الفصل الخامس || أول طريق إلى الظلام
{center}🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
أشدُّ ما يواجه الإنسان ليس الفقد نفسه، بل ما
يتركه الفقد في قلبه إن لم يتمسك بالله.
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
انطلق أذان الفجر من المسجد القريب، فتسلل صوته إلى أرجاء البيت الهادئ، ينساب بين الجدران برفقٍ كأنه يوقظ الأرواح قبل الأجساد.
كان المنزل ساكنًا على غير عادته...
لا صوت يقطع هيبة الصباح، ولا حركة تُعلن بداية يوم جديد.
حتى عقارب الساعة بدت وكأنها تسير بخطوات أبطأ، احترامًا لذلك السكون الذي خيّم على المكان منذ رحيل سلمان.
تسللت أولى خيوط الفجر عبر ستائر الغرفة.
فاستقرت فوق الأثاث بصمت، ترسم على الجدار خطوطًا ذهبية باهتة.
كأنها تبشر بولادة صباحٍ يحمل في طياته قدرًا لا يعلمه إلا الله.
فتحت ليان عينيها بهدوء.
لأول مرة منذ وفاة سلمان...
لم تستيقظ على ثقلٍ يجثم فوق صدرها، ولا على دمعة سبقت صحوها.
بل نهضت بسهولة، وكأن قلبها تخلص أخيرًا من حملٍ ظل يرافقه أيامًا طويلة.
جلست على طرف السرير لحظات.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت بصرها نحو المقعد الخشبي الذي اعتاد سلمان أن يجلس عليه كل فجر.
يقرأ ورده من القرآن قبل أن يخرج إلى المسجد.
كان المقعد خاليًا...
لكنه لم يعد يوحي بالوحدة كما كان يفعل في الأيام الماضية.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
ليست ابتسامة امرأةٍ نسيت حزنها...
بل ابتسامة مؤمنةٍ أيقنت أن الفراق ليس نهاية الحكاية، وإنما بداية انتظار اللقاء في دارٍ لا يعرف أهلها الوداع.
نهضت بخطوات هادئة، واتجهت نحو النافذة.
أزاحت الستارة برفق، ثم فتحتها.
فاندفعت نسمة الفجر الباردة إلى الغرفة، تحمل معها رائحة الأرض بعد ندى الليل.
وصوت العصافير التي بدأت تسبح بحمد خالقها قبل أن تشرق الشمس.
أغمضت عينيها للحظة...
وتركت الهواء يلامس وجهها، وكأنها تستقبل رحمةً أرسلها الله لتطمئن قلبًا أتعبه الفقد.
رفعت بصرها إلى السماء التي كانت لا تزال تتشح بزرقة الفجر، وهمست باستغفارٍ خافت، أعقبته دعوة قصيرة خرجت من قلبٍ امتلأ يقينًا:
"اللهم... اجعل ما عندك خيرًا مما عندنا، واجمعني بمن أحببت في مستقر رحمتك."
استدارت بهدوء.
وحين مرت بجوار الطاولة الصغيرة، توقفت خطواتها.
كان مصحف سلمان ما يزال في مكانه...
إلى جواره سبحته التي لم يمسها أحد منذ رحيله.
مدت يدها برفق، ولامست غلاف المصحف بأطراف أصابعها، ثم مرت بأناملها على حبات السبحة، كما لو أنها تستعيد بها ذكرى يدٍ طالما رأتها تتحرك بها وهي تردد:
سبحان الله... والحمد لله... ولا إله إلا الله... والله أكبر.
تنهدت في هدوء، ثم همست، وعيناها معلقتان بالمصحف:
"الحمد لله على كل ما اخترته لنا... فما اخترته كان خيرًا، وإن عجزت قلوبنا عن فهمه."
ابتسمت مرة أخرى...
ثم اتجهت بخطوات واثقة نحو مكان الوضوء، استعدادًا للوقوف بين يدي الله.
ولم يكن أحد يعلم...
أن ذلك الصباح، الذي بدأ بكل هذا السلام، سيحمل معه آخر صلاةٍ ستؤديها ليان في الدنيا.
°
°
°
فرغت ليان من صلاة الفجر، لكنها لم تنهض من سجادتها مباشرة.
بقيت جالسة، والمصحف بين يديها، تتلو وردها اليومي بصوت خافت.
حتى بدا وكأن آيات القرآن وحدها هي التي تتحرك في ذلك البيت الذي أنهكه الفقد.
كانت الكلمات تخرج من قلبها قبل شفتيها، فتملأ أرجاء المكان بسكينة لم يعرفها منذ رحيل سلمان.
وحين انتهت...
أغلقت المصحف برفق، كما لو أنها تخشى أن توقظ الصمت من حولها.
رفعته بكلتا يديها، وقبّلته قبلة خفيفة، ثم وضعته في مكانه، قبل أن ترفع كفيها إلى السماء.
أغمضت عينيها...
وانساب الدعاء من قلب أمٍّ لم يعد لها في الدنيا سوى ابنها.
"اللهم احفظه من نفسه قبل أن تحفظه من الناس..."
سكتت لحظة، وكأنها تبحث عن كلمات أوسع من قلبها.
ثم تابعت بصوت اختلطت فيه الرجاء باليقين:
"اللهم إن ضاقت به الدنيا... فلا تضق عليه رحمتك، وإن كثرت عليه الفتن... فثبّت قلبه على دينك."
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط.
وأكملت:
"اللهم اجعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ولا تجعل الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه."
تنهدت بهدوء، ثم مررت كفيها على وجهها، وهمست:
"أستودعك يا رب... أغلى ما أملك."
نهضت بعدها متجهة إلى المطبخ.
منذ أيام لم تطأ قدماها ذلك المكان إلا قليلًا، أما اليوم فقد عادت إليه بخطوات هادئة، كأنها استعادت جزءًا من نفسها.
أخرجت إبريق الشاي، وأشعلت النار تحته، ثم بدأت ترتب مائدة فطور بسيطة كما كانت تفعل كل صباح.
