وضع القراءة:

|1| النظرَة الأولى.

{center}{center}[حسابي على الانستا، تعالوا عليه (jihad_mh212)]
----------------------------------------
الحياة أشبه بطريق طويل، رحيب، حواشيه محفوفة بالمفاجآت، لا نخمّن ما قد يصادفنا فيه، فليس يصفو تمامًا من الوصب، وليسَ يتكدّس بالظلالِ المُظلمة على الدوام. قد تكتنفنا المُعضلات لتفتكَ بالحنايا، لكنّها تأبى أن تدوم وإن كانت وبيلة، ويغدو كل شيءٍ أجمل حين نتعلم كيف نتجاوز ما يثقل قلوبنا، ويوهن أرواحنا الهشّة. وكانت تلك الشابّة اليافعة «مسك» تؤمن في سريرتها أن تجاهل الكثير من السلبيات هو السبيل للاستمرار، فلم تنفكّ يومًا البحث عن النور بين طيّات الغمام.
في ذلك اليوم الهادئ المكلّل ببعض الضغوط، خرجت مسك من قاعة المحاضرات بخطواتٍ متثاقلة متلكّئةٍ، تتلفّت حولها بابتسامةٍ لم تقدر على مواراة ضيقها. كان الدرس أصعب مما توقعت، إذ وجدت نفسها تصغي للمُحاضِر دون أدنى تركيز، هو يستمرّ بإلقاء شرحه المعقّد وهي ترنو له أثناء عرضه لبعض القواعد التي لم تفقه منها شيئًا، وعلى الرغم من تكراره الشرح بطلبٍ من زملائِها الذين علقوا في ذات الدوّامة، لكن لا نتيجة تُذكر.
تسير إلى جوارها رفيقة طفولتها وجارتها «جوليا» وهي تبتسم باتساعٍ دون أن تخجل من إبداء قهقهاتها الخافتةِ بين الفينة والأخرى، إذ أدركت أن الأخرى تودع في سريرتها تبرّمًا وحيرة، وأنّها في ذروة لحظاتِ توتّرها، فهما على أعتابِ اختبارٍ يتداول الموضوع الأخير.
ألقت مسك نظرةً إزاءها وقد استبان لها هدوءها المُريب نظرًا لما حدث، فلم تتردد لحظةً في تقطيب جبينها، التمسّك بكتابها، وزفر تنهيدةٍ تائهة، ثم النطق بسؤالها: «بالنظر إلى معالمك وتحليلي الشخصي لها، أرى أنّكِ هادئة أكثر مما يجب عقب تلك المحاضرة الفتّاكة، أم أنّي على خطأ؟»
ندَّت جوليا شفتيها عن ضحكةٍ خافتةٍ أدركت الأخرى أنّها تلقائية: «ليسَ الأمرُ كذلك، إلّا أن القضيةَ أنّي كنتُ متحسّبةً للأمر، فالمُحاضر أخبرنا يوم الخميس الماضي أن درسه القادم سيكون الأصعب، وأن القواعد ستكون خدّاعة، تحذيره كان مبتسرًا لكنّه لم يؤرّقني اليوم.»
نكّست مسك رأسها تتذمّر كطفلةٍ في السابعة، تغمغم بكلماتٍ لم تلتقطها صديقتها التي ضحكت مستطردةً: «على رسلكِ يا مسك، إنّك توشكين على الرقص مكانكِ من وفرةِ التذمّر.»
نظرت لها، تعبس حاجبيها بضيقٍ، تراقب تاريخ اليوم على هاتفها بعينٍ فاحصة، تعد ما يفصلها عن الاختبار، ثم أجابت: «الاختبار على الأبواب، ولستُ أدري ما أفعل.» ارتفعت وتيرة صوتها توجّسًا «من ظنّ اللغة الروسية بهذه الصعوبة؟ لقد غضّ عودي من قواعدها المعقّدة، بل ولتكتمل الحكاية علينا الآن البدء بالبحث عن وظائف قبل التخرّج.»
ابتسمت جوليا وربتت على كتفها مهدّئةً روعها: «يبدو أن المحاضرة اليوم أفقدتكِ جزءًا من ذاكرتكِ، فالكلّية تتكفّل بتأمين وظائفنا لأننا الفوج الثاني لهذه التجربةِ التي تكفّلت بها الحكومة.»
يبدو أن اللغة الروسية التي أحبّتها مسك منذ طفولتها تحولت فجأة إلى متاهة من الحروف الوافرة والنطق الثقيل المعقد، وباتت تحديًا صعبًا دفعها لنسيان تفصيلٍ صغير لكن مهم. لقد التحقتا في الموضوعِ الذي أضافته كليّتهما حديثًا، التي تحمل معها تجربةً مختلفةً لا نظير لها في البلدان. الفوج الذي تعودان إليه هو الثاني. ما يميز الكلية أنها معترف بها دوليًا، وأن خريجي هذا الموضوع سيتكفل بهم برنامج حكومي ناشئ يهدف لإدخال اللغة الروسية ضمن المناهج الدراسية للمدارس الإعدادية والثانوية.
لكن مع ذلك، لم تخلُ قلوب الطلبة من القلق والتساؤلات، فهل ستضمن الكلية فعلًا لهم مستقبلًا؟ وهل سيتشعب الطريق بهم نحو أعمال أخرى كالترجمة في مجالات السياحة أو التجارة؟ أم أنّ الأمر برمّته محض خدعةٍ لن ينالوا منها وظيفة أبدًا!
كسرت مسك الصمت حين نظرت لجوليا ناطقةً بانفعال وهي تطبق على كتفيها: «سوف أصابُ بالجنون، إنّي استجدي بكِ إن كنتِ قد فهمتِ الدرس.»
ابتسمت جوليا نافيةً برأسها، فطأطأت مسك رأسها بمعالمٍ ارتسم عليها اليأس. ما لبث أن انقشع حين نطقت لها: «لم أفهمه بالكامل، لكنّي سمعتهم في القاعةِ يقولون إن عُمر كان الوحيد الذي التقط المعلومات، ودوّن الملاحظات بحذافيرها دون أن يواجه صعوبة، سنطلب دفتره فقط، إذ أنّه يبسّط المعلومات بشكلٍ سلس.»
وسّعت مسك مقلتيها وابتسمت باتساع: «نعم! نعم! عمر هو الخيار الأمثل، إنّه الأذكى، اللهم بارك.»
نفت جوليا برأسها مقهقهةً وهي تدفع بالأخرى برفقٍ أمامها تزامنًا مع قولها: «سيري أمامي، عليّ الوصول إلى الكنيسة قبل أن تغدق الغيوم بخيراتها المكنونة.»
أومأت لها وبدأتا السير في طريق عودتهما. القلق يظهر جليًا على وجه مسك، بينما ظلت جوليا تحاول طمأنة نفسها أن كل شيء سيكون بخير، فهي الأخرى تخاف من المستقبل، لكن كلتاهما تؤمنان أن الجهد المبذول لا يضحي هباءً منثورًا .
الطريق إلى حيّهن يمرّ من أمام باحة الكنيسة، وجوليا ملتزمة بصلاتها هناك كل أحد، وأحيانًا تتجه في أيام مختلفة لتتلو الصلوات حين تكون على أعتاب اختبارٍ مهم. أما مسك، بالطبع لا تشاركها الصلاة ذاتها، أو حتّى الدين برمّته، لذا دأبت على انتظارِها قرب في شارع الزيتون القريب، تحت شجرةِ زيتونٍ عجوز ريثما تفرغ من صلاتها، وذلك يعود لخوفها من العودةِ إلى البيت بمفردها بسبب الكلاب الضالّة، فهي تعاني من فوبيا تعود لأيّام طفولتها.
توقفت مسك بلا شعور تحت شجرة الزيتون رغم البرد القارس، فتنهدت جوليا وهي تسحبها: «إنّكِ تنتظرينني في شارع الزيتون تحت المطر دومًا وترفضين الدخول.» تركتها وأطبقت كفيّها على خصرها «أعلم تمامًا أنّكِ ترفضين ذلك لاختلاف العقائد، وإن أخفيتِ الأمر عنّي، لكنّي أتفهّم، فكما في ديني ما هو غريبٌ بالنسبةِ لكِ، في دينكِ ما هو غريبٌ بالنسبةِ لي أيضًا.»
شبح ابتسامة ارتسم على محيّا مسك، وأومأت لها بلطف: «الأمر، أنّها ليست المكان الذي ارتبط فيه روحيًا ولا أجد سببًا لدخولي هناك، ثم إنّي استغلّ دخولك لشراء ما ينقصني من الدكان إذ تعلمين أن السيّارة ليست تحت مطلبي دومًا.»
