السيف والدم
السيف والدم
جزء 3 من 3
وضع القراءة:

2 | بين الصيادين(2)

في ظلمة الليل، استلقى كانامي على سطح الفندق يراقب النجوم، بينما تداعب نسمات الليل خصلاته السوداء.
كان يفكر في مسرحيته المتقنة؛ فما هذه إلا البداية، ولم يكن هدفه جعل العدالة تأخذ مجراها مطلقاً؛ فهو ليس بطلاً ولا قديساً.
بل هو وحش، مخلوق مظلم وشرير، وأكثر من هذا، كان يتمتع بشخصية ملتوية؛ لم يكن يرى فيهم أشخاصاً يملكون حياتهم ومشاعرهم، بل مجرد أسماء في قائمة النفايات التي عليه التخلص منها.
حياته قصيرة، وهو يعلم ذلك؛ حتى إنها أقصر من متوسط عمر البشر، ولم يتبق له الكثير؛ فعيشه مع الصيادين جعله يحرم نفسه من غذائه، وإجبار نفسه على ملء جسده بطعام ليس له كان له أضراره.
لكن كل هذا كان لهدف؛ فإن لم يفعل، لكانوا قد قتلوه دون تردد، فما كانوا ليسمحوا لمصاص دماء بالعيش أبداً؛ وهو سيجعلهم يدفعون الثمن غالياً.
الصيادون لم يأخذوا عائلته وحريته فقط، بل أخذوا شخصاً عزيزاً آخر؛ شخصاً لا يمكن استبداله أبداً. لمعت عيناه بلون أحمر، قبل أن يغمضهما يسترجع ذكريات الماضي.
حُمل كانامي البالغ من العمر ست سنوات بين ذراعي والده القويتين، يرقبان المحلات وهما يسيران بين المارة.
تحدث الصغير بانزعاج طفولي: «بابا، اليوم أخبرتني ماما أنك كنت شخصاً سيئاً قبل أن تلتقي بها».
ضحك ريوما على كلمات ابنه، وتابع السير بين المارة سائلاً ابنه: «هل حقاً قالت ماما هذا؟».
أومأ كانا ببراءة، ليقترب هامساً لوالده الذي دنا نحوه ليستمع له: «ماما قالت إن الرجال السيئين سيأخذونني إن علموا أني أشرب المشروب الأحمر، أو حين يرون عيني الحمراوين؛ وإن بابا كان سيأخذ ماما لو أن بابا لم يحب ماما قبل أن يرى عينيها، أو يعلم أنها تحب شرب المشروب الأحمر».
كان ريوما لا يزال مبتسماً، يراقب الأشخاص حوله وانعكاس المرايا، وكأنّه يتأكد من أمان محيطه قبل أن يجيب ابنه: «نعم، لكن بابا أحب ماما قبل أن يعلم؛ لهذا، لم يقم بابا بأخذ ماما، بل تزوجها، والآن حصلنا على طفلنا الحبيب كانا».
ابتسم كانا عند سماعه لنبرة والده الدافئة، ومد ذراعيه الصغيرتين يحيط بهما عنق والده، دافناً رأسه في عنقه، ومطلقاً قهقهات طفولية خافتة.
استمتع كانا الصغير بشعور الأمان، محتضناً جسد والده؛ وأثناء ذلك، شعر بيد تعبث بشعره، فلمعت عيناه عند سماعه لصوت أنثوي رقيق، بنبرة تحمل حزناً مصطنعاً: «يبدو أن صغيري يحب والده أكثر مني!».
أبعد كانا وجهه عن رقبة والده لينظر إلى والدته بحماس، وللحظة أوشكت عيناه على التحول إلى اللون الأحمر، قبل أن يقوم والده بتغطيتها، كاذباً بنبرة مرحة خالية من التوتر: «أغمض عينيك حتى نصل، وإلا لن تحصل على المفاجأة!».
ضحكت شيوري بخفة، وكأن ابنها لم يكن ليُكشف قبل ثوانٍ، مكملة الكذبة بمرح: «حبيبي الصغير، لا يجب عليك فتح عينيك حتى نصل، لا تفسد المفاجأة، حسناً؟».
أومأ كانا مغمض العينين، ليقوم والده بدفن رأس صغيره في ثنية عنقه، معاوداً مراقبة محيطه بحذر؛ من المارة أمامه، والمرايا التي تعكس ما خلفه، تماماً كما فعلت شيوري.
سار الزوجان مع طفلهما يبتسمان ويتحدثان بمرح، يلتفتان من حين لآخر مدَّعيين رؤية المحلات، في حين كانا يتأكدان من مراقبة محيطهما، حتى عادا إلى المنزل.
في ذكرى أخرى، كان كانامي البالغ من العمر عشر سنوات يختبئ في أحد الأزقة الفارغة، يحتضن جسد طفل في مثل عمره.
كان التوتر في عينيه وهو يرى الدماء التي تلطخ الزي المدرسي للآخر ترعبه؛ لم يكن يقصد فعل هذا، فقد نسي شرب الدم هذا الصباح، ولم يعتقد أنه قد يفقد سيطرته في طريق العودة إلى المنزل.
والأسوأ أنه تسبب في أذية صديقه العزيز؛ تمتم بتوتر: «هيا هارو، يجب أن تفتح عينيك!».
أخذ نفساً عميقاً، يستذكر تعليمات والديه في مثل هذه المواقف، ليتمتم لنفسه: «أولاً: يجب أن تهدأ. ثانياً: تأكد من النبض.. لكني حقاً لا أعرف كيف!».
نظر إلى صديقه فاقد الوعي، ليتمتم لنفسه: «هارو، هل قلبك ينبض أم أنه توقف؟».
صمت كانامي ينتظر رد صديقه فاقد الوعي، ثم تمتم لنفسه بعد أن أدرك أنه لن يحصل على إجابة: «حسنًا، لنرَ الاحتمالين؛ إن كان لا يزال ينبض، فعليّ تفقد حاله، وإن لم يكن ينبض، فعليّ تحويله في غضون ثلاث دقائق قبل أن تغادر روحه».
همهم قليلاً يفكر بصوت منخفض: «إن كان قلبه قد توقف، فلديّ فقط ثلاث دقائق، وإن كان لا يزال ينبض، فلديّ متسع من الوقت».
استغرق الأمر منه ثانية واحدة ليقرر بسرعة: «سأحوله قبل أن تمر الدقائق الثلاث».
وضع يسراه أسفل رأس صديقه، بينما جرح يمناه بأنيابه؛ فنزفت لتختلط بضع قطرات من دمه بدماء صديقه التي تلطخ ثغره.
راقب دمه يسيل ليقطر في ثغر صديقه قطرة بعد قطرة؛ تصاعد دخان أسود من يده قبل أن يبدأ الجرح بالالتئام، لكن كمية الدم لم تكن كافية؛ كان بحاجة للمزيد، لذا أعاد تمزيق يده يشعر بألم اللسعات من جرحه.
أعاد الكرَّة مراراً وتكراراً حتى شعر أن ما ارتواه صديقه كان كافياً؛ زفر يحاول أن يهدأ ويركز على تذكر تعليمات والدته حول كيفية تحويل بشري إلى مصاص دماء.