وحين مدت يدها إلى الخزانة لتخرج الأكواب...
توقفت.
وقعت عيناها على الكوب الأبيض الذي لم يكن يشرب فيه أحد سوى سلمان.
ظلّت تحدق فيه طويلًا.
ثم حملته بين يديها، وأخذت تمرر أصابعها على حافته برفق، وكأنها تلامس ذكرى لا خزفًا.
ابتسمت...
ابتسامة صغيرة، يغلب عليها الرضا أكثر مما يغلب عليها الحنين.
ثم أعادته إلى مكانه بهدوء، وأخرجت كوبًا آخر تعرف أن كنان يفضله.
وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
"يكفي أن أراك بخير يا بني... فهذا ما كان يتمناه أبوك."
بعد أن انتهت من إعداد الفطور، مسحت يديها بطرف مئزرها، ثم اتجهت نحو غرفة كنان.
طرقت الباب طرقات خفيفة، كما اعتادت منذ كان طفلًا.
ولما لم يجب، فتحت الباب قليلًا وقالت بنبرة دافئة:
"كنان... حان وقت الفجر."
فتح عينيه ببطء، ثم اعتدل في جلسته وهو ينظر إليها باستغراب.
كانت ملامحها مختلفة.
وجهها أكثر إشراقًا، وعيناها أكثر طمأنينة.
ابتسم ابتسامة خافتة وقال:
"استيقظتِ باكرًا اليوم."
بادلته الابتسامة نفسها، ثم أجابت بهدوء:
"هناك أيام... يشعر الإنسان أنه يجب أن يبدأها مع من يحب."
توقف لحظة عند كلماتها.
لم يفهم لماذا لامست قلبه بهذه القوة.
لكنه اكتفى بالابتسام وهو يقول:
"سآتي حالًا."
بعد دقائق، جلسا متقابلين حول المائدة.
لم يكن الطعام كثيرًا...
لكن دفء الجلسة عوّض كل شيء.
تحدثا عن سلمان.
وللمرة الأولى منذ رحيله، لم تذكره ليان بعينين غارقتين في الدموع، بل بقلبٍ امتلأ رضا.
قالت وهي تنظر إلى مقعده الفارغ:
"أبوك لم يرحل يا كنان... سبقنا فقط إلى دارٍ نسأل الله أن يجمعنا به فيها."
ظل كنان صامتًا، يطالع ملامحها في دهشة.
ثم وضعت يدها فوق يده برفق، وقالت:
"اسمعني جيدًا يا بني... هناك أشياء إن ضاعت، أعادها الله، إلا القلب إذا ابتعد عنه بإرادته."
خفض بصره، بينما تابعت بصوت يفيض حنانًا:
"لا تؤخر الصلاة مهما اشتدت عليك الحياة."
"وإن ظلمك الناس... فلا تجعل ظلمهم عذرًا لتظلم."
"واحذر الغضب... فإنه يسرق من الرجل حكمته قبل أن يسرق كلماته."
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وأضافت:
"وإذا ضاق صدرك يومًا... فلا تفتح قلبك لكل أحد، افتح المصحف أولًا، وستجد فيه جوابًا لم يخبرك به أحد."
ظل يستمع إليها باهتمام، وهو يظن أنها مجرد نصائح أمٍّ تخشى على ابنها.
ولم يكن يعلم...
أنها كانت تترك في قلبه آخر ما تستطيع حمله إليه قبل أن ترحل.
وحين همّ بالخروج، نادته بصوت حنون:
"كنان..."
التفت إليها.
اقترب منها، فمدت يدها ترتب ياقة قميصه كما اعتادت أن تفعل منذ صغره.
تأملته طويلًا، ثم ابتسمت وقالت:
"انتبه لنفسك يا بني."
ابتسم وهو يربت على يدها قائلًا:
"وأنتِ أيضًا يا أمي."
خرج من المنزل، وأغلق الباب خلفه.
أما ليان...
فبقيت واقفة في مكانها، تحدق في الباب الذي خرج منه، كأنها تحفظ آخر صورة لابنها في قلبها.
ثم رفعت بصرها إلى السماء، وهمست بصوت ملؤه التسليم:
"استودعتك الله... يا أغلى ما بقي لي."
وغمر البيت صمتٌ لم يكن يشبه صمت الأيام الماضية...
بل كان يشبه سكينةً تسبق قدرًا كتبه الله منذ الأزل.
°
°
°
أُغلق الباب بهدوء خلف كنان، فتردد صدى خفيف في أرجاء المنزل، ثم عاد كل شيء إلى سكونه.
ساد البيت صمتٌ لم يكن موحشًا...
بل كان صمتًا مهيبًا، يشبه سكون المساجد بعد انقضاء صلاة الفجر.
لم يُسمع سوى صوت عقارب الساعة وهي تشق طريقها بثبات.
وزقزقة عصافير بدأت تستقبل صباحًا جديدًا لا تعلم أن هذا البيت يودّع إحدى أرواحه.
وقفت ليان في مكانها لحظات.
أنصتت لذلك السكون...
ثم أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستودع أنفاسها كلها عند الله.
بدأت تسير بين أرجاء المنزل بخطوات هادئة.
كانت تتأمل كل زاوية بعينين امتلأتا رضا، لا حزنًا.
تمرر أطراف أصابعها فوق الأثاث برفق، وكأنها تودع سنواتٍ كاملة عاشت فيها أجمل أيام عمرها.
حتى وصلت إلى غرفة سلمان.
توقفت عند الباب قليلًا...
ثم دخلت.
كل شيء ما زال كما تركه.
عباءته معلقة خلف الباب.
ساعته فوق الطاولة.
وعطره ما يزال عالقًا في هواء الغرفة، رغم مرور الأيام.
اقتربت من السرير، ومدت يدها ترتب الوسادة التي اعتاد أن يضع رأسه عليها...
ثم التقطت سترته المعلقة، وضمّتها إلى صدرها لحظة قصيرة.
أغمضت عينيها...
واستنشقت ما بقي فيها من أثره.
