- عهد الدم -
مع أول خيوط الصباح، بدا البيت ساكنًا كعادته، لكن
الصمت كان أثقل من أي يوم مضى.
أشعة الشمس تسللت من النافذة، لتكشف الغبار العالق في الهواء كأنه دخانٌ خفيّ يرفض أن يتلاشى.
سيرا كانت لا تزال جالسة على طرف سريرها، لم يغمض لها جفنًا، تحدّق في الورقة التي سقطت بالأمس، والعبارة الباهتة ما زالت تحفر في ذهنها: لقد بدأ العدّ التنازلي للأشهر الحمراء.
حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر مجرد وهم، ربما مزحة؟، لكن كل شيء حولها بدا مختلفًا، حتى أصوات الطيور في الخارج كانت متقطعة، كأنها تحذيرٌ مبكر.
وفي تلك اللحظة، دوّى نعيق غرابٍ من بعيد، فارتجف قلبها، وأدركت أن الصباح لم يجلب الأمان… بل بداية فصلٍ جديد من الظلام.
استقامت بسرعة من مضجعها، وكانت الورقة لا تزال بين اصابعها، تتمسك بها بقوة لتثبت لنفسها بأن الأمر حقيقي وليس مجرد وهم.
خرجت من غرفتها بخطوات مترددة، كل خطوة كأنها تُثقل صدرها أكثر.
بدأت تبحث وتبحث، في غرفة نوم والدها، غرفة جدتها، المطبخ، الصالة، لكن لا يوجد…شدّت قبضتها أكثر على الورقة، ثم سألت بصوتها المهزوز:
" أين هو؟ أين أبي يا جدتي؟! "
إيميليا كانت واقفة عند النافذة، ظهرها منحني قليلًا، نظرت إلى عينيّ سيرا المتعبتين المملوءتين بالخوف والدهشة وشيء آخر لم تفهمها، لاحظت ارتجاف صوتها وهي تكرر السؤال، كأن الكلمات نفسها تتوسل إلى إجابة.
اقتربت الجدة منها ببطء، خطواتها ثقيلة لكنها تحمل وقارًا غامضًا وحنونًا بنفس الوقت، ثم وضعت يدها على كتف سيرا، شعرت سيرا بحرارة اليد، لكنها لم تمنحها الطمأنينة التي كانت تبحث عنها، بل زادت ارتجافها.
" ما بكِ يا صغيرتي؟ لقد ذهب الى العمل قبل قليل.."
قاطعت سيرا كلام إيميليا وهي تعود لغرفتها بسرعة، فتحت خزانة ملابسها بعصبية، أصوات الأبواب الخشبية ارتطمت بالجدار كأنها تعكس ارتجاف قلبها.
مدّت يدها تبحث بين الثياب، لا يهمها اللون ولا الشكل، فقط أقرب شيء يمكن أن ترتديه لتغادر.
سحبت قميصًا داكنًا، ارتدته على عجل، ثم جمعت شعرها بيدين مرتجفتين، نظرت سريعًا في المرآة لترتب نفسها، وكأنها تريد أن تثبت أنها ما زالت قادرة على السيطرة.
شدّت قبضتها على الورقة مرة أخرى، وضعتها في جيب بنطالها، ثم اندفعت نحو الباب بخطوات سريعة، لتخرج إلى الخارج حيث الهواء بدا أثقل… وكأن المدينة كلها تنتظرها.
—
في الخارج، استقبلها صباحٌ غريب، لم يكن كأي صباح عرفته من قبل.
الشارع بدا فارغًا بشكل غير مألوف، البيوت صامتة، والنوافذ مغلقة كأنها عيون تخشى النظر.
أشعة الشمس تسللت بخجل، لكنها لم تمنح الدفء، بل انعكست على الغبار العالق في الهواء لتصنع هالة ضبابية باهتة.
حتى أصوات الطيور كانت متقطعة، كأنها رسائل تحذير أكثر من كونها غناءً.
خطواتها على الأرض بدت عالية، تتردد في الفراغ، وكأن الشارع نفسه يراقبها.
كانت تبحث عن والدها في الأزقة، عسى ولعل أن تجده في مكانٍ ما بهذه الأزقة الضيقة قبل مغادرته. وفي آخر الطريق، أمسك شخصٌ ما بيدها بقوةٍ جاعلاً خطواتها تتوقف فجأة.