لاحت الأخرى بكفّها: «لا تبرّري، فأن تحترمي الأديان في كفّة، وأن تؤمني بمعتقداتها في كفّةٍ أخرى.»
أومأت لها ثم نبست بصوتٍ وقور: «الأهم أن نتبادل الاحترام يا جوليا، وهي نقطة تتشاركها الأديان كلها.»
كتّفت جوليا ذراعيها تبتسم بخبثٍ، ثم نطقت تزامنًا مع قلب مقلتيها: «خوفكِ من الكلاب يدفعكِ لفعل الكثير، إنّكِ هنا تحت المطر. ماذا بيدي أن أفعل إن كنتُ حارسكِ الشخصي.»
توهّجت وجنتي مسكِ بحرجٍ، وتلمّست حرارتهما تلقائيًا: «وما ذنبي! إنكِ شجاعة ولا تهابين الكلاب كما أفعل، بالإضافة إلى أنّ الكلاب في شارعنا تتسكّع وكأنّها سيدة المنطقة، الشتاء حتّى لا يصرفها.»
ضحكت جوليا نافيةً برأسها، ثم أشارت بسبّابتها صوب السماء: «الغيوم داكنة، البرد قارس، اجلسي إلى جوار الباب من الداخل على الأقل ريثما أنتهي لئلّا تلتقطين بردًا.»
لكنها لاحظت الرفض يلوح في ابتسامة مسك، فبادلتها ابتسامةً هادئة، ثم ولجت إلى الداخل. أمّا مسك، فبقيت تحت شجرة الزيتون تنتظرها، وآثرت احتماءها بأغصانها على الدخول، رغم المطر الذي لم يفتأ يشتد.
*مسك*
كنت أقف على الرصيف الجانبي خارج باحاتِ الكنيسةِ تحت ظل شجرة الزيتون القديمة، التي امتدت أغصانها لتغلظّ وتصبح كدرعٍ حامٍ كفيلٌ ليواريني عن المطر. أنتظر جوليا، بعدما دخلت لأداء صلاتها، تاركة إياي في الخارج بعد أن رفضت الدخول بلطف دون تفسير.
ربّما من الصعب تبرير موقفي لإحجامي عن الدخول هناك. ليس خوفًا أو قلّة فخرٍ لإسلامي، أو حتّى اشمئزازًا أو إيذاءً للمسيحية، وإنما أنا من لا أنتمي إلى هناك، لا أجد ما يمثلني. جوليا تدرك ذلك إذ سبق وصرحت بالأمر عدّة مرات دون حرج، ليس من السهل عليّ المجاملة. أظنّ نفسي اكتفت من التوضيح وبات الأمر برمّته على وجهِ الوضوح.
تظل القضية على قدر من التشابه، فهي الأخرى مثلي تمامًا. لا توارب وتصارحني لأنّها مثلما أنا لا أنتمي للكنيسة، هي لا تجد نفسها في المساجد.
قد يميل الأمر ليبدو متعصّبًا لكنّ كلتانا ورغم الاختلاف، ننساق للتفاهم.
كان النهار قصيرًا، والشمس تميل للغروب، والشفق نثر ألوانه كفنانٍ كلاسيكي قديم، والهواء يحمل رائحة التراب المبلل بسبب العاصفةِ الآنفة. كنتُ أنظر إلى الأوراق المتساقطة، لا ازال أفكر في درس اللغة الروسية الذي ينتظرنا غدًا.
بغتةً أيقظ شرودي في ذاك الطريق المتقاطع صوت خطى خفيفة على الحصى، فرفعت رأسي تلقائيًا نحوه فهذه عادتي التي اكتسبتها في طفولتي ولم أتمكن من علاجها، مما يدفع الضيق ليعصف في قلبي، فلا أريد تعدّي الحدود، أو أكتسي قلّة الاحترام، أو أن تفسّر نظراتي على أنّني وقحة.
اعتدت عليها بسبب ترقبٍ شديد، وتأهبٍ عسكري من ظهور كلبٍ من الأفق. طوال عمري أعاني من هذه الفوبيا التي لم أشفَى منها، فظللتُ بسببها أُفعّل وضعية الدفاع والهروب، والكرّ والفرّ.
كان يسير على الممر المؤدي إلى باب الكنيسة الجانبي قسيس، يرتدي ثوبًا كهنوتيًا أسود بسيطًا، وفي يده الكتاب المقدس يضمّه إلى صدره يحميه من البلل الذي قد يدمّر غلافه ويذيب حبر أوراقه.