لكنها لم تبكِ.
بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، يغلفها رضا المؤمن بقضاء ربه.
ثم أعادت السترة إلى مكانها، وهمست بصوتٍ خافت:
"الحمد لله... لقد حفظ الله أمانتك يا سلمان... وسيحفظها بعدي."
ظلت تحدق في صورته المعلقة على الجدار لحظات، ثم قالت وكأنها تخاطبه:
"أرجو أن تكون مطمئنًا... لقد حاولت أن أكون له أمًا وأبًا بعدك... أما اليوم... فقد تركته بين يدي من لا تضيع عنده الودائع."
خرجت من الغرفة بهدوء، واتجهت نحو موضع الوضوء.
كان الماء البارد ينساب فوق كفيها في لطف، وكل قطرة تمر على جسدها كانت تغسل معها شيئًا من تعب الدنيا.
وحين انتهت، جففت يديها، ثم حملت سجادة الصلاة التي اعتادت أن تصلي عليها، وفرشتها بجوار المكان الذي كان سلمان يصلي فيه.
وضعت المصحف إلى جانبها.
ثم وقفت تستقبل القبلة.
رفعت يديها وقالت:
"الله أكبر."
وانسابت في الصلاة بقلبٍ حاضر...
تركع في خشوع.
وترفع رأسها في سكينة.
وتسجد وكأن الأرض لم تعد تحمل جسدها، بل يحملها اليقين.
وحين سلّمت من صلاتها...
بقيت جالسة قليلًا.
رفعت كفيها إلى السماء.
ولم تطلب من الله بيتًا، ولا مالًا، ولا عمرًا طويلًا.
كان كل دعائها يدور حول من أحبت.
"اللهم اغفر لسلمان، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة."
سكتت لحظة، ومسحت دمعة يتيمة استقرت على خدها.
ثم تابعت:
"اللهم احفظ كنان من الفتن ما ظهر منها وما بطن...
وافتح له أبواب الهداية إذا أغلقتها الدنيا في وجهه...
وارزقه زوجةً صالحة تكون له عونًا على دينه ودنياه."
تنهدت طويلًا...
ثم ابتسمت ابتسامة ملؤها الرضا، وقالت بصوت خافت:
"وإن ضل يومًا... فرده إليك ردًا جميلًا."
أطبقت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم همست بما بقي في قلبها:
"اللهم... إن كنت قد كتبت لي لقاءً قريبًا بك... فاجعل آخر كلامي من الدنيا شهادة أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك."
أنزلت يديها ببطء...
ثم عادت إلى سجادتها.
سجدت.
وطال سجودها...
حتى بدا وكأن الزمن نفسه توقف احترامًا لتلك اللحظة.
دخلت أشعة الشمس الأولى من النافذة، واستقرت فوق أطراف السجادة.
تحركت الستارة مع نسمة صباح هادئة.
وبقي المصحف مفتوحًا إلى جوارها.
أما ساعة الحائط...
فاستمرت في عدّ الدقائق، غير مدركة أن قلبًا مؤمنًا قد سبقها إلى موعدٍ كتبه الله منذ الأزل.
وفي المطبخ...
كان كوب الشاي الذي أعدّته بيديها ما يزال دافئًا.
والعصافير ما زالت تغرد فوق أغصان الأشجار.
أما ليان...
فقد كانت قد سلّمت روحها إلى بارئها، في هدوءٍ يشبه حياتها كلها...
بين سجدةٍ بدأت لله...
ولم ترفع منها رأسها إلا في السماء.
°
°
°
عاد كنان إلى المنزل مع اقتراب الضحى، يحمل في يده كيسًا صغيرًا يضم بعض الحاجيات التي طلبتها والدته في الأيام الماضية.
رغم أنها لم تعد تحتاج شيئًا منها.
كان يسير بخطوات هادئة، لكن ذهنه لم يفارق كلماتها منذ غادر البيت.
"هناك أيام... يشعر الإنسان أنه يجب أن يبدأها مع من يحب."
ابتسم تلقائيًا كلما تذكرها.
لم يفهم يومها لماذا قالتها بتلك الطريقة...
لكنه شعر أنها لامست مكانًا عميقًا في قلبه، مكانًا لم يعرف اسمه بعد.
أخرج المفتاح من جيبه، وأدار القفل بهدوء.
ما إن فتح الباب حتى استقبله ذلك السكون الذي ألفه منذ وفاة والده.
ابتسم وهو يخلع حذاءه، ثم رفع صوته قائلًا كعادته:
"أمي... عدت."
انتظر لحظة.
لم يجبه أحد.
لم يستغرب في البداية.
لعلها في غرفتها...
أو ما تزال تقرأ القرآن.
أغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو المطبخ ليضع الأغراض.
توقفت عيناه عند المائدة.
كان كل شيء كما تركاه صباحًا.
كوب الشاي الخاص به قد فرغ.
أما كوبها...
فما زال نصفه ممتلئًا، وقد برد الشاي في داخله.
ورغيف الخبز الذي قطعت منه لقيمات قليلة بقي في مكانه، كما لو أن صاحبته قامت للحظة ثم وعدت بالعودة.
انعقد شيء غريب في صدره.
عاد ينادي بصوت أعلى قليلًا:
"أمي... أين أنتِ؟"
ساد الصمت.
ذلك الصمت الذي لم يكن يشبه صمت البيت المعتاد...
بل كان أثقل.
أبرد.
وكأنه يخفي شيئًا لا يريد البوح به.
بدأ يتنقل بين الغرف.
فتح باب غرفتها.
لم يجدها.
توجه إلى غرفة سلمان.
كانت مرتبة كما هي دائمًا.
ازداد اضطرابه.
ولمّا التفت بعينيه نحو آخر الممر...
وقع نظره على باب غرفة الصلاة.
كان مواربًا.
وشعور غامض دفعه للسير نحوه، رغم أن قلبه كان يرفض كل خطوة.
اقترب ببطء.
ثم دفع الباب برفق.
هناك...
كانت ليان.