إستدارت سيرا بسرعة، عيناها مليئتان بالدهشة، حتى بدا أن الذي أمسك يدها يندهش أكثر من حالتها المرتبكة.
قال بصوتٍ متقطع، يختلط فيه القلق بالاستغراب:
" ما بكِ يا سيرا؟ ”
ارتاح قلبها قليلاً وانخفض معدل ضرباته عندما رأت وجه ذلك الشخص.
تنفست الصعداء، وتحدثت بنفس الصوت المهزوز باحثةً عن اجابة بين جدران هذه الأزقة الضيقة.
لكنها لم تجب سؤاله، بل ردّت بسؤالٍ آخر، خرج منها كصرخة مكتومة:
" هل رأيتِ والدي يا ليا؟! "
داخلها كان هنالك صراعٌ لا يهدأ، ضربات قلبها تتأرجح بين الأمل والخوف، وكأنها لا تعرف أيهما أقوى.
شعرت أن الورقة في جيبها أصبحت أثقل من جسدها كله، وأن كلماتها خرجت بصوتٍ مهزوز لا يشبهها.
كانت عيناها تبحثان عن إجابة في وجه ليا، لكن عقلها يصرخ بأسئلة أخرى لم تستطع صياغتها.
كل زاوية من الأزقة الضيقة بدت كأنها تخفي سرًا، وكل نفسٍ تتنفسه كان يذكرها بأن والدها قد يكون بعيدًا أكثر مما تتصور.
ومع ذلك، تمسكت بخيطٍ ضعيف من الأمل، كأن سؤالها لليا هو آخر محاولة لتثبيت نفسها في هذا الواقع المربك.
كانت ليا تراقب ملامح صديقتها بقلق ثم شدّت على يد سيرا أكثر، صوتها ارتجف وهي تقول:
" سيرا… أنتِ شاحبة، ويدكِ ترتجف! ماذا يحدث لك يا فتاة؟ "
ارتجفت سيرا وهي تسمع قلق ليا، لكن كلماتها علقت في حلقها.
لم تستطع أن تقول الحقيقة كاملة، الورقة في جيبها كانت كالنار، تخشى أن تحرقها إن كشفت سرها.
ابتسمت ابتسامة باهتة، محاولة أن تبدو مطمئنة، لكنها لم تخدع سوى نفسها.
" لا… لم يحدث شيء مهم، فقط كنت قلقة على أبي. "
ليا لم تقتنع، عيناها ظلت تراقب ارتجاف أصابع سيرا، وصوتها الذي لم يستطع أن يخفي ارتباكه.
اقتربت منها أكثر، وضعت يدها على كتفها، وقالت بصوتٍ خافت مليء بالخوف:
" سيرا… أنا أعرفكِ جيدًا، هناك شيء تخفينه عني!. "
سيرا أطرقت برأسها، قلبها يخفق بقوة، كأن كل جدار في الأزقة يضغط عليها ليجبرها على الاعتراف.
لكنها تمسكت بالصمت، كأنها تخشى أن الحقيقة لو خرجت ستجعل ليا أسيرة لنفس المصير.
" لا تتركيني في الظلام، أرجوكِ… أخبريني يا سيرافينا! لا تتركيني غارقةً في قلقي نحوكِ هكذا."
سحبت سيرا يدها بقوة، ثم التفتت بسرعة، وأردفت بهدوء:
" صدقيني… لا شيء يستحق أن تعرفيه. اذهبي الى المدرسة."
وبدأت تركض بين الأزقة الضيقة، خطواتها تتردد في الفراغ، كأنها تهرب ليس فقط من ليا، بل من الحقيقة نفسها.
ليا بقيت واقفة في مكانها، عيناها تتابعان صديقتها وهي تختفي في عمق الأزقة، قلبها يزداد خوفًا وقلقًا على حالة صديقتها المقربة.
—
كانت مستمرة في ركضها بين الأزقة، ومن يراها يظن أنها تهرب من شيءٍ يطاردها، لكن عقل سيرا كان فارغًا، لا يفكر بشيء، فقط تركض بشكلٍ عشوائي، كأن خطواتها وحدها تقودها.
حتى وصلت اخيرًا الى نهايةٍ مسدودة، حيث الجدار ارتفعَ أمامها كأنه سدٌّ لا يمكن تجاوزه.
وقفت تتأمل الجدار بهدوء، عيناها تتنقلان على تفاصيله الصامتة كأنها تبحث عن مخرجٍ مخفي.
اقتربت منه ببطء، ثم اتكأت عليه، كأنها تستسلم للحظةٍ من ثقل الركض والارتباك.
شعرت ببرودة الجدار تسري في جسدها، لتذكرها بأنها محاصرة، وأن النهاية المسدودة ليست مجرد حجر، بل انعكاسٌ لحيرتها الداخلية.
زفرت الهواء من داخلها بقوة، كأنها تحاول أن تطرد كل ما علق في صدرها من خوفٍ وارتباك.
ثم بدأت تسير ببطء، عكس السرعة الجنونية التي كانت تركض بها قبل لحظات، خطواتها ثقيلة لكنها أكثر وعيًا.
تراجعت عن الجدار، وبدأت تتحرك لتخرج من هذا الزقاق المغلق، كأنها تبحث عن طريقٍ آخر يفتح لها بابًا للهروب من أفكارها قبل أن يكون هروبًا من المكان.
وما إن وصلت إلى بداية الزقاق، وقف أمامها شخصٌ فجأة، كاد أن يصطدم بها.
توقفت سيرا بارتباك، أنفاسها المتقطعة ما زالت تحمل أثر الركض، وعيناها اتسعتا بدهشةٍ لم تستطع إخفاءها.
الشخص الغامض ظل واقفًا، يحدّق فيها وكأنه لم يتوقع ظهورها، لتصبح لحظة الصمت بينهما أثقل من كل الأزقة التي تركتها خلفها.
" أنت مجددًا. "
أردفت سيرا.
ابتسم ابتسامة جانبية، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل تلك النبرة المستهزئة نفسها:
" ألم يخبركِ أحد أن السير في الأزقة دون انتباه قد يكون خطرًا؟ "
تراجعت سيرا خطوةً إلى الخلف، ثم ردّت ببرود:
" وألم يخبرك أحد أن الخروج من الزوايا فجأةً قد يُعتبر وقاحة؟ "
تبادل الاثنان النظرات، والهواء بينهما صار أثقل من أن يُتنفس.
سيرا ما زالت واقفة بثباتٍ ظاهري، لكن داخلها كان يضجّ بالارتباك.
أما هو، فابتسامته الجانبية اتسعت قليلًا، كأنها تحمل شيئًا من التحدي.
" وقاحة.."
ردد الكلمة بصوتٍ خافتٍ بين أنفاسهِ.
اقترب خطوةً منها، حتى صار ظلّه يغطي نصف وجهها، ثم همس:
" لا تضيّعي وقتكِ في الأزقة، فبعض الطرق لا تؤدي إلا إلى الظلام. "
ثم مرّ بجانبها دون أن يلتفت، تاركًا خلفه أثرًا من الغموض في الهواء.
وقفت سيرا للحظة، تراقب ظهره وهو يبتعد، قبل أن تهز رأسها ببطء، كأنها تحاول أن تطرد عن نفسها ثقل اللحظة.
لكن فجأة، لمحت شيئًا صغيرًا يلمع على الأرض، كأنه سقط منه أثناء مروره.
انحنت لترى، فإذا هو مفتاح قديم، ثقيل، أسود اللون، محفور على رأسه شكل غريب يشبه نصف قمرٍ مكسور.
أمسكت المفتاح بيدها، شعرت ببرودته وكأنها تمسك قطعة من الليل نفسه.
رفعت رأسها تبحث عنه، لكنه كان قد اختفى في الظلال، تاركًا لها هذا المفتاح كإشارةٍ إلى بابٍ مجهول ينتظر أن يُفتح.
تأملت النقش للحظة، كان لون القمر أحمرًا قاتمًا، تغطيه العديد من الخدوش كأنها آثار معارك قديمة.
شعرت أن كل خدش يحمل قصةً لم تُروَ بعد، وأن القمر المكسور ليس مجرد نقش، بل علامة على شيءٍ.
ثم وضعت المفتاح في جيبها ببطء، كأنها تخشى أن يلتهمها سره قبل أن تكتشفه.
—
الليل كان قد بدأ يبتلع المدينة، والهواء البارد يلسع وجهها وهي تسير في الطرقات الخالية.
فتحت باب المنزل بيد مرتجفة، ودخلت بسرعة كأنها تهرب من شيءٍ غير مرئي.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم أخرجت المفتاح من جيبها لتتأمله من جديد تحت ضوء المصباح الخافت.
الخدوش على القمر الأحمر بدت أكثر وضوحًا الآن، وكأنها تتحرك مع الظلال التي تملأ الغرفة.
قابلتها جدتها والقلق كان واضحًا على وجهها الدافئ، تجاعيدها الدقيقة ارتسمت كخريطةٍ للحياة، لكن عينيها ظلّتا تلمعان بحنانٍ لا ينطفئ.
شفتيها ارتجفتا قليلًا، كأنها تريد أن تقول شيئًا لكنها تخشى أن يزيد خوف حفيدتها.
ذلك المزيج بين الحنان والارتباك جعل وجهها يبدو كنافذةٍ مفتوحة على قلبٍ مثقل بالحب والقلق.
ابتسمت لها سيرا و أردفت بصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من الطمأنينة:
" مساء الخير يا جدتي العزيزة. "
ابتسمت إيميليا ابتسامة صغيرة، رغم أن القلق ما زال يلوح في عينيها، ثم مدّت يدها لتلمس كتف سيرا برفق.
" مساء النور يا ابنتي… كنت قلقة عليكِ كثيرًا. "
صوتها خرج دافئًا، كأنه غطاء يلفّ قلب سيرا، يحمل مزيجًا من الحب والخوف.
احتضنتها سيرا بقوة، مربتة على كتف جدتها بلطف، كأنها تريد أن تطمئن قلبها قبل أن تطمئن نفسها.
" لا تقلقي يا جدتي… كل شيءٍ بخير.."
الكلمات خرجت منها هادئة، لكنها كانت تحمل ارتجافًا خفيًا، كأنها تخفي خلفها ما لا تستطيع قوله.
أما الجدة، فابتسامتها ارتجفت قليلًا وهي تردّ عليها بعينين تفيض بالحنان، كأنها تعرف أن وراء هذا الاطمئنان قصةً لم تُروَ بعد.
بعد أن انفصلت عن حضن جدتها، بدأت سيرا تتفحص أرجاء البيت بعينيها، كأنها تبحث عن شيءٍ مفقود بين الجدران.
ثم عادت بنظرها إلى إيميليا، وقالت بصوتٍ منخفضٍ يحمل شيئًا من التردد:
" ألم يعد والدي بعد؟ "
ارتجفت ابتسامة إيميليا، وبدت عيناها أكثر قلقًا وهي تردّ:
" لا يا ابنتي… لم يرجع بعد. لكنه سيعود، لا تقلقي. "
ثم أضافت:
" تعاليّ لنأكل، لقد أعددت لكِ طبقكِ المفضل! "
خطت سيرا نحو المائدة بحماس، متناسيةً كل الذي عاشته اليوم، وكأن دفء البيت يذيب شيئًا من ثقل الأزقة المظلمة.
رائحة الطعام انتشرت في المكان، تحمل معها ذكريات طفولتها وأمان الليالي القديمة.
جلست أمام الطبق المفضل لديها، بينما إيميليا تراقبها بعينين مليئتين بالحنان، كأنها تستمد الطمأنينة من ابتسامة حفيدتها.
—
بعد العشاء، جلست سيرا بالقرب من الشباك، تنظر إلى الخارج بفارغ صبر، تنتظر والدها الذي لم يعد بعد.
الشارع كان مظلمًا وفارغًا، والجو بدأ يصبح أبرد من ذي قبل، حتى أن أنفاسها التصقت بزجاج النافذة كضبابٍ خفيف.
الشجرات تتمايل مع الرياح، أغصانها تتصادم كأنها تهمس بأسرار الليل.
سيرا شبكت يديها أمام صدرها، وعيناها تراقبان الطريق الخالي، كأنها تتوسل أن يظهر ظلٌ مألوف بين العتمة.
لكