|4| طالب.
لا أحد يعلم خبايا هذا الكون الرحيب، لسنا ندري ما كُتِبَ لنا في صُحُفِ القدر، أو ما تواريه، لكنّنا نتّفقُ أنّ ليس للإنسانِ إلا ما سَعَى، حتّى وإن ضاقت بنا المسالِك، أو توعّرت بِنا السُبُل، إذ إن الأخذَ بالأسبابِ مآلهُ نتيجة مُرضِيَة، وربّما يقبع خلف التأخير خيرٌ وفيرٌ وحكمةٌ عظيمة، فنحن لا نتحدّثُ عن قدرات البَشر، بل قدراتِ ربّهم التي فاقت حدود العقل والمنطق، وعلمه الذي لا يدركه أحد، فنحن ببصائِرنا نحكم على الصورةِ من ظاهرها، ولا ندري ما يقبع في علم الغيب.
ولطلّاب العلمِ نصيبٌ من الألم، والسهرِ الطويل، وأيام يعدّون فيها قُربَ اختبارٍ مقيتٍ يرجون لو يمرّ بسلامٍ دون أثرٍ مخيّبٍ للآمال، وقد يخيّم عليهم اليأس والإرهاق دون إدراكٍ أن الله يخبئ لهم العطايا، فيخرّون رُكّعًا وسُجّدًا حمدًا وشكرًا له، فيمرّ شريط تلك الليالي العصيبة في أذهانهم، ويستذكرون لحظاتٍ أغشى فيها الضغط على أعصابهم، وقد أوشكوا لحظتها على فقدان رباطة جأشهم.
يدركون أخيرًا، أن البُعبُعَ قد لاح بطيفِه بعيدًا وأن الخوف ما كان إلا لحظيًا أو عابرًا.
كان جواد يحملقُ في مجلدٍ قد ملأهُ بأوراقِ الملاحظاتِ التي كان يجمعها لكلّ موضوعٍ، لعلّهُ يكونُ مَرجِعًا له فينجِدهُ في فهم المعلوماتِ المعقّدة، وقد سبق ولملمها من عمر الذي قدّم يد العونِ دون ترددٍ، بل وبقلبٍ صافٍ. لكنّه توقّف عند حلقةٍ مفقودةٍ فقد رصد معلومةً ناقصة، فنكّس رأسه وقد انقطع حبل أفكارِهِ لتوّهِ ولم يدرِ من أين يعثر على التتمّة.
غطّى ناصيتِهِ بكفّه، ينفي برأسه متذمّرًا كالأطفال، إذ يومانِ فقط يفصلهما عن الاختبار، وها قد ضاق الوقت حتّى بات خانقًا، رفع كفّه مطبقًا إياه على صليبِ قلادته، أغلق جفنيه يدعو ربّه أن يخفّف وطأة هذا العناء، فما عادَ عقلهُ قادرًا على استيعاب معلوماتٍ أخرى وبهذا الكمّ الهائل، شعر أنّه على أعتابِ الانفجار.
ودّ لو تنقشعُ غمامة الإحباط من الحوم فوق رأسهِ مُغدِقةً إيّاه بوابلٍ من الأفكارِ السلبية التي تجرفهُ بعيدًا، فتح جفنيه، يراقب المجلّد، طرق ببنانِ سبّابته على إحدى الجملِ قائلًا: «المعلومة! المعلومة هنا مفقودة ولا أقدر على معرفةِ التتمّة، سأرسب.»
ثم وضع رأسه فوق المنضدةِ يغطيه بكلا ذراعيه، ابتسمت مسك بالكاد ونظرت لدفترها وقد علمت عمّا يتحدّثُ بالضبط، حملته وأخرجت ورقةً وقلم، كتبت فقرة من ثلاثة أسطر، ثم توجّهت صوب منضدته، ووضعتها أمامه دون أن تقول شيئًا وعادت إلى مقعدها.
التقط جواد الورقة متمعنًا فيها قليلًا، فتلاشى حزنه، واستحال ابتسامة امتنان، همس لنفسه: «لقد أنقَذَتنِي.»
سمعته مسك لكنّها لم تعقّب واكتفت بتبسّم المقتضب بينما تتابع مراجعة ما بدأت به، وهي تتساءل عن سبب تأخر جوليا إلى هذا الحد.
