1 | بين الصيادين
في ظلام الليل، سار راهب أصلع الرأس عبر ممرات المعبد يحمل شمعة مشتعلة في يده التي تلفها المسبحة.
لمح باب قاعة بوذا مفتوحا وسار مقتربا منه ليجد رجلا في أواخر العشرين من عمره، جالسا أمام تمثال بوذا يتمتم بصوت منخفض.
اقترب الراهب وقد حلت ابتسامته على شفتيه الشاحبتين ليتوقف الرجل عن التمتمة عندما شعر باقتراب الراهب منه.
تمتم الراهب بعض التراتيل البوذية ثم حدث الرجل بنبرة: «من النادر رؤية مؤمن في مثل إخلاصك، أتمنى بصدق أن يرشدك بوذا إلى سلامك الداخلي».
لم يتحرك الرجل وبقي كما هو كتمثال حتى استقر الراهب بجانبه، وفي لحظة تشكل بؤبؤ عينيه على هيئة خط عمودي، ولمعت قزحيتاه بلونين؛ الأحمر في المركز والأصفر يحيطها.
وقبل أن يدرك كان الراهب قد بات الفريسة، كشر مصاص الدماء عن أنيابه وانقض عليه؛ لافا أطرافه حول جسد الراهب غارزا أنيابه في رقبته.
صرخ الراهب برعب، وحاول المقاومة وضربه لكنه فشل. بل إن حركته زادت من انتشار السم المخدر من أنياب مصاص الدماء ليفقد قوته ووعيه تدريجيا، حتى استكان جسده ساقطا على الأرض وفوقه مصاص الدماء يشرب دمه حتى كادت عروق الراهب تجف.
ومن شدة نهمه، لم يلاحظ السيف الذي وجه نحوه سوى عندما شق جزءا من رقبته؛ حينها أطلق هسهسة كالأفاعي وهو يقفز مبتعدا عن فريسته.
نظر مصاص الدماء بانفعال نحو من قاطع عشاءه، ليجد فتى في الثامنة عشرة من عمره يحمل سيفا يقطر دما.
تصاعد دخان أسود من رقبة مصاص الدماء مكان الجرح عندما بدأ في الالتئام، وفي ثوان كان الجرح قد اختفى وكأنه لم يصب قط.
كانت العيون الجائعة تلمع غضبا، وصدرت من حلقه هسهسة أشبه بثعبان جائع يراقب فريسته، لم يتأثر الأصغر بل رفع سيفه مستعدا للقتال.
كشر مصاص الدماء عن أنيابه الطويلة، مندفعا نحوه، ودون تردد أو خوف قام الأصغر بتوجيه سيفه مخترقا بذلك صدر مصاص الدماء.
هسهس مصاص الدماء وعلت وجهه ابتسامة ماكرة، وقد رفع يده ذات المخالب مهاجما الأصغر، معتقدا أنه تمكن من عزل الأصغر عن سلاحه.
تلاشت ابتسامته الماكرة، واتسعت عيناه وهو يرى عيني الأصغر الذي صد هجمته بسهولة؛ تشكل بؤبؤ عينيه على هيئة خط عمودي ولمعت قزحيتاه بلون أحمر دموي.
عينان حمراوان دمويتان تلتمعان ببرود قاتل، تراجع مصاص الدماء بصدمة قائلا بصوت أشبه بهمس: «لماذا توقفني إن كنت واحدا منهم؟»
كان الخوف الذي ظهر في عيني مصاص الدماء كافيا ليقرر الأصغر إنهاء القتال؛ حرك سيفه وشق رقبة مصاص الدماء ليسقط رأسه وبقيت عيناه متسعتان خوفا وصدمة ليتبعه ما تبقى من جسده.
كانت عيون الفتى الحمراء تراقب الجثتين المستكينتين على الأرض ببرود، أعاد السيف إلى غمده مغمضا عينيه؛ تنهد وأعاد فتح عينيه ليعود اللون الأسود لقزحيتيه.
تعابير وجهه الباردة لم تظهر أثرا لا للخوف ولا للذنب، وكأنه آلة لا مشاعر لها إطلاقًا؛ التفت وسار مغادرا القاعة وكأنه لا شيء قد حدث.
شاهد الفتى مجموعة رجال بلباس تقليدي داكن كثيابه؛ وللحظة شعر وكأن جدران القاعة الكبيرة تضيق به وتخنقه، لكنه لم يظهر أيا من مشاعره.
ابتسم وأومأ برأسه نحوهم ليذهبوا وينظفوا الفوضى التي خلفها؛ حالما خطت قدماه خارج القاعة، هب نسيم الليل ليبعثر القليل من خصلات شعره الأسود، وللحظة قصيرة شعر وكأنه قادر على التنفس.
لكنها كانت لحظة قصيرة جدا، حيث عاد شعور الاختناق حالما رأى الرجل الذي ينتظره في الخارج؛ شعر أسود طويل مربوط بإهمال، وعينان سوداوان تبثان هالة من البرود التي تشعره أن هذا الرجل قادر على رؤية روحه وليس جسده فقط.
كاغي تاكيرو، معلمه والشخص الوحيد الذي عجز عن فهمه طوال هذه السنوات؛ أجبر نفسه على الابتسام وهو يسير نحو معلمه قائلا: «لقد توليت أمر مصاص الدماء كما علمتني».
نظر معلمه نحوه بكسل قبل أن يتثاءب قائلا: «جيد، في المرة القادمة حاول ألا توقظني».
لم تتزعزع ابتسامته عندما رد على معلمه: «الجد منعني من الخروج في مهمات بمفردي».
سار تاكيرو بخطوات لا مبالية متحدثا بكسل: «لنعد إلى المقر».
أومأ الأصغر متبعا معلمه بصمت، وشيء واحد فقط يدور في رأسه: «مصاص دماء بين الصيادين، يا للسخرية!».
____________________
في قصر بطابع تاريخي، وتحديدا في إحدى الغرف التي تضيئها أشعة الشمس، جلس الفتى أمام طاولة خشبية منخفضة وضع عليها طقم شاي خزفي.
وأمامه جلس رجل كبير في السن، غزا الشيب رأسه، مرتديا الزي التقليدي الذي حمل رمز العشيرة على ظهره، يحتسي من كأسه الفخاري بهدوء.
فتحت الأبواب المنزلقة المطلة على البركة لتعطي جوا من السكينة، بينما كانا يمسكان كأسيهما بهدوء يحتسيان الشاي ببطء.
