن ينتظرها.
الخدم انحنوا بصمت.
أحدهم اقترب ليساعدها في حمل ذيل فستانها، لكنها رفعت يدها رافضة.
رافاييل صعد الدرجات الرخامية دون أن ينظر للخلف.
ليونا تبعته، تمشي في ثوب ثقيل وقلب أثقل، وهي تحاول فهم ما ينتظرها خلف تلك الأبواب.
دخل الى غرفتهما ...
توقف عند الباب، ثم التفت أخيرًا إليها... لا بعاطفة، بل كأنه ينهي واجبًا ثقيلًا.
رافاييل:
《 الغرفة لكِ. لا أحتاج إلى ضوضاء الليلة. 》
ليونا (بصوت منخفض):
《 أتعني... أنك لن تبقى؟ 》
رافاييل:
《 أعني أنني لا أملك طاقة لمزيد من التمثيل .》
تقدم نحو سريره، رمى ساعته الذهبية على المنضدة، ثم خلع سترته ورماها بإهمال.
دخل إلى الحمام، وخرج بعد دقائق...
استلقى على الجانب الآخر من السرير، دون أن يتفوه بكلمة.
لم ينظر نحوها، لم يساعدها، لم يلمس حتى فستان زفافها الثقيل.
ظلت ليونا واقفة في منتصف الغرفة،
ثوبها يعيق تنفسها، شعرها مشدود، وجهها متعب، وعيناها مشوشة.
ليونا (بصوت خافت، وكأنها تحدث نفسها):
《 هل هذا ما يسمى بالزفاف؟ 》
ظلت هكذا لعدة دقائق، قبل أن تنزع التاج من رأسها وتضعه جانبًا.
فكت زرًا، ثم آخر، قبل أن تنهار جالسة على الأريكة، تغلبها دموع خرساء لا يراها أحد.
مرّ الليل ببطء. لكن استيقظت ليونا على صوت خافت...
فتحت عينيها لتراه يقف قرب الخزانة، يبدّل ملابسه.
كان يرتدي قميصًا أسود، وسترة داكنة، يرث على نفسه عطرا كان قد إيقظها في الدرجة الثانية
ليونا (بدهشة وخوف):
《 رافاييل؟ إلى أين تذهب؟ 》
لم يجب.
ليونا:
《 الساعة الثالثة فجرًا... هل هناك شيء؟ 》
نظر إلى المرآة، يسوّي ياقة سترته.
رافاييل (ببرود):
《لا تسألي أسئلة لا تملكين قدرة على تحمّل أجوبتها ..》
ليونا (بهمس مرتبك):
《 هل أنت... بخير؟ 》
ألقى نظرة أخيرة على وجهها المنعكس في المرآة، ثم قال:
رافاييل:
《 عودي للنوم، لن أتأخر. 》
وخرج بخطوات حذرة في صمت ثقيل، بينما بقيت هي تنظر إلى الباب المغلق، وجسدها يرتجف من احتمال أنها تزوجت رجلًا لا تعرفه أبدًا... لا تدري من هو، ولا إلى أين يذهب، ولا ما يخفيه.
ما لم تعلمه...
هو أن تلك الليلة كانت موعدًا سريًا لتجمّع مافيوي كبير...
وأن الرجل البارد الذي نام بجوارها،
لم يكن مجرد نائب رئيس شركة،
بل القائد الأعلى لعالم لا يُذكر إلا همسًا... مملكة المافيا.
في نفقٍ مظلم أسفل أحد المستودعات المهجورة في ضواحي المدينة، اجتمع رجال من مختلف الجنسيات، يحمل كلٌّ منهم وشمًا مختلفًا... لكنه يعني الشيء نفسه: الولاء للمافيا.
الهواء كان مشبعًا برائحة الحديد، والعيون كانت مشدودة نحو نقطة واحدة في المنتصف...
كرسي جلدي داكن، ينتظر صاحبه.
لا أحد يجلس فيه، لا أحد يلمسه، لا أحد يرفع صوته في وجوده.
دقائق مرّت قبل أن يُفتح الباب المعدني الثقيل.
دوت خطواته أولًا... هادئة، لكنها تخترق كل الأعصاب.
دخل رافاييل دومينك، مرتديًا الأسود من رأسه حتى أخمص قدميه، عيناه جامدتان، ووجهه خالٍ من الحياة.
أحدهم (بهمس):
《 الرئيس وصل..!.》
وقف الجميع. لا أحد يجرؤ على النظر مباشرة إلى عينيه.
جلس على الكرسي، ووضع قفازاته ببطء أمامه، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد كحدّ السكين:
رافاييل:
《 ابدأوا. 》
أخرج أحد الرجال ملفات سرية، تحتوي على تقارير عن عمليات سرقة، خيانة، وتسريبات.
بدأ بالكلام، لكن ارتجاف صوته فضحه.
رافاييل (قاطعه بنظرة واحدة):
《 إذا كنت سترتجف، لا تتكلم. 》
ساد صمت مطبق.
ثم ألقى أحدهم اسمًا:
《"كارلو دي سافيانو" - أحد القادة المحليين في فرع أوروبا، مهو يسرق الأموال من عمليات توريد الأسلحة. 》
تغيرت ملامح رافاييل للحظة...
ثم قال بهدوء مرعب:
رافاييل:
《من خان الدم... يُقطع منه.》
رفع إصبعه، وبإشارة واحدة، تقدم اثنان من رجاله إلى الخلف حيث يقف كارلو، و...
صرخة واحدة دوّت، ثم عمّ السكون.
نظر رافاييل إلى الباقين، ثم قال:
رافاييل:
《 هذه المنظمة لا تسامح. لا تنسى. ولا تخطئ.》
أحد القادة الشباب تجرأ على السؤال:
الرجل:
《 وماذا عن زواجك؟ ألا يهدد سرّيتك؟ 》
لم يتكلم رافاييل.
نهض من مكانه، خطا ببطء نحو السائل، ثم توقف أمامه، ومال برأسه قليلًا:
رافاييل (بصوت منخفض وابتسامة باردة):
《 حين يصبح اسمي مهددًا، سيكون اسمه آخر ما ينطق به أي لسان. 》
ثم أدار ظهره، وقال ببرود:
رافاييل:
《ليونا ليست تهديدًا... هي تحت جناحي .》
رفع نظره نحو الجميع:
رافاييل:
《 أنا لا أُحب، لا أرحم، ولا أكرّر أوامري...
من فيكم لا زال يعتقد أن زواجي نقطة ضعف...؟ ليقترب الآن. 》
ولا أحد تحرك.
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم قال:
رافاييل:
《أحسنتم.》
وبعد نهاية الاجتماع، انسحب الجميع واحدًا تلو الآخر، تاركين القائد وحده في العتمة.
وقف رافاييل أمام الجدار المعدني العاري، يحدّق بصمت في لا شيء.
رفيقه الخاص "فيلكس":
《سيّد رافاييل... التقرير عن نشاط العصابة الروسية في المنطقة الغربية؟ 》
رافاييل (دون أن يلتفت):
《أريد أسماءهم، وأرقامهم، وأسماء أحبّائهم...》
فيلكس:
《مفهوم.》
أخرج علبة سجائر سوداء فاخرة، أشعل واحدة ببطء، ونفث دخانًا كمن يحاول طرد ما يشتعل في داخله.
ثم، قطع الصمت صوته المنخفض:
رافاييل:
《هل كانت تبكي؟》
فيلكس رمش باستغراب، لكنه أدرك فورًا من المقصود:
فيلكس (بهدوء):
《ليونا؟ لا أعلم، سيّدي.》
هزّ رافاييل رأسه مرة واحدة، كأنه عنّف نفسه في داخله...
ثم رمى السيجارة قبل أن تكتمل، وسار نحو سيارته السوداء الخاصة، دون أن ينبس بكلمة أخرى.
الساعة 5:02 صباحًا - القصر
دلف من الباب الرئيسي بصمت مطلق، خطواته تكاد لا تُسمع رغم ان الأرضية الرخامية.
كان التعب على وجهه، لكنه تعبٌ لا يشبه تعب البشر... بل هو تعب قاتلٍ يتنفس الجرائم والمسؤولية والموت يوميًا.
وصل إلى الطابق العلوي، وفتح باب جناح غرفته بهدوء.
الغرفة كانت مظلمة، على ضوء خافت من المصباح الجانبي، كانت "ليونا" نائمة... لكنها لم تكن نومة هادئة.
وجهها بدا مضطربًا، ويدها ممسكة ببطانة الفراش بقوة كأنها تخشى شيئًا ما.
توقف عند الباب، وراقبها.
رافاييل (في نفسه):
《لو تعلمين من أنا... لما بقيتِ هنا دقيقة.》
لكن لمعة صغيرة في عينيه ظهرت، شيء لا يشبه القسوة المعتادة...
اقترب منها قليلًا، ثم انحنى وسحب الغطاء برفق ليغطي قدميها العاريتين.
نهض، وبدأ يفك أزرار قميصه أمام المرآة بصمت.
وجهه بدا متعبًا، لكن ليس من العمل... بل من الصراع.
رافاييل (يفكر وهو يحدق في المرآة):
《هذا الزواج... ليس أكثر من ورقة ، مجرد اتفاق... أليس كذلك؟ 》
لكنه لم يجد إجابة.
استلقى بجانبها أخيرًا، على طرف السرير... كأنه لا يجرؤ على الاقتراب أكثر.
لكن في تلك اللحظة، تمتمت هي بصوت ناعس:
ليونا (بنصف وعي):
《 أنت عدت؟ 》
تجمد جسده لثوانٍ...
ثم رد بصوت منخفض:
رافاييل:
《 نعم. 》
ليونا:
《 كنت...خائفة.! 》
لم يجب. فقط نظر إلى السقف... ثم أغمض عينيه.
لكن في داخله، بدأ جدار سميك يتشقق...
جدار لا يعرف كيف يسقط.
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
استفاقت "ليونا" على دفء أشعة الشمس التي انسلت بخجل من الستائر الكتّانية الفاخرة.
لم تكن تدري كم الساعة تمامًا، لكن الغرفة بدت ساكنة، أكثر من اللازم.
تقلّبت على الوسادة، ثم نظرت إلى الجانب الآخر من السرير... كان فارغًا.
لا أثر له. لا رائحة. لا دفء.
تنهدت وهي تجلس ببطء، ترفع شعرها بأصابعها وتجمعه في عقدة غير مرتبة.
ليونا (بهمس مرّ):
《 أهو دائمًا يستيقظ قبل الفجر؟ 》
نهضت وتوجهت إلى خزانة الملابس.
وُضعت لها قطع بسيطة من المجوهرات لكنها أنيقة ...
ارتدت كنزة بيضاء ناعمة وبنطالًا مريحًا، ثم خرجت من الغرفة بحذر.
الممرّ هادئ، والخدم لا يُسمعون سوى كهمسات بعيدة.
عند أسفل الدرج، وقفت للحظة، تتأمل البيت الفخم... لا، القصر.
كل زاوية فيه توحي بالغموض، القوة، والصمت.
توجهت إلى غرفة الطعام، حيث وُضعت وجبة الإفطار مسبقًا.
رغيف خبز طازج، فواكه مقطّعة بعناية، قهوة لا تزال ساخنة، وصمت... الكثير من الصمت.
ثم، دخل هو.
بدلته سوداء، شعره مبلّل بعض الشيء وكأنّه للتو خرج من الحمّام، وربطة عنقه نصف مربوطة.