كانت جوليا خارج القاعةِ آنذاك، تُغلقُ بابًا خلفها بجبينٍ مقطوب، فلقد تلقّت توبيخًا، وإنذارًا حادّ اللهجةِ من قِبَل المحاضِر مروان، وذلك جرّاء تكرار حوادث نومها في محاضراتِهِ في الآونةِ الأخيرة. يكرّر كلمات العِتابِ واللّومِ بصددِ إقامة عودها لعلّها تكفّ عن رعونتها هذه، وقد أصاخت لهذا التوبيخِ بصمتٍ مُدقِع، بينما في سريرتها تودع وابلًا من الاحتجاج والاستنكار، فهي لم تعد قادرةً على تحمّل أسلوبه الفج، وتحمد الله أنّها على مشارف التخرّج، فتتخلّص من رؤيةِ وجههِ العَكِر.
مدحت لم يكن مجرّد محاضِرٍ صارم، بل سجيّته مبنيةٌ على ركيزة الاستبداد، فهو يُلقي على مسامع طلّابه كلماتٍ مهينة دون وضع اعتبارٍ لذاك الحشد المتكدّس في القاعةِ من الزملاء، فيترك ذلك أثرًا في قلبِ المُوَبَّخ، وذلك ليس لحساسيةٍ مُفرطة، وإنما لمدى السوء المُقتَرَفِ بحقّهم، إلا أنّهم يلزمون الصمت إذعانًا وخوفًا كونه لا يتردّد في خصم بضع درجاتٍ دون رحمة، أو تقديم حرمانٍ في اختبارٍ قادم. هذا بالطبع لا يَصُبُّ في مصلحةِ أي مُذنبٍ -كما يزعمُ- مدحت.
اصطكّت أسنانها حقدًا وحنقًا، البغضاء بينها وبينهُ في أوجِ لحظاتِ اتّقادِها، شدّت قبضتيها مغلقةً إيّاهما بعنفٍ شديد حتّى ابيضّت مفاصل أناملها، فلم تعد قادرةً على تحمّل حاجبيه الكثيفين الملتصقينِ، أو رأسه الأصلع الذي يلمع تحت النبراسِ الأصفر الباهت في مكتبه والمعلّق في كبد السقف، والذي يكون حقيقةً عزاءً لها وسط ذاك التوبيخ، فتأخذ تضحك في داخلها لعلّها تتغاضى عن وفرةِ جنونه.
لكن سرعان ما ترتعد فرائصها مجددًا حين يتحرّك في الأرجاء بطولهِ الشامِخ، متّجهًا صوب النافذةِ فيكون الشيء الوحيد الظاهر في حقل رؤيتها، تراقب يداه المعقودتان خلف ظهره، وأوردته البارزة التي تُظهر غضبه المعهود قد سبّب تشنجًا في حاجبيها.
حين قضى وطرهُ من التوبيخ وقد أحجمت عن الرد، جاثمٌ الغيظ على قلبها. خرجت من عنده سائرةً بين أروقةِ الكليّةِ بضجرٍ موشكةً على بلوغ القاعة. ما لبثت أن اصطدمت بأحدهم عند التفاتها إلى الرواق الأيسر.
كان عُمر يسير على هدوئِه ورصانتهِ المُعتادة، يضع سمّاعاته في أذنيه منسلخًا عن العالم الخارجي، يهمّ بالاستماع لأحد الدروس التي سجّلها لأحد المحاضرين، فيعاود الاستماع لها كونها إحدى طرقه في الدراسة، فيتمكّن من فهم الموضوع بشكلٍ أسلس ويقدّم المساعدة لكلّ من يقصده لذلك وينصب له.
حين انغمس في استماعِه، لم يلحظ، أو يسمع أصواتِ خطواتها المقتربة من الرواق، فحدث الاصطدام.
سقط كتابه من بين يديه، فجفلت هي وتراجعت بضع سنتيمتراتٍ للخلف. حنى جذعه لالتقاط حاجته، وفغر شفتيه قائلًا: «إنّي أعتَـ...»
لكنّه وقبل أن يُتمّ اعتذاره، هَمّت جوليا مقررةً الحفاظ على ماء وجهها، ببتر قوله بانفعالٍ طفيف، ظنًا منها أنه سيهاجمها: «أنتَ من لم تنظر إلى الطريق، وليسَ أنا.»
ضيّق عينيه باستغراب ناظرًا للأرض، واقطباب جبينه بدا جليًا بتجاعيد متوسطة الحدّة: «أستميحكِ عُذرًا! كنتُ أعتذر فقط...» أومأ برأسه «أعذريني، عليّ الذهاب الآن.»