استرخى الرجل العجوز وهو يستمع إلى خرخرة الماء؛ بعد لحظات من السكينة تحدث الفتى بتعابير جادة: «جدي، أود السؤال عن معلمي ماكوتو، هل تمكنتم من معرفة ما حل به؟».
لم تتغير تعابير الرجل العجوز وتابع احتساء الشاي بهدوء وكأنه لم يسمع سؤال حفيده؛ بقي الحال بينهما صامتا لفترة حتى قرر الرجل العجوز الكلام بعدها: «لقد أرسلت فرقة للبحث عنه، يجب أن يصل التقرير قريبا».
نظر الفتى نحو كأس جده بصمت يتأمله لفترة؛ مرت لحظات من الهدوء لم يسمع فيها سوى صوت خرخرة الماء، حتى قرر الجد قطع الصمت قائلا: «سيقيم هاروكو احتفالا بمناسبة التعاون الجديد، سيكون من الجيد أن تتعرف على أشخاص مهمين».
نظر الفتى إلى جده مبتسما ليتساءل: «هل هذا هو التعاون الذي عمل العم هاروكو عليه لوقت طويل؟ سعيد أنه نجح بعد عمله الشاق».
ساد الصمت لفترة حتى سمعت خطى أقدام تقترب منهم حتى وقف صاحبها خلف الباب؛ لم يتحركا من مكانهما حتى فتح الباب مصدرا صوت احتكاك دوى في صمت الغرفة.
ظهر خلف الباب رجل كبير في السن نحيل البنية بشعر أشيب، متحدثا باحترام موجها حديثه إلى الرجل العجوز: «زعيم ريوتشي، لقد حضر السيد هيرويا والسيد شيرو لتقديم التقرير».
همهم الرجل العجوز ونظر إلى حفيده قائلا بهدوء: «كانامي، يمكنك الانصراف الآن».
ابتسم كانامي لينحني بأدب ثم وقف بهدوء وخرج إلى الحديقة حيث هبت نسمات الربيع لتراقص خصلاته السوداء بخفة.
في تلك الغرفة، كان الجد لا يزال جالسا مكانه، وأمامه جلسا رجلان لم يكلفا نفسيهما إخفاء السيوف التي وضعت في أحزمتهما، وكأنه أكثر شيء طبيعي.
تحدث أحد الرجلين بنبرة جادة وصارمة: «زعيم، لقد بحثنا لكننا لم نجد له أثرا، وكأنه تبخر في الهواء».
تحدث الرجل الآخر بنبرة أظهرت شعوره بالريبة: «كانت تحركاته الأخيرة عادية جدا ولم يكن هناك شيء مريب».
عم الصمت الغرفة في انتظار حديث الرجل العجوز، بينما ابتسم كانامي ولمعت عيناه بلون أحمر؛ أزاح نظره إلى الجانب حيث كانت أوراق الشاي التي يزرعونها.
أوراق الشاي التي يفخرون بزراعتها والتي خصصت لأفراد العشيرة فقط؛ الأوراق التي سقاها من دمه، حتى يتمكن من تحويلهم متى ما اقتضت الحاجة.
____________________
جلس كانامي في قاعة الطعام بجانب معلمه محاطا بالعديد من رجال العشيرة، أمام كل فرد منهم طاولة صغيرة لا تسع سوى أطباق العشاء الخاصة بهم.
أجبر كانامي نفسه على الابتسام بينما يستمع إلى أحاديث الرجال حوله، ممسكا بعيدان الطعام في يده بالكاد يجبر نفسه على وضع أي شيء في فمه.
ركز نظره على طبق طعامه بينما بقية حواسه تتبع حديثهم، لم يستطع التقاط أي معلومة تبدو مفيدة من الأحاديث التافهة التي يتبادلونها.
نظر إلى الساعة في يده دون أن يلفت الانتباه، بقيت نصف ساعة على نهاية العشاء، شعر بالألم في معدته لكنه بذل جهده ليتماسك.
اخترقت أصواتهم العالية طبلة أذنه مسببة له الصداع وكأن أحدهم يضرب رأسه بمطرقة، ردد في نفسه دون حيلة: «اخرسوا، اخرسوا، اخرسوا، اخرسوا»
زاد صداع رأسه مع كل كلمة تخرج من أفواههم، ولم يقدر على النطق بكلمة أمامهم حتى لا يثير شك أحدهم به، ولحسن حظه وقف معلمه غير مكترث بما حوله قائلا بلا مبالاة: «اتبعني»
وقف كانامي ليغادر خلف معلمه بهدوء، ومع كل خطوة يخطوها مبتعدا عن مصدر الصخب شعر بصداعه يتلاشى.
تحدث معلمه دون أن يلتفت نحوها: «اذهب واسترح مبكرا، تذكر أن لا توقظني عندما تبدأ تدريبك في الصباح الباكر»
تثاءب بكسل بينما ابتسم كانامي وأجابه باحترام: «لقد فهمت، معلمي»
أكمل المعلم طريقه بينما توجه كانامي إلى السلالم ليصعد إلى غرفته، كانت خطواته هادئة، خالية من أي أثر للتوتر أو التعجل.
وصل إلى أعلى السلالم وتوجه إلى غرفته، كل حركة منه كانت هادئة وطبيعية، أغلق الباب خلفه بهدوء وتوجه إلى الحمام المتصل بغرفته.
فتح الباب ودخل بخطوات هادئة مغلقا الباب خلفه، وقف أمام المغسلة وأحنى رأسه وبدأ يتقيأ كل ما تناوله على العشاء.
لمعت عيناه بلون أحمر باهت وهو يمسك معدته، كان الألم أشبه بمطرقة تضربه باستمرار، أسند يديه على طرف المغسلة بضعف.
نظر إلى المرآة، وكل ما وجده هو انعكاس عينيه اللتين تومضان باللون الأحمر، لم تكن هذه إشارة جيدة، لم يكن يضعف فحسب بل كان يحتضر.
تناول طعام البشر أشبه بتناول السم لبني جلدته، وعدم شربه للدم منذ فترة طويلة جعله متعطشا أكثر للدم، لمصاص دماء في مثل سنه، كان بحاجة ليتغذى أكثر، لكن في حالته كان من المستحيل عدم جذب انتباههم.
إما أن يخاطر بكشف سره أو يقود نفسه للموت عطشا، وكلا الخيارين لم يعجباه بتاتا.
