وضع القراءة:

الفصل الثاني || الحكم

{center}🌿🌿🌿🌿🌿🌿
«"ليس كل من يحمل الحقيقة يصل بها... فبعض
الحقائق يُكتب لها أن تُدفن مع أصحابها."»
🌿🌿🌿🌿🌿
لم يكن الفجر قد أعلن ولادته بعد.
كانت المدينة غارقة في سكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى
هدير ريحٍ باردة تمر بين الأبنية، فتجعل الأشجار تتمايل كما لو أنها تهمس لبعضها بأخبار هذا اليوم.
أضاء مصباح صغير داخل منزلٍ متواضع في أحد الأحياء الهادئة.
كان الضوء يتسلل من أسفل باب غرفة الجلوس، بينما وقف حسين النجار أمام المرآة بصمت.
لم يكن ينظر إلى ملامحه...
بل كان ينظر إلى رجلٍ لم يعد يعرفه.
رجلٌ عاش سنواتٍ وهو يقنع نفسه بأن الصمت نجاة.
لكن الضمير...
كان أكثر إزعاجًا من الخوف.
مد يده المرتجفة نحو المغسلة، وغسل وجهه بالماء البارد.
رفع رأسه ببطء.
بدت التجاعيد حول عينيه أعمق من عمره الحقيقي.
كانت ليلة واحدة فقط كافية لتضيف إلى وجهه سنواتٍ من التعب.
خرج من الحمام بخطوات بطيئة.
كان البيت ساكنًا.
زوجته نائمة.
وابنته الصغيرة تحتضن دميتها في الغرفة المجاورة.
وقف عند باب غرفتها.
لم يفتح الباب كاملًا.
اكتفى بأن يتركه مواربًا.
من خلال الفتحة الضيقة، رأى الطفلة تبتسم في نومها.
ابتسم هو الآخر...
ابتسامة موجوعة.
همس بصوتٍ خافت:
"أسأل الله ألا تدفعي ثمن أخطاء أبيك."
ثم أغلق الباب برفق.
كأنه يخشى أن يوقظ براءتها.
توجه إلى خزانة خشبية قديمة في زاوية الصالة.
فتح درجها السفلي.
كان يخفي فيه ظرفًا بنيًا، التف حوله شريط مطاطي أسود.
أخرجه ببطء.
جلس على الأريكة.
فتح الظرف.
بدأ يقلب الأوراق واحدةً تلو الأخرى.
تقارير أصلية.
نسخ من تحويلات مالية.
وتقرير خبير خطوط يثبت أن توقيع سلمان الريّان على العقود المضبوطة مزور.
توقفت يداه عند الصفحة الأخيرة.
كانت تحمل عبارة قصيرة كتبها بنفسه قبل أشهر:
"إذا قرأت هذه الأوراق، فاعلم أن سلمان الريّان بريء."
أغمض عينيه.
وتذكر ذلك اليوم...
اليوم الذي جلس فيه أمام رجلٍ مجهول داخل مكتب فاخر.
قال له الرجل بهدوء:
"كل ما نريده منك... أن تقول إن التوقيع حقيقي."
أجابه حسين فورًا:
"لكنه ليس حقيقيًا."
ابتسم الرجل.
ودفع حقيبة سوداء فوق الطاولة.
حين فتحها...
وجد مبلغًا من المال لم ير مثله في حياته.
أعاد الحقيبة.
وقال بثبات:
"لن أشهد زورًا."
اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
ثم أخرج صورة صغيرة ووضعها أمامه.
كانت صورة ابنته.
يرتديها الزي المدرسي، وتبتسم للكاميرا.
قال الرجل بصوت بارد:
"جميلة..."
شعر حسين يومها أن الدم تجمد في عروقه.
ثم جاءت الجملة التي قتلته قبل أن يموت:
«"لا أحد يجبرك على الكذب... نحن فقط نترك لك حرية اختيار من سيدفع ثمن الصدق."»
ومنذ ذلك اليوم...
لم ينم ليلةً واحدة مرتاح الضمير.
عاد إلى الحاضر.
أعاد الأوراق إلى الظرف.
ثم وضعه داخل حقيبة جلدية سوداء.
أغلقها بإحكام.
كأنه يغلق داخلها آخر فرصة لإنقاذ رجلٍ بريء.
رن هاتفه فجأة.
ارتجف.
نظر إلى الشاشة.
رقمٌ مجهول.
ترك الهاتف يرن حتى انقطع.
بعد ثوانٍ...
وصلته رسالة قصيرة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد:
«"بعض الأبواب إذا فُتحت... لا تُغلق أبدًا."»
تسارعت أنفاسه.
نظر حوله.
رغم أن البيت خالٍ...
شعر أن أحدًا يراقبه.
أغلق الهاتف.
وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال بصوتٍ حازم، كأنه يخاطب نفسه:
"انتهى الأمر... اليوم سأقول الحقيقة."
أمسك بمفاتيح سيارته.
وقبل أن يغادر...