ما تزال ساجدة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال بعفوية:
"أمي... أطلتِ السجود اليوم."
لم تتحرك.
ابتسم مرة أخرى، محاولًا كسر الصمت:
"إن بقيتِ هكذا... سيبرد الغداء أيضًا."
لكن السجدة بقيت طويلة...
طويلة أكثر مما ينبغي.
بدأت الابتسامة تتلاشى عن وجهه.
اقترب أكثر، وجلس إلى جوارها.
مد يده، ووضعها برفق على كتفها.
كان الجسد ساكنًا...
باردًا.
تجمدت أصابعه في مكانها.
سحب يده بسرعة، كأن عقله رفض تصديق ما أحسه.
ثم هز كتفها هزة خفيفة وقال وهو يبتسم ابتسامة مرتبكة:
"أمي... يكفي مزاحًا."
لا جواب.
اقترب أكثر، وصوته بدأ يرتجف:
"أمي..."
ثم للمرة الثالثة، بصوت اختلط فيه الرجاء بالخوف:
"أمي... أرجوك... ردي علي."
رفعها برفق من سجودها، وأسند رأسها إلى ذراعه.
كانت ملامحها هادئة...
هادئة إلى حدٍ أرعبه.
كأنها نائمة بعد تعب طويل.
أخذ يربت على وجنتها بكف مرتجفة.
"أمي... افتحي عينيك."
لم تفتحها.
ردد الشهادة قرب أذنها، وهو يرجو أن يسمع منها همسة، أو يرى حركة في شفتيها.
لكن الصمت...
كان الجواب الوحيد.
عندها فقط...
بدأت الحقيقة تتسلل إلى قلبه، ببطءٍ وقسوة.
سقط جالسًا على الأرض، وما تزال بين ذراعيه.
نظر إليها طويلًا، وكأنه ينتظر أن تستيقظ وتبتسم له، وتخبره أن كل ما يحدث ليس إلا كابوسًا.
لكنها بقيت ساكنة...
بسكينة لم يعرفها من قبل.
ضمها إلى صدره كما كان يفعل وهو طفل، حين كان يهرب إلى حضنها من خوف الليل.
أما اليوم...
فلم يكن يهرب من شيء.
بل كان يحاول أن يمنع العالم كله من أخذها منه.
وحين وقعت عيناه على السجادة...
رأى بقعة صغيرة ابتلت بدموعها.
ثم لمح المصحف مفتوحًا إلى جوارها.
فهم في تلك اللحظة...
أن آخر دموعها لم تكن على نفسها.
بل كانت دعاءً له.
انحنى يقبل جبينها، وهمس بصوت مكسور:
"سامحيني يا أمي... لقد تأخرت."
وفي ذلك اليوم...
لم يفقد كنان أمه فحسب...
بل فقد آخر قلبٍ كان يدعو له في جوف الليل، وآخر بابٍ كان إذا ضاقت به الدنيا عاد إليه مطمئنًا.
°
°
°
ظل كنان جالسًا على الأرض، يحتضن والدته بين ذراعيه، غير قادر على استيعاب ما حدث.
كانت ملامحها ساكنة...
هادئة كما لم يرها من قبل.
كأنها لم تمت...
بل غفت بعد صلاةٍ طويلة.
أما هو، فكان ينظر إليها بعينين زائغتين، وكأن عقله يرفض الاعتراف بالحقيقة التي أدركها قلبه منذ اللحظة الأولى.
مرت دقائق...
أو ربما ساعات.
لم يعد يشعر بالزمن.
كل ما كان يسمعه هو دقات قلبه المتسارعة، وأنفاسه المتقطعة، وصوت الساعة المعلقة على الجدار، تواصل عدّ الثواني وكأن شيئًا لم يحدث.
أخيرًا...
امتدت يده المرتجفة نحو الهاتف.
حاول أن يلتقطه، فسقط من بين أصابعه.
انحنى بسرعة، التقطه مرة أخرى، لكن أصابعه لم تعد تطيعه.
كان الرقم الذي حفظه منذ سنوات قد اختفى فجأة من ذاكرته.
أغمض عينيه، وأخذ يردد في نفسه:
"اهدأ... اهدأ يا كنان..."
ثم تمكن أخيرًا من طلب الإسعاف.
ما إن جاءه صوت الموظف من الطرف الآخر حتى انعقد لسانه.
فتح فمه...
لكن الكلمات خانته.
خرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، كصوت طفلٍ فقد طريقه:
"أ... أمي..."
ساد صمت قصير.
ثم قال، بصعوبة كأن كل حرف ينتزع من قلبه:
"أمي... لا تستيقظ."
لم يطل الوقت حتى توقفت سيارة الإسعاف أمام المنزل.
دخل المسعفون بخطوات هادئة، وقد اعتادوا رؤية الموت.
لكنهم لم يعتادوا رؤية الانكسار الذي كان يسكن عيني ذلك الشاب الجالس إلى جوار والدته.
اقترب الطبيب منها.
جثا على ركبتيه.
تفقد نبضها.
أنصت إلى صدرها.
ثم رفع رأسه ببطء.
نظر إلى كنان طويلًا، وفي عينيه أسف صادق، قبل أن يقول بصوت خافت:
"رحمها الله..."
لم يقل شيئًا آخر.
ولم يكن هناك ما يمكن أن يقال بعد تلك الجملة.
خفض كنان رأسه، وأغمض عينيه.
كانت الكلمات ثقيلة...
ثقيلة إلى درجة أنها أنهت آخر خيطٍ كان يتمسك به.
بدأ المسعفون يجهزون الجثمان.
أخرجوا الكفن، وطلب أحدهم من كنان بلطف:
"لو سمحت... ابتعد قليلًا."
رفع رأسه إليه، وهز رأسه بالنفي.
لا...
لم يستطع.
كيف يبتعد عنها، وهي التي لم تبتعد عنه يومًا؟
اقترب أكثر، وجثا إلى جوارها.
مد يده المرتجفة، وسوّى طرف حجابها كما كانت تفعل له كل صباح حين ترتب ياقة قميصه.