رافاييل (بهدوء معتاد):
《 استيقظتِ مبكرًا. 》
ليونا (بصوت خافت):
《 لم أجدك بجانبي.》
جلس دون أن يرد. أخذ كوب القهوة، رشفة، ثم نظر نحوها بلا أي تعبير يُقرأ.
رافاييل:
《هل يعتني الخدم بكل ما تحتاجينه؟ 》
ليونا:
《 نعم...》
ثم صمتت، قبل أن ترفع عينيها نحوه وتسأل بتردد:
ليونا:
《رافاييل... هل سنظل هكذا؟ غرباء تحت سقف واحد؟ 》
لم يرد فورًا.
وضع كوبه على الطاولة، ثم نهض بهدوء.
رافاييل (بجفاء بارد):
《لا تتوقّعي ما لا يمكن تقديمه... هذا زواج مصالح، تذكّري.》
مرّ بجانبها دون أن يلتفت، تاركًا خلفه قلبًا لا يعرف إن كان يجب أن يكرهه... أم يفهمه.
في القصر - بعد الفطور -
كانت "ليونا" تمشي في أرجاء المنزل الكبير كمن يتيه في متاهة صامتة.
كل زاوية، كل غرفة، كانت تعجّ بالفخامة، لكنها بلا روح.
الستائر الثقيلة تُخفي أكثر مما تكشف، واللوحات المعلقة تراقبها بنظرات باردة.
مرت من أمام الصالة الواسعة، فرأت اثنين من الخدم ينحنون بخفة عندما وقعت أعينهم عليها.
ليونا (بخجل مرتبك):
《لا... لا داعي لذلك، تصرّفوا بطبيعتكم ! 》
لكنهم لم يردّوا. فقط إنحناء آخر، وصمت ثقيل.
شعرت بالوحدة تتكاثر حولها، كما لو كانت هي الضيفة الوحيدة في بيت رجلٍ لا يريدها.
دخلت غرفة الجلوس، وجلست على الأريكة الجلدية الناعمة.
أمسكت كتابًا على الطاولة، فتحته... لكن الحروف تراقصت أمام عينيها بلا معنى.
إنه لا يهتم... لا يكلّمها... لا يراها حتى.
في الشركة...
كانت ناطحة السحاب التي تملكها "مجموعة " تلمع تحت ضوء الشمس، تقف شامخة في قلب المدينة كما يقف "رافاييل" خلف مكتبه الزجاجي: مستقيمًا، هادئًا، مخيفًا.
كان يراجع ملفات عقود جديدة بيد، ويمسك بهاتف العمل في الأخرى.
رافاييل (بصوت منخفض صارم):
《أريد العقود جاهزة قبل الغد، دون أعذار، هل هذا واضح؟ 》
ثم ضغط زر المكالمة، وأغلق الملف دون تردد.
رنّ الهاتف الداخلي، فأجابته سكرتيرته:
السكرتيرة:
《السيد أنريكو على الخط.》
تنهّد، ثم ضغط الزر.
رافاييل:
《مرحبًا أبي.》
أنريكو (من الطرف الآخر، بنبرة رجولية هادئة):
《كيف تسير الأمور مع عروسك؟》
سكت رافاييل للحظة، ثم ردّ ببرود:
رافاييل:
《تأقلمت مع الوضع... وهي كذلك.》
ضحك "أنريكو" بخفة، لكن في نبرته خبثٌ ما.
أنريكو:
《لا تنسَ ما اتفقنا عليه يا بني. هذا الزواج لمصلحة الشركة، لكن الفتاة من عائلة خطرة... إبقها قريبة، حتى لو كنت لا تطيق النظر إليها.》
شدد رافاييل قبضته على القلم، ثم قال بجمود:
رافاييل:
《أنا لا أطيق أحدًا، لكن الجميع يظن أنني أرعاهم.》
أغلق الخط قبل أن يسمع تعليق والده، ونظر من نافذة مكتبه نحو الأفق.
《 ليونا... لا تعرف شيئًا. ولا يجب أن تعرف.》
الساعة كانت تشير إلى العاشرة مساءً حين توقفت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية العملاقة.
ترجل "رافاييل" من السيارة الرئيسية، ربطة عنقه مفكوكة قليلاً، وعيناه مرهقتان لكن يقظتان كعادته.
فتح أحد الخدم الباب الرئيسي، فانبعث دفء خفيف من رائحة العطور الفاخرة التي عبقت في أرجاء القصر.
كانت "ليونا" تقف على الدرج، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون عاجي، شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها تنتظران منه شيئًا... أي شيء.
ليونا (بهمس مكسور):
《كنت أظن أنك لن تعود الليلة.》
لم يلتفت. فقط خلع سترته ومدّها نحو أحد الخدم دون أن ينطق.
لكن قبل أن يخطو خطوة إلى الداخل، رنّ هاتفه الأسود بتردد خافت.
أخرج الهاتف، ونظر إلى الشاشة... عينيه أصبحتا أكثر حدة فجأة.
رافاييل (بصوت منخفض):
《تكلم.》
الصوت عبر الهاتف، مستعجل وخشن:
《المخزن رقم 4... المشكلة خرجت عن السيطرة. أحد رجالنا سُرّب اسمه للسلطات.》
لحظة صمت.
ثم نظر إلى الخادم وقال بجفاف:
رافاييل:
《جهّزوا السيارة فورًا.》
ليونا (بقلق):
《رافاييل... إلى أين؟ لقد وصلت الآن فقط...》
التفت نحوها أخيرًا. نظرته كانت عميقة... لكنها لم تقل شيئًا.
رافاييل (بصوت بارد):
《لا تنتظريني. واغلقي الأبواب جيدًا.》
اندفع نحو الباب مرة أخرى. وفي ثوانٍ، كانت أصوات محرّكات السيارات تملأ المكان، عشرات الأضواء الحمراء خلف سيارته تشقّ عتمة الليل.
و"ليونا"... وقفت وحدها في الصالة، تنظر إلى الفراغ، وإلى الباب الذي لم يغلق إلا على رحيلٍ جديد.
≪━─━─━─━─◈─━─━─━─━≫
داخل السيارة السوداء المسرعة، كان الضوء الخافت المنبعث من شاشة هاتف "رافاييل" يعكس ملامحه الحادة.
ضغط على زرّ الاتصال السريع، وانتظر لحظة.
:
《رافاييل؟ الساعة تجاوزت العاشرة...》
رافاييل (بصوت هادئ لكنه نافذ):
《وصلني تقرير عن تسريب اسم أحد رجالنا إلى السلطات... لا أريد أن أسمع اسمه في أي تحقيق رسمي. افعل اللازم، فورًا.》
الصوت الآخر (بتردد):
《سيدي... إن كان الاسم وصل للإعلام أو إلى القسم الداخلي، لن يكون الأمر سهلاً.》
رافاييل (بحدة قاتلة):
《قلت لك افعل اللازم. احرق الأوراق، اجعل من سربه يختفي، واسحب كل من له علاقة بالملف... هل فهمتني؟》
الصوت (بخضوع):
《كما تأمر، سيدي.》
أنهى الاتصال دون أن ينتظر ردًا، وأشار بيده إلى سائقه:
رافاييل:
《غيّر الطريق. خذني إلى المخبأ رقم 8 فورًا.》
السيارة غيرت مسارها بانسيابية قاتلة وسط موكب الحماية الخلفي.
رافاييل يعرف تمامًا أن مثل هذه التسريبات لا تحدث من تلقاء نفسها...
شخص ما يتلاعب بالنار.
وبينما كانت الأضواء تتلاشى خارج النوافذ المعتمة، كان عقله يعمل كآلة قتل:
من سرّب؟ من خان؟ ومن سيكون عبرة للآخرين؟
المخبأ الذي اكتُشف فيه المتسرب يقع في منطقة صناعية نائية على أطراف المدينة... هناك، لا وجود للكاميرات، ولا للعدالة.
