وضع القراءة:

الفصل الأول

الهوس الخفي ~
~في جوفه هاجسٌ لا يهدأ ، و يلوذ هاجسه بالأمس عني
فيَنْجَلِي الستار ليَتَعَرَّى سره الخبيث فِي إِبَّانِ هَذَا الوَقْت
عَقِيبَ جَذْوَةِ الغَيْظِ !
فما رأيت من بشائر الخير إلا شرارة ، أَرْوَعَتْنِي فِي مَسَارِبِي
وَأَسْعَرَتْ في أوصال جَوَانِحِي لَهِيباً فِي آنٍ مَعاً~
_______________________________________________________
أَزِفَ البروفيسور ناكاموتو منيِ بحدةٍ بعثت فِي أَوصَالِي رعشةً فزع جَمَّدَتْ الدِّمَاءَ فِي عُرُوقِي  ، فلا الهدوء بقى ولا السكينة اللذان اعتدتُ عليهما في محاضراته ، بينما تسمرت قبضته على معصمي مشدودةً ، تُوشِكُ أَنْ تَتْرُكَ أَثَراً بَاقِياً ، و ظلاميتاهُ تَلْتَهِبَانِ غضبًا لم أرَ مثله من قبل <<"بروفيسور يوتا...ماذا تفعل توقف هذا مؤلم!">>.
<<"لماذا يجب أن أتوقف وانتي من بدأ أولاً ؟!">> أَرْعَدَ وهو يَرْتَطِمُ بِي بعنف لِـيُلْصِقَ كِيَانِي بِـحَجَرِ الجِدَارِ الرَّاهِبِ البَارِد لمسكن الجامعة ،  تلاحقت نبضات قلبي وأنا أَتَخَبَّطُ فِي إِسَارِهِ دُونَ طَائِل امام قبضته الحديدية ، حدقت عيناه الجامحتان والمرعبتان ، في عينيّ وهو يهمس في أذني <<"هل تحاولين الهرب؟!">>.
أمسك معصمي مجددًا ، وقد أَحَاطَتْ بِي أَنَامِلُهُ كَطَوْقٍ عَاتٍ ، اقْتَادَنِي عَنْوَةً نحو دَهْلِيزٍ غَاسِقٍ مَهْجُورٍ ، فضاقت أنفاسي وتزلزلت أضلعي .
<<" ماذا تفعل ؟ سأصرخ إن لم تبتعد الآن ! ">> تقطعت حروفي وجلاً ، فتَبَدَّتْ ابتسامةٌ قاسية على مبسمه وهو يدنو ، و جاء صوته فحيحاً يقطر سُماً <<" أصرخي قدر ما تشائين لن يسمعكِ أحد صغيرتي">>.
<<"لنعد إلى صلب الموضوع!">> بِجَفَاءٍ غَاشِمٍ حيث أعتمرت القسوة  محياه ،مقترباً حتى شعرت ان أنفاسنا تتلاحم .
<<" أي موضوع ؟">> أجبت فما انْفَكَّتِ الرجفة تسري في عروقي.
<<" أين ملابسك ؟!">> انْفَجَرَتْ صَيْحَتُهُ بَغْتَةً ، فتسمرت في مكاني و مَآقِيَّ تتسعان من الصدمة .
<<"أجيبيني!" >>جَأَرَ بصوتٍ جهوري غاضب << "تلك... الملابس... التي ترتدينها...">> تخلل كلماته نَشِيجٌ غَائِظٌ .
تلعثمت حروفي وانا أَرُومُ النُّطْقَ<< "أفهم ، لن أرتدي ملابس كهذه مرة أخرى!">> فَاهَتْ شَفَتَايَ بِذَلِكَ ، رغْبةً في التحرر من قبضته المُوجِعة ، لَكِنَّهُ قَرَأَ خَبَايَايَ دُونَ عَنَاءٍ ، فَتَغَضَّنَ مُحَيَّاهُ بَإحباطٍ ، وَمِنْ مَكْمَنٍ آخَرَ ، رأيتُ الغيرة في عينيه <<"لا، لن ترتدي هذه الملابس مجددًا!" >>
<<" أنتِ لي يونا ..خاصتي!">>
<<"ماذا تقول؟ أنا لستُ ملكًا لأحد دع يدي!" >>أنتزعت يدي من قبضة يده بِضَرَاوَةٍ.