كان شابًا يافعًا يميل لأن يكون في أواخر العشرينات، هذا ما بدا لي أولًا. لم أعتَد رؤية قساوسة يافعين في هذا الحي، معظمهم يميلون لأن يكونوا كبارًا في السن، ورجال دين مخضرمين.
بعدما نظرت تلك النظرة الخاطفة العفوية استبان ذاك الذي رأيته في ثانيةٍ على حقل ناظريّ.
غضضت بصري عنه بحرج، وقد التقطتُ طرفًا من نظره صدفة، لأعود خطوتين للخلف، مصوّبةً عينيّ على الأرض وأنا ادعو في سري أن تخرج جوليا. أكره مخاوفي التي ترغمني تفقد كل صوتٍ يعلو من كل حدب وصوب.
*مسك*
لم تكن نظرة القسيس سوى تلقائية لا معنى لها. تابع طريقه باعتيادية نحو الكنيسةِ تاركًا إياها تحت وطأة استغرابها وتساؤلاتِها. شعرت وكأنها رأته من قبل، من زمن بعيد، لكنّها لم تتذكّر أين لتظنّ بنفسها قد رأت شبيهًا في حلمٍ لم تكتمل فصوله.
همست لنفسها: «كأنما رأيته من قبل.»
لكن أين؟ في أي شارع مرت به؟ إنها حتى لا تعرف من يكون.
لم تجد إجابة. لتصرف ذهنها عن ذلك، واتكأت على جذع الشجرة العجوزِ بعدما أغدق المطر خيراته برفق.
أدركت فجأة أنها باتت تنتظر طويلًا، ثم أخذت تتلفت حولها بسرعة حين أصاخت صوت كلب من بعيد في اقترابٍ لناحيتها. شعرت بحرارة الخوف تسير في رقبتها وأذنيها.
ضمت كتابها إلى صدرها، ولم تمضِ إلا لحظات حتى سمعت همسًا هادئًا من خلفها، يكاد يضيع في حفيف الأغصان: «لقد فرغت.»
كانت كلمتها عادية جدًا، ونبرته رقيقة كالماء الراكد، لكنها أفزعت مسك بطريقة ما لتطلق صرخة خافتة. ثم التفتت للخلف لتجد جوليا خلفها.
وضعت كفها على قلبها: «وهل هكذا تتسلّلين دومًا!»
ضحكت جوليا ثم مضت كلتاهما في طريقهما ومسك تتمسّك بذراعها بخوف. تعلم أنها تعيق حركتها لكنّ تمسكها كان يزداد شدّة عوضًا أن يقل.
نظرت لها جوليا باستغراب: «ما بكِ؟ وجهك شاحب! هل أتاكِ كلبٌ ضال؟»
هزت رأسها، وابتسمت ابتسامة صغيرة زائفة: «كدتُ أصبحُ حديث الحيّ لو لم تأتِ.»
ضحكت جوليا، ثم قالت: «كان الأب طوني يحدّثني عن بعض الإصحاحات التي استفسرتُ عنها، ليشاركه الأب مايكل في الختام. تداركتُ انتظاركِ متأخرًا فاعذريني.»
همهمت مسك دون أن تلقى نفسها اهتمامًا للتوغّل في الحديث: «خيرًا، خيرًا.»
*جوليا*
نظرت لمسك مليًا وفي سريرتي أدرك أن الخوف في أوجِهِ في قلبها الواجف. وجهها الممتقع كان خير دليلٍ على ارتعاد أوصالها. إن الكلاب لم تكن لها صديقة يومًا أو حتّى عابر سبيلٍ. المسلمون لا يربون الكلام لحرمانية ذلك، لكن مسك تخاف منها فأصبح استنفارها مضاعفًا.
منذ نعومة أظافرها أتذكر خوفها الغير مبرر، وهروبها، واحتماؤها بي وخلفي منذ سنواتٍ طوال.
لكنها ورغم ذلك، لم تتوانى عن الحفاظ على مبدئِها وانتظاري في الشارع خارجًا، تحت المطر أو تحت إمكانية بزوغ الكلاب والتي يعدّ معظمها في حيّنا شرسًا غير رحيم، فهي أفواجٌ تقدمُ من أحراشٍ قريبة إلى هنا لتقتات لقمةً تغذّي خلاياها وترمّ عظامها.