نظر إلى انعكاسه وشد يديه على المغسلة، لم يبق له الكثير من الوقت، عليه أن يسرع في تنفيذ خطته.
في فيلا عصرية تقع في طوكيو، محاطة برجال أمن، أقيم اجتماع خاص، حيث جلس رجال بعيون حمراء في المكتب يتناقشون فيما بينهم.
تحدث رجل من بينهم بشعر أسود طويل، ربطه بإهمال غير مكترث بمظهره: «لقد مرت خمس سنوات، إيناري، خمس سنوات ونحن نبحث عن الفاعل، لكن لا أثر، وكأنه تبخر!».
كان يتحدث بانفعال وعصبية، بينما بقي من يجلس على مكتبه صامتًا، تعابير وجهه لا تظهر سوى القليل من الغضب الكامن في أعماقه.
لم يتحدث، لأن الجميع يعلم الكلمات التي ستخرج من فمه، ذات الكلمات التي يكررها عليهم طوال السنوات الفائتة، تحدث رجل آخر: «اهدأ، كينجي، لا بد من وجود ثغرة، على الأقل علينا أن نعثر على..».
قبل أن يكمل قاطعه كينجي بانفعال: «أهدأ؟ لقد قُتلت أختي! ونحن نحاول البحث عن قاتلها منذ خمس سنوات! خمس سنوات! ولم نجده!».
حاول كينجي أن يتحكم في أعصابه، كانت عيناه تومضان بلون أحمر دموي، كان يخرج عن السيطرة، وهذا خطير، ليس عليه ولا عليهم، بل على البشر الغافلين في الخارج.
تنهد إيناري الذي كان صامتًا، نبرته كانت هادئة، مدروسة: «سنذهب إلى كيوتو لتوقيع صفقة، سنستغل تلك الفرصة لنبحث بأنفسنا، ثم سنرى ما يجب فعله».
صمت من في الغرفة، كل منهم يستعد عقليًا لما هم على وشك خوضه، ما مدى الأسرار التي يوشكون على نبشها
وفي زاوية أخرى من الفيلا، كان هناك فتى يبلغ الثامنة عشرة من عمره، عيونه كانت مزيجًا بين لونين، الأحمر والأصفر، واقفًا ببرود ظاهر، يخفي التردد في أعماقه، لا يعلم هل يجب أن يخطو خطوته أم يبقى مكانه.
____________________
تم إعداد الفندق للاحتفال بتوقيع العقد بين الشركتين؛ بذل معظم أفراد العشيرة جهدهم حتى يكون كل شيء مثاليا لإرضاء زعيمهم.
سار كل شيء بسلاسة منتظرين قدوم شركائهم الجدد؛ وبينما ابتسم الزعيم محدثا رجالا من جيله نظر حوله ليحدث رئيس الخدم خلفه: «أين ذهب كانامي؟».
انحنى رئيس الخدم ليحدثه بصوت خافت: «كان السيد الصغير يحدث بعض الشباب القريبين من عمره منذ لحظات».
لم يكن الزعيم راضيا عن اختفاء حفيده، ليردف ببرود: «عندما تجده، أشر إليه ليبقى في مرمى نظري».
«علم سيدي». قالها رئيس الخدم بنبرته الرسمية.
وفي دورة المياه البعيدة، أغلق كانامي على نفسه؛ جسده يرتجف بينما يغرس أنيابه في ساعده، عيناه تومض باللون الأحمر الباهت، ولم يعد يستطيع السيطرة على غرائزه أو عطشه.
ذكر نفسه أن النهاية قريبة، وأنه لا يفصل بينه وبين انتقامه سوى القليل؛ فقط خطوة واحدة ليدمر ما قضى الزعيم عمره في بنائه.
أخرج أنيابه وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة؛ أغمض عينيه بقوة ليسند رأسه على الباب خلفه، وانهمرت دمعة وحيدة من عينيه بينما صك على أسنانه بقوة.
عقد حاجبيه وفتح عينيه ليعودا للسواد؛ غسل وجهه بعصبية كاد يفصل بها جلده عن لحمه، ثم نظر إلى انعكاسه في المرآة؛ تلك النظرة الباردة التي تخفي تعب سنين.
التقط أنفاسه بهدوء وجفف وجهه ويديه ليخرج؛ لا شيء من خطواته أو تعابير وجهه يظهر الانهيار الذي مر به منذ لحظات.
سار عبر الممرات عائدا، وأثناء ذلك استمع إلى أصوات خطوات الضيوف والعاملين وأحاديثهم؛ ومن بين تلك الأصوات المتداخلة التقطت أذنه ذلك الاسم المألوف: «...شيوري».
توقفت أقدامه للحظة، أغمض عينيه يحاول تمييز صوت المتحدث بين جميع الأصوات التي يستمع إليها؛ سمع الكثير من الأحاديث السخيفة، من يتحدث عن إنجازاته وكأن لا أحد غيره فعلها، وعن أرباحهم ومخططاتهم.
بعض الأحاديث التي ينتقدون بها أشخاصا يبتسمون في وجوههم كل يوم؛ دقق السمع أكثر ليلتقط صوت رجل غاضب يتحدث بانفعال: «لا بد من وجود شخص خلف الحادث، أختي شيوري مصاصة دماء يا رينجي، وهي أسرع من أن تلتهمها النيران».
فتح كانامي عينيه بإدراك؛ هؤلاء مصاصو دماء، ليسوا كأي مصاص دماء قابلهم، بل هم مثله، من ذات دمه، والأفضل من كل هذا أنهم يبحثون عن سر مقتل والدته.
فلتت منه ضحكة ساخرة؛ يبحثون عن السر الذي سيفضحه الليلة، اليوم حقا سيكون تاريخيا بكل المعايير.
تابع السير بابتسامة تزين ثغره، وأثناء سيره لمح فتى في مثل سنه، بشعر أسود قصير، يرتدي قناعا يغطي نصف وجهه السفلي.
أشاح نظره بلا مبالاة؛ لم يكن مهتما بفتى مريض في الحفل، إن كان مريضا فليبق في منزله! كاد يمر بجانبه لكنه توقف عند سماعه لصوت الآخر: «يبدو أنك سعيد جدا».
كان الانزعاج واضحا في صوته؛ نظر له كانامي بطرف عينيه دون أن يلتفت إليه، تفحصه بعينيه، شعر أسود قصير، عيون سوداء تنظر له ببرود؛ أطال النظر وابتسم في وجه الآخر مستفزا إياه.