وعاود تشغيل التسجيل مجددًا، متخطيًا إيّاه، مشيحًا نظراتهِ عنها بحياء، نظرت لطيفه هنيهةً وقد ازدردت ريقها بضيق، فهذه هي المرة المائة التي تهاجمه فيها لذريعةٍ واهيةٍ، ودون أن تفهم مقصده، أو ما حاول إيصاله، بالضبط كما حدث في مطعم الكليةِ قبلًا.
عاودت الالتفاف إلى طريقها والتوجّه إلى القاعة. ولجتها، ودون ترددٍ اتّخذت مجلسها جوار مسك التي كان ترسم على ظهر دفترها، ولم تنبس ببنت شفة، وقد طال ذلك. ألقت مسك نظرةً خاطفةً فضحكت بهدوءٍ حين وجدت ابتسامةً صفراء باهتة تزيّن محيّا صديقتها، ترتسم على وجهها الممتقِع.
تركت القلم ناظرةً لها بمراوغة: «أظنّ اللحظة الآن مواتية لتخبريني بالمصيبةِ التي اقترفتها، بعد التزام هذا القدر الهائل من الصمت، بوجهٍ لا يُفَسّر.»
تنهّدت جوليا بضيق: «لقد اصطدم بي عمر عن طريق الخطأ، وحين أوشك على الاعتذار هاجمته وأخبرته أنّه المذنب، فتعجّب وغادر المكان.»
طأطأت الأخرى رأسها تضحك بخفّة، تخفي فاهها بظاهر كفّها: «كعادتكِ، لا تكفّين عن اختلاق الذرائع كلّما وقعتِ في موقفٍ مُحرج.»
«وما أدراني أنّه سيعتذر؟» أجابت بانفعال
«أعطي الناس فرصةً يا جول، ولا تتسرّعي.» ثم اختتمت قولها بضحكة لطيفة
ابتسمت جوليا وسط ابتئاسها، ثم قالت: «أرجو ألا يتّخذ مني موقفًا.»
نفت مسك برأسها تطمئنها، ولاحت بكفّها: «لا تفكّري في الأمر، فعمر لا يحمل أي ضغينة تجاه أحد، كما أن الكل يعلم أنكِ مجنونة بكل تأكيد، لذا لا تقلقي.»
فغرت جوليا شفتيها بصدمة: «هل أنتِ صديقتي أم عدوتي؟ لأنني بدأت أشك في هذا الأمر.»
أخرجت مسك علبةً من حقيبة ظهرها: «من يحضر لكِ كرات البسكويت بالشوكولاتة من إعداد والدته، ماذا تعدّينه؟»
وسّعت جوليا مقلتيها ملتقطةً العلبة، ثم ضمّتها بحب: «كم أحب خالتي إيمان، أحبها. أرجو منكِ أن تبلغيها شكري وامتناني.»
ابتسمت لها: «لنذهب إلى الساحة، لقد خرجت الشمس من وكرها، لنستغل الفرصة.»
ربّتت جوليا على كتفها: «حسنًا، هيّا بنا.»
كانت الساحة ممتلئة بحركة الطلاب بعدما استهلّت وجوههم بسطوع الشمس رغم ميول المناخ للبرودة. بعضهم يتبادل الأحاديث لتمضيةِ الوقت، وآخرون يتجمعون في زوايا الممرات يتبادلون أوراق المحاضرات، والقسم الأخير يأكل وجبته بالطبع.
توقفت مسك واقفة أمام لوحة إعلانات الكلية، تنظر إلى جدول الاختباراتِ الجديد الذي تم تعيينه مؤخرًا. شعرت ببعض الراحة فلا يزال يفصلها وقت مناسب تستغله لتقسيم موادها وتنظيمها.
تنفّستِ الصُعداء: «الوقت يسير لصالحنا جول، سوف يسعفنا لندرس جيدًا.»
ارتفعت زاوية شفتيه جوليا: «الحمد لله، هذا ما خشيته.»
ثم التفتتا نحو الباحة الكبيرة، وبدأتا بالبحث عن ركنٍ شبه فارغ لتتمكّنا من تصفية ذهنهما بعد تلك المحاضرة العصيبة مع المحاضر مدحت النزق.
ضحكت مسك وقالت بعدما تذمّرت الأخرى عليه: «وما باله يوبخكِ بهذا الشكل؟ هل هو يكرهكِ؟»
تنهّدت جوليا بحقدٍ بيّن: «لستُ أدري ما مشكلته. حمدًا لله أنّي أجد ما يصرف تفكيري عنه.»
من بعيدٍ ظهر شابّان في لباسهما الكهنوتي تحت أنظار الجميع المستغربة. لم تكن مسك أقلّهم دهشة، فلم يسبق وأن رأوا أحدًا من كليةِ اللاهوت يتسكّع في الأرجاء، يظنّهم المعظم منزويين على أنفسهم، ويكرهون الاختلاط بأحد، أو حتّى يستشعرون نفورًا من القرب.
تعجّبت مسك وشعرت أن أحدهما مألوف حينما وقعت بصرها صدفةً عليهما. كلما أغلقت عينيها لتستذكر لا تقدر، حتّى طافت بها المشاهد في الأيّام الأخيرة، وأدركت في تلك اللحظة من يكون. إنّه ذاك القسيس الذي مر من جوار شجرة الزيتون ليصل إلى مكان عبادته.
نكزتها جوليا بكوعها: «مسك؟ أنتِ شاردة بشكلٍ غريب، ما الحكاية؟»
هزت مسك رأسها وقهقهت دون صوت: «ما من شيء، لكنّي أستشبه على الناس كثيرًا مؤخرًا.»
عقدت حاجبيها: «وفيمن استشبهتِ هذه المرّة؟»
ترددت مسك للحظة، قبل أن تنمّق أقوالها وتلقي بها: «عندما انتظرتك في شارع الزيتون الأسبوع الماضي، مرّ قسيس يافع من ذاك الشارع. بدا شبيهًا لذاك.»
ثم أشارت نحوه بطريقةٍ ذكية لا تفتضحها، ودون النظر له.
ارتسمت ابتسامة على وجه جوليا: «أجل! الأب مايكل! نعم إنّه تابع لكنيستي. إنّه شهم.»
«هذا ليس ما أعنيه.» ابتلعت مسك ريقها «أعني أنه... شعرتُ أنني رأيته من قبل. كأنني أعرفه منذ زمن.»
ضحكت جوليا بصوت منخفض: «مسك، ربما رأيته في الكليّة. إنه يدرس في مبنى اللاهوت، هناك.» وأشارت برأسها إلى المبنى الحجري القديم في أقصى الطرف الآخر من الساحة، الذي كانت نوافذه الزجاجية تعكس ضوء الشمس كمرايا صامتة.
نظرت مسك إلى المبنى للمرة الأولى بتركيز، إذ لم تكن تُلقي له بالًا يومًا رغم مرورها بجانبه كل يوم. عمارة مختلفة، أكثر قداسة في شكلها، أصغر حجمًا، وتحمل هدوءًا وشعورًا غريبًا لم تقدر على تفسيره.
ترددت مسك: «لم أرَه هنا قط قبل اليوم، لم أره في أي مكان.»
حدقت جوليا فيها بدهشة: «صديقتي الحبيبة، أخبرتكِ أنّه يدرس هنا، هو طالب.» كتّفت ذراعيها «ثم كيف لكِ أن ترينه حتّى؟ إنه قسيس، يا مسك. لا يلتقي بالنساء كثيرًا، وأنتِ لستِ أقل حالًا، إن تعاملاتك مع الجنس الآخر تكاد تكون معدومة، هذا إن لم تَكُن.»
ابتسمت مسك راضيةً عن الإجابة: «إنّكِ محقّة.»
قبل أن تجيب جوليا، سمعت مسك ضحكة واضحة، خفيفة، غير متوقعة. رفعت رأسها تجاه الصوت ثم أخفضته في ذات اللحظة.
كان مايكل يمشي جانب زميله ستيفن، ممسكًا بكتاب في يده اليسرى ومشروبًا ساخنًا في اليمنى. على غير المتوقع، كان يضحك. يضحك بصدق غير متكلف، رأسه مائل بشكلٍ طفيف نحو صديقه، عيناه تلمعان تحت وهج الشمس الخفيف. لم يكن هيئته الرهبانية المتوترة هي نفسها التي يعتاد الجميع رؤيتها.
كان هنا كأي شاب في عمره، يشارك صديقه لحظة عابرة بسيطة بعيدًا عن الجمود.