عاد مرةً أخرى إلى غرفة ابنته.
انحنى وقبّل جبينها.
ظلت نائمة.
لم تشعر بشفتي والدها المرتجفتين.
ولا بالدمعة التي سقطت على وسادتها.
وقف لحظة عند الباب.
ثم استدار...
وغادر المنزل.
وما إن أُغلق الباب خلفه...
حتى كانت في الجهة المقابلة من الشارع، وعلى بعد أمتار قليلة، سيارة سوداء تُطفئ أضواءها بهدوء.
تحرك محركها في صمت.
وبدأت تسير...
°
°
°
أدار حسين النجار مفتاح السيارة.
استيقظ المحرك بصوتٍ خافت، بينما بقي هو ممسكًا بالمقود لثوانٍ طويلة دون أن يتحرك.
كانت يداه ترتجفان.
ليس من البرد...
بل من ذلك الشعور الثقيل الذي يسكن صدر الإنسان عندما يعلم أن طريق العودة قد أُغلق.
رفع نظره إلى المرآة الأمامية.
انعكس وجهه عليها شاحبًا.
عينان غائرتان من قلة النوم، وتجاعيد لم تكن موجودة قبل أشهر.
ابتسم بسخرية مرة.
ثم همس:
"كم يشيخ الإنسان... عندما يحمل ذنب رجل بريء."
ضغط على دواسة الوقود.
تحركت السيارة ببطء، وغادرت الحي الذي عاش فيه أكثر من عشرين عامًا.
في الجهة المقابلة...
أضاءت السيارة السوداء مصابيحها للحظة.
ثم انطلقت.
بهدوء شديد.
كانت تحافظ على مسافة كافية حتى لا تثير الشك.
لكنها لم تكن تسمح له بالابتعاد.
داخلها...
جلس رجلان.
كان السائق يراقب الطريق بصمت، بينما جلس الآخر في المقعد الخلفي يقرأ صحيفة الصباح وكأن الأمر لا يعنيه.
قال السائق دون أن يلتفت:
"إنه يتحرك."
طوى الرجل الصحيفة ببطء.
نظر عبر الزجاج الأمامي.
ثم قال ببرود:
"دعه يشعر بالأمان أولًا."
كانت المدينة تستيقظ تدريجيًا.
أصحاب المخابز يفتحون محالهم.
ورائحة الخبز الساخن تمتزج برائحة المطر الذي هطل ليلًا.
طلاب المدارس بدأوا ينتظرون الحافلات.
ورجال النظافة يكنسون الأرصفة.
كل شيء يبدو طبيعيًا...
إلا قلب حسين.
كان يلتفت إلى المرآة كل بضع ثوانٍ.
في البداية...
أقنع نفسه بأنه يتوهم.
لكن...
عند الإشارة الثالثة...
كانت السيارة السوداء ما تزال هناك.
وعند الدوار...
كانت خلفه أيضًا.
وحين انعطف إلى شارع جانبي...
انعطفت خلفه دون تردد.
شعر ببرودة تسري في أطرافه.
قال بصوت خافت:
"لا..."
ثم هز رأسه بقوة.
"اهدأ يا حسين... ربما مجرد صدفة."
لكن قلبه...
لم يصدق تلك الكذبة.
أخرج هاتفه من جيبه.
فتح قائمة الأرقام.
توقف إصبعه فوق اسم واحد.
القاضي عبد الرحمن الكندي.
كان قد حصل على رقمه قبل أيام، بعد تردد طويل.
فكر أن يتصل مباشرة.
أن يخبره بكل شيء.
أن يقول له:
"سيدي القاضي... لقد حكمت على رجل بريء."
لكن...
هل سيصدقه؟
وهل سيمنحه الوقت أصلًا؟
أعاد الهاتف إلى جيبه.
وقرر أن يصل أولًا.
ثم يتحدث.
في السيارة السوداء...
رن هاتف الرجل الجالس في الخلف.
أجاب دون أن يغير ملامحه.
"نعم."
جاءه صوت خشن:
"هل غير مساره؟"
"لا."
"هل يبدو مرتبكًا؟"
نظر إليه من بعيد.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
"إنه ينظر إلى المرآة كل عشر ثوانٍ."
ضحك الصوت في الطرف الآخر.
وقال:
"إذن بدأ يشعر بنا."
أغلق الهاتف.
ثم قال للسائق:
"اقترب قليلًا."
ارتفعت سرعة السيارة السوداء.
لم تصبح ملاصقة له...
لكنها أصبحت أوضح.
أصبحت موجودة في مرآته طوال الوقت.
وكأنها تقول له:
"نعرف أنك تعرف."
ابتلع حسين ريقه.
شعر بأن الهواء داخل السيارة أصبح خانقًا.
فتح النافذة قليلًا.
دخلت نسمة باردة.
لكنه لم يشعر بأي راحة.
كان قلبه يخفق بعنف حتى خُيل إليه أن صوت نبضاته يملأ المقصورة.
عند الإشارة الحمراء...
توقفت السيارتان.