ثم انحنى ببطء.
وطبع قبلة طويلة على جبينها.
قبلة لم يكن يودع بها أمه فحسب...
بل يودع آخر حضنٍ كان يعرف طريقه إليه كلما أثقلته الحياة.
حُملت ليان على النقالة، واتجه المسعفون بها نحو الباب.
وقف كنان في مكانه، عاجزًا عن الحركة.
وقعت عيناه على عتبة المنزل.
هناك...
في المكان نفسه.
قبل ساعات فقط...
وقفت والدته ترتب ياقة قميصه، وابتسمت وهي تقول:
"انتبه لنفسك يا بني."
واليوم...
كانت تغادر البيت للمرة الأخيرة.
دون أن تلتفت.
دون أن تودعه.
تابع النقالة بعينيه حتى اختفت خارج الباب.
وحين أُغلق الباب من جديد...
شعر أن شيئًا أكبر من الصمت سكن المنزل.
كأن الجدران نفسها فقدت نبضها.
غادر الجميع بعد قليل.
وعاد البيت إلى وحدته.
دخل كنان بخطوات بطيئة، كأنه يدخل مكانًا لا يعرفه.
توقفت عيناه عند المائدة.
كان كوب الشاي الذي أعدته له صباحًا ما يزال في مكانه.
وسجادة الصلاة لم تُطوَ بعد.
والمصحف بقي مفتوحًا على الصفحة التي كانت تقرؤها.
أما حجابها...
فكان معلقًا خلف الباب، ينتظر يدًا لن تعود إليه.
اقترب ببطء.
جلس في منتصف الصالة.
ثم أسند ظهره إلى الأريكة.
ظل ينظر إلى الفراغ طويلًا...
حتى خذلته مقاومة قلبه.
فانحنى إلى الأمام، ودفن وجهه بين كفيه.
وانفجر باكيًا.
لم يكن بكاءً مرتفعًا...
بل كان صوت رجلٍ يحاول أن يحبس انهياره، فيخرج الألم من بين أنفاسه بدلًا من صوته.
رفع رأسه بعد لحظات، وحدق في السقف بعينين غمرتهما الدموع.
ثم خرجت منه الكلمات مكسورة، كأنها سؤال ضائع بين الأرض والسماء:
"يا رب... أخذت أبي... ثم أخذت أمي... فكيف سأتعلم أن أعيش وحدي؟"
ولم يجبه أحد...
إلا ذلك الصمت الذي كان، منذ ذلك اليوم، أثقل من كل الكلمات.
°
°
°
انقضت أيام العزاء ببطءٍ أثقل من الزمن نفسه.
ثلاثة أيام...
وربما أربعة.
لم يعد كنان يميز بين صباحٍ ومساء، ولا بين ساعةٍ وأخرى. كان كل شيء يمر أمامه كأنه مشهد باهت لا يعنيه.
في ذلك الصباح، غادر آخر المعزين.
صافحه الرجل بحرارة، ودعا له بالصبر، ثم خرج بهدوء وأغلق الباب خلفه.
عاد الصمت...
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا مؤقتًا.
بل صمتًا أعلن أن البيت لم يعد ينتظر أحدًا.
وقف كنان في منتصف الصالة، ينظر حوله ببطء.
الأريكة في مكانها.
المائدة كما هي.
ساعة الحائط لا تزال تدور.
حتى رائحة القهوة التي أعدها أحد المعزين بقيت عالقة في الهواء.
كل شيء كما هو...
إلا أصحاب البيت.
شعر فجأة أن الجدران ابتعدت عنه، وأن الممرات أصبحت أطول مما كانت عليه.
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يهمس لنفسه:
"غريب... كيف يصبح البيت أكبر... لما يرحل منه الأهل."
°
°
°
استيقظ في صباح اليوم التالي على صوت المنبه.
أطفأه بضجر، ونهض متثاقلًا، ثم أخذ يبحث بعينيه عن مفاتيحه.
وبلا وعي، رفع صوته كما اعتاد منذ سنوات:
"أمي... أين وضعتِ مفاتيحي؟"
خرجت الكلمات تلقائيًا...
بسيطة...
عفوية...
كما كانت تخرج كل صباح.
لكنها لم تجد هذه المرة من يجيبها.
توقف في مكانه.
ظل ينظر نحو المطبخ، منتظرًا أن يسمع صوتها يقول:
"على الطاولة يا بني."
أو أن يراها تخرج وهي تمسح يديها بمئزرها وتبتسم له.
لكن شيئًا لم يحدث.
لم يتحرك في البيت سوى عقارب الساعة.
أطرق رأسه ببطء.
وأغمض عينيه.
كأنه يعاقب نفسه لأنه نسي، ولو للحظة، أن أمه لن تجيب بعد اليوم.
دخل المطبخ.
فتح الخزانة.
ومد يده ليخرج الأكواب.
واحد...
اثنان...
ثلاثة.
لم ينتبه لما فعل إلا بعد أن وضعها جميعًا فوق الطاولة.
ظل يحدق فيها طويلًا.
الكوب الأزرق...
كان لسلمان.
والأبيض المزخرف...
كانت ليان تفضله دائمًا.
أما الثالث...
فكان له.
ابتسم ابتسامة منكسة، ثم حمل الكوبين ببطء، وأعادهما إلى مكانهما.
قال بصوت خافت، كأنه يخاطبهما:
"يبدو أنني لم أعتد الغياب بعد."
أعد لنفسه كوبًا من الشاي، وجلس إلى المائدة.
رفع أول لقمة إلى فمه.
لكنه لم يستطع ابتلاعها.
بقي يمضغها بصعوبة، ثم أعاد الملعقة إلى الطبق.
لم يكن الجوع قد غادره...
بل كانت الوحدة قد سبقت إليه.
ارتفع أذان الظهر من المسجد القريب.
امتلأ البيت بذلك الصوت الذي طالما أحبه سلمان.
توجه كنان نحو النافذة.
رأى الرجال يعبرون الطريق في اتجاه المسجد.
فتذكر والده...