فقط القانون الذي يصنعه "رافاييل" بنفسه.
صوت الرياح يصفق أبواب الحديد الصدئة، والظلام يتسلل بين الشقوق كوحش خفي.
رافاييل ترجل من سيارته السوداء بخطوات ثابتة. لا حرس، لا سلاح ظاهر... فقط نظرة رجل لا يحتاج حماية.
فتح الباب الثقيل، ليجد "ليون" مقيدًا إلى كرسي معدني، الدم ينزف من زاوية فمه، وعيناه تلمعان بمزيج من التحدي والخوف.
رافاييل :
(بصوت هادئ لكنه جارح)
《أتعلم، ليون... كان يمكنني أن أصفح لو كنت جبانًا فقط... لكنك كنت غبيًا أيضًا.》
ليون (ينفث نفسًا متعبًا):
《أنت لا تفهم... أنت تعيش في برج من جليد. أردت فقط حياة حقيقية.》
رافاييل (يقترب، يركع أمامه):
《أعطيتك كل شيء. الثقة. السلاح. الاسم. لكنك اخترت أن تبيع كل ذلك... من أجل لا شيء.》
ليون:
《من أجل الحرية... من أجلي.》
ضحكة قصيرة خرجت من رافاييل، باردة كالنصل.
ثم وقف، وسحب قفازه ببطء، كمن يستعد لعمل لا رجعة فيه.
رافاييل:
《أنا لا أقتل الخونة يا ليون... أنا أمحوهم.》
صمت.
لحظة ثقيلة.
ثم أشار برأسه نحو رجاله الذين دخلوا المخبأ فجأة، يحملون صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
رافاييل (بهدوء):
《اجعلوه عبرة. لكن اتركوا قلبه ينبض... لبعض الوقت.》
《علم 》
[داخل سيارة فاخرة سوداء، الساعة 2:48 فجراً - الطريق السريع خارج المدينة]
داخل المقصورة المعزولة بالصمت، جلس رافاييل في المقعد الخلفي، ذراعه ممدودة فوق ظهر المقعد، وعيناه تحدقان في ظلمة الطريق المتواصلة أمامه. بجانبه، جلس نائبه ماركو، رجل في أواخر الثلاثينات، بعينين لا تعرف النوم.
رافاييل (بهدوء جليدي):
《ماذا عن صفقة الميناء؟ هل تم تأمين الحاويات؟》
ماركو (ينظر إلى جهاز لوحي في يده):
《نعم سيدي، الرجال جاهزون في موقع الشحنة... لكن هناك همسات عن مراقبة من طرف الجمارك.》
رافاييل (دون أن يلتفت):
《إذا وصلنا إلى مرحلة الهمسات، فهذا يعني أن أحدهم يتحدث أكثر من اللازم.》
ماركو:
《سأتولى فحص الدائرة الداخلية شخصيًا.》
رافاييل:
《لا. دَع فاليريو يتولى الأمر. أنت ستركز على البنك السويسري. سنُحول الحسابات خلال 72 ساعة.》
ماركو (يتردد لحظة):
《... وماذا عن اسم ليون؟ الناس تتحدث، وبعض الأتباع...》
رافاييل قاطعه بنظرة واحدة فقط، جعلت ماركو يتجمد مكانه.
رافاييل:
《إذا قال أحدهم اسم ليون بعد اليوم... فإن لسانه لن ينطق شيئًا آخر مجددًا.》
عاد الصمت.
ثم قال بنبرة أخف قليلًا، بينما ينظر من نافذته:
رافاييل:
《وبالنسبة لها... لا أريد أن تعلم شيئًا. إن اقترب الخطر من المنزل، أبلغني قبل أن تتنفس هي حتى.》
ماركو (بإيماءة حاسمة):
《مفهوم. ليونا تحت حمايتنا الكاملة، حتى لو لم تطلب ذلك.》
ابتسم رافاييل ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى.
رافاييل:
《ليونا...اذن 》
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.