احْتَقَنَ مُحَيَّاهُ بِحُمْرَةِ الغَيْظ ، وثار الغيرة والتملك في عينيه
<< "اللعنة عليكِ يا يونا! هل تعلمين كيف يحدق بكِ كل طالب؟">>.
<< "أنتِ تُجنّينني من الغيرة">> أردف معترفاً ، ارتفعت حاجباي مندهشةً مما وقع على مسمعي<< "غيرة؟">> رددتُ
كان إعترافه مثل صفعة قوية على وجهي ، إعترافٌ لم أكن أريد سماعه ولا تصديقه <<"أنت أستاذ" >> ذكّرته بقسوة مريرة
<<"وأنا تلميذتك">> قلت و غام محجريه الداكنتين غضباً زلزل قلبي.
"لم أعد أهتم بعلاقة الاستاذ والطالب!"  يصخب بغيظ " أنتي ملكي إذا نظر أليكِ أي شخص سأقتله ! " .
أبتلعت ريقي بصعوبة هذا جنون !! 
ثم شعرت بيده تلمس مؤخرة رقبتي بتملك والتحمت انفاسنا ..
صفع بكفه بعنفوانٍ على الطوب ، وأرتجفت أوصالي بوجل !
بعد أن صَبَ غيرته وغضبه ، أبتعد عني وبدون أن يلتفت ألي أمرني أن أعود إلى السكن و أستبدل ملبسي فبقائي هنا غير آمن .
•••••••••••••••••••••••••
عام الفان وخمسة و عشرون
أواخر سبتمبر
قُبيل ساعتين
في جامعة هارتفيلد| لندن
أصبحت أيامي روتينًا رتيبًا كنت أتخيل الحياة الجامعية مثيرةً ومميزةً، لكنها تبيّن أنها عاديةٌ جدًا لا سيئة ولا جيدة ، في رأيي ، مع أنني كنتُ في سنتي الثانية، بدأتُ متأخرًة، وخسرتُ عامًا دراسيًا بسبب تسجيلي المتأخر ، من حولي الكثير من الأشخاص الطيبين ، لكن لا أصدقاء حقيقيين ، كل وجود في حياتي يتلاشى كالرمل بين الأصابع ، رسائل الحب السخيفة تتراكم في خزانتي ، ليس أنني أهتم بالرومانسية، أحاول فقط التعامل مع هذه الحياة المدرسية.
كانت جامعتي بوتقةً للثقافات، يفد إليها طلابٌ من كل بقاع الأرض ومن بين مختلف المحاضرات التي حضرتها، برزت محاضرات "البروفيسور يوتا ناكاموتو " لم يكن وسامته ما جذبني، بل تدريسه مادتي المفضلة.
في الآونة الأخيرة، لم أستطع التخلص من القلق الذي كنت أشعر به كلما اقترب البروفيسور يوتا ، لقد أصبح حضوره التدريسي، الذي طالما كان آخِذاً بالألباب، ملوثًا مخنوقًا ، كما لو أنه يخفي سرًا فاسدًا تحت مظهره الرزين ، بدا أن نظراته الفاحِصةَ تطيل النظر إليّ أكثر من اللازم أثناء المحاضرات، مما يجعلني أشعر بالقشعريرة ،لكنه سرعان ما كان يُشيح بنظره عني ، متجنبًا أي اتصال مباشر بين نظراتنا ، كما لو أنه انجذب إليّ رغماً عنه .
في يومٍ جامعيٍّ عادي ، توجهتُ كالمعتاد إلى الملعب الرياضي للتدريب على الرقص ، وبصفتي عضوًا في فريق الرقص الجامعي، ارتديتُ زيّ الرقص الخاص بي ، حُلة مكشوفة تجسّم محاسن قوامي ، بدأت أدندن وأرقص على أغنيتي المفضلة ، غير مُنتبهة للأعين المُراقبة.
في منتصف رقصتي ، لمحتُ عدة طلاب ينظرون إليّ ، لكنني تجاهلتهم، وواصلتُ تدريبي دون توقف و بلا كلل ، بعد الانتهاء، التقت عيناي بالبروفيسور يوتا ، كانت نظراته حادة، تكاد تكون غاضبة، قبل أن يستدير فجأة ويغادر، تاركًا وراءه جوًا من القلق ، تجاهلت ذلك وغادرت ، لم يكن لدي علم بما ينتظرني خلف تلك النظرات .
_______________________________________________________
مع تباليج صباح اليوم التالي
سكن الفتيات الجامعي
الساعة الثامنة صباحًا
انظر الى المرأة الى صورتي وجهي التائه " ماذا سأفعل إن صادفته اليوم ؟" غسلت وجهي وانا غريقةُ شرودي ، خرجت من الحمام كنت الوحيدة في غرفة السكن و لا زميلة لي .
دثرتُ جسدي بملبسٍ وقور ، و قبضت على شريط حقيبتي ومحبرتي التبس الشريط على كتفي ، ومضيتُ على عجل ، من حِمى سكن الفتيات الجامعي ، أؤمُّ رحاب الجامعة.
• إنجلترا ( لندن )
جامعة هارتفيلد الدولية
دقّت أجراس جامعة هارتفيلد العتيقة في الهواء البريطاني العليل، وكان رنينها الرنان بمثابة نداء مهيب للقاعات المقدسة في الداخل توقف الطلاب والأساتذة على حد سواء في مساراتهم ، متجهين نحو حرم الجامعة ، وعيونهم عامية عن أن في حِماهم رجلاً أغرق كاهله بالأسرار وبهوسٍ يلتهم لُبّه .
وقفت يونا مواجهةً لمداخل الجامعة لتلج رحابها ، قُبيل تلك اللحظة، دهمتها موجةٌ عاتية من التوتر ومشاعر أخرى ضربت جدران فؤادها  ايضا كان هناك خوف يطبقُ على صدرها بضراوة ، ولجت وهي تقبض أناملها على كفها بقوة حتى تهدئ عاصفة الروع التي زلزلت أنفاسها ، وطفت تعبر الردهات وصولاً إلى قاعتها ، غير أن أمراً مريباً استوقفها، إذ لم تصادف مرآه، أو تلتقِ به في طريقها ؛ كانت تتسائل في نفسها لماذا لم يحضر بعد أيكون غائباً ؟
دَلَفَتْ يونا إلى القاعةِ التي غَصَّتْ بجمهرةِ الطلابِ ، إذ من المفترض أن تبدأ المحاضرة الاولى للبروفيسور يوتا ،انْزَوَتْ في مقعدٍ قَصِيٍّ بالخلفِ ، مَلُوذَةً بالزِّحامِ ، ومَا هِيَ إلا خَمْسُ دقائقَ يفتح الباب ليلج البروفيسور يوتا ، وقد استولى حضوره الانتباه في تَوِّهِ ،ثُمَّ شَرَعَ في بَثِّ محاضرته قائلاً « "صباح الخير افتحو كتبكم صفحة خمسون"».
تَفادى الْتِقاءَ أَعْيُنِهِما ،مُسْتَرْسِلاً في شرح درسه ،ثُمَّ خَطَّ سُؤالَهُ على اللَّوْحِ ، ورفعت يونا يدها لِتُبَادِرَ للإجابةِ ، و رَمَقَها بِقَسَماتٍ مبهمةٍ كالسهام المتلاحِقة لِوَهلَةٍ قائِلاً <<" معذرةً ،سَأَخْتَصِرُ الوَقْتَ بِالإِجابَةِ مُفْرَداً ، أَشْكُرُ لَكِ مُبادَرَتَكِ ">> انْكَفَأَ على السَّبُورَةِ مُدَوِنًا الإجابة الصحيحة ، مواصِلاً نَثْرَ تفاصيل الحل .
غاب لُبُّ يونا عن مَجْرَى الدَّرْسِ ، مُسْتَسْلِمَةً لِعَاصِفَةٍ من الْتَسَاؤلَاتِ أَلْجَمَتْ تَرْكِيزَها ، انْفَضَّ الجَمْعُ فَوْرَ انْتِهَاءِ الدَّرْسِ ،بَادَرَ زُمَلاؤها مِنْ الطُّلابُ بِحَزْمِ أَمْتِعَتِهِمْ ومُغَادَرَةِ المَكَانِ على عَجَلٍ، تاركين يونا وحيدة و فَرِيسَةً لِعُزْلَتِها ، لتُقَارِعُ فُضُولاً يُقضّ مضجِعها ، في المُقَابِلِ ،انْكَفَأَ البُرُوفِيسُور يُوتا على مَكْتَبِهِ ، مُوَلِّياً إِيَّاها ظَهْرَهُ على كرسيه ، ومُبْدِياً جَفَاءً مَقصودًا لِوجُودِها !