نظر حسين في المرآة.
هذه المرة...
رأى وجه السائق بوضوح.
كان ينظر إليه مباشرة.
بلا ابتسامة.
بلا غضب.
مجرد نظرة باردة...
كأنها نظرة صياد يعرف أن فريسته لن تهرب.
أدار حسين وجهه بسرعة.
وأحكم قبضته على المقود.
تحولت أصابعه إلى اللون الأبيض من شدة الضغط.
تمتم:
"يا رب..."
ثم سكت.
منذ أشهر...
لم يدعُ الله بهذا الصدق.
تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر.
انطلقت السيارات.
لكن حسين...
بدل أن يكمل طريقه إلى المحكمة...
انعطف فجأة نحو شارع مزدحم.
كان يريد أن يختبر شكوكه.
إذا انعطفوا خلفه...
فلن تكون صدفة.
ثلاث ثوانٍ...
خمس...
عشر...
ثم...
انعطفت السيارة السوداء خلفه.
أغلق حسين عينيه للحظة.
شعر أن الحقيقة أصبحت أوضح من الشمس.
همس بصوت مكسور:
"لقد عرفوا..."
وفي اللحظة نفسها...
كان الرجل الجالس في المقعد الخلفي يرفع هاتفه مرة أخرى، ويقول بهدوء لا يليق إلا بمن اعتاد إصدار أوامر الموت:
"الهدف تأكد من المراقبة..."
ثم سكت لحظة.
وأضاف:
«"ابدؤوا المرحلة الثانية."»
°
°
°
كان صباح المحكمة مختلفًا.
لم يكن الاختلاف في عدد الصحفيين الذين ازدحموا أمام البوابة الحديدية...
ولا في كاميرات القنوات الإخبارية التي انتشرت على الأرصفة...
ولا حتى في سيارات الشرطة التي اصطفت على جانبي الطريق.
بل كان في ذلك الشعور الخفي الذي يسبق العواصف.
شعورٌ لا يُرى...
لكنه يُثقل الهواء.
وقف كنان الريّان إلى جانب والدته أمام بوابة المحكمة.
كان يرتدي القميص الأسود نفسه الذي ارتداه في الجلسة السابقة.
أما ليان...
فكانت تمسك مسبحتها بقوة، حتى احمرّت أطراف أصابعها.
لم تنبس بكلمة منذ أن غادرا المنزل.
كانت شفتاها تتحركان بصمت.
دعاء...
يختلط بالدموع.
نظر إليها كنان للحظة.
لم يكن يعرف ماذا يقول.
أي كلمة في مثل هذا الصباح...
كانت تبدو صغيرة.
فمد يده بهدوء، وأمسك بيدها.
نظرت إليه.
ابتسم ابتسامة متعبة.
ثم قالت بصوت بالكاد سُمِع:
"اليوم سيظهر الحق... أليس كذلك يا كنان؟"
توقف الزمن للحظة.
أراد أن يجيبها بثقة.
أن يقول:
"نعم."
لكنه لم يستطع.
فاكتفى بأن ضغط على يدها برفق.
كأن الصمت أرحم من وعدٍ قد لا يتحقق.
°
°
°
في الداخل...
كان القاضي عبد الرحمن الكِندي يجلس وحده في مكتبه.
أمامَه ملفٌ سميك يحمل اسمًا واحدًا:
سلمان الريّان.
أغلق الملف.
ثم أعاد فتحه.
قرأ الأدلة مرة أخرى.
لم يكن يبحث عن معلومة جديدة...
بل كان يبحث عن الطمأنينة.
طرق أحد الموظفين الباب.
"تفضل."
دخل الموظف وقال:
"سيدي... وردنا قبل قليل بلاغ عن وفاة أحد الشهود في حادث سير."
رفع القاضي رأسه.
"أي شاهد؟"
نظر الموظف إلى الورقة.
ثم قال:
"حسين النجار."
ساد صمتٌ ثقيل.
قطّب عبد الرحمن حاجبيه.
"حادث؟"
"نعم، هذا ما ورد في التقرير الأولي."
أطرق القاضي برأسه.
ولسببٍ لم يستطع تفسيره...
شعر بأن شيئًا في داخله قد انكسر.
همس لنفسه:
"رحمه الله..."
ثم بقي ينظر إلى الملف طويلًا.
كان يشعر أن قطعًا من الصورة ما زالت مفقودة...
لكن القانون لا يمنحه حق الحكم بالحدس.
°
°
°
في الممر المؤدي إلى قاعة المحكمة...
كان صوت قيودٍ حديدية يقترب ببطء.
التفت الجميع.
وظهر سلمان الريّان بين اثنين من رجال الأمن.
كانت خطواته ثابتة.
ورأسه مرفوعًا.
لم يكن في وجهه أثرُ رجلٍ ينتظر مصيره...
بل أثرُ رجلٍ سلّم أمره إلى الله.
وحين وقعت عيناه على زوجته...
ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت كافية لتنهار ليان.
