الفصل الأول: حقيقةٌ مرَّة
-
استمرّت التحديقات مطولًا ..
حتى همسَ الطبيب في يأسٍ تام: لا أعلمُ لماذا وافقتُ على أخذك.
ضرب ركبتيهِ بخفة ثم وقف ليمشي مبتعدًا معطيًا ظهرهُ لديدييه ..
غائر العينينِ يحدّق في الفراغِ الذي تركه الطبيبُ خلفه.
ومجددًا .. انسالتْ دموعُ الفراغِ على وجنتيه
كأنه آخرُ طلٍّ يصيبُ الأرض قبلَ وداعِ الشتاء.
حالةٌ نفسيّة فُقدَ الأملُ في حلّها.
تكتّف الطبيبُ في الخارجِ و هو ينظرُ له بتعابيرَ ممتعضةٍ
التفتَ يغضُّ الطرفَ عنه متألمًا لعدم استطاعتهِ تغييرَ أيّ شيءٍ فيه.
- دكتور دولون, هل ستتركُه؟
- لمَن؟
ردَّ بحدّة و قبضتهُ اشتدت عند سماعهِ لكلماتِ الممرضِ المساعِد.
هزَّ الآخر كتفيهِ معتادًا على ردودهِ الحادة هذه: لأيٍّ كان .. إذا لم تستطِع حضرتُك حلَّ عُقدةِ هذا الرجل فمن سيستطيع.
قلّب دولون عينيه و خطى بثقلٍ متوجهًا نحو مكتبه.
- قل هذه الكلماتَ لدولون قبل عشر سنواتْ .. لا لي.
عقد الممرض حاجبيه: تلكَ الفضيحةُ لا تعني شيئًا في عالمِ الطبِّ النفسيّ فكثيرٌ من المرضى قد يصابونَ بتلك الحالة و ينهو-
يدٌ قويّة غطّت فمه بشدةٍ أوقفته عن بصقِ ما تبقى من الجملة
و همسةٌ قاسيةٌ تسللت لأذنيه: لا تكرر هذه السيرة, أبدًا .. مجددًا.
يعلمُ الممرض مقدار كره الطبيبِ دولون لتلك الحادثةِ التي مرَّ بها مع أحدِ المرضى.
نتاليا, امراةٌ خسرت ولديها في حريق .. ففقدت عقلها جرّاء ما مرّت به.
وجدوها عالقةً تحت الانقاض, و ولداها محترقين معذبين بالنيرانِ المشتعلة.
نتاليا شهدت ذوبانهما كشموع رقيقة، استغاثاتهما و بكاءهما، سمعت آخر أنفاسهما .. و لم تستطع فعل شيء.
صيتُ دولون قد ذاع تلك الفترةِ حينما استطاعَ علاج حالةٍ يئس منها خمسةُ أطبّاء شهرتهم أوسعُ من مجردِ مدينةٍ أو عاصمة.
فتمَّ تحويلَ هذه المريضةُ له .. استمرَّتْ فترةُ العلاجِ لسنتينِ و نصف .. ثم انتهتْ بانتحار.
فجّر هذا الخبرُ الإعلامْ, خصيصًا أن قصّة تلك المرأة قد أشعلت الرأي العام بسببِ تأخر وصول الاطفائيين لتعكر حركةِ المرور إثر حدثٍ ضخمٍ لمهرجان غنائيٍ كبيرٍ أغلق الساحات و الشوارع الرئيسية لمدّة لا تقل عن خمس ساعات.
و كانتْ أخبارها تظهرُ كل فترةٍ في الصفحاتِ الأولى من مجلّاتٍ تتعلقُ بمثلِ هذه الحوادث.
انهارتْ سمعةُ دولون و تهشمّت صورته تاركةً وراءها شظايا يأسٍ شديد.
مرَّ على ذلك خمسُ سنوات, و اليوم هو يعانِي مع حالةٍ شديدةٍ غير عاديّةٍ مجددًا.
تم تحويلهُ إليه من مصحّةٍ عقليَّة معروفة سرًّا. فحالتهُ هذه قد تمَّ التسترُ عليها بسبب هويته.
ديدييه لي سوليتير. ابنُ سياسيٍّ معروف, و عارضُ أزياءٍ في مجلّة لومبر الشهيرةُ بالأزياءِ ذاتِ الطابعِ الرجوليّ الكلاسيكيّ.
لمْ يُعرف عنهُ شيءٌ سوى هذا. لكنْ فجاةً .. خبرٌ عنيفٌ لكونِ إيلون لي سوليتير مات مقتولًا في منزله قد أشعل الجرائدَ المحليّة.
و القاتِل .. غير معروفٍ للإعلام. فقد تمَّ التستُر عليه, و ها هو يقبعُ في الغرفةِ 101 في مصحّة دولون تير.
- *ديدييه.*
همس دولون باسمه حانقًا.