تسلل صوت والدته الحنون والجاد إلى أذنيه: «بعد أن تتأكد من سقيه كمية مناسبة من دمك، عليك أن تركز على رغبتك في تحويله، ثم تُفرقع أصابع يدك..».
أخذ نفساً عميقاً رافعاً يده اليمنى، ليغمض عينيه بشدة ويركز على رغبته في تحويل صديقه، قبل أن يُفرقع أصابعه؛ حبس أنفاسه.. لكن شيئاً لم يحدث.
شحبت ملامحه وهو يرى جسد صديقه مستكناً بين ذراعيه، وقبل أن ينهار أو يبدأ في حالة الإنكار، ارتعش جسد صديقه؛ فلمعت عيناه بلون أحمر، وابتسم بفرح صارخاً: «هارو!».
خرج أنين من الفتى قبل أن يفتح عينيه اللتين تلونتا بالأحمر والأصفر، وبات بؤبؤهما خطاً عمودياً؛ كان العطش هو كل ما شعر به بعد فتح عينيه، عطش شعر بحاجة ماسة لرويه.
كان وجه كانا هو أول ما رآه عندما فتح عينيه، وما لفت انتباهه حقاً هو رقبته التي تغطي الياقة نصفها؛ شعر برغبة في عضها، وفي غمضة عين، كانت أنيابه قد برزت واخترقت عنق كانا.
عبس كانا؛ ليس من وخز الألم في رقبته فقط، بل لأنه تذكر تحذير والدته متأخراً: «المتحولون الجدد يجدون صعوبة في السيطرة على غرائزهم، لذا يجب أن تكون حذراً، ولا تقم بتحويل أي شخص إن لم يكن الأمر ضرورياً».
قرر كانا أنه سيكون مسؤولاً عن تحويل صديقه، وسيسمح له بشرب دمه، لكن سرعان ما شعر بالتعب والنعاس، ووجد نفسه يغفو دون إرادة منه.
ومع شعوره بالظلام يغلف بصره، لمح رجلاً بجسد عضلي يقف بالقرب منهما؛ لم يكن لديه وقت ليشعر بالفزع قبل أن يغلفه الظلام، حاجباً ما حوله من أصوات.
فتح عينيه ليجد نفسه مستلقياً في مكان ما، لكن عندما نظر حوله لم يجد أي أثر لصديقه؛ والأهم أنه لم يكن في ذات المكان. رفع يده ليتفقد رقبته، لم يشعر ببلل الدماء على قميصه المدرسي، بدا كل شيء وكأنه كان حلماً.
وقف يسير وينظر حوله، وقد تمكن من التعرف على المكان؛ كان خلف أحد مستودعات المدرسة. نظر حوله ووجد المدرسة هادئة، وكأن لا أثر للحياة بها.
نظر نحو يده، إلى الساعة الذكية في معصمه ليدرك سبب خلو المكان؛ لقد مضت ساعة ونصف منذ نهاية الدوام المدرسي، ولم يتبق الكثير على غروب الشمس.
شعر بالقلق والخوف، لابد أن والدته ستوبخه دون رحمة؛ أعاد تفقد سجل المكالمات، لكن لا يوجد أي اتصال من والديه؛ هل ربما نسيا الاتصال في نوبة قلق والدته، أم أنهما نسياه؟
بات يجري ليعود إلى منزله؛ لحسن حظه، فإن والديه اختارا العيش في أقرب حي إلى المدرسة ليتمكنا من الوصول إليه إن طرأ أمر ما، لذا لم يستغرق الأمر سوى بضع دقائق.
وصل إلى الحي حيث كان منزله يقع خلف المنعطف؛ انعطف متجاهلاً حشود الناس المتجمعين، وأول ما قابله هو مشهد رجال الإطفاء الذين يجمعون أدواتهم مغادرين المكان، بينما بقيت سيارة الشرطة أمام المنزل المحترق.. منزله.
تباطأت خطواته شيئاً فشيئاً حتى بات بالكاد يسير، ليتوقف أمام منزله المحترق يحدق بالخشب المتفحم في الأسفل، وباللون الأسود الذي غطى الجزء العلوي منه.
وقف هناك عاجزاً عن فهم ما يحدث.. أو ربما كان خائفاً مما فهمه حقاً؛ تسللت رائحة الرماد إلى أنفه، فشعر بغصة في حلقه كما لو أنه ابتلع أشواكاً تمزقه من الداخل.
وهكذا انتهى فصل من حياته؛ الفصل الذي جمع والديه وصديقه، انتهى، ليبدأ فصل جديد مليء بالألم والوحدة.
كان كانامي لا يزال مستلقياً في مكانه على سطح الفندق يستعيد ذكرياته؛ أراد أن يغفو لعلم يزورونه في أحلامه، أو يذهب هو إليهم، لكنه شعر بعيني شخص تراقبانه.
ورغم الشعور غير المريح، إلا أنه لم يتحدث أو يهتم؛ لقد تعرَّف على الفتى ذي الكمامة، ولا يعلم كيف أفلت من أكيرا، لكنه لم يملك الطاقة للتعامل معه.
شعر بالفتى المزعج يقترب منه بخطوات هادئة؛ انزعج كانامي من اقترابه، لكنه آثر تجاهله.. حتى شم رائحة دم بدت مألوفة.
وهنا فقد آخر ذرة تحكم ليفتح عينيه المتوهجتين بالأحمر، وفي ثانية كان قد قفز وعض ساعد الفتى، حيث كان هناك جرح سطحي كاف لتفوح منه رائحة الدماء.
مد الفتى يده الأخرى وربت على رأس كانامي الذي كان يشعر بلذة لا توصف وهو يروي عطشه الذي دام سنين طويلة.
____________________
داخل القاعة الفارغة، جلس زعيم العشيرة على كرسيه ومعه كبير الخدم ورجال العشيرة؛ تحدث أحد الرجال قائلاً: «أيها الزعيم، أعطنا أوامرك ولن نتردد في تنفيذها».
كان الرجل يرتدي زي العشيرة الرسمي كالبقية، بينما يقوم بتغطية رأسه بقطعة قماش كان قد لفها.
تحدث كبير الخدم عندما لم يجب الزعيم: «إيجي، نقدر حماسك، لكن أي خطوة خاطئة قد تشوه سمعة العشيرة».
تنهد الزعيم بانزعاج وهو يشد على عكازه؛ كان كانامي هو وريثه الوحيد الذي يملك دماء سلالته، دماء المؤسس الأول "كاغي أكيهيرو"، أول صياد قتل مصاص دماء في التاريخ.
لم يكن ليضحي بأكثر ما تفخر به العشيرة لأجل مراهق اختار الجري خلف ذكرى والديه، ولم يكن ليعيد ما فعله بابنه.
لقد كبُر بالفعل، ولم يعد قادراً على الانتظار سنين حتى يأتي وريث جديد ليتخلص منه؛ عليه إعادته والتأكد من إعادة بنائه ليستحق لقب الزعيم التالي.
جلس إيناري مسترخياً في السيارة السوداء، وابتسامة مستمتعة تعلو ثغره، وبجانبه جلس شقيقه الأصغر كينجي بتعابير وجه معقدة.
حمل إيناري كأساً زجاجياً مُلِئ بالدم في لمحة ساخرة ومتحدية للصياد الجالس أمامه؛ كانت عيناه تلمعان باللون الأحمر، لا نية له في إخفائها وهو ينظر نحو تاكيرو.