كان دائمًا أول الخارجين.
وتذكر والدته...
كانت لا تتركه يضيع صلاةً دون أن تذكره بابتسامتها الهادئة:
"قم يا بني... الصلاة خير من الدنيا وما فيها."
أغمض عينيه.
كانت قدماه تتحركان تلقائيًا نحو الباب...
ثم توقفتا.
وقف مكانه.
ينظر إلى المسجد من بعيد.
لم يكن في قلبه اعتراض على الله...
ولا كرهٌ للصلاة.
لكن شيئًا داخله انكسر.
شيء جعله يشعر أن الطريق إلى المسجد صار أطول من أن يقطعه، وأن جسده أثقل من أن يحمله.
انتهى الأذان...
ثم أُقيمت الصلاة...
ثم عاد المصلون إلى بيوتهم.
أما هو...
فبقي واقفًا في مكانه، يراقب الباب دون أن يفتحه.
وفي تلك اللحظة، وُلد أول شرخٍ صغير في العلاقة التي ربطته بربه طوال سنوات عمره.
لم يكن شرخ كفر...
ولا تمرد...
بل شرخ قلبٍ أثقله الفقد حتى عجز عن الوقوف بين يدي الله.
°
°
°
مع غروب الشمس، دخل غرفة والده.
كانت الغرفة ما تزال تحتفظ برائحتهم.
اقترب من الطاولة الصغيرة، فوجد إطارًا خشبيًا تتوسطه صورة قديمة تجمع سلمان وليان.
كانا يبتسمان.
ابتسامة بسيطة...
لكنها كانت تملأ الصورة حياة.
حمل الإطار بين يديه، وجلس على حافة السرير.
راح يمرر إبهامه فوق وجهيهما، وكأنه يخشى أن يبهت ملامحهما مع مرور الأيام.
ثم ابتسم ابتسامة مكسورة، وقال بصوت بالكاد سمعه هو نفسه:
"لقد وعدتما... أن تبقيا معي."
ساد الصمت.
ولم تنزل دمعة واحدة.
فثمة أوجاع...
تتجاوز البكاء.
وثمة قلوب...
حين يشتد وجعها، لا تبكي...
بل تصمت، وكأنها فقدت حتى القدرة على الانكسار.
°
°
°
هبط الليل على المنزل ببطء، حتى ابتلع آخر خيطٍ من ضوء النهار.
كان السكون يملأ كل زاوية، حتى بدا البيت كأنه توقف عن التنفس منذ رحيل ليان.
في غرفة سلمان...
استلقى كنان فوق السرير، محدقًا في السقف بعينين مفتوحتين، رغم أن الليل أوشك على الانتصاف.
أغمض عينيه مرة...
ثم فتحهما.
استدار إلى الجهة الأخرى...
ثم عاد إلى مكانه.
حاول أن يسرق منه النوم ساعةً واحدة، لكن النوم كان قد هجر ذلك البيت منذ أن غادره والداه.
تنهد طويلًا، ثم مد يده إلى هاتفه.
فتح الشاشة بلا هدف.
بدأ يتنقل بين الصور القديمة، حتى وقع بصره على تسجيلٍ صوتي يحمل اسم والده.
تردد لحظة...
ثم ضغط عليه.
امتلأت الغرفة بصوت سلمان، وهو يتلو القرآن بصوته الهادئ الذي طالما بث الطمأنينة في قلبه.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
ارتجفت شفتا كنان.
شعر أن الجدران كلها تحفظ ذلك الصوت.
وأن البيت، الذي كان قبل لحظات صامتًا، عاد ينبض بوجود والده.
أغمض عينيه، وأصغى لثوانٍ معدودة...
لكن قلبه لم يحتمل.
أغلق الهاتف بسرعة، وألقاه إلى جواره.
ثم وضع كفيه على وجهه، وهمس بصوت مبحوح:
"اشتقت إليك يا أبي..."
ابتلع كلماته، وكأن الاعتراف بالاشتياق زاد الجرح اتساعًا.
بدأ خيط الفجر الأول يشق ظلمة السماء.
نهض كنان ببطء من فراشه.
لم يعرف لماذا اتجهت قدماه نحو زاوية الغرفة، حيث بقيت سجادة الصلاة مطوية كما تركتها والدته.
حدق فيها طويلًا.
وتدفقت الذكريات دفعة واحدة.
صوت سلمان يوقظه قبل الفجر:
"قم يا بني... من اعتاد الوقوف بين يدي الله، هان عليه الوقوف أمام الدنيا."
ثم صوت ليان، وهي تطرق باب غرفته بابتسامتها الحانية:
"لا تجعل الشيطان يسرق أول ساعة من يومك."
ارتجف قلبه.
انحنى، ومد يده إلى السجادة.
فتحها ببطء.
وقف فوقها.
استقبل القبلة.
ورفع يديه.
لكن...
حين أراد أن يقول:
"الله أكبر"...
تجمدت الكلمات في حلقه.
ظل واقفًا.
ينظر إلى موضع سجود أمه.
ثم إلى المكان الذي كان والده يقف فيه إلى جوارها.
شعر أن الغرفة امتلأت بهما...
ثم تذكر أنهما رحلا.
فهبطت يداه ببطء.
وجلس على الأرض.
أسند ظهره إلى الحائط.
وأرخى رأسه إلى الخلف.
لم يكن غاضبًا من الله...
بل كان غارقًا في حيرةٍ لم يعرفها من قبل.
همس بصوت بالكاد يُسمع:
"يا رب..."
وصمت.
طال الصمت.
ثم خرجت الكلمات متقطعة، كأنها تُنتزع من صدره انتزاعًا:
"كنتُ أظن أنني سأجد السكينة كلما وقفت بين يديك..."
أطرق رأسه.
وتابع بصوتٍ أكثر انكسارًا:
"فلماذا أشعر أن قلبي اليوم أثقل من أن يقف؟"
مرر يده على وجهه، وأغمض عينيه.
"دلّني يا رب... فقد أضعت الطريق إلى نفسي."