وفقط هكذا، أشاح نظره وتابع سيره مبتسما جاعلا الآخر يستشيط غضبا، ولأنه لم يلتفت، فلم يلحظ تحول عيني الآخر إلى اللونين الأحمر والأصفر.
وصل كانامي إلى القاعة ليقابله رئيس الخدم الذي حالما لمحه حتى توجه نحوه؛ لاحظه كانامي لكنه تظاهر بالعكس، ليسير متجاهلا الأكبر.
كانت عيناه السوداوان تبحثان عن صاحب ذلك الصوت، متسائلا في نفسه: أين هو خاله العزيز الآن؟
وأثناء بحثه القصير، تمكن رئيس الخدم من الوصول إليه محدثا إياه بنبرة رسمية: «سيدي الصغير، الزعيم يأمرك بالبقاء في مرمى نظره، وهو الآن يريدك».
نظر له كانامي وأجبر نفسه على الابتسام؛ رغم الكلمات المحترمة إلا أن العجوز كبير الخدم كان يتحدث إليه بنبرة آمرة، نبرة لم ترق له.
أومأ كانامي برأسه دون أن يتحدث، ليباشر السير نحو جده الذي كان يثرثر هو وهاروكو مع شخص ما؛ اقترب من الجد ليقف بالقرب منه قائلا: «جدي، أخبرني رئيس الخدم أنك طلبت رؤيتي».
لفت نظره الرجل الذي كان الجد يتحدث معه؛ رجل بشعر أسود قصير وتعابير وجه رسمية باردة، تحدث الجد معرفا بحفيده: «سيد إنوي، هذا هو حفيدي، كاغي كانامي».
وضع الرجل العجوز يده على كتفه قائلا بنبرة ودودة: «كانامي، هذا هو السيد إنوي إيناري، الشريك الجديد لهاروكو».
كان كانامي منزعجا من لمس العجوز له، لكنه تظاهر بعدم ملاحظة ذلك وحافظ على ابتسامته متحدثا: «سررت بلقائك سيد إنوي».
تبادلا النظرات لفترة، وقد لاحظ كانامي أن المدعو إيناري قد أطال النظر في عينيه قبل أن ينظر نحو ساعده؛ ذات الساعد الذي كان يعضه منذ دقائق.
للحظة توقف عن التنفس، وفكرة واحدة جعلت عقله يكاد ينهار من التفكير؛ ذلك الرجل مصاص دماء! لا بد أنه شم رائحة دمه العالق على كم قميصه.
شتم ولعن في داخله، من جده حتى أصغر فرد في العشيرة التافهة التي ستقوده للجنون؛ حافظ على تعابير وجهه وابتسامته المتواضعة منتظرا الآخر ليتحدث.
غير أن الآخر خيب أمله عندما أومأ له بغير اكتراث؛ أراد كانامي أن يصرخ ويضربه على رأسه لما عاشه من توتر منذ لحظات، لكنه تمالك نفسه.
لم يبق الكثير على تحقيق انتقامه، فقط القليل، ثم سيجد طريقة يستغل بها خاله الذي لم يعرفه سوى اليوم؛ سمع صوت خاله المجهول من جديد: «ما الذي يفعله إيناري بالحديث مع ذلك العجوز؟».
حسنا، المعلومة الجديدة عن خاله المجهول: هو على علاقة جيدة مع الشريك الجديد ليدعوه باسمه بهذه الطريقة؛ سيكون من السهل استغلاله إن كان ثريا.
لمعت عيناه وهو يبحث بهما عن خاله دون إثارة شكوك جده، الذي ترك كتفه ليتقدم أمامه مكملا حديثه مع إيناري، وكأنه لم يكن هنا من قبل.
لم يهتم بحديث جده، بل كان يبحث عن خاله بشغف حتى إن عينيه قد ومضتا باللون الأحمر لجزء من الثانية، قبل أن يعيد السيطرة على نفسه.
كاد يشتم في نفسه وهو يعيد النظر نحو جده ومن معه؛ لحسن الحظ يبدو أن لا أحد قد لاحظه، لكنه ابتلع ريقه عندما تلاقت عيناه مع إيناري.
لم تظهر تعابير وجهه أي علامة على الصدمة أو التفاجؤ، مما بث الأمل في قلبه أن مصاص الدماء ذلك لم يلاحظ شيئًا؛ لكنه يعلم في قرارة نفسه أن لا مجال له أن يغفل عن هذا التغير حتى وإن كان لأقل من ثانية.
ففي النهاية هما يملكان ذات الدم؛ سمع كانامي جده يتحدث: «سمعت أن شقيقك الأصغر نادر الحضور قد شرفنا اليوم».
عندها سمع صوت خاله الغامض مجددًا: «ما الذي يريده ذلك العجوز مني أيضًا؟».
عندها استقرت عينا كانامي على ذلك الوجه الذي كساه الاشمئزاز الشديد وهو ينظر نحوهم؛ التقت نظراتهما، نظر له خاله ولم يخف الانزعاج في عقدة حاجبيه.
كان كانامي هو أول من أشاح عينيه ليعيدهما إلى الرجل أمامه، وقد رمش يحاول استيعاب المعلومة الجديدة التي حصل عليها؛ تبين أن لديه خالين.
الجانب الإيجابي: تم إثبات أن عائلة والدته تملك المال ليستغلهم.
الجانب السلبي: يبدو أنه لن يستطيع استغلالهم بالسهولة التي توقعها في البداية.
ارتسمت ابتسامة ودودة على وجهه بينما يتلقى نظرات خاله الأكبر الباردة؛ علم كانامي أن خاله الأكبر قد لاحظ تصرفاته.
كان عليه التخطيط للمزيد من التفاصيل لخطته، أو ربما تغييرها لشيء أكثر إثارة؟ أو دموية؟ من يعلم قد يفعل كلاهما في آن واحد.
وأثناء تفكيره شعر بشخص يقترب من خلفه؛ لم يحتج للالتفاف ليعرف أنه معلمه، تلاشت ابتسامته لثانية وحل محلها تعبير خال من المشاعر.
شعر بيد توضع على كتفه قبل أن يجبر نفسه على رفع طرفي شفتيه مشكلاً ابتسامة متقنة؛ تحدث معلمه: «اعذرني على وقاحتي زعيم ريوتشي، سأستعيره منك لبعض الوقت».