وضعت يدها على فمها، وغلبتها دموعها.
أسرع كنان ليسندها.
أما سلمان...
فاكتفى بالنظر إليهما، ثم قال بهدوء:
"لا تبكيا... فالحق لا يتغير بالبكاء."
كانت كلماته بسيطة...
لكنها سكنت القلوب أكثر من أي خطاب.
دخل الجميع إلى القاعة.
وقف الحاضرون احترامًا.
ودخل القاضي عبد الرحمن الكِندي بخطوات هادئة.
جلس في مكانه.
ألقى نظرة طويلة على سلمان...
ثم على كنان...
ثم على الملف المفتوح أمامه.
أمسك بالمطرقة الخشبية.
وساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت...
الذي يجعل نبضات القلوب أعلى من الأصوات.
رفع القاضي بصره...
وقال بصوت ثابت:
"بسم الله...
نفتتح جلسة النطق بالحكم."
وفي تلك اللحظة...
شعر كنان أن العالم كله حبس أنفاسه.
ولم يكن يعلم...
أن الكلمات القادمة لن تسلب والده حريته فقط...بل ستسلب منه حياته التي عرفها إلى الأبد.
°
°
°
ساد الصمت في أرجاء القاعة.
لم يعد يُسمع سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار، وصوت أوراق القاضي عبد الرحمن الكِندي وهو يقلبها للمرة الأخيرة.
كان كل شخص في القاعة ينتظر شيئًا مختلفًا.
الصحفيون ينتظرون الخبر.
رجال الأمن ينتظرون انتهاء الجلسة.
أما ليان...
فكانت تنتظر معجزة.
شدت على مسبحتها حتى كادت تنقطع خيوطها.
كانت تتمتم بين شفتيها:
"يا رب... لا تردني خائبة."
أما كنان...
فلم يكن يجلس.
وقف في آخر القاعة، وعيناه معلقتان بوالده.
كان يبحث في وجه سلمان عن أي علامة خوف.
لكنه لم يجد.
كان سلمان واقفًا بثبات، كأنه لا يقف أمام قاضٍ، بل أمام اختبار يعلم أن الله وحده يعلم نتيجته الحقيقية.
رفع القاضي رأسه.
نظر إلى سلمان طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ:
"بعد الاطلاع على ملف القضية، وسماع أقوال الادعاء والدفاع، ودراسة الأدلة المقدمة..."
توقفت الكلمات في أذن كنان.
لم يعد يسمع شيئًا.
كان يسمع نبضات قلبه فقط.
نبضة...
ثم أخرى...
ثم أخرى...
حتى خُيل إليه أن القاعة بأكملها تسمعها معه.
أكمل القاضي:
"...وحيث ثبت للمحكمة -وفق الأدلة المعروضة أمامها- ثبوت التهم المنسوبة إلى المتهم..."
انقبض قلب ليان.
أما سلمان...
فأغمض عينيه لحظة قصيرة.
ولم يقل شيئًا.
أخذ القاضي نفسًا عميقًا.
ثم نطق بالحكم.
"تحكم المحكمة على المتهم سلمان الريّان..."
ساد الصمت.
"...بالسجن المؤبد."
في تلك اللحظة...
لم ينهَر سلمان.
لكن العالم انهار في عيني كنان.
شعر وكأن الهواء اختفى من القاعة.
وكأن الكلمات تحولت إلى صخور سقطت فوق صدره.
أما ليان...
فلم تتحمل.
أطلقت شهقة موجوعة، ثم سقطت على الأرض.
أسرع كنان نحوها وهو ينادي:
"أمي... أمي!"
تقدم بعض الحاضرين لمساعدتها، بينما علت همسات في القاعة، واختلطت أصوات الصحفيين برجال الأمن.
لكن سلمان...
لم ينظر إلى أحد.
كانت عيناه معلقتين بابنه.
اقترب رجال الأمن منه ليقتادوه خارج القاعة.
وقبل أن يتحرك...
قال بصوت ثابت:
"سيدي القاضي."
رفع عبد الرحمن الكِندي بصره.
قال سلمان:
"أعلم أنك حكمت بما رأيت، وأسأل الله أن يُظهر لك يومًا ما لم تره."
ساد الصمت.
لم تكن في كلماته إهانة.
ولا تهديد.
بل دعاءٌ خرج من قلب رجلٍ يؤمن أن الحقيقة لا تموت.
خفض القاضي رأسه دون أن يجيب.
لأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعر بثقل الحكم على كتفيه.
اقترب سلمان من ابنه قدر ما سمحت به القيود.
نظر إليه مباشرة.
وقال بصوت خافت:
"يا كنان..."
رفع كنان رأسه، وعيناه مغرورقتان.
"لا تجعل هذا اليوم يصنع منك رجلًا يشبه الذين ظلمونا."
ارتجفت شفتا كنان.
لكنه لم يجد جوابًا.
ثم أضاف سلمان:
«"إذا خسرتَ الدنيا... فلا تخسر نفسك معها."»