كان تاكيرو يشد على قبضة يده ينظر ببرود نحو مصاص الدماء أمامه؛ وجد الأمر منطقياً الآن، سبب إصرار ريوما على مغادرة العشيرة، وانقطاعه عن الزيارات واكتفائه بإرسال الصور من وقت لآخر.
لكنّه أيضاً شعر بالخيانة؛ كان يعتقد أنه قريب من ريوما، وأنهما مقربان بما يكفي ليبوحا لبعضهما بالأسرار، لكن يبدو أن هذا كان تفكيره فقط، وأن ريوما ربما لم يعتبره صديقاً من الأساس.
رغم ألم الخذلان إلا أنه لم يندم على قراره؛ لن يندم على اختياره حتى إن لم يكن ريوما يعتبره شيئاً، فقد كان هو الوحيد الذي آمن بـ تاكيرو في أكثر لحظات ضعفه.
جلس كانا عاقداً ذراعيه وساقيه، ينظر بانزعاج شديد إلى الفتى الذي يقوم بتعديل كم قميصه ببرود، ليقول ساخراً بنبرة لم تخفِ انزعاجه: «إن لم تكن لتتحمل فقدان لترين من الدم، فما كان عليك تحفيزي».
حدق به الفتى ورفع حاجبه، وكأنه يتحداه أن يعيد كلماته، ولم تخفَ هذه النظرة عن كانا الذي رفع أنفه متحدثاً بتعالٍ: «ماذا، ألم يعجبك ما سمعته؟».
قلب الفتى عينيه بملل بعد أن قام بارتداء سترته الرسمية، ليجلس أمام الآخر مكتفاً ذراعيه وساقيه، ثم تحدث بقليل من الانفعال: «إن لم تكن مجنوناً، ما كان عليك أن تجوع نفسك حتى تصل إلى هذا الحد».
إن كان الفتى يعتقد أنه قد يخرسه بهذه الكلمات، فهو واهم؛ حيث تحدث كانا بانفعال: «وما شأنك يا هذا؟ هل أنت أمي لتعاتبني؟».
تبادلا النظرات لثوانٍ طويلة، قبل أن يتحدث الفتى قاطعاً الصمت بتردد: «ألم تتعرف عليّ حقاً، أم أنك تدعي الجنون؟».
نظر له كانا وقد اقترب مضيقاً عينيه يركز في عيني الفتى بما أنهما الشيء الوحيد الذي يظهر، حدق قليلاً ليبدو القلق في عيني الفتى قبل أن يعتدل في جلسته قائلاً: «لا، لم أعرف، وأيضاً كيف تريد مني أن أعرف مَن أنت بينما ترتدي قناعاً؟».
أغمض الفتى عينيه وتنهد بيأس ليخلع قناعه مظهراً ملامح وجهه؛ نظر له كانامي بقليل من الاهتمام وكأنه بدأ يتعرف عليه، زم الفتى شفتيه ينظر بترقب نحو الآخر الذي نطق: «عليّ الاعتراف، أنت تبدو وسيماً بالنسبة لمصاص دماء متحول».
فتح الفتى ثغره بصدمة بينما كان الآخر يمعن النظر في وجهه وهو يحاول تذكر أين رآه من قبل؛ كان الفتى مصدوماً مما رآه أمامه ليصرخ بنفاد صبر: «كانا، أتمزح معي؟!».
نظر كانا للآخر وهو يستوعب الاسم الذي ناداه به؛ مرت ثوانٍ قبل أن تتسع عينا كانا بإدراك، ليصرخ بعدها: «هارو!».
وقبل أن يستوعب صدمته كان قد تلقى ضربة على رأسه؛ تأوه بألم وهو يفرك رأسه متذمراً: «لماذا قد تضربني؟ اعتقدته سيكون لقاءً مؤثراً نوعاً ما».
تلقى ضربة أخرى ليصرخ بألم؛ رفع هارو قبضته للمرة الثالثة، وقبل أن يهم بضربه صرخ كانا: «آسف، آسف، آسف، آسف! لن أعيدها مهما حدث».
لكن اعتذاره لم يحمه من تلقي الضربة الثالثة؛ حيث قام هارو بضربه بلا رحمة، لينظر له كانا بصدمة متذمراً: «لكني اعتذرت! لماذا تضربني؟».
رفع هارو قبضته، ليقرر كانا تغيير تكتيكاته؛ وبسرعة فائقة قام برمي نفسه في أحضان صديقه، وبدأ يشكو كطفل مدلل: «هارو~ لقد اعتقدت أن الصيادين قد أمسكوا بك، لا تتخيل كم كنت بائساً ووحيداً من دونك».
شعر كانا بالنصر عند عدم تلقيه للضربة الرابعة، لكنه علم أن صديقه العزيز لا يزال رافعاً يده، ليشهق بخفوت وهو يبكي مكملاً شكواه: «أولئك الصيادون قتلوا والديّ واقتادوني؛ كنت خائفاً ووحيداً».
توقف عن الشكوى ليأخذ أنفاساً مرتجفة قبل أن يكمل: «أُجبرت على تناول طعامهم رغم الألم، أصواتهم العالية دائماً ما تؤذي أذنيّ الحساستين، لكن كان عليّ التظاهر بأن لا شيء من هذا يؤثر بي».
شعر بذراعي صديقه تلتفان حوله لمواساته، ليشعر بالراحة معانقاً الآخر بقوة مدعياً الضعف ولا يزال يشهق للمصداقية.
تحدث هارو بنبرة لطيفة مواسياً صديقه: «لا بأس يا كانا، لن أتركك وحدك؛ ستأتي معي وسيكون هناك الكثير من أكياس الدماء لتشرب منها متى ما رغبت، ليس عليك التظاهر بعد الآن».
دمعت عينا كانا وتوهجتا بلون أحمر وهو يدفن وجهه في ثنية عنق صديقه؛ لم يكن هذا جزءاً من دوره، بل كانت رد فعل للدفء الذي تلقاه من صديقه العزيز؛ الصديق الذي ظن أنه فقده منذ سنوات.
____________________
في اليوم التالي، جلس كانا بأريحية وسط الأريكة الطويلة مكتفاً ذراعيه وواضعاً ساقاً فوق الأخرى؛ يبتسم بسخرية وهو يتابع الأخبار التي تظهر إعادة فتح ملف مقتل والديه وتورط العشيرة.
وعلى جانبه الأيسر جلس إيناري؛ عيناه الحمراوان تظهران ملله وهو يحدق في كأس الدماء الذي يحمله؛ كان قد توقع انتشار هذه الأخبار، لذا لم يجد شيئاً يثير اهتمامه.
وعلى عكسهما، لم يكن بقية الجالسين معهما مسترخين؛ حيث كان كينجي يجلس على أريكة منفردة ينظر بكره إلى صور المعتقلين، وكأن عينيه تستطيعان قتلهم عبر الشاشة.
وفي الأريكة المنفردة المقابلة، جلس تاكيرو؛ عيناه تحدقان في ماكوتو بنظرة معقدة، يتذكر أنه كان أحد المقربين من ريوما؛ لهذا وجد أمر تورطه غير منطقي.