فقد تمَّ رمي مسؤوليته عليهِ من قبل والدهِ مديرِ مصحّة آليجان, ذاتُ المصحّة التي كان فيها ديدييه قبل قدومه إلى هنا.
"حُلَّ مشكلتهُ و عدْ للساحة, إن استمريتَ بالتخفي بحجةِ عدمِ القُدرةِ على مواجهةِ موقفٍ كذاكَ مجددًا فأنت تعلن خسارتكَ ضدَّ رايليان دي فيل."
ضربَ دولون المكتب بقبضته يرمي بجسده على الكرسيّ الجلديّ الثابت بجانبه.
- رايليان دي فيل .. رايليان .. دي فيل!! كلُّ ما يشغل عقلك هو عائلة دي فيل السحيقة تلك !!
مسّد ما بين عينيه يأخذ نفسًا.
والده ليس مهتمًا لا بأنَّ حياة الشاب تعتمدُ عليه, أو أن التعاملِ مع حالةٍ لا يمكنُ فكِّ عقدها بسهولة قد يكونُ خطيرًا على كلا الطرفين.
بل فقط بعائلة دي فيل الكبيرة, عائلة أصّلت لها جذورًا في عالمِ الطب النفسانيّ, و أخرجت باحثين كبار.
أما عائلته تير , فليستْ بذلكَ الانتشار في الساحة الطبية مقارنةً بالصناعيّة .. لكن والده مهووسٌ بفردِ أجنحتهِ امام مرأى الناس
ليثبت أن دي فيل ليستِ الوحيدة التي تستطيعُ خلقَ اسمٍ كبير في عالم معقد.
أغمضَ عينيهِ ليرتاحَ قليلًا, لعلهُ بذلك يفوقُ من كابوسِ ديدييه هذا.
-
إضاءةٌ حمراء شاسعةٌ بلا مصدرٍ واضح أعمت عينيه
و الظلال التي تتكون بسببِ الأبوابِ المعلقة في الفراغِ هبطتْ على الأرضِ في مشهدٍ مخيف.
غربانٌ تزعق هنا و هناك, ترتاح كل هنيهةٍ على طرفِ بابٍ من الأبواب، و توترٌ بدأ يتخثرُ في أعماقه.
جاحظَ العينينِ ينظر لما خلف الأبوابِ المفتوحة.
لم يستطع تمالك أعصابهِ أكثر فصاحَ حتى شعر بأن أوصاله تتقطع
جثا على ركبتيه و بدأ يضربُ بيديهِ الأرض بجنون: لماذا يا ديدييه!! لماذا لماذا!!
بدأت الدموع تنهمر من على وجنتيهِ سخطًا
- مرَّ أسبوعان على آخر مرّة فلماذا؟ لماذا فعلت ذلك؟!!
انتحرَ ديدييه مجددًا. هذه المرة الخامسة عشرة منذ بدايةِ علاجه على يد دولون.
لا يعلم دولون كيف يخرجُ من الدوّامةِ التي دخلَها بعد ليلةٍ جهنميّة.
لم يستطعْ تحمل فكرةِ موتِ مريضٍ آخر و هو بين يديه..
انتحر ديدييه للمرةِ الاولى بعد أربعةِ أشهر قضاها في مصحة دولون تير.
انتحرَ قاطعًا شريانه بشكلٍ طوليّ على الساعد.
من دون مراقبة استغلّ وقتًا قد يغفل عنه الممرض لأجل أن يحقق هدفه.
في ذات الليلة، أنهى دولون تير حياته مطلقًا رصاصة من أسفل فكّه .. لعلّه بذلك يهرب من تبعات الحادثة المرعبة التي مرَّ بها مجددًا.
لكنه ماتَ و العار ينهش قلبه و روحه.
فمشهدُ بركة الدماء التي توسطها ديدييه قد أفقده صوابه تمامًا.
لم يفهم دولون سببَ هذه الدوّامة التي دخلها, و لماذا تتكررُ في كلِّ مرة ينتحرُ فيها ديدييه!
على الرغم من محاولاته العديدة التي سعى فيها لإيقافه بشتى الطرق التي وصلتْ لتقييده قبل حتى أن يفكّر بالأمر.. انتهتْ باختناقه بلسانه المنتفخ بعد عضة قوية أفقدته بالتوازي كميّة كبيرةً من الدماء.. أدّت لموت مجنونٍ آخر.
و هذه المرة لا يعلم حتّى كيف مات, و ها هو الآن يفتح عينيه على هذا المشهدِ الحقير مجددًا.
أصبحوا خمس عشرة بابًا معلقين في الفراغ المظلم و فقطْ تلكَ الإضاءة الحمراءُ المزعجة هي ما تنير المكان.
و ما يقبع خلف تلك الأبواب هو مشهدُ صورةٍ محتبسةٍ لديدييه الميّت.
ركَض دولون للبابِ الخامس عشر و ما خلفه كان ظلامًا دامسًا و رائحة احتراق.
لم يكنْ هنالك شيءٌ في الغرفة قد يؤدي لحريق! فكيفَ هذا؟!
شتم تحت أنفاسه و أغمض عينيهِ لحظة مرور الإضاءة الحمراء مجددًا.
"دولون تير؟"
أتى صوتُ رجلٍ غيرِ مألوفٍ البتّة بالنسبة لدولون من جهة الباب.
ارتعب و انقبضت أطرافه.. لم يستطع فتحَ عينيه, فقدْ شعرَ بلمسةٍ على طرف خدّه كادتْ تصيبهُ بالهلع لولا أن...
-
فتح دولون عينيهِ أسفل إضاءة قويّة في غرفةٍ مفتوحة على ساحة خارجيةٍ مليئةٍ بالنباتات.
و أمامه .. ديدييه.
رمقهُ دولون بغضبٍ شديد, و كاد يمدُّ كلتا يديهِ نحوه لعله يتخلص مما يشكّل له الألم العميق، العار و الشؤم
لكن ما موته إلا عودةٌ جديدة.
تنهدَ بثقلٌ و هو ينزلق على الكرسيّ يغطّي وجهه بكفيه.
أنفاسُ ديدييه الهادئةُ فقط هي الشيء الوحيدُ الذي يقتحم أذنيه.
ما الذي عليهِ فعلهُ أكثر؟! كيف سيستطيع علاجَ صدمةِ ابنٍ قتَل والدهُ بالخطأ؟!!
حادثةٌ قد يقالُ عنها مبتذلة و لكنها قتلتْ روح ديدييه تمامًا .. في مكتبِ والده, شجارٌ نشبَ بينهما لكونِ ديدييه لا يرغبُ في دخول عالم السياسة الذي استمرّ والده بحثه على التعمق فيه و ترك وظيفته الحالية لأجله.
ديدييه كره السياسة من أعماق قلبه, فهي التي سرقت روح والده منه, و خسّرتهما علاقتهما التي كانت فيما مضى وثيقةً... ربما.
كما خسّرت عائلته دفئها و روحها بسبب الجمود الذي اكتسبه والده أكثر بعدما سطع اسمه في عالم السياسة الحديثة.
والد ديدييه ثقيل الهيئة .. تقدّم بحنق نحو ديدييه ليصفعه فدفعه ديدييه بلا وعي في محاولة لحماية نفسه.. دفعته هذه أفقدت والده توازنه
فارتطم بمكتبةٍ قريبةٍ أسقطتْ تمثالًا رخاميًا لرأس شارل ديغول على رأسه.
فوقع على الأرض .. بلا أي حراك .. أما دماؤه فقد لطخت الأرض مشكلةً بقعةً لا يمكن محوها من ذاكرة ديدييه الذي توقف الزمن عنده.
أنزل دولون يديه و رفع أنظاره التي انطفأت منها نيرانُ الغضب لحظة التقاء عينيّ ديدييه به ..دولون معتاد على نظراتِ ديدييه .. التي غالبًا ما تكون فارغة بلا خفّة أو دامعةً حانية.
أما هذه النظرة التي تخز عينيه الآن ليست بنظرةٍ معتادة ... إنها هادئة, أكثر من اللازم .. بشكلٍ أرعبَ دولون الذي تخشب جسده و تمسكت يداه بذراعيّ الكرسيّ بحذر.
فقد شعرَ بأنه هو الذي سيكون ضحية و ليس العكس كما سبق.
- هل هنالك ما تريدُ قوله, ديدييه؟
سأل بلطف و هو يرفعُ ظهره مستقيمًا على الكرسيّ.
ديدييه لا يتحدث أصلًا في العادة, لذا هذا سؤال قد يعد سخيفًا إن سمعه شخص آخر
لكنه بحكم خبرته, كان ينتظر ...
اتسعتْ عيناهُ بقوةٍ لحظة رؤيته لزاوية فم ديدييه ترتفعُ بخفة.
و غضبٌ بدأ يعتلي وجهه.
إشارة. هذا ما كان ينتظرهُ دولون, فأي تغيير مفاجئ تتبعه إشارة .. و تفسيرُ هذه الإشارة التي يبعثها ديدييه غير مفهوم.
-
السلام عليكم!
كيفَ الحال؟ لقد دخلتُ هذا الموقع بنصيحة من صفحةٍ إنستغرامية أعرفها
و لم أتردد في الدخول لأجل أن أحصل على فرصةٍ لا تعوض
و هي أن أكون من المستخدمين القدامى للموقع ههههههههههه
ما رأيكم بالقصّة حتى الآن؟
كيف هو وضع الشخضياتِ و الحبكة؟ أرجو بأن كل شيء يبعثُ فيكم الشوق للإكمال !
إنها قصيرة, فصلان بالكاد!
ربما سأندم لأنني لم أستمرَّ في أحداثها لكنْ هذا ما حصل ..
قدموا لي آراءكم 3>
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!