ابتسم ابتسامة هادئة.
ابتسامة أبٍ يحاول أن يترك لابنه آخر وصية...
قبل أن يأخذه السجن.
أُغلقت القيود بإحكام.
واقتاده رجال الأمن نحو الباب الخلفي.
ظل كنان يراقب والده حتى اختفى.
ولأول مرة في حياته...
شعر أن ظهره أصبح بلا سند.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن هذا الحكم لم يكن نهاية قضية...
بل كان بداية حربٍ ستلتهم سنوات عمره، وستحوله من شابٍ يحلم بالعدل...
إلى رجلٍ لا يؤمن بوجوده.
°
°
°
خرجت ليان الريّان من المحكمة تستند إلى ذراع ابنها.
لم تعد تسمع شيئًا.
كانت أصوات الصحفيين تتداخل في أذنها كضجيج بعيد، لا معنى له.
"هل لديكم تعليق على الحكم؟"
"هل تعترفون بجرائم سلمان الريّان؟"
"هل ستستأنفون القضية؟"
كانت الأسئلة تنهال عليها كالحجارة.
أما كنان...
فلم يجب أحدًا.
كان يسير وعيناه معلقتان بالأرض.
يشعر أن كل خطوة أثقل من التي قبلها.
عندما وصلا إلى السيارة، فتحت ليان الباب، لكنها لم تركب.
ظلت تنظر إلى مبنى المحكمة.
همست بصوت مرتجف:
"سيخرج... أليس كذلك يا كنان؟"
لم يعرف ماذا يقول.
فنظر إلى المبنى هو الآخر.
ذلك المبنى الذي دخل إليه وهو يحمل أملًا صغيرًا...
وخرج منه يحمل حكمًا مؤبدًا.
في الطريق إلى المنزل...
لم يتبادلا كلمة واحدة.
كان المطر قد بدأ يهطل من جديد.
قطراته تنساب على زجاج السيارة، فتشوّه ملامح المدينة.
بدت الشوارع غريبة.
والمحال التي اعتاد سلمان المرور بها...
بدت وكأنها لا تعرفه.
نظر كنان إلى المقعد الفارغ بجانبه.
تذكر كم مرة جلس والده هناك، يحدثه عن العمل، وعن الأمانة، وعن الرجال الذين تُقاس قيمتهم بصدقهم لا بثروتهم.
أغمض عينيه.
لكن الذكريات كانت أقوى من أن تُطرد.
ما إن وصلا إلى المنزل...
حتى فوجئا بظرف أبيض موضوع أسفل الباب.
التقطه كنان.
فتح الظرف.
قرأ السطر الأول.
ثم تجمد.
اقتربت ليان بقلق.
"ما الأمر؟"
أجاب بصوت خافت:
"البنك..."
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل:
"جُمِّدت جميع حسابات الشركة... وجميع الأصول خاضعة للحجز."
شعرت ليان أن الجدار الذي تستند إليه قد اختفى.
لم تعد القضية تهدد حريتهم فقط...
بل حياتهم كلها.
دخل كنان غرفة والده.
كانت رائحة عطره لا تزال تملأ المكان.
جلس على الكرسي الخشبي الذي كان سلمان يجلس عليه كل مساء.
أدار بصره في الغرفة.
المصحف...
القلم...
النظارة...
كل شيء في مكانه.
وكأن صاحبه خرج قبل دقائق فقط.
مد يده إلى المصحف.
توقف.
بقيت أصابعه معلقة فوق غلافه.
ثم سحب يده ببطء.
ليس لأنه لم يكن يحترمه...
بل لأنه شعر للمرة الأولى أن قلبه امتلأ بأسئلة لم يعرف كيف يواجهها.
رفع رأسه نحو السقف.
وقال بصوت مكسور:
"إذا كان أبي بريئًا..."
وسكت.
ثم أكمل بعد صمت طويل:
"...فلماذا حدث كل هذا؟"
لم يكن ينتظر جوابًا.
لكن السؤال...
كان أول حجر يسقط في جدار يقينه.
°
°
°
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
دخل رجل مجهول إلى مكتب فخم.
وقف أمام نافذة تطل على المدينة.
دون أن يلتفت، سأله شخص يجلس خلف المكتب:
"هل انتهى الأمر؟"
أجاب الرجل بهدوء:
"صدر الحكم."
"والشاهد؟"
"لن يتكلم أبدًا."
ساد صمت قصير.
ثم ارتسمت على وجه الجالس خلف المكتب ابتسامة باردة.
وقال:
«"إذن... حان الوقت للمرحلة التالية."»
وأطفأ سيجاره...
كما لو أنه يطفئ آخر أثر للحقيقة.
°
°
°
أغلقت ليان باب غرفة الطعام خلفها بصمت.
لم تحمل معها سوى صينية الطعام التي لم يمسها أحد.
كان الطبق الثالث ما يزال كما هو...
الخبز في مكانه.
وكأس الماء لم ينقص منه شيء.
توقفت عند حوض المطبخ.