وعلى الجانب الأيمن لكانا جلس هارو يختلس النظر نحو صديقه من حين لآخر، وفي لحظة من الصمت تحدث هارو بهدوء: «كانا، أنت تبدو مسترخياً بالنسبة لشخص علم بالحقيقة البارحة».
نظر كانا نحو صديقه ببراءة مجيباً إياه: «لقد علمت بالأمر في اليوم الذي أُخذت فيه إلى العشيرة؛ كان العجوز يتحدث مع كبير الخدم، وكمصاص دماء تمكنت من سماعهما بوضوح».
نظر إيناري نحو ابن أخته بطرف عينه بينما يرتشف من كأسه ببرود، في حين نظر تاكيرو وكينجي له بتعابير وجه معقدة غلبتها الصدمة، ليتحدث كينجي بقلق: «كنت تعلم ومع هذا عشت معهم لسنوات!».
قلب كانا عينيه بملل قبل أن يرد عليه بوقاحة: «لقد كنت في العاشرة، ولم يكن هناك وصي آخر؛ لذا لم يكن لدي خيار».
صمت كينجي يشعر بالذنب، في حين أكمل كانا بلا مبالاة: «كما أن وجودي بينهم ساهم في كشف كل مَن كان له علاقة بموت والديّ؛ لدي أسماؤهم، وأعرف نقاط ضعفهم وقوتهم».
علت ابتسامة ماكرة وجهه حين أكمل في نفسه دون أن ينطقها بصوت عالٍ: «كما أني أملك القدرة على تحويلهم جميعاً في غمضة عين».
لكنه لن يخبرهم بهذا، ليس بعد على الأقل؛ تحدث إيناري الذي ينظر إلى التلفاز: «وما هي خطتك الآن؟».
ابتسم كانا بمكر، مثبتاً نظره نحو التلفاز ليجيب بغموض: «سأشاهدهم يدمرون أنفسهم».
اختار كانا هذه الإجابة لسبب واحد: هو لا يثق بهم، ليس الآن ولا في المستقبل القريب؛ ربما يجلس معهم الآن، لكن هذا لأنه يستغلهم لا أكثر.
خلفت كلماته صمتاً ثقيلاً لم يكسره سوى حديث هارو القلق: «لكن كيف عشت مع الصيادين دون أن يكشفك أحد؟».
أكمل تاكيرو بنبرة متسائلة محدقاً في تلميذه بنظرة شرطي يستجوب متهماً: «هذا صحيح؛ كنت معك طوال السنوات منذ قدومك للعشيرة، لكني لم ألاحظ شيئاً قط!».
هز كانا كتفيه بلا مبالاة مجيباً: «لأني لم أفعل شيئاً؛ امتنعت عن شرب الدماء، وأجبرت نفسي على تناول الطعام البشري، حتى وإن كنت سأتقيأه في بضع دقائق».
توقف كانا لثوانٍ قبل أن يتنهد ثم يكمل حديثه: «حسنًا، كان لهذا بعض الأضرار الجانبية، لكن هذا ليس مهماً الآن».
رغم نبرته غير المبالية، إلا أن تاكيرو الذي لا علم له بطبيعة مصاصي الدماء الحقيقية قد شعر أنه شيء جنوني، وما أكد فكرته هو رد فعل البقية؛ حيث اتسعت عينا كينجي وهارو بصدمة وكأن أحدهم أخبرهم أن الأرض مسطحة، بينما تجمد إيناري تاركاً كأسه قرب ثغره دون أن يشرب قطرة واحدة.
عجز البقية عن الحديث يحاولون استيعاب الهراء الذي سمعوه الآن، وقبل أن يتحدث أي منهم أكمل كانا بهدوء: «في الحقيقة، كنت أشرب من دمي لإسكات غرائزي».
لم يتمكن أحد من استيعاب الصدمة الأولى ليستقبلوا صدمة ثانية؛ بالنسبة لمصاصي الدماء، فاعتراف كانا كان هراء محضاً، وشيئاً لا يمكن لمصاص دماء عاقل أن يفكر به حتى!
أثناء تفكير كانا بالحقيقة الصادمة التي عليه قولها تالياً، صرخ هارو بصدمة: «كانا، مصاصو الدماء لا يمكن أن يشربوا دماءهم! هذا يتجاوز المنطق، كيف فكرت بهذا حتى!».
نظر نحوه كانا بعيون بريئة وكأنه لا يدرك الشيء الذي جعل صديقه ينفعل هكذا؛ انكمشت تعابير وجه هارو وكأن فكرة شرب كانا لدمه للنجاة سببت له ألماً جسدياً.
في هذه الحالة، لم يكن كانا يمثل الغباء، بل لم يكن يعرف حقاً ما سبب رد فعله الغريبة؛ كان محاصراً ولم تكن هناك خيارات أمامه، لذا فهذا طبيعي.
على عكس مصاصي الدماء الذين كانوا في بيئة أكثر أماناً ولم يفكروا قط بشرب دمائهم؛ كانوا يرونه ضرباً من الجنون، فكيف لشخص أن يتغذى على دمه عند توفر مصادر أخرى توفر لهم الغذاء؟
وقبل أن يتمكن كانا من فهم ما يجري مع صديقه، شعر بألم مألوف في معدته، وكأن هناك مَن يقوم بشدها وعصرها دون توقف.
كان يعرف هذا الألم جيداً ويعرف تبعاته، لذا ودون تردد وقف قائلاً: «أنا متعب».
كاد يخطو خطوته الأولى هرباً، لكن يداً أمسكته جارة إياه ليعاود الجلوس على الأريكة؛ التفت كانا وبان الانزعاج على ملامحه حين رأى إيناري ينظر له بحدة قائلاً: «اجلس، لم ننتهِ بعد».
لم يشعر كانا بالراحة خصوصاً مع ازدياد ألمه تدريجياً؛ بان الانزعاج على وجهه ونظر نحو خاله بحدة قائلاً: «أفلتني، أنا مَن يقرر النهاية، ليس أنت».
صمت البقية يشاهدونهما يتبادلان النظرات الحادة باستثناء تاكيرو الذي تحدث ببرود مر: «أفلِته».
نظر إيناري بطرف عينه إلى البشري الوقح الذي تجرأ على أمره، ورغم حدة وبرود نظرات إيناري، إلا أن تاكيرو لم يتأثر، بل بادله نظرات باردة.
وقبل أن ينطق أي منهم بحرف، سعل كانا بشدة ليعود انتباه الجميع نحوه، حيث خفض رأسه واضعاً كفه مغطياً فمه؛ كانت عيناه المتسعتان تلتمعان بلون أحمر قرمزي.
لم يكن هذا وقته، ليس الآن، ليس أمامهم؛ حاول الوقوف لكن جسده أبى، وكاد يسقط لولا يد إيناري التي تمسكه لتعيده جالساً على الأريكة.
كانت ثانية واحدة فقط قبل أن يشتد سعاله وتتسرب الدماء من بين أصابعه ملطخة ثيابه؛ وفي لحظات معدودة كان ستار أسود قد غطى عينيه يحجبه عما حوله، وآخر ما يتذكره هو الصراخ والفوضى قبل أن يغيب عن الوعي.