إنها جارتي منذ الأزل ولم تدخل معي الكنيسة قط للانتظار فيها. وانا لم يسبق وأن شاركتها دخول المسجد حين كانت تصلي.
تبهرني فكرة الاحترام فيما بيننا رغم فجوة الفروق.
*جوليا*
قالت مسك: «حان دوري الآن، أحتاج بعض الأغراض المهمّة.»
ابتسمت جوليا: «متجر "لكل مسلم" صحيح؟»
همهمت الأخرى، وقد ارتسم ضيق زائف على معالمها: «نعم، فأنا بحاجة لسجادة ولباس صلاة جديدين، إذ أن توتة مزقت التنورة وأنا أصلي العشاء ليلة أمس، أما السجّادة فكان لها نصيب عند صلاةِ الفجر. كان يتوجّب عليّ تشذيب أظافرها الحادّة، إنّها تفسد كل ما تمسّه.»
ضحكت جوليا بصدقٍ وقد استذكرت موقفًا، فانسابت دمعة من عينها: «إن توتة قطةٌ مشاغبة، أذكر في آخر مرة زرتك فيها أنّها أخذت تقفز على تنورة صلاتكِ حتّى كادت تسقط.»
بادلتها مسك الضحك، ثم نفت برأسها: «بالكاد تمسكت حينها، أما فجر اليوم فكانت غائصةً وسط نومها، لكنّها وبمجرّد رؤيتي أخرج السجّادة، استرجعت نشاطها وظلّت تلعب بها حتّى أحدثت فيها ثقوبًا، ونزعت عنها بوصلة القِبلَة.»
أشارت لها جوليا بسبّابتها: «نصيحة! اربطيها على شجرة الليمون قبل كل صلاة.»
صغّرت مسك عينيها بتفكير: «فكرةٌ سديدة.»
صمتت كلتاهما بضع ثوانٍ ثم انفجرتا ضاحكتين، ثم وضعت مسك كفها على كتف جوليا تتابعان سيرهما. فهي، كلما انتهت جوليا من الصلاة، تأخذها إلى متجر صغير يقع على الضفّة الأخرى من حيّهن، يحمل لافتة كتب عليها «لكل مسلم». كان المتجر ملكًا لرجل مسن يُدعى حسن، اشتهر بابتسامته البشوشة العريضة، وأحاديثه الدافئة مع زبائنه، له من اسمه نصيبٌ إذ أنّه حسن الخُلقِ والملافظ. في داخل متجره، تُعرض سجادات الصلاة وملابس العبادة والكتب الصغيرة التي تشرح الفقه، تفسّر القرآن، وتحوي بعض الأذكار. كان المكان بمثابة محطة شبه ثابتة في مسار عودتهما.
جوليا تدخل هناك بذات شعور مسك في الكنيسة، تجد في الأمر حرجًا مماثلًا، فتنتظر مسـك وهي تبحث عن حاجاتها الروحية بعين فاحصة، وتلهي نفسها بالنظر إلى صندوق المسابح الخرزية، فحين تنظر هناك كل مرّة، ترى مسابح تشبه خاصّتها، إلا أن الفرق تلك النجمة المقترنة بالهلال المنسدلة في الأسفل، وأن ما بحوزتها ينسدل منها صليبها.
ولجتا المتجر تشعران بلهفةٍ وجلة، فحسن خلال الأسبوع الأخير لم يجلس في متجره، وقد وكّل المهمة لابنه الأصغر، وعلمتا صدفةً من الجيرانِ أنّه مصابٌ بحمّى شديدة. لكن حين وقع بصرهما خلف منضدة أمين الصندوق، وجدتاه يجلس هناك بابتسامتهِ المعتادة.
نطقت مسك بابتسامة مهذّبة: «السلامُ عليكم.»
لم يلبث أن نظر لها بعفويةٍ ليرد السلام: «وعليكم السلام يا ابنتي.»
ابتسمت جوليا: «حمدًا لله على سلامتكَ يا عم حسن.»
لاح حسن بكفّه نافيًا: «مجرّد حمّى لا تشغلي بالك.»
همست مسك دون النظر له: «الحمد لله على سلامتك.»
أجابهما بصوتٍ خفيض ليتابع قراءة صحيفته بعدها: «بارك الله بكما.»