ولَكِنْ.. هَيْهَاتَ
لِهَذا الجُمُودِ والْبُرُود أن يَمْحُوَ بَوْحُهُ، ونَصْحُهُ، وَلَفْحُ غِيرَتِهِ الهَوْجَاء .
ماذا عن يونا
أَمَسَّ الجنون لُبَّها ، لِتَرْتَضِيَ الْبَقَاء وحِيدَةً فِي حَضْرَتِهِ؟
ومَا هَذا التَّوْقُ الجَارِفُ الذي يُكَبِّلُها مَعَهُ وراءَ أَبْوابٍ مُغْلَقَةٍ .
صَفَعَ الوعيُ كيانها أخيراً ، وَهَمَتّ بالرَّحِيلِ العَاجِلِ ،إِذْ إِنَّ بَقَاءَهَا مَا هُوَ إلا جُنُون ،و ليذهب هذا الفضول الى الجحيم .
قُبيل جفولها من القاعة ، مسرعة وقبل  أن تطأ أناملها مِزلاج الباب أستوقها نداؤه بغتةً ، صوته الذي شق جلباب الصمت كخنجرٍ قاطع ، في عين اللحظة داهمت يونا وعكة مريرة مؤلمة في معدتها وقلبها حين أثر سماع صوته ، عَلامَ يملأ الوجل فؤادها تجاهه الآن؟
وهي التي تعمّدت البقاء سلفاً لفك طلاسم تجاهله لها؟
" يونا ! إلى متى تنوين البقاء متجمدة هكذا ؟!!" >> انطلقت حروفه مُحدبة النبرات .
التفتت إليه، ورئتاها تتقلصان كأنّ كفاً خفية تطبق على أنفاسها <<" نعم، بروفيسور يوتا!" >> لقد كلّفها نطق هذه الإجابة جهداً يفوق عناء أعتى اختبارات التاريخ التي مرت بها.
افترّ ثغره عن ابتسامة هازئة<< " اقتربي لاتخافي لن اعضك !" >>.
ابتلعت ريقها بصعوبة واقتربت منه تاركة مسافة بينها وبينه ، قبضت أناملها بقلمِ الحبر بإحكام كآلية دفاعٍ خفية ، جابهها بابتسامة غامضة أخرى ، وبدأ يدنو منها في إصرار بينما تلوذ هي بالفرار إلى الوراء وهي تتراجع خطوة تلو خطوة، حتى أسندت ظهرها للسبورة.
دنا مخفضاً صوته إلى حد الهمس، لتلفح أنفاسه الدافئة مسمعها <<" لماذا تنادينني بروفيسور! ، خِلْتُنا قد تجاوزنا حدود هذه الرسميات الباردة، يونا!">>
أسترسل بكلماته ، وهو ينسج بسبّابته خصلة شاردة من شعرها خلف اذنها بحنوّ مغوٍ .
تعثرت الكلمات على شفتيها <<"لكن... !" >>كانت ستلفظ احتجاجها <<" لكنك معلمي !">> إلا أن سبّابته التي استقرت فوق ثغرها حتى تبتر حبل كلماتها .
" لايوجد لكن ، فقط يوتا ..هل تريدين أن أذكرك ماذا أنتي بالنسبة لي؟؟ مثل الأمس! " >> تهدّج صوته خافتاً وهو يبعد سبابته .
<< "لا !!" >> أدارت يونا رأسها يمنة ويسرة لتنفي .
<< " حسنٌ، ثيابكِ أنيقة اليوم وملائمة لأجواء الدراسة" >> وغمرت ملامحه الرضا .
ابتعدت خطاه واسعة ، حاملاً حقيبة حاسوبه المحمول وعلبة أقلام السبورة البيضاء ، ليمضي خارجاً .
أما عن يونا، فقد تسمّرت في مكانها يتقاذفها مثلث مرعب من الذهول والصدمة والوجل ، ماذا فعل بها فضولها لأي مهلكة قادها ، كان حريّاً بها أن تنأى بنفسها بعيداً ، أن تلوذ بالفرار تختفي بين حشد الطلاب ، ولكن، إلى أي مدى سيُسعفها الهروب ، وهل كان ليدعها وشأنها لو فعلت؟؟!.
نهاية الفصل الأول~
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.