لم يكن يشكو من قضاء الله...
بل كان يحاول أن يفهم كيف يعيش بعد أن فقد كل من كان يدلّه على الطريق.
ارتفع أذان الفجر.
تردد صوته في أرجاء الحي، كما كان يحدث كل يوم.
لكن شيئًا لم يتحرك هذه المرة.
بقي كنان جالسًا في مكانه.
أنصت إلى الأذان حتى آخر حرف.
ثم عمّ الصمت من جديد.
ولأول مرة منذ أن تعلّم الصلاة طفلًا...
مرت صلاة الفجر...
وهو لم يقف بين يدي الله.
لم يكن استخفافًا بالصلاة.
ولا استهانة بربه.
بل كان قلبًا أنهكه الفقد، حتى عجز عن حمل نفسه إلى السجود.
أشرقت الشمس ببطء.
وانعكست أشعتها على أطراف سجادة الصلاة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم انحنى.
وطواها بعناية، كما لو كان يخشى أن يؤذيها.
حملها بين يديه، ووضعها داخل الخزانة.
وأغلق الباب بهدوء.
وفي تلك اللحظة...
لم يطوِ كنان سجادة الصلاة فحسب...
بل طوى معها آخر عادةٍ ورثها عن أبيه، وأول خيطٍ كان يربط قلبه بالسكينة التي عرفها يومًا.
°
°
°
مرت عدة أيام منذ انطفأ آخر صوت في ذلك المنزل.
لم يعد كنان يعرف كيف تمضي الساعات، ولا كيف ينقضي النهار.
كان يعيش أيامه كما يعيشها الغريب في مدينةٍ لا يعرفها؛ يتحرك لأن عليه أن يتحرك، لا لأنه يريد ذلك.
وفي صباحٍ رمادي، اضطر إلى مغادرة المنزل للمرة الأولى منذ انتهاء العزاء.
أغلق الباب خلفه ببطء، وأدار المفتاح في القفل، ثم بقي واقفًا للحظات ينظر إلى الباب المغلق.
كان يشعر أنه كلما ابتعد خطوة عن البيت، ابتعد خطوة أخرى عن آخر ما تبقى من والديه.
تنهد بصمت، ثم سار في الشارع بخطوات ثقيلة.
كان شاحب الوجه، وعيناه غارقتين في السهر، أما ملامحه فكانت توحي بأن الحياة مرت عليه سنوات، لا أيامًا.
مر الناس من حوله...
أصوات السيارات...
ضحكات الأطفال...
نداءات الباعة...
كلها كانت تصل إلى سمعه كأصوات بعيدة لا تخصه.
كان يسير...
لكن روحه بقيت هناك، داخل ذلك البيت الصامت.
على الجانب الآخر من الطريق، كانت تقف سيارة سوداء فاخرة، يختبئ ما بداخلها خلف زجاجٍ معتم لا يسمح لأحد برؤية ركابها.
لو مر بها أي عابر، لظن أنها مجرد سيارة متوقفة.
لكنها لم تكن تنتظر موقفًا...
بل كانت تنتظر رجلًا.
ومن خلف الزجاج، كانت عينان تراقبان كنان منذ اللحظة التي خرج فيها من منزله.
ساد الصمت داخل السيارة لثوانٍ.
ثم قال أحد الرجلين بصوت هادئ:
"إذن... رحلت الأم أيضًا."
لم يرفع الآخر عينيه عن كنان، وهو يجيب ببرود:
"وأصبح وحيدًا."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الأول، وقال:
"قلت لكم إن هذا اليوم سيأتي."
ثم أضاف وهو يشير برأسه نحو كنان:
"لم يعد هناك أحد يعيده كلما اقترب من الهاوية."
ظل الثاني يتأمله طويلًا قبل أن يسأل:
"هل تظن أنه أصبح مستعدًا؟"
هز الأول رأسه ببطء.
"ليس بعد..."
ثم أردف بصوتٍ خافت، يحمل يقينًا مخيفًا:
"لكن الألم يصنع رجالًا... إذا وجد من يعرف كيف يستغله."
ساد الصمت من جديد.
قبل أن يقول الرجل الثاني، وكأنه يسترجع ذكرى قديمة:
"والده أفسد خطتنا قبل خمسةٍ وعشرين عامًا."
ابتسم الأول ابتسامة باردة، وأجاب دون أن يحول نظره عن الشاب السائر وحيدًا:
"وسيعيد الابن فتح الباب الذي أغلقه أبوه."
لم يزد أحدهما حرفًا.
لكن تلك الكلمات كانت كافية لتفتح عشرات الأسئلة.
من هؤلاء؟
وما الذي أفسده سلمان؟
ولماذا ينتظرون كنان منذ كل هذه السنوات؟
°
°
°
في تلك الأثناء، تابع كنان سيره دون أن يشعر بشيء.
لكنه، وبعد خطوات قليلة، تباطأت حركته فجأة.
التفت خلفه.
شعر للحظة أن نظرةً ما كانت تلاحقه.
جال ببصره في الطريق.
لم يرَ سوى المارة، والسيارات العابرة، وأرصفةٍ لا تحمل أي جواب.
ظل واقفًا لثوانٍ، ثم هز رأسه، وأقنع نفسه أن ما يشعر به ليس سوى إرهاقٍ أثقل أعصابه.
استدار، وأكمل طريقه.
وفي اللحظة التي اختفى فيها عن زاوية الشارع...
دبت الحياة داخل السيارة السوداء.
اشتغل المحرك بصوتٍ خافت.
ثم تحركت ببطء، قبل أن تبتلعها الطرقات، وكأنها لم تكن هناك أصلًا.
وفي ذلك الصباح...
كان كنان يظن أن الوحدة هي أخطر ما ينتظره.
ولم يكن يعلم...
أن هناك عيونًا، منذ سنواتٍ طويلة، كانت تترقب اليوم الذي يصبح فيه وحيدًا.
°
°
°
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان هناك مبنى لا يحمل اسمًا، ولا لوحةً تدل عليه.