____________________
عندما فتح عينيه وجد نفسه مستلقياً على سرير بملاءات بيضاء؛ أخذ الأمر منه ثوانٍ قبل أن يدرك أين هو، كان في إحدى الغرف في مقر مصاصي الدماء.
نظر حوله إلى الستائر المغلقة والأنوار المطفأة التي لم يكن ليرى شيئاً لولا قدرات مصاصي الدماء؛ سمع صوت رنين هاتفه معلناً وصول رسالة.
وبابتسامة ماكرة مد يده ليأخذ الهاتف بهدوء ويرى الرسالة التي أُرسلت له من هاتف أكيرا: «إن كنت تهتم بسلامة صديقك، عليك أن تأتي إلينا».
اتسعت ابتسامته ولم يحتج لتفكير ليعرف أن رجال العشيرة هم مَن أرسلوها؛ كتب رداً قصيراً: «سآتي».
أطفأ هاتفه ليرميه بإهمال على السرير ناهضاً بهدوء؛ الآن سيكتب الفصل الأخير من انتقامه، مصير العشيرة الآن بين يديه، كل شيء سيسير حسب ما يخطط له هو، ولا أحد غيره.
سار كانا بهدوء شديد نحو البوابة الرئيسية؛ كان يبتسم باتساع بعد تخلصه من مراقبة مصاصي الدماء، فكان أكثر شيء يكرهه هو أن يكون تحت المراقبة؛ شعور أن يكون محاصراً بعيون مَن حوله كان يخنقه.
وقف أمام البوابة ليصرخ معلناً وصوله: «لقد أتيت بمفردي».
فُتحت البوابة بصمت ليظهر خلفها رجلان من رجال العشيرة؛ سار كانا إلى الداخل دون تردد، وهذه المرة كانت ملامحه توحي بالجد والحذر.
دخل، ولم يمنعه أحد؛ وحالما ابتعد عدة خطوات عن البوابة، سمع صوت صرير مفاصلها الحديدية؛ مرت نسمة هواء من خلفه تبعثر خصلات شعره حين أغلقوا البوابة خلفه.
وقف، نظر حوله، لم يجد أحداً؛ أخفض رأسه حين شعر بعينيه تحمران من الإثارة، لا بد أن ذلك العجوز يعتقد أنه أمسك به في منطقته.
سمع صوت خطوات كثيرة تقترب من داخل المبنى، ومن دون أن يرفع رأسه استطاع تمييز خطواتهم: العجوز رفقة رجال العشيرة من الجيل الأقدم.
فكرة أنهم يتخيلونه أرنباً في قفص محاطاً بالوحوش جعلته ينسى تمثيليته الصغيرة ويبتسم بسخرية؛ لا أحد منهم يعلم أنهم أغلقوا على أنفسهم مع وحش لا يملكون سلطة عليه.
وفي مقر مصاصي الدماء، كانت عينا إيناري الحمراوتان مسلطتين ببرود على شاشة هاتف كانا، في حين كاد هارو وتاكيرو يفقدان أعصابهما قلقاً وغضباً.
أمر إيناري ببرود شديد: «استعدوا، سنذهب لمقر الصيادين»؛ علت ابتسامة مستمتعة على ثغره بينما يكمل موجهاً حديثه نحو مصاصي الدماء الذين يستطيعون سماعه بحواسهم: «سآخذ أكثر مصاصي الدماء عطشاً».
وهكذا استدار مغادراً الغرفة الفارغة التي كان كانا راقداً بها؛ ليقود مصاصي الدماء معه إلى أعدائهم، وبقي تاكيرو واقفاً يشد على قبضة سيفه.
____________________
في إحدى غرف مقر عشيرة الصيادين، فتح أكيرا عينيه ونظر حوله ليجد نفسه مقيداً بالحبال وقد غُطي فمه بقطعة قماش؛ نظر حوله إلى الغرفة الفارغة.
كان مستلقياً على الأرض قرب الأبواب المنزلقة التي تطل على الحديقة؛ كان جسده مقيداً لذا لم يكن بوسعه سوى الزحف كدودة حتى وصل إلى الأبواب.
استعمل رأسه لمحاولة فتحها دون جدوى، حاول بقدميه بعدها لينجح أخيراً في فتحها؛ توقف للحظة يفكر في طريقة تُمكنه من الخروج.
أخذ نفساً عميقاً ليبدأ التدحرج خارجاً، أحنى رقبته ليراقب الجهتين ولم يجد أي شخص حوله؛ استعمل قدميه ليلتف قبل أن يُكمل التدحرج في أحد الاتجاهات العشوائية.
استمر في التدحرج حتى توقف من التعب؛ نظر أمامه ليجد البوابة، لكنه كان متعباً ليُكمل طريقه، وقبل أن يقرر أخذ غفوة تُعيد له طاقته كان قد لمح كانا.
تلألأت عيناه ناوياً طلب المساعدة من صديقه، لكنه توقف عند رؤيته لزعيم العشيرة وبجانبه بضعة رجال؛ تذكر على الفور ما حدث قبل أيام.
شعر بالتوتر وهو يرتقب المنظر أمامه؛ عليه فعل شيء لمساعدة صديقه، عاد يزحف كدودة عازماً على مساعدة صديقه بأي طريقة.
وبالنسبة لكانا فقد ابتسم بينما يستمع لحديث الرجل العجوز: «كانامي، أنت بالفعل تعلم أني أهتم بالعشيرة أكثر من أي شيء آخر».
أكمل الرجل العجوز حديثه بصرامة: «وتعلم أنك تجاوزت هذه الحدود عندما أثرت المشاكل في الحفل، دمرت سمعتنا وبدأ أفراد العشيرة يشككون بزعيمهم».
وقبل أن يُكمل، شعر بشيء غريب يسري في جسده، وكأن دماءً ساخنة بدأت تجري بسرعة تفوق قدرة جسده على استيعابها.
انحنى وأمسك صدره بينما خرجت شهقة منه؛ اقترب رجال العشيرة خوفاً على صحة زعيمهم، في حين تحولت عيناه إلى مزيج بين الأحمر والأصفر.
شعر بعطش غريب وغير مفسر؛ نمت أنيابه واستطالت أظافره، نظر بجانبه ليجد هيرويا، ودون سبب وجيه شعر أن الدماء التي تُضخ في جسده مغرية.
وفي لحظات معدودة، دون أن يستطيع أحد استيعاب ما يجري، كان الزعيم قد انقض عليه يشرب من دمه؛ تجمدوا بصدمة يراقبون المنظر أمامهم.
اتسعت ابتسامة كانا وهو يشعر بكل ما يجري حوله؛ اليوم سيرسم النهاية المأساوية لهذه العشيرة، لحظة انهيار كل ما يؤمنون به.
حاول هيرويا المقاومة؛ حاول دفعه وركله وضربه ولكن دون جدوى؛ صرخ، ليس ألماً بل خوفاً، خوفاً من أن يكون ضحية زعيمه.
عاد بقية الرجال إلى رشدهم، استل أحدهم سيفه ليتبعه البقية؛ لم يعرفوا ما عليهم فعله: هل يوجهون سيوفهم نحو الزعيم أم إلى عدو لا يعلمون مَن هو؟
شد شيرو على قبضته واستل سيفه وقام بطعن الزعيم؛ كانت الدموع في طرف عينيه وهو يقوم بطعن الرجل الذي رباه.