أومأ الزعيم، ليترك تاكيرو كتف تلميذه قبل أن يستدير مغادرًا دون كلمة أخرى؛ لم يكن لدى كانامي خيار سوى الذهاب خلفه بهدوء تحت نظرات خاله الأكبر.
وقف تاكيرو في طرف القاعة وبجانبه كانامي؛ كلاهما يوجهان ظهرهما للجدار يراقبان أفراد العشيرة والضيوف القلة وطاقم التصوير الذي يوثق الحدث.
أراد الجد وهاروكو إثارة ضجة بأعمالهم ونجاحاتهم لتغطية الأحداث التي يخلفها قتلهم لمصاصي الدماء؛ تحدث كانامي بنبرة حملت الفضول: «معلمي، هل تعرف شيئًا عن عائلة إنوي؟»
كانت تعابير معلمه تظهر عدم مبالاته وهو يراقب ما حوله قبل أن يتحدث بملل: «وما الأمر معهم؟»
زم كانامي شفتيه لثانية قبل أن يتحدث بتردد زائف: «في الواقع، هذا الاسم يبدو مألوفًا، لكنني لا أستطيع تذكر أين سمعته».
نظر تاكيرو بطرف عينيه نحو تلميذه ليجده ينظر إلى الأسفل بتعابير وجه مثيرة للشفقة وكأن هذه المسألة تعني له الكثير؛ تنهد يشيح ببصره عنه ليجيبه: «إنوي كان اسم عائلة والدتك شيوري قبل أن تتزوج بوالدك».
علت ابتسامة ماكرة على وجهه وهو يعلم أن خاله الأصغر يستمع إليهم، قبل أن يرفع رأسه موسعًا عينيه وكأنّه صُدِمَ من الإدراك ليتحدث: «هل هم عائلة والدتي؟ لكني لم أرهم في الجنازة، كما أني لم أقابلهم من قبل؛ اعتقدت أن أمي لا تملك عائلة».
كان هدفه زرع شعور الذنب في خاله الأصغر الذي يراقبه الآن؛ كانت تعابير الصدمة الزائفة والتساؤل البريء في عيني تلميذه جعلته يكمل بنبرة منزعجة: «كانوا معترضين على زواج والدتك بريوما، لكنها أصرت وخالفتهم؛ لذا فالعلاقة بينهم كانت سيئة...»
صمت قليلًا يعيد التفكير في ما سيتفوه به قبل أن يكمل: «لا أعتقد أنهم سيحبون لقاءك بما أنك تبدو نسخة مصغرة من والدك؛ لذا حاول تجنبهم».
لم يكن كانامي مهتمًّا بنصيحة معلمه التي تناقض خطته، بل ركّز حواسه ليستمع إلى حديث خاله الأصغر: «هل.. سمعت ذلك؟».
كانت نبرة الصدمة والتردد في صوت خاله وكأنه تلقّى أخبارًا صادمة، لكنّ كانامي لم يشعر بالرضا بعد؛ يريد أن يجعلهم يشعرون بالذنب أكثر لنبذ والدته، لذا تحدث بنبرة منكسرة: «أكان زواجها من أبي سببًا كافيًا لنبذها طوال تلك السنوات؟».
تنهد تاكيرو معتقدًا أن تلميذه يمر بنوبة غضب، غير عالم أن كل ما يتفوه به الأصغر كان محسوبًا؛ حاول تاكيرو مواساته: «هناك أمور معقدة في العائلات الأخرى، لكنّ المشكلة بهم لا بوالدك».
للحظة اختفت تعابير كانامي المنكسرة وباتت تعابير وجهه خالية من المشاعر، تحدث بنبرة باردة: «معلمي، هل حقًّا كنت صديقًا لوالدي منذ الطفولة؟».
شعر تاكيرو بالراحة معتقدًا أن الأصغر يحاول تغيير الموضوع ليجيبه: «نعم، قابلت ريوما عندما كنت صغيرًا، كنا نقضي معظم أوقاتنا معًا، من الروضة حتى قرر ترك العشيرة».
ظهر الحزن في عيني معلمه مكملاً: «حتى بعد مغادرته كنت أقابله من وقت إلى آخر...».
مرت لحظات من الصمت وكأنه يستعيد تلك الذكريات المنقضية، ليتابع حديثه: «كنت موجوداً عندما ولدت، وعندما بلغت الثالثة قبل أن أنقطع عن الزيارة لعدة سنوات».
تابع معلمه ونبرة الندم تظهر في صوته: «وقبل أن أتمكن من التواصل مع والدك مجدداً، كانت أنباء وفاته قد وصلتني».
رغم المشاعر المعقدة التي أظهرها معلمه، إلا أن تعابير وجه كانامي لا تزال خالية من المشاعر، خصوصاً عينيه السوداوين اللتين تنظران إليه وكأنه يبحث عن أي أثر يفصحه؛ لكن كل ما وجده هو الصدق.. شيء لم يعد يملكه منذ زمن.
فتح كانامي فمه ليتحدث، لكنه سرعان ما أغلقه؛ أخفض رأسه والتزم الصمت، شد على فكه وقبضتيه ليشعر بأظافره تغرز في كف يده.
لن يسمح لنفسه أن ينقاد خلف أمل هش بوجود شخص بجانبه؛ شخص قد يقف معه ليواجه العالم إن اضطر لذلك، شخص يشاركه الحقيقة المريرة التي جرته إلى وسط جحر الصيادين.
الجميع يقفون كأدوات ليخدموا خطته؛ هو القائد، والمخطط، والمنفذ في آن واحدٍ.. هو وحده ولا أحد معه.
بعد تذكير نفسه بهذه الحقيقة، رفع رأسه مجبراً نفسه على الابتسام وكأن صراعه الداخلي لا وجود له، قائلاً: «والدي محظوظ بصديق مثلك».
كانت الابتسامة البراقة على وجهه وكأنه طفل حصل على الحلوى؛ ابتسامة تصرخ أن صاحبها يملك براءة العالم في قلبه.
كان تاكيرو ينظر نحو تلميذه، لكن عقله قد نسج صورة لذكرى من الماضي؛ حيث كان فتى يطابق كانامي مرتدياً ثياب العشيرة التقليدية، يبتسم في وجهه وخلفه الشمس المتوهجة التي جعلت ابتسامته أكثر إشراقاً.
أشاح ببصره بعيداً، مذكراً نفسه أن صديقه العزيز قد رحل، وكل ما تبقى منه هو ابنه الوحيد الذي بات تلميذه.