رفعت الطبق الذي كان مخصصًا لسلمان.
حدقت فيه طويلًا.
ثم مررت أصابعها على حافته، وكأنها تتحسس أثر يديه.
همست بصوت بالكاد يُسمع:
"لم تكن تحب أن يبرد طعامك..."
ارتعشت شفتاها.
"...سامحني يا سلمان."
وضعت الطبق في المغسلة.
لكنها لم تستطع أن تغسله.
استندت بكلتا يديها إلى الرخام، وانحنت برأسها.
لم يكن بكاؤها مرتفعًا...
كان أشبه بإنسان يحاول أن يمنع قلبه من الانكسار، لكنه يفشل في كل مرة.
أما كنان...
فكان يتجول في أرجاء المنزل ببطء.
كل زاوية كانت تحمل ذكرى.
على الجدار المقابل للمدخل، صورة قديمة للعائلة.
كان يوم تخرجه من الجامعة.
وقف أمامها.
ابتسم سلمان في الصورة وهو يضع يده على كتف ابنه بفخر.
أما ليان، فكانت تضحك دون أن تنظر إلى الكاميرا.
رفع كنان الصورة عن الحائط.
أزال عنها الغبار بطرف كمه.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
"كيف يمكن لصورة واحدة..."
قالها بصوت خافت.
"...أن تحتوي حياةً لم تعد موجودة؟"
أعادها إلى مكانها بعناية.
كأنه يخشى أن تنكسر هي أيضًا.
توجه إلى غرفة والده.
فتح الباب ببطء.
استقبلته رائحة الورق القديم والعطر الذي اعتاد سلمان استخدامه.
كان المكتب مرتبًا كما تركه.
ملفات العمل مصفوفة بعناية.
الأقلام داخل كوب زجاجي.
وساعة اليد موضوعة بجانب المصحف.
اقترب منها.
أمسك الساعة.
كانت متوقفة.
ضغط على زرها.
لم تتحرك.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"حتى الوقت..."
تنهد.
"...قرر أن يتوقف معك."
فتح درج المكتب.
وجد دفترًا صغيرًا بغلاف جلدي بني.
كان سلمان يدون فيه خواطره وبعض الملاحظات اليومية.
فتح أول صفحة.
وجد بخط والده:
«"الرجل لا يُقاس بما يملكه، بل بما يبقى منه في قلوب الناس إذا غاب."»
أغلق كنان الدفتر بسرعة.
شعر بغصة تخنقه.
جلس على الكرسي.
ووضع الدفتر فوق ركبتيه.
لأول مرة منذ بداية المحنة...
شعر بأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
كان يريد أن يصرخ.
أن يحطم شيئًا.
أن يوقظ هذا العالم ليخبره أن والده ليس مجرمًا.
لكن العالم...
كان مشغولًا بتصديق العناوين.
قطع الصمت صوت جرس الباب.
خرج كنان من الغرفة.
مسح دموعه سريعًا.
وتوجه نحو المدخل.
فتح الباب.
وقف أمامه رجل في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة رسمية ويحمل حقيبة جلدية سوداء.
انحنى باحترام وقال:
"السلام عليكم... أنا محامي شركة الريّان."
اتسعت عينا كنان قليلًا.
"تفضل."
دخل الرجل بخطوات مترددة.
كان ينظر إلى المنزل بحزن واضح.
جلس في غرفة الضيوف.
وبقي صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
"تمنيت أن أزوركم في ظروف أفضل."
أومأ كنان بصمت.
أخرج المحامي مجموعة من الملفات.
ووضعها على الطاولة.
ثم قال بنبرة عملية، لكنها لم تخلُ من الأسى:
"جئت لأبلغكم بآخر المستجدات."
شعر كنان بأن قلبه انقبض.
لم يعد يخاف من الأخبار...
بل أصبح يخاف من كلمة "مستجدات".
تنهد المحامي.
ثم تابع:
"بناءً على الحكم الصادر اليوم... بدأت الجهات المختصة في تجميد أصول الشركة مؤقتًا."
نظر كنان إليه دون أن يقاطعه.
"كما أن عددًا من الشركاء أعلنوا انسحابهم."
ساد صمت ثقيل.
ثم أضاف المحامي بصوت منخفض:
"وأخشى... أن هذا ليس كل شيء."
رفع كنان رأسه.
لأول مرة منذ انتهاء المحكمة...
شعر أن المعركة الحقيقية...
لم تبدأ بعد.
°
°
°
أغلق المحامي حقيبته الجلدية ببطء، ثم أسند ظهره إلى المقعد.
لم يكن يبدو كرجل جاء ليؤدي عملًا روتينيًا.
كان يحمل على ملامحه ذلك التردد الذي يسبق الأخبار الثقيلة.
نظر إلى كنان طويلًا، ثم قال:
"قبل أن أبدأ... أريدك أن تعلم أنني عملت مع والدك خمسة عشر عامًا."
ساد الصمت.