حين لاحظت جوليا ما حدث ابتسمت باقتضاب لتهمس: «يبدوان كطفلين صغيرين، حتى الكهنة يمرحون أحيانًا.»
لكن لم تسمعها مسك وتابعت مسيرها لتمرّ من جوارهما على بُعدٍ مقبول.
رفع مايكل أنامله معيدًا خصلات شعره البنيّ المموّج للخلف بعد أن تناثرت على جبهته لتزعج عينيه الزرقاء الداكنة، ورموشه الكثيفة الطويلة.
نظر لها بغير اكتراثٍ ثم أخفضهما نحو مشروبه، والابتسامة التي كانت على وجهه تلاشت قليلًا، وحل محلها شيء آخر. تردد، صدمة صغيرة، أو ذكرى. ابتلع ذلك بسلاسةٍ وأسرع في خُطاه قليلًا دون أن يبدو ذلك ظاهرًا، ومرّ بجانبها هو وزميله ستيفن.
«إنّه مزيجٌ لذيذٌ حقًا.» قال ستيفن وهو يمر، لكن مايكل لم يقل شيئًا، وانتظر حتّى مرّ دون أن يرفع عينيه بالكامل.
انتظرت مسك حتى ابتعدا مسافة كافية، ثم قالت: «تذكرتُ الآن!»
نظرت لها جوليا: «ماذا؟»
أمالت رأسها لليمين بتفكّر: «تريدين الذهاب للميتم للتطوّع؟»
ابتسمت جوليا ابتسامة صغيرة، ثم ضمت كتابها إلى صدرها وجلست على الأرض، وعيناها تصوّبتان للطريق أمامها.
أجابتها: «وهل هو سؤالٌ يأل؟»
*مايكل*
نابني شيء من الاستغراب حين أبصرت الفتاة، لتعود بي ذاكرتي التي لم تخنّي هذه المرة أخيرًا، واستذكرتها تلك الليلة تقف على الرصيف تحت شجرة الزيتون متحميةً بها من المطر. تلاقى ناظرينا لأقل من بضع ثوانٍ يسيرة في نظرةٍ تلقائية غير محسوبة. بدت حييّة خجولة وشعرت أنّها انكمشت على ذاتها حرجًا حينما لاحظتها فقط.
لم أكن على دراية أن الفتاة تدرس في نفس كليّتي، ربما اختلاف المواضيع لم تسعفني لرؤيتها قبلًا في أي مكان. بالطبع كيف سأدرس معها؟ إنها مسلمة ملتزمة بالزي الشرعي وأنا رجل دينٍ أدرس ماجستير الكهنوت لأصبح محاضرًا جامعيًا له.
مررت عنها وصديقتها التي دأبت الحضور للكنيسة ملتزمةً بصلواتها هناك من بين قلةٍ قليلة. ولو لم تطعن بي مشاعري كما براثن الصقر الجارح، لما وجدت صحبتها مع الفتاة المسلمة غريبًا.
لم أكن متطرفًا أبدًا حيال المسلمين، ولكني واجهت مواقف كثيرة اغتنيت بها عن الشحنات بيننا وبينهم. حسنًا، لم أكن من ذوي الهجوم، لكنّنا خضنا ذاك النزاع وخسرنا روحًا. إن كلا المجتمعين يتظاهران بالودّ، لكنّ كل منهم يسرّ بغضاءً للآخر، وهي الحقيقة التي اكتشفتها حين خسرت تلك الروح.
رفعت زاوية شفتي بضحكة جانبية خافتة حين تحدث صديقي ستيفن ملقيًا نكتةً ظريفة، واستكملنا سيرنا تحت أنظار الكل المستغربة.
نعم، غريب. في الكلية كنا وزملاءنا الوحيدون الذين يرتدون لباسًا كهنوتيًا بحكم دراستنا واختصاصنا الجامعي، ولم نكن بالعادة نظهر أمام الجميع أو نخرج للتسكّع في الباحات، إذ كنا نقضي معظم أوقات الفسحة معًا في القاعة الدراسية نناقش مستقبلًا زاهرًا.
بينما المعظم هنا يخرجون ليتنفّسوا بعدما ابتعلوا ما يكفي من الصرامة والجمود والتجهم، ولم يكن في خروجهم للباحاتِ الرحيبة إلا متنفّسًا من استبداد بعض المحاضرين.
نعم، فحتّى نحن قد نتعرض لتوبيخٍ حاد اللهجة عند الوقوع في الهفوة.