توجهت مسك الى حيث توضع سجادات الصلاة بمختلف الأشكال والألوان، لكنّها لم تَغُص في الحيرةِ طويلًا، فلقد انتقت سجادة جديدة مارونية اللون دون أي زخارف، تتوسّطها بوصلةٌ للقبلة، وانتقت لباس صلاة آخر سندياني اللون. تدعو في سريرتها ألا تقوم قطتها الصغيرة توتة بترك خدوش مشاغبة كما عادتها دومًا، ولم تلبث أن ضحكت وهي تتخيل توتة تقفز على السجادة الجديدة في أكثر لحظاتها خشوعًا.
كانت جوليا كعادتها، غائصة الأنظار بين تلك المسابح، كانت توشك على الالتفات لتُلقي نظرةً على الأخرى لولا أن استوقفتها تلك المسبحة، فالتقطتها دون ترددٍ وهي تلحظ كمّ الشبه بينها وبين مسبحتها المفضّلة الموجودة في رف مكتبتها.
نظرت صوب مسك وهرولت صوبها، ونكزت كتفها: «خذي هذه، تشبه مسبحتي.»
ابتسمت مسك ونظرت صوب المسبحة، كانت بخرزات سوداء مخطوطة باللون الذهبي، وفي نهايتها ينسدل الهلال والنجمة: «إنّها جميلة! سآخذها.»
التقطت المسبحة متوجهةً إلى منضدة العم حسن، وضعت ما اشترته عليها قائلةً: «عمي حسن، اشتريت هذه السجادة ولباس الصلاة، والمسبحة.»
ألقى حسن نظرةً سريعة: «مائة وثلاثة وعشرون.. أعطني مائة وعشرون.»
قدّمت له المبلغ المطلوب بابتسامة، فهذه عادته دومًا، حيث يقوم بإنقاص عددٍ بسيط من القروش كل مرة، وللجميع. التقطت الكيس الذي قدّمه لها، وخرجت برفقة جوليا عقب أن ألقت السلام مرةً أخرى.
غادرتا المتجر معًا، والأكياس بين يدي مسك تتأرجح، وكانت قد أخرجت المسبحةَ الجديدة، والليل قد سدل ستار الظلام على المدينة تقريبًا، وخطوط الشفق في السماء في الأفق باتت أقلّ وضوحًا. بينما جوليا تحمل مسبحتها الأخرى التي أخذتها صباحًا عن منضدةِ الطعام، تعصمها على معصمها.
كان المشهد بسيطًا، لكنه يحمل في طياته معنى عميقًا. اختلافٌ بين ديانتين، احترامٌ بين الاختلافين، وانسجام بين عالمين متوازيين، لا يلتقيان في العقائد، لكنّهما يتقابلان في نقطة الاحترام. تؤمن كلتاهما أن لكلٍ منهما دين مختلف، لكنّهما تؤمنان أن التعصّب يقتل الألفة، وأن الانفتاح المفرط يمحو الهُوية، وأن ما بين هذا وذاك يجب أن يبتغي المرء سبيلًا. أن يتمسك المرء بدينه ويهتدي تعاليمه بلا إساءة لدينٍ آخر، وأن يحترم من حوله دون أن يذوب فيهم.
عندها فقط تصبح الحياة أجمل، ويغدو السير فيها أخف وطأة، فنحن لم نخلق للمعارك إن تمسّكنا بعقائدنا دون الانصياع للفتنة.
من قال إن الدين عائق عند الصداقة، فكلتاهما رفيقتان منذ الصغر، يجمعهما احترامٌ متبادل، فلا تعتدي إحداهن على الأخرى، وتتفهّمان أن لكل منهما عقيدة مغايرة، وأن كل منهما تلتزم بدينها وتعاليمه مع احترام الطرف الآخر واحترام عقيدته دون الغوص فيها. تدركان أن احترام الأشخاص ذوي الأديان المختلفة واحترام مشاعرهم وعدم الإساءة لهم هو ما يبقي الحياةَ على توازنها، فالتزامك بدينك واجب، وعدم الإساءة للغير واجبة كذلك.
التعصب مشكلة، والانفتاح الزائد مشكلة، إذ على المرءِ أن يكون وسطيًا، فلا يتعصب في تعاليم دينه لدرجة الغلو فيخالف شرعه، وبالمقابل لا ينفتح فيصبح منحرفًا تشوبه الشوائب جلّها.
كن وسطيًا.♡
* * * {/cenr}{/center}
4 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.