تمكن هيرويا من الهرب من قبضة الزعيم وابتعد فوراً بخوف واضح على وجهه؛ التفت الزعيم إلى شيرو حيث بانت الصدمة على تعابير وجهه وهو يرى السيف الذي اخترق جسده.
كانت عيناه اللتان تمزجان بين الأحمر والأصفر متسعتين بصدمة، وقبل أن يفعل أي شيء كان هيرويا قد استل سيفه وفصل عنقه عن جسده.
أغمض شيرو عينيه وأخفض رأسه، بينما حدق البقية في الجثة الهامدة أمامهم؛ مَن يُفترض أن يكون زعيم الصيادين، وأشد الناس كرهاً لمصاصي الدماء، قد بات واحداً منهم.
كانت لحظة مؤلمة وقاسية عليهم؛ صمتوا غير قادرين على تقبل ما جرى أمامهم، حتى دوّت ضحكة كانا في المكان.
انتفض شيرو واتسعت عيناه؛ رفع رأسه وعلامات الغضب بادية على وجهه وهو يرى حفيد الزعيم يضحك على موت جده وكأنه جزء من عرض ترفيهي.
توقف كانا عن الضحك لكنه حافظ على ابتسامته الواسعة؛ اشتدت نظرات شيرو كرهاً وغضباً وظهر الحقد في عينيه قبل أن يتحدث كانا بنبرة جدية: «هل هكذا قتلتم والداي؟»
تجمد شيرو ورمش بصدمة وكأنه لم يتوقع السؤال والنبرة، لم يكد يُجب قبل أن يكمل كانا بسخرية: «لا أعتقد أن أياً منكما قد شعر بحزن أو أي شيء تجاه مقتل والدي، ألست محقاً؟».
أخفض شيرو نظره في حين صرخ هيرويا بارتباك وكأنه ليس واثقاً حتى من الكلمات التي سيقولها: «والدك كان يهدد سلامة العشيرة!».
أجابه كانا بحدة: «وهل سيهددكم بعيش حياته مع عائلته بسلام بعيداً عنكم؟ هل يهددكم بالعمل لبناء حياة آمنة لعائلته بعيداً عن فوضاكم؟ هل العيش مع عائلته الصغيرة يضركم بشيء؟»
في حين كانوا ينظرون بعيداً عنه، كانت عيناه قد تحولتا إلى اللون الأحمر وهو ينظر نحوهم بغضب وحقد، لكنه في الثانية الأخرى ابتسم بخبث متحدثاً: «حسنًا، حان الوقت لانتقامي»
وقبل أن يستوعب أي رجل منهم معنى كلماته، انحنوا جميعاً يشعرون بالدماء الساخنة تجري بعنف في عروقهم دون إنذار مسبق.
وفي الجانب، كان أكيرا لا يزال يزحف كدودة، يتوقف كل ثانيتين ليلتقط أنفاسه بتعب قبل أن يكمل طريقه الصعب؛ أكمل طريقه حتى توقف يشعر بالتعب الشديد.
بقي مستلقياً على العشب بتعب يفكر في أخذ قيلولة صغيرة ربما يستعيد طاقته؛ أغمض عينيه بتعب قبل أن يسمع خطوات تتوقف فوق رأسه.
ابتلع ريقه واستدار ليستلقي على العشب ناظراً إلى الأعلى؛ تنهد براحة عندما وجد صديقه يطل عليه من الأعلى بابتسامته التي يعلم أن ما خلفها ليس مبشراً، تحدث كانا: «يبدو أنك سعيد بحياة الدودة، ربما عليّ فكك بعد بضعة أيام».
مزق كانا قطعة القماش ليضحك أكيرا بتوتر قبل أن يتحدث: «صديقي العزيز لن يتركني في هذه الحالة، صحيح؟».
ضحك كانا قبل أن يمد يده نحو الحبال حيث استطالت أظافره ليمزقها في ثوانٍ معدودة؛ شعر أكيرا وكأنه طائر قد حُرر من قفصه ليقفز بسرعة وكأنه لم يكد ينهار تعباً منذ لحظات.
مد ذراعيه وساقيه بسعادة، استدار نحو صديقه لينقض عليه بعناق دافئ في حين تنهد الآخر بانزعاج؛ ابتعد أكيرا لينظر نحو صديقه متحدثاً: «لماذا أتيت إلى هنا؟ أتذكر أن الجد كان غاضباً جداً».
نقر كانا على جبهة الآخر مبعداً وجهه أكثر قبل أن يجيبه: «أخبروني أنهم اختطفوك فقررت أن آتي لرؤيتك تعاني».
عبس أكيرا ثم تذكر رجال العشيرة وحالما التفت نحوهم، اتسعت عيناه عندما وجدهم يتقاتلون فيما بينهم وقد تحولت أعينهم إلى اللون الأحمر والأصفر.
أمسك أكيرا بكانا متحدثاً بقلق: «لقد تحولوا، علينا أن نغادر قبل أن يأكلونا!».
كانت تعابير وجه الآخر توحي باسترخائه قبل أن يتحدث بكل بساطة وكأنه يتحدث عن الطقس: «أنا حوّلتهم».
تجمد أكيرا ونظر نحو كانا يحاول استيعاب ما قاله؛ في تلك اللحظة ظهرت العيون الحمراء أمامه ليتأملها في صمت، مرت ثوانٍ قبل أن يصرخ: «أنت مصاص دماء!».
كانت الابتسامة لا تزال على وجهه عندما أومأ ببساطة وترك الآخر يستوعب الحقيقة التي علم بها؛ عبس أكيرا ناظراً للآخر وفي ثوانٍ بدأ يتذمر: «لماذا لم تخبرني؟ بل لماذا لم تُحوّلني؟ أنت تعرف أني كنت أغار من معلمك لأنه تحوّل، العيون الحمراء والصفراء كانت جميلة جداً!».
توقف ثواني ينظر نحو عيني كانا الحمراوين قبل أن يصحح نفسه: «حسنًا، العينان الحمراوان تبدوان أجمل لكني لن أكون طماعاً، حوّلني، الآن، أرجـــوك».
قال آخر جملته برجاء في عينيه وهو ينظر إلى صديقه ببراءة، منتظراً بنفاد صبر إجابة صديقه الذي أجابه ببرود: «لا».
كاد فكه أن يسقط من هول صدمته؛ كان يرى صديقه مصاص دماء قادراً على تحويل رجال العشيرة لكنه رفض تحويله هو، صديقه العزيز الذي أراد تجربة قوى مصاصي الدماء.
بعد فترة، كان معظم رجال العشيرة ملقين على الأرض منهكين، في حين كان شيرو يذرف الدموع وهو يمسك بجسد صديقه الذي فقد حياته.
كان يبكي بصمت محتضناً صديقه الذي كان كالأخ له؛ نظر بحقد نحو كانا لكنه لم يجده في مكانه، بحث حوله فوجده يقف مع أكيرا.
اشتعل الغضب في صدره ووضع جثة صديقه على الأرض بهدوء ثم وقف، وفي ثانية كان قد وصل إليهم بسرعة مصاصي الدماء.
وقبل أن يهجم على أكيرا، وقف كانا أمامه ممسكاً باليد التي تنوي تمزيق صديقه خلفه؛ ليقوم بتحطيمها دون أن يرف له جفن.