واجهته رمادية صامتة، ونوافذه المعتمة لا تسمح لأحد برؤية ما يدور خلفها.
لم يكن المكان يوحي بأنه مقر شركة...
ولا مستودعًا مهجورًا...
بل كان شيئًا بين الاثنين؛ مكانًا لا يدخله إلا من يعرف الطريق إليه.
في الطابق الأخير، ساد صمت ثقيل.
قاعة واسعة، تتوسطها طاولة طويلة من الخشب الداكن، تحيط بها مقاعد متباعدة بعناية.
وكأن كل شيء في المكان صُمم ليمنح صاحبه شعورًا بالهيبة والسيطرة.
وقف رجال ببدلات سوداء على جانبي القاعة.
وجوه جامدة...
وأيدٍ متشابكة خلف ظهورهم.
لم يتبادل أحدهم كلمة واحدة.
حتى الصمت هناك...
كان يخضع للأوامر.
انفتح الباب بهدوء.
دخل الرجلان اللذان كانا يراقبان كنان من داخل السيارة السوداء.
تقدما بخطوات ثابتة، حتى وصلا إلى الطاولة.
أخرج أحدهما ملفًا أسود سميكًا، ووضعه أمام المقعد الرئيسي.
ارتفع صوت ارتطامه بالخشب في القاعة، فكسر الصمت للحظة.
على غلافه، كُتب بخط أبيض واضح:
"كنان سلمان الريّان."
فتح الرجل الملف.
كانت صفحاته مرتبة بدقةٍ تثير القشعريرة.
صورة لطفل يبتسم بين ذراعي والديه.
أخرى له في المرحلة الثانوية.
صور من الجامعة.
نسخة من شهادات تخرجه.
عنوان منزله.
أرقام هواتفه.
الأماكن التي اعتاد ارتيادها.
بل وحتى صور التُقطت له من مسافات بعيدة، دون أن يلتفت يومًا إلى العدسة التي كانت تراقبه.
لم تكن مراقبة بدأت قبل أيام...
بل كانت سنواتٍ كاملة تُطوى داخل ذلك الملف.
ساد الصمت من جديد.
ثم فُتح الباب مرة أخرى.
دخل رجل يتقدمه حضوره قبل خطواته.
لم يكن بحاجة إلى رفع صوته، ولا إلى إصدار الأوامر.
كان مجرد دخوله كافيًا ليقف الجميع احترامًا.
جلس في المقعد الرئيسي، ثم مد يده إلى الملف.
راح يقلب صفحاته ببطء، وكأنه يقرأ قصة يعرف نهايتها مسبقًا.
توقفت أصابعه عند صورة لكنان.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بهدوء:
"يشبه والده."
ساد الصمت لحظة.
قبل أن يجيب أحد الرجال:
"في الملامح فقط، سيدي."
أغلق الرجل الملف نصف إغلاق، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يصعب فهمها.
وقال:
"أما المبادئ..."
رفع نظره نحو رجاله.
"...فلم تُختبر بعد."
عاد يفتح الملف.
توقفت عيناه عند صورة سلمان.
ظل يتأملها طويلًا، قبل أن يقول بصوت هادئ، لكنه يحمل شيئًا من البرود:
"كان أمام سلمان أكثر من طريق."
مرر إصبعه فوق الصورة.
ثم أردف:
"لكنه اختار الطريق الوحيد الذي وضعه في مواجهتنا."
لم يعلق أحد.
فالجميع كان يعرف أن الحديث عن سلمان لا يُقاطع.
أغلق الرجل الصفحة ببطء.
وقال:
"دفع ثمن اختياره سنواتٍ طويلة..."
ثم رفع رأسه، وأضاف بنبرة لم تحمل غضبًا، بل يقينًا:
"والديون القديمة... لا تسقط بالتقادم."
ساد الصمت مرة أخرى.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
قطع أحد الرجال الصمت وهو يسأل:
"هل نصدر أمرًا بإحضاره؟"
رفع الرجل عينيه إليه.
بقي ينظر إليه ثوانٍ، قبل أن يهز رأسه بالنفي.
"لا."
ساد الهدوء من جديد.
ثم أسند ظهره إلى المقعد، وقال ببطء:
"الرجل المكسور..."
توقف لحظة.
"...لا يحتاج إلى قيود."
تلاقت أنظار الرجال نحوه.
فأكمل:
"يكفي أن تمنحه طريقًا... ويجعله يظن أنه هو من اختاره."
ارتسمت على وجوه الحاضرين ملامح الفهم.
لم تكن خطتهم تعتمد على القوة...
بل على استغلال الفراغ الذي تركه الألم في قلب كنان.
أغلق الرجل الملف الأسود بيده.
ووضع راحة كفه فوق غلافه، كأنه يعلن بداية صفحة جديدة.
ثم قال بصوت هادئ، لكنه حمل من الحسم ما جعل الجميع ينتصب واقفًا:
"ابدؤوا المرحلة الأولى."
لم يسأل أحد ما هي تلك المرحلة.
ولم يجرؤ أحد على طلب تفسير.
ففي ذلك المكان...
كانت الأوامر تُنفذ...
قبل أن تُفهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا إلى نهاية الفصل الخامس...🤍
كان هذا الفصل من أكثر الفصول هدوءًا، لكنه ربما كان الأثقل على القلب. فقد ودّعنا ليان، ورأينا كيف بدأ كنان يفقد آخر ما كان يربطه بالسكينة، بينما كانت هناك عيون تراقبه في صمت، تنتظر اللحظة المناسبة لتجرّه إلى طريقٍ لم يختره يومًا.
والآن جاء دوركم...
ما أكثر مشهد أثّر فيكم خلال هذا الفصل؟ وهل تتوقعون أن يستطيع كنان مقاومة ما ينتظره، أم أن انكساره سيكون بداية سقوطه؟
شاركوني آراءكم وتوقعاتكم، فأنا أقرأ كل تعليق بكل اهتمام، وربما تحمل بعض توقعاتكم مفاجآت لم تخطر ببالي. 🤍
{/center}
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!