*مايكل*
كشر مايكل حاجبيه بابتسامةٍ غير راضية: «بربك، من لا يزال يأكل الأرز بالحليب، إنه مؤذٍ لبراعم التذوق يا رجل.»
نظر له ستيفن بازدراءٍ يتفحصه من أعلى لأسفل: «إنكَ تتصرف كالكهول!»
ضحك مايكل مكتفًا ذراعيه، ثم توقف محدّقًا بزميله: «وهل هذه إهانة؟ أنا بالفعل على أعتاب الثلاثين. عامين يفصلاني عنها.»
زمّ ستيفن شفتيه بعبوسٍ متعجّب: «ولِمَ تبدو متحمسًا لفكرة الكهولة، إنك ستشيخ عقب ذلك.»
وضع مايكل كفيه فوق كتفي صديقه: «تعلم أن تواكب نفسك في كل حالاتها فهذا سوف يخفف عنك صدمة أي تغيير. لا بد لكَ أن تعتاد التقدّم بالعمر، الشيب، وتغييراتك الجسدية من وهنٍ وتجاعيد وهرم. واكب نفسكَ تَعِش راضيًا بما قُدِرَ عليك.»
«ما أوعَظَكَ يا رجل.»
انقضت المحاضرات المُتبقّية، وها قد انتهى اليوم الدراسيّ الطويل. نهض الجميع عن مقاعدهم، وخرجوا من الكليّةِ بأسرِها. كانت جوليا تسير إلى جوار مسك التي كانت تلتفت حولها بذعرٍ منذ بلغتا طريقهما المنشود.
ضحكت جوليا عليها بصوتٍ مسموع، إذ علمت أنّها تتأهب للهروبِ في لحظةِ بروز ظلِّ كلبٍ ضالٍ من العدم.
هذه الشوارع تحديدًا، تطلّ على أحراشٍ متوعّرة، تتكدّس بالأشجار، رغم وجود مظاهر الحياةِ هنا، حيث المساجد والكنائس، والمحلّات التجارية، إلا أنّه لم يحجم عواء ابن آوى من أن يصدح مساء كل ليلةٍ مزلزلًا أرجاء الحي. ثم تأتي المفارقة، فالكلاب لا يؤويها النهار في أكنافها التي أقفرت من البشر، فهي تتسكّع ليل نهار في شوارع الحيّ وكأنّها تتبختر.
كسرت مسك الصمت: «سوف أذهب لشراء بعض الأغراضِ لأمّي، لقد أوصتني على لوازم وجبة الغد.»
أومأت جوليا دون أن تعقّب، ثم توجهت للكنيسة، ومسك همّت بالذهاب للدكّانِ القريب. الغيوم فوقها متلبّدة، دون أن يهطل المطر بعد، كانت ستشتري ما ينقصها ريثما تفرغ من صلاتها.
وصلت للدكانِ لتجد أصص زهورٍ جديدة فخرزية تزين المدخل، زُرِع فيها زهورًا أضفت جوًّا أكثر بهاءً. اقتربت بخطًى متلكئة تعاين ألوانها المتعددة من درجات: الأحمر، والوردي، والأرجواني، وقد لفتها شكلها النجمي، فعقدت حاجبيها بابتسامةٍ حين علمت من فورها أنّه قرنفلٌ صيني، يبدو أن زراعته تمت في نهايةِ الخريف.
أخذت ما كانت مسك بحاجته ثم حاسببت على أغراضها، وقبل أن تخرج بالكامل، أخرجت رأسها لتنظر للطريق، لتجد كلبًا يقف بعيدًا بالقرب من طريقها. ازدردت ريقها ولم تعلم ما تفعل، كانت جوليا تقف هناك بانتظارها.
مرّ طفلٌ في العاشرة من جوارها كان يشتري هو الآخر، وقبل أن يفعل أمسكت قميصه من الخلف وقالت: «أنت، يا حسن، أبعد الكلب من هناك، هُشَّه.»
نظر لها حسن بشقاوة: «تخافين من الكلاب؟» ثم ضحك بعلو صوته بشماتة
ضيّقت عينيها بغضب وشدّت على قبضتها وهمست له: «إن لم تبعده سأخبر أمّك أنك من مزّق خرطوم المياه عمدًا.»
شحب وجهه ونظر لها بابتسامة باهتة: «واشية.»