حلَّ الصمت غير أن لا أحد منهما أراد قطعه، وفي صخب القاعة تقدَّم الفتى ذو الكمامة نحو كانامي، الذي تجاهل حركته.
وقف الفتى أمام كانامي الذي ابتسم نحوه مجبراً؛ رأى تاكيرو المشهد بطرف عينيه ليتحدث بهدوء: «سأذهب، يمكنك الحديث مع صديقك».
ابتسم كانامي نحو معلمه الذي التفت مغادراً؛ ولم يكد يبتعد عن مرمى نظره حتى عبس ملتفتاً إلى الفتى الآخر قائلاً بانزعاج: «اسمع يا هذا، لست في مزاج جيد الآن.. عُد بعد موتك».
نظر الفتى نحوه ببرود دون أن يتحدث؛ ليرفع كانامي حاجبه منتظراً حديث الآخر الذي لم يفتح فمه، أدار عينيه بضجر حتى كاد يرى دماغه، قبل أن يلتفت ليغادر؛ لكنه توقَّف وهو يرى خاله الأصغر يقف أمامه بتعابير وجه معقدة.
تجمد مكانه لثانية يرمش بعينيه ليتأكد مما يراه، وبسرعة أخذ ينظر نحو القاعة ليتأكد من العجوزين؛ وعندما وجدهما منشغلين تنهَّد براحة ونظر إلى خاله قائلاً بانزعاج: «ماذا تريد أنت أيضاً؟».
لم يكلِّف نفسه عناء انتظار جوابهم، ليلتفت ويغادر متجاهلاً إياهم؛ لم يوقفه أحد ولم يكونوا ليقدروا على ذلك.. لم يُرد إعطاءهم شعور الرضا بسيره خلفهم.
عليهم أن يشعروا بالذنب، أن يسيروا في دائرة مغلقة ليتلاعب بهم; ففي اللحظة التي تُكسر بها هذه الدائرة سيفقد القدرة على السيطرة، وهذا شيء ليس مستعداً له الآن.
أثناء سيره لمح خاله الأكبر إيناري يحدِّق به بتعابير باردة، لم يتأثر الأصغر بل أشاح بنظره ببرود، وكأن حقيقة وجودهم لا تعنيه في شيء.
توقَّف كانامي عند شعوره باقتراب شخص ما منه، التفت ليجد أكيرا؛ أحد أفراد العشيرة القريبين من عمره، ومن القلَّة الذين يتواصل معهم في العشيرة.
ابتسم كانامي ينظر نحوه، قبل أن يتحدث أكيرا وعيناه تلمعان بحماس صبياني: «كانا، هل رأيت الأطباق؟ إنها أكثر من عدد شعرات العم إيجي!».
ضحك كانا على حديثه، بينما تابع أكيرا بحماس: «هناك أطباق تبدو كلوحات فنية، حتى إنني أشعر بالذنب لأكلها!».
سار أكيرا يجر كانا معه، محدثاً إياه عن الأطباق المعروضة؛ ما أكله، وما يود تجربته، وما لم يتمكن من رؤيته بعد. كان هذا أحد الأسباب التي جعلت كانا يقضي وقته مع أكيرا؛ فهو يشبه النسخة الصغيرة منه.. النسخة التي لم ترَ قسوة هذا العالم.
توقَّف أكيرا عن جرِّ كانامي عند وصولهما لطاولة ممتدة مليئة بكل ما لذَّ وطاب، ودون مقدمات أمسك أكيرا بطبق من كومة الأطباق المكدَّسة.
بدأ يملؤه بما يجده حتى كوَّم جبلاً صغيراً، ودون تردد قام بمدِّ أعواد الطعام لالتقاط إحدى قطع السوشي ومدِّها نحو كانامي، الذي فتح فمه بتلقائية ليتناولها.
وقبل أن يتمكن أكيرا من إطعام صديقه، كانت قطعة السوشي قد وقعت على الأرض؛ عندما قام الفتى ذو الكمامة بإمساك ساعد أكيرا بقوة.
رمش أكيرا وتجمدت ابتسامته بينما ينظر نحو الفتى الغريب بتساؤل؛ لم يبدُ عليه الغضب أو الانزعاج، فقط تساؤل في عينيه، بينما أغلق كانامي فمه ليعبس محدقاً في اليد التي تقبض على ساعد صديقه.
لمعت عينا الفتى باللونين الأحمر والأصفر تحت نظرات أكيرا، الذي اتسعت عيناه بصدمة؛ رفع كانامي عينيه ليرى عيني الفتى، مما زاد من عبوسه، ثم تمتم بانزعاج: «أحمق!».
عقد الفتى حاجبيه ونظر نحو كانامي بحدة، وقبل أن يتفوَّه بحرف، تحدَّث أكيرا بحماس: «لا أصدق!».
غطَّى أكيرا فمه بيده الحُرَّة بينما لمعت عيناه؛ صُدِم الفتى لدرجة عجزه عن إيجاد ما يقوله في موقف كهذا، وهمس أكيرا بعينين تلمعان: «هل أنت حقًّا.. كما تعلم..؟».
رمش الفتى ينظر نحو أكيرا عاجزاً عن الحديث، بينما كان الآخر يترقب الإجابة بفارغ الصبر، ليتنهد كانامي قائلاً: «ماذا عن الذهاب لمكان لا يتضمن صيادين به؟».
أومأ أكيرا بحماس صبياني؛ فبالرغم من أنه يكبر كانامي، إلا أنه لا يزال يحتفظ بروح صبيانية، عكس الآخر الذي فقد روحه بين الصيادين.
وجد الفتى نفسه يُجَرُّ مع أكيرا خارج القاعة؛ للحظة لم يفهم كيف تحوَّل به الأمر إلى هذا الموقف. نظر خلفه نحو كانا الذي لم يتبعهما، وكأن أكيرا ليس في خطر.
تبادلا النظرات في صمت؛ الفتى بنظرات حيرة، وكانا بنظرات باردة وهو يهمس ببرود: «تحمَّل عواقب أفعالك».
التفت كانامي ليقابل عيني خاله الأكبر، وبلا مبالاة أشاح ببصره؛ وصلت إلى مسامعه أصوات خطوات الأقدام، ليسير مرفوع الرأس بابتسامة تزين شفتيه.