أكمل الرجل بصوت خافت:
"وأشهد بالله أنني لم أرَ منه يومًا ما يجعلني أشك في نزاهته."
لأول مرة منذ ساعات...
شعر كنان أن أحدًا لم ينظر إلى والده كمجرم.
تنفس بعمق، وقال:
"إذن لماذا يعاملنا الجميع وكأن الحكم أثبت الحقيقة المطلقة؟"
أطرق المحامي برأسه.
ثم أجاب:
"لأن الناس يحاكمون بالعناوين... لا بالوقائع."
فتح الحقيبة مرة أخرى.
وأخرج ملفًا أزرق سميكًا.
دفعه نحو كنان.
"هذه قائمة بالشركات التي ألغت عقودها معنا منذ صدور الحكم."
فتح كنان الملف.
كانت الصفحات مليئة بالأختام والتواقيع.
كل صفحة تعني خسارة.
كل توقيع يعني بابًا أُغلق.
قرأ أسماءً كان يسمع والده يذكرها بفخر.
شركات كانت تعتبر سلمان شريكًا موثوقًا...
أما اليوم، فقد كانت تتبرأ من اسمه في رسائل رسمية باردة، لا تحمل حتى كلمة مواساة.
رفع كنان نظره.
"هل حاول أحد التواصل معكم؟"
هز المحامي رأسه.
"بل على العكس... بعضهم طلب إزالة اسم الريّان من أي مشروع مشترك."
شعر كنان وكأن الكلمات تُنتزع من صدره انتزاعًا.
لم يكن الأمر يتعلق بالمال.
بل بتاريخ رجلٍ يُمحى أمام عينيه.
في تلك اللحظة...
خرجت ليان من غرفتها.
ابتسم لها المحامي احترامًا، ونهض من مكانه.
قال بصوت مليء بالتقدير:
"أم كنان... أسأل الله أن يفرّج كربكم."
أومأت برأسها شاكرة.
ثم جلست بهدوء.
نظرت إلى الملفات فوق الطاولة.
وسألت:
"هل ما زال هناك أمل؟"
تبادل المحامي وكنان نظرة قصيرة.
كان السؤال بسيطًا...
لكن الإجابة أثقل من أن تُقال.
بعد لحظات صمت، قال المحامي:
"القانون يسمح بالاستئناف... لكننا نحتاج إلى دليل جديد."
تعلقت عينا ليان بهذه الجملة.
"إذن ابحثوا عنه."
قالها بيقين امرأة لم تسمح للحزن أن يقتل رجاءها.
"زوجي بريء... وأنا أعرف الرجل الذي عشت معه ثلاثين عامًا."
ساد الصمت مرة أخرى.
ولم يجرؤ أحد على كسر ذلك اليقين.
قطع الصمت حين قال :
"سيسمحون لكم بالزيارة غدا "
وقف المحامي استعدادًا للمغادرة.
وقبل أن يصل إلى الباب، استدار نحو كنان.
وقال:
"لا تتخلَّ عن القضية."
ثم اقترب منه خطوة.
وأضاف بصوت لا تسمعه ليان:
"لكن... انتبه لنفسك."
قطّب كنان حاجبيه.
"ماذا تقصد؟"
تردد الرجل قليلًا، ثم قال:
"منذ بدأت القضية، شعرت أن هناك أمورًا لا تسير بشكل طبيعي."
"مثل ماذا؟"
تنهد.
"لا أملك دليلًا... ولذلك لا أريد أن أتهم أحدًا."
ثم أكمل:
"لكنني تعلمت خلال سنوات عملي أن بعض الملفات... يرفض أصحابها أن تُفتح مرة أخرى."
بقيت الجملة معلقة في ذهن كنان.
ملفات...
يرفض أصحابها أن تُفتح.
خرج المحامي.
وأُغلق الباب خلفه بهدوء.
لكن شيئًا في قلب كنان قد فُتح في تلك اللحظة.
لم يعد يرى القضية على أنها حكم قضائي انتهى.
بل حربٌ لم تبدأ بعد.
اقترب من النافذة.
نظر إلى السماء التي بدأت تكتسي بزرقة الليل.
ثم قال في نفسه:
«"إذا كانت الحقيقة ما تزال موجودة... فسأجدها، مهما دفنوها تحت آلاف الأوراق."»
°
°
°
دخل كنان بوابة السجن وهو يشعر أن الهواء نفسه أصبح أثقل.
كان المبنى الرمادي يقف في أطراف المدينة كأنه قطعة من الصمت، تحيط به الأسلاك الشائكة من كل جانب، وتعلوه أبراج مراقبة يقف فوقها حراس لا تظهر على وجوههم أي ملامح.
نظر إلى والدته.
كانت تمسك حقيبة صغيرة وضعت فيها بعض الملابس النظيفة، ومصحفًا صغيرًا، وساعة يد سلمان التي رفضت أن تتركها في المنزل.
سألها برفق:
"هل أنتِ بخير؟"
أومأت برأسها.
لكن كنان كان يعرف أنها تكذب.