كتّفت ذراعيها: «سِمها بما شئت، هيا نفّذ.»
اغتاظ منها وخرج من الدكان على مضضٍ ليهشّ الكلب وقد نجح في ذلك في أقل من نصف دقيقة، تاركًا مسك تتحسّر على مخاوفها التي تضطرها لتطلب المساعدة من الأطفال حتّى، فتقع في شقاوة ألسنتهم.
تقدّم منها من بعيد مشيرًا لها: «اذهبي، لكن كما اتفقنا.»
أشارت له كرجال الشرطة: «لكَ ما طلبت.»
ثم هرولت بسرعة دون التلفت حولها صوب جوليا. تمسّكت بذراعها وقالت بخوف: «لنخرج من هنا، رأيتُ كلبًا.»
ضحكت وهي تطمئنها: «إنّي معكِ.» ثم شقّتا الدرب نحو منزليهما.
دخلت مسك غرفتها وألقت بحقيبتها على الأرض، ثم ذهبت لتبدل ملابسها المبتلة، وبعد أن انتهت، أخذت لباس صلاتها والسجادة، واستعدت لبدء صلاة العصر.
وما إن رفعت يديها بنيةٍ خالصةٍ وشرعت، حتى دخل شقيقها الصغير أحمد وأدخل توتة إلى الغرفة. كانت مسك خاشعة في صلاتها، أما توتة فقد بدأت تلعب بسجادة الصلاة تارة، وبثوب مسك تارة أخرى. سلّمت وأنهت صلاتها، ثم رفعت يديها تقرأ آية الكرسي كما اعتادت عقب كل صلاة، وتردد بعض الأذكار.
همست مسك لنفسها: «اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.»
نهضت عن الأرض، وطوت السجادة وملابسها، ووضعتها في الخزانة، ثم أمسكت توتة وعانقتها قائلة: «ألن تكفي عن عاداتك هذه؟ أنتِ دائمًا تشغلينني عن صلاتي، وسأحرص على إخراجك من الغرفة وإقفال الباب حتى لا تزعجينني مجددًا.»
أخذت توتة تموء بانزعاج، وتتحرك بتخبطٍ لعل مسك تفك وثاقها، فأنزلتها قائلةً: «انزلي، فقط يروق لك الاقتراب مني أثناء الصلاة وطلب الطعام. أنانية.»
خرجت من الغرفة وذهبت إلى المطبخ، فوجدت أحمد يقف مع أمها، السيدة إيمان، ثم قالت: «أحمد، نوّهتكَ من قبل ألا تدخل القطة إلى غرفتي وأنا أصلي، فهي تشغلني دائمًا وتحرك مكان السجادة وتسحب إسدالي على الدوام.»
طأطأ أحمد رأسه: «لكنني لم أقصد، لم أعلم أنكِ كنتِ تصلين.»
تنهدت متفهمةً إيّاه: «حسنًا، لكن احذر في المرات القادمة.»
أومأ لها لتنظر بدورها صوب والدتها بابتسامة: «بالمناسبة يا أمي، جوليا تشكرك كثيرًا على كرات البسكويت.»
ابتسمت إيمان بلطف: »بالهناء والشفاء، الأهم أنها أحبتها.»
«كثيرًا، سلمت يداكِ.»
عادت إلى غرفتها، ألقت جسدها فوق السرير، ثم التقطت من حقيبتها الملقية أرضًا دفتر ملاحظاتها، وأخذت تقرأ ما دوّنته مؤخّرًا، لتنعش ذاكرتها قبل الاختبار القريب. لكن الفرصة لم تتسنّ لها حين تبادر إلى ذهنها ما حدث اليوم، وصورة ذاك القسيس قد مرّت من أمام ناظريها، فوسّعت مقلتيها حين استذكرت ما حدث، لقد تعجّبت أن هذه الكنيسة قد عيّنت قسيسًا آخر، حيث لم يحدث ذلك منذ سنواتٍ طوال وفقًا لمَا قالته جوليا لها.
اللقاء الأول يكون غريبًا؛ فأحيانًا يترك أثرًا داخل القلب قد لا يُمحى، ولربما لا شيء في الموقف يُذكر، لكنه قد يبقى راسخًا بين ثنايا العقل والقلب. قد لا يدرك المرء ما أضفاه عليه ذاك اللقاء، لكن كل ما سيدركه هو أن هناك أمرًا ما مختلفًا قد حدث.
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!