صرخ شيرو بغضب ونظر بكره شديد إلى كانا الذي لمعت عيناه بلون أحمر، وما زاد غضب الأكبر هو تعابير وجهه الباردة؛ لم يبد وكأنه يهتم حتى لتعرضه للهجوم.
مد شيرو يده الأخرى ليهجم غير أن كانا تفاداها بسهولة؛ ازداد غضب الأكبر وبدأ يهجم بسرعة غير أن هجماته لم تصب الأصغر.
وفي ثوانٍ كان رأسه قد طار عن جسده بعد أن مزق كانا رقبته؛ نظر كانا نحو يده المغطاة بالدماء باشمئزاز، لم يرغب بتلويث يده بدمهم القذر.
لهذا لم يقتل أياً منهم بيده رغم أن الأمر كان ليأخذ منه بضع ثوانٍ لا أكثر.
نظر نحو أكيرا الذي ينظر له بصدمة؛ في الأوضاع العادية كان أي شخص يرى المنظر سيكون مرعوباً، لكن أكيرا لم يبدِ أي علامة على عدم الراحة حتى.
كان يراقب المشهد أمامه بعيون متلألئة وكأنه يرى نجمه المفضل يؤدي عرضاً خاصاً؛ تحدث كانا بينما يتثاءب: «خذ مفتاح أي سيارة لنغادر بها».
لم يكن يبدو عليه التأثر حتى بعد أن تسبب بمقتل العديد من الأشخاص قبل دقائق.
في السيارة التي يقودها كينجي، جلس بجانبه هارو والقلق بادٍ على وجهه، وخلفهما جلس تاكيرو بجانب إيناري؛ أحدهما يشتعل غضباً والآخر يرسم ابتسامة مستمتعة.
وحولهم كان هناك موكب من السيارات السوداء المظللة التي يقودها مصاصو الدماء، متوجهين جميعاً إلى مقر الصيادين لإعادة كانا الذي اختفى فجأة.
وفي الجهة المعاكسة للطريق الجبلي، كان أكيرا يقود السيارة، ومن اهتزازها المستمر كان واضحاً أنه لا يملك أي خبرة في القيادة؛ تحدث كانا بنبرة متشككة: «ألم تتعلم القيادة منذ شهر؟».
ضحك أكيرا بتوتر قبل أن يجيبه: «لقد كان من المفترض أن أتعلمها من يوجي بعد أن علمه والده، لكنه رفض تعليمي بعد نصف ساعة».
عم الصمت لثوانٍ قبل أن يصرخ كانا: «ماذا؟ أتخبرني بهذا الآن!».
أجاب أكيرا دفاعاً عن نفسه رافعاً يديه عن المقود: «لم تسألني...».
اتسعت عينا كانا وهو يصرخ: «أمسك بالمقود!».
أعاد أكيرا إمساك عجلة القيادة بينما ينظر بتوتر نحو كانا حيث ظهر الغضب على تعابير وجهه؛ اختار أكيرا الصمت بينما يوزع نظراته بين الطريق وكانا.
وفي غمضة عين، كانت إحدى سيارات مصاصي الدماء قد ظهرت أمامهم في الاتجاه المعاكس.
ومن خلال الزجاج، تمكن كانا من التعرف على أحد الوجوه؛ اتسعت أعينهم بصدمة وهم يحاولون استيعاب ما يجري.
داس مصاص الدماء على الفرامل مديراً عجلة القيادة إلى اليسار بسرعة، كما فعل أكيرا المثل، غير أن كانا قد أمسك به من تلاليب قميصه وخلع باب السيارة ليقفزا منها قبل أن تصطدم بالأشجار.
نظر أكيرا ليجد نفسه خارج السيارة التي تحطمت ليتنهد براحة، لكن راحته لم تدم عندما أدار رأسه ليقابل نظرات كانا الغاضبة.
كان صديقه لا يزال ممسكاً به من تلاليب قميصه، وخلفه خرج مصاصو الدماء من سياراتهم ووقفوا خلفهم بينما تقدم إيناري مع البقية؛ ضحك أكيرا بتوتر في محاولة بائسة لتلطيف الجو قبل الحديث: «كانا، لقد أنقذتنا يا فتى!».
لم يضحك أحد، حتى إنه لم يرَ شبح ابتسامة على ثغر أي منهم في حين تحدث كانا ببرود: «إذًا لم تتمكن من إكمال ساعة واحدة في تدريب القيادة؟».
تعرق أكيرا وارتجفت ابتسامته التي جاهد للحفاظ عليها، فرك مؤخرة رقبته بتوتر بينما يبرر لنفسه: «لقد أردت التعلم حقاً لكن يوجي غضب عندما صدمت صف سيارات دفعة واحدة، أعني لقد كان خطأً غير متعمد».
ابتسم كانا بغضب وهو يستمع لتبريره قبل أن يتحدث بهدوء مريب: «ولم تخطط لإخباري عندما طلبت منك القيادة؟».
توتر أكيرا وأشاح نظره عن صديقه بتوتر قبل أن يتلعثم مجيباً: «لم تسألني عن هذا من قبل».
مرت لحظات من الصمت قبل أن يفلتّه كانا بهدوء، نظر أكيرا نحو صديقه ليجده يبتسم ابتسامته المعتادة؛ علم في قرارة نفسه أنه لن يسلم.
تحدث كانا بهدوء: «أكيرا، أمامك عشر ثوانٍ لتهرب، إن أفلتَّ مني نجوت، وإن أمسكتك...».
ارتجف أكيرا قبل أن تلمع عيون كانا باللون الأحمر عندما أكمل: «فلن ترى خيراً».
التفت أكيرا ليجد تاكيرو واقفاً مع البقية، وفي ثوانٍ كان قد جرى مختبئاً خلفه يشكو بخوف: «معلمي، لقد هددني!».
تنهد تاكيرو براحة بعد رؤيتهما يتشاجران ويصرخ أحدهما، فقد اطمأن أن تلميذيه سليمان وبقي أمر الزعيم والعشيرة.
تقدم كينجي بعينين حمراوين تتقدان غضباً نحو كانا الذي رفع رأسه بغرور محدقاً به بلا خجل، في حين صرخ كينجي بانفعال: «ما الذي تظن نفسك فاعلاً بذهابك إلى مقر الصيادين بمفردك؟».
لم يتراجع كانا بل أجابه بوقاحة: «أفعل ما أريد، لا أنت ولا غيرك يحق له محاسبتي على أفعالي؛ لقد خسرتم هذا الحق عندما تُرِكت بين الصيادين».
بات الجو حولهما متوتراً، ونظر أكيرا إلى كانا من خلف ظهر معلمه؛ عندما علم أن كانا مصاص دماء لم يخطر في باله مقدار الألم الذي عاشه.
أن يعيش في خوف دائم من كشف أمره، تذكر كل الإهانات التي كان أفراد العشيرة يرمونها على مصاصي الدماء وكيف كان كانا صامتاً لا يشاركهم أحاديثهم.
شعر بالذنب والتقصير تجاهه؛ لقد اعتبر نفسه صديقه لكنه لم يعلم بما عاشه أمامه طوال سنين؛ خرج أكيرا وتوجه مباشرة نحو كانا ليباغته بعناق مفاجئ.
يتحرك كانا وكأن عناق أكيرا أكثر شيء طبيعي كالهواء حوله، في حين رفع هارو حاجبه وهو يراقب قربهما الشديد.
لم يتحدث أحد حتى اقترب هارو نحوهم، وفي لحظة أمسك بأكيرا من تلاليب قميصه ليبعده عن كانا الذي لم يلقِ عليهم نظرة حتى.
نظر أكيرا نحو هارو الذي لمعت عيناه بمزيج من الأحمر والأصفر، ليبتلع الآخر ريقه راسماً ابتسامة مرتجفة على ثغره. تجاهله هارو ووجه سؤاله نحو كانا: «كانا، ما الذي حدث؟ وهل آذاك الصيادون؟»
التفت كانا نحوه بعبوس قبل أن يخطو نحوه ماداً ذراعيه ليعانقه بينما يتذمر: «هارو، لقد تعبت من تلك العشيرة البغيضة، هم مزعجون، وذلك المدعو 'شيرو' قد أفسد خططي».
قبض تاكيرو على سيفه في حين احتدت نظرات البقية، قبل أن يكمل كانا بتعابير متقززة: «كان يفترض أن يقتله 'هيرويا' لكنه نجا، واضطررت إلى قتله بنفسي؛ رائحة دمه كانت مقززة».
ارتخت تعابيرهم قليلاً في حين سأل إيناري: «وما الذي فعلته بالبقية؟».
نظر كانا نحوه لثانية قبل أن يجيب بلا مبالاة: «لقد حولتهم وجعلتهم يتقاتلون».
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغر إيناري، ولمعت عيناه الحمراوان بتسلية، وكان من الواضح رضاه بهذه الإجابة؛ أشار نحو بقية مصاصي الدماء قائلاً: «يبدو أن لا شيء بقي لنا لفعله، لذا لنعد».
لم يمر يومان منذ اكتمال انتقامه حتى وصله خبر مقتل يوجي؛ أحد القلة الذين كان يتواصل معهم، وما أزعجه حقاً كان هوية القاتل: «كاغي شينجي».
كان شينجي أحد الرجال المخلصين، وشقيق إيجي ووالد يوجي؛ فكرة أنه قتل ابنه كانت تغضب كانا؛ لأن هذا ما فعله الجد بوالده أيضاً.
بعد أن قاد يوجي الجيل الأصغر معترضين على قيادة الزعيم لهم بعد أن قتل ابنه ريوما، حصل يوجي على ذات المصير؛ مقتولاً من قِبل والده.
والآنَ، وقف كانا أمام الزنزانة التي وُضع بها قاتل يوجي؛ بتعابير وجه باردة، حدق كانا في حال شينجي؛ رجل في الأربعين من عمره لا يزال يحافظ على جسد عضلي وملامح وجه جامدة.
جلس متكئاً على جدار الزنزانة بتعابير وجه قاسية، وهو ينظر نحو مَن خان العشيرة في نظره؛ تحدث كانا ببرود: «شينجي، هل استحق الأمر قتل ابنك لأجل رجل لن يتردد في رميك إن احتاج ذلك؟».
لم يجبه مباشرة، بل نظر له بحدة ينوي إخافة الأصغر، لكن تعابير وجه كانا الباردة لم تتأثر، لذا أجاب أخيراً بإيجاز: «الخونة مصيرهم الموت».
ابتسم كانا بشر لتلمع عيناه بلون أحمر دموي قائلاً ببساطة: «أنت ميت».
وقبل أن يدرك شينجي ذلك، شعر بحرارة الدماء التي جرت في جسده بسرعة جنونية؛ انحنى يمسك صدره بشدة.
خرجت صرخات غير بشرية من حلقه، بينما بدأت عيناه تلمعان بمزيج بين الأحمر والأصفر؛ فغر فاهه لتنمو أنياب حادة في فمه بينما استطالت أظافره.
وفي ثوانٍ، كان يلهث بحثاً عن الهواء وكأنه تسلق جبالاً شاهقة؛ شعر بالعطش، وفكرة غرز أنيابه في جسد كانا الواقف أمامه بدت مغرية.
حاول أن ينقض عليهما، إلا أن القضبان منعت وصوله إليهما؛ كانت أظافره تبعد بضعة مليمترات عن كانا الذي حافظ على ابتسامته وكأنه مَن أمامه لا يشكل أدنى تهديد عليه.
لمعت عينا كانا الحمراوان، عندها تحركت يد شينجي التي يمدها نحو الأصغر لتمسك رقبته وكأنه هناك مَن يتحكم به.
اتسعت ابتسامة كانا بينما كانت قبضة شينجي تضيق الخناق على عنق صاحبها؛ لم يكن هو المتحكم في جسده وهذا أرعبه.
في حين كان المتحكم يقف أمامه يبتسم في وجهه، كانت رؤيته قد تشوشت وبدأت الدماء تسيل من رقبته على ملابسه، وفي ثوانٍ كانت رقبته قد تحطمت.
هوى جسده على الأرض الخرسانية للسجن، بينما رفع كانا رأسه ببرود كقاضٍ قاسٍ نفذ حكمه.
وهكذا أنهى حياة آخر كلاب العشيرة؛ انتهى انتقامه بالطريقة التي تليق بمصاص دماء عاش بين الصيادين.
التفت ببرود ليغادر الزنزانات، لم يلقِ كانا نظرة نحو أي من الرجال الذين كانوا يتبعونه، لا معلمه أو خاليه ولا حتى هارو أو أكيرا اللذين كانا واقفين معهم.
وكأنه كان يقف وحيداً معزولاً عمن حوله، تبعه البقية بصمت ليخرجوا عائدين إلى مقر الصيادين؛ لم يتحدث كانا بكلمة، لكن عينيه الباردتين أظهرتا نوعاً من المشاعر الصامتة.
قُتل العجوز، وقُتل مَن قتلوا والديه، وقُتل آخر كلاب العشيرة، وبقي السؤال الذي لم يحسب له حساباً: ماذا بعد؟
حقق هدفه وبقي واقفاً مكانه؛ شعر وكأنه وصل إلى قمة الجبل الذي حلم بتسلقه، لكنه لم يعلم ما يمكنه أن يفعله بعد الوصول إلى القمة.
هل سيبقى بلا هدف، بلا سبب للنضال؟ أين سيذهب؟ انتهت العشيرة وانتهى كل شيء، كان الآن مسؤولاً عن نفسه، مسؤولاً ليجد لنفسه مكاناً في هذا العالم، لكنه لا يريد؛ لا يريد مكاناً في عالم لم يمد له العون في محنته.
لم يفكر بالعيش قط بعد انتقامه، لذا وجد نفسه في موقف مخيف؛ ليس لشعوره علاقة بأفعاله أو بخطر يهدده، بل خوف من عدم وجود خطة؛ عدم معرفة خطوته القادمة كان يرعبه.
اعتاد أن يملك خطة بل وخططاً احتياطية، لكن الآن لا شيء؛ لا معنى لحياته بعد الآن، لم يعد يملك شيئاً ليقاتل لأجله، وهكذا انتهى انتقامه، ليس بلذة النصر بل بخوف من اللاشيء الذي ينتظره.
____________________
يتبع.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.