سار نحو جده؛ ليس ليحدثه وليس ليطمئن عليه، بل ليجد لنفسه مقعداً أمامياً لمشاهدة العرض القادم. وأمام كاميرات البث المباشر، دخل رجال الشرطة وأحاطوا بأبواب القاعة.
عمت الفوضى وعلت همسات الضيوف متسائلين عن سبب اقتحام رجال الشرطة للمكان؛ سيطر كانامي على غرائزه ليتأكد أن عينيه لن تلتمعا بالأحمر.. ليس الآن.
تقدَّم رجال الشرطة على مرأى الحضور ليحيطوا بـ "هاروكو"، ملقين القبض عليه أمام الجميع؛ وتحدَّث أحد رجال الشرطة بصوت عال: «كاغي هاروكو.. أنت رهن الاعتقال بتهمة قتل كاغي ريوما وزوجته قبل ثماني سنوات!».
وهكذا تم جرُّه دون حيلة، لكن قبل أن يرحل، كان قد ألقى نظرة أخيرة نحو زعيمه، الذي اشتدت قبضته على عكازه دون أن ينبس بحرف.
لكن هذه المسرحية لن تكتمل دون الدور الدرامي الرئيسي؛ فعلى بُعد خطوات فقط من هاروكو المعتقل، أتى صوت مرتجف: «ماذا..؟».
التفت الجميع إلى مصدر الصوت ليجدوا كانامي واقفاً بجسد مرتجف، ينظر نحو هاروكو، ليصرخ بانفعال: «ما الذي تعنيه بأن العم هاروكو قام بقتل والديّ؟!».
كانت عيناه المتسعتان تظهران خليطاً من الألم والصدمة؛ كانت عيناه تظهران مدى يأسه وكأنه يرى عالمه ينهار أمامه، لقد أوصلت عيناه مشاعر لم تكن الكلمات لتصلها.
تعالت همسات الضيوف، في حين تحدَّث رجل الشرطة بهدوء وكأن التعامل مع الأشخاص في هذه الحالة جزء من روتين عمله: «أنا أعتذر أيها الصغير، ولكننا تلقينا اعترافاً يدينه، ولدينا مذكرة باعتقاله».
نظر كانامي نحو رجل الشرطة ليتساءل بتردد، محافظاً على دور الضحية بإتقان ليتأكد من تمام مسرحيته: «ما.. ما الذي تعنيه باعتراف؟.. مَن الذي اعترف؟».
تحدَّث الرجل بنبرة رسمية، يشرح بصبر وهدوء: «تقدَّم كاغي ماكوتو واعترف باشتراكه في الجريمة، وقدَّم اسم كاغي هاروكو».
وقف كانامي ينظر بصدمة نحو رجل الشرطة، ليتمتم وكأنه يحدِّث نفسه، قاصداً أن يستمع إليه مَن حوله: «مستحيل.. معلمي.. لن يفعل شيئاً كهذا!».
أشار رجل الشرطة إلى مَن معه ليقوموا بجر المتهم، وقبل أن يتبعهم، رفع كانامي رأسه والدموع تجمعت في عينيه، ممسكاً بطرف كُم الشرطي ومجاهراً بصوته: «معلمي وعمي مخلصان لجدي.. لا يمكنهما فعل شيء كهذا أبداً!».
ارتجف صوته ليخفض رأسه، ويبدأ البكاء كطفل قد تاه ونسي طريق العودة؛ قد تبدو كلماته وكأنه ينكر الحقيقة المرَّة التي عرفها، لكنه كان يشير بأصابع الاتهام نحو جده.
ربت الشرطي على كتف كانامي قائلاً بنبرة هادئة: «كن قوياً؛ فالحقيقة ستظهر عاجلاً أم آجلاً».
أحنى كانامي رأسه يخفي وجهه بكفيه كطفل صغير؛ اهتزاز كتفيه والشهقات الخافتة التي تفلت منه رسمت صورة الصبي البائس.
ظهرت الشفقة على تعابير الضيوف الذين شهدوا مسرحيته المتقنة؛ فقد تمكن كانامي من التلاعب بهم وزرع الصورة التي يريدها، ولم يتبق له إلا القليل.
شعر كانامي باقتراب معلمه، لكنه لم يعط أي رد فعل؛ انتظر حتى وقف معلمه خلفه، ليرفع رأسه مظهراً الدموع في طرف عينيه.
نظر كانامي نحو معلمه بنظرة انكسار، قبل أن يتحدث باتهام: «هل أنت أيضاً كنت مشتركاً في مقتل والديّ؟».
العقدة التي ظهرت بين حاجبيه، والنظرات التي تحاول أن تكون حادة رغم الانكسار؛ هذه التفاصيل الصغيرة عززت دوره في هذه المسرحية.
ظهر الحزن في عيني تاكيرو، ليقترب محاولاً احتضانه قائلاً: «أنا أبداً لن أخون والدك!».
بقيت ذراعا تاكيرو معلقتين في الهواء، عندما خطا كانامي خطوة إلى الخلف قائلاً بنبرة مرتجفة لكنها حازمة: «أنا لم أعد أثق بكم!».
انعكس الألم الذي شعر به معلمه في عينيه السوداوين، قبل أن يخفض ذراعيه بإحباط؛ لم يتحدث، بل بقي يراقب تلميذه المنكسر بعيون مجروحة.
عند رؤيته لتلك الدموع والنظرة المشككة من تلميذه، أدرك أنه فشل؛ فشل في الحفاظ على الشيء الوحيد الذي بقي من صديقه، وفشل في زرع الثقة في قلب تلميذه، وهو الآن لا شيء في عيني تلميذه سوى مشتبه به في مقتل ريوما صديقه العزيز؛ أمر من المستحيل عليه التفكير به حتى.
وهنا تقدم الجد أخيراً بعد بقائه متفرجاً، وقف بالقرب من حفيده قائلاً بهدوء: «كانامي...».
وقبل أن يكمل حديثه، قاطعه كانامي بنظرة حادة قاسية، قائلاً بحدة وصرامة لم يعهدها أحد: «لا تنطق اسمي!».
توقف الجد يشد قبضته على عكازه؛ لم يعهد تمرد الأصغر، فقد كان يعتقد أنه تمكن من جعله الفتى المطيع الذي يريده، لكنه أدرك أن دماء ريوما المتمردة لا تزال تجري في عروق حفيده.
تحولت نظرات الجد الهادئة إلى البرود وهو ينظر إلى حفيده؛ لم يحب فكرة التمرد عليه، فهو الزعيم ويجب أن تطاع أوامره، والآن حفيده الذي بذل الغالي والنفيس في تشكيل شخصيته يعصيه أمام الكاميرات.