منذ صدور الحكم، لم تنم سوى ساعات قليلة، ولم تأكل إلا ما يجبرها عليه.
تقدما نحو مكتب الاستقبال.
طلب الحارس بطاقتي هويتهما، ثم فتش الحقيبة بدقة.
أخرج المصحف، وقلب صفحاته باحترام، ثم أعاده إليها.
ابتسمت ليان ابتسامة خافتة وهي تضم المصحف إلى صدرها.
كان هذا أول شيء يبعث في قلبها شيئًا من الطمأنينة منذ أيام.
قادهم أحد الحراس عبر ممرات طويلة.
كانت الجدران الخرسانية باردة، ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
في كل بضع خطوات، كان باب حديدي يُفتح بصوتٍ حاد، ثم يُغلق خلفهم بقوة.
طَاخ...
ذلك الصوت لم يكن مجرد باب يُغلق.
كان يبدو وكأنه يغلق جزءًا من العالم خلفه.
شعر كنان أن كل باب يعبره يبتعد به أكثر عن الحياة التي كان يعرفها.
وصلا أخيرًا إلى غرفة الزيارة.
في منتصفها جدار زجاجي سميك.
وعلى جانبيه هاتفان قديمان.
جلست ليان بصمت.
أما كنان، فبقي واقفًا.
كانت عيناه معلقتين بالباب المقابل.
كل ثانية تمر كانت تبدو أطول من التي قبلها.
ثم...
فُتح الباب.
دخل سلمان الريّان.
ارتدى زي السجن.
لكن أكثر ما صدم كنان...
أن والده بدا أكبر من عمره بعشر سنوات.
لم يمضِ على دخوله السجن سوى أسابيع.
ومع ذلك...
كان الشيب قد ازداد في شعره.
وظهرت هالات سوداء تحت عينيه.
أما ابتسامته...
فكانت هي نفسها.
ابتسامة هادئة، كأنها تريد أن تقول:
"لا تقلقوا... أنا ما زلت بخير."
ما إن رأته ليان...
حتى وضعت يدها على فمها.
وانهمرت دموعها بصمت.
أما سلمان، فرفع يده إلى الزجاج.
ابتسم لها.
وأشار إليها أن تهدأ.
جلس الثلاثة في أماكنهم.
رفع سلمان سماعة الهاتف.
ورفع كنان السماعة المقابلة.
ساد الصمت.
لم يعرف أيٌّ منهما من أين يبدأ.
ابتسم سلمان وقال:
"كبرت يا كنان..."
ضحك كنان رغم الدموع.
"في أسبوعين فقط؟"
ابتسم سلمان ابتسامة دافئة.
"بعض الأيام... تُكبر الإنسان أكثر من سنوات."
خفض كنان رأسه.
لم يجد ما يقوله.
رفعت ليان السماعة الأخرى.
كانت تبكي وهي تنظر إلى زوجها.
قالت بصوت مرتجف:
"سامحني..."
قطب سلمان حاجبيه.
"على ماذا؟"
"لم أستطع أن أفعل شيئًا."
هز سلمان رأسه برفق.
"ليان..."
ثم ابتسم ابتسامته المعهودة.
"منذ متى أصبحتِ تحملين نفسك ما لا طاقة لك به؟"
مسحت دموعها.
نظر سلمان إلى ابنه طويلًا.
ثم قال:
"اقترب."
ابتسم كنان بحزن.
"وكأن الزجاج سيسمح لي."
ابتسم سلمان هو الآخر.
ثم قال:
"إذن اقترب بقلبك."
أغمض كنان عينيه للحظة.
ثم رفعهما.
كان يشعر أن كل كلمة يقولها والده قد تكون الأخيرة التي تبقى في ذاكرته.
قال سلمان بهدوء:
"اسمعني جيدًا."
توقف.
ثم أكمل:
"ستسمع الناس يشتمونني."
"وسيقولون إن أباك مجرم."
"وسيبتعد عنك من كانوا يتسابقون لمصافحتي."
"وستشعر أحيانًا أن الدنيا كلها ضدك."
ثم سكت لحظة.
ونظر مباشرة في عيني ابنه.
وقال:
"لكن لا تسمح يومًا أن يحولك ظلم الناس إلى ظالم مثلهم."
ارتجفت شفتا كنان.
وأجاب بصوت مكسور:
"أعدك يا أبي."
ابتسم سلمان...
لكنه لم يكن يعلم أن ذلك الوعد سيكون أصعب وعد سيحاول كنان الوفاء به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا إلى نهاية الفصل الثاني... 🖤
برأيكم، هل كان الحكم على سلمان نهاية القصة... أم بداية المأساة؟
وهل تعتقدون أن كنان سيتمكن من كشف الحقيقة، أم أن الانتقام سيقوده إلى طريقٍ لا عودة منه؟
شاركوني توقعاتكم ونظرياتكم، فأنا أقرأ جميع تعليقاتكم بشغف... وربما يقترب أحدكم من الحقيقة أكثر مما يتوقع. 👀✨
{/center}
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.