مرت لحظات من الصمت قبل أن تُسمع خطوات أقدام قادمة؛ نظر الجميع بفضول نحو الرجل ذي التعابير الجامدة، الذي يسير نحوهم.
ورغم اقتراب إيناري، إلا أن كانامي والجد لم يشيخا بنظرهما، حتى وقف بينهما يواجه الجد، بينما اختفى كانامي من نظر العجوز أمامه.
كان فرق الطول الذي لم يلحظه كانامي من قبل واضحاً الآن، حيث كان بالكاد يصل إلى كتفه؛ تحدث إيناري ببرود: «والدته شيوري تكون شقيقتي الصغيرة..».
ظهرت لمحة من الصدمة في عيني الجد، في حين تابع إيناري ببرود: «أعلم جيداً أن أفراد عشيرتك مخلصون لك، ومن المستحيل أن ينفذوا كل هذا دون علمك على الأقل..».
احتدت نظراته قبل أن يكمل، وقد تسلل الانزعاج إلى صوته: «هذا إن لم تكن مَنْ أمرهم بذلك من البداية!».
ارتجفت يد العجوز على عكازه، ليس خوفاً بل غضباً؛ فوجود مَنْ يجرؤ على مواجهته وتحديه أمام الجميع، وكأن مكانته لا شيء في عيونهم، أثار حنقه وأشعره بالإهانة.
لم ينطق أحد ليقطع الصمت سوى إيناري ببرود: «من الآن سآخذ ابن أختي، وحتى تثبت براءتك أو إدانتك، لا حق لك في التواصل معه؛ وهو تحت حمايتي».
اشتدت قبضة الجد على عكازه ليضرب به الأرض صارخاً بغضب: «لا حق لك في أخذ وريثي الوحيد!».
لم يبدُ أن أيّاً منهم قد تأثر بغضبه، بل أجابه إيناري بنبرة باردة، حملت السخرية في كلماتها: «راقبني إذًا!».
تحرَّكت مجموعة من الرجال المتوزعين في أرجاء القاعة ليحيطوا بقائدهم إيناري، كما تقدَّم رجال العشيرة لشعورهم بالتهديد من هذه التحركات.
ودون اكتراث، التفت إيناري نحو ابن أخته؛ كانت تعابير كانامي باردة، وكأن المسرحية قد انتهت في نظره، ولم يعد بحاجة للعب دوره.
ارتسمت ابتسامات باردة على شفتي إيناري وهو يدرك مكر الفتى أمامه؛ في البداية لم يحبه لكونه يشبه والده، لكنه الآن، بعد أن علم أن شخصيته نسخة من والدته، فربما يفكر في جره معه إلى طوكيو بعد الانتهاء من هذه الفوضى.
ابتسامته هذه لم تؤثر قيد أنملة في الأصغر، الذي استدار متجاهلاً خاله، وسار مغادراً القاعة بخطوات سريعة، يعيد رسم تعابير وجه مجروحة ليكمل ختام المسرحية.
هذا البرود والتجاهل كان ليفقد زعيم الصيادين أعصابه ويثير غضبه، لكن بالنسبة لإيناري، فرد الفعل البارد هذا يثير اهتمامه أكثر؛ اهتمام لن يرغب كانامي في تلقيه أبداً.
وفي ذات البقعة التي كانت مسرحاً درامياً، كان تاكيرو قد شدَّ على قبضته يراقب ما يجري؛ لقد فهم أخيراً كيف كان الجد يرى تلميذه؛ ليس كحفيد، بل كأداة لا يملك قطعة غيار لها.
أشار رئيس الخدم، وفي دقائق تم إخلاء القاعة من الضيوف والكاميرات، ولم يبق سوى أفراد العشيرة الذين ظلوا صامتين.
كان الجيل الأصغر من شباب العشيرة الحاضرين يعلمون أن ولاء هاروكو وماكوتو لا لبس فيه؛ ما جعل شك كانامي واتهام إيناري المبطن منطقياً.
لكن الجيل الأكبر رفضوا حتى هذه الفكرة، معتبرين إياها خيانة، ومظهرين ثقتهم وولاءهم الأعمى لزعيمهم.
لم ينطق أي منهم بكلمة عما يفكرون به، بل تبادل الجيل الأصغر النظرات بصمت، بينما اكتفى الجيل الأكبر بالوقوف بانضباط.
وفي هذا الصمت المتوتر، سار تاكيرو واقفاً أمام الزعيم، ونظراته الباردة لا توحي بخير، بينما راقبه الجميع دون تدخل؛ سأل تاكيرو والعروق على جبينه تنبض غضباً: «هل أنت مَن أمرهم بقتل ريوما؟».
للحظة توقَّف معظم أفراد العشيرة عن التنفس من رهبة المشهد، بينما احتدَّت نظرات زعيمهم غضباً، قائلاً بصوت منخفض مهيب: «أنت تتجاوز..».
وقبل أن يكمل الزعيم، قاطعه تاكيرو بنبرة حادة وصارمة، غير آبهٍ لمَن يقف أمامه: «أجب!».
صدرت شهقات منخفضة مِمَّن حوله، لكنه لم يأبه بهم، بل كانت عيناه تتوقدان غضباً، مركزتين على الرجل الذي كان يعتقده قدوة في يوم ما؛ الرجل الذي لم يعد يمثل شيئاً له الآن.
تمرد أحد رجال العشيرة زاد شعور الإهانة لدى الزعيم، الذي عقد حاجبيه بغضب واستمر في التحديق في تاكيرو الذي تجرأ على مقاطعته.
اعتَبر تاكيرو الصمت إجابة؛ إجابة لم ترضه، فشعر بغضبه يزداد؛ لقد اعتقد أن موت صديقه ريوما كان حادثاً مأساوياً ترك طفلاً بريئاً دون وصاية، لكنه الآن اكتشف أن الحادث لم يكن سوى مخطط قذر من رجل قذر.
تراجع خطوة إلى الوراء معلناً عن موقفه بحزم: «من الآن أقطع صلتي بهذه العشيرة، ومَن يجرؤ على محاولة لمس تلميذي.. لن أتردَّد في مواجهته!».
وهكذا غادر تاكيرو، مخلفاً فوضى تمرد لم يحسب أحد حسابها.
____________________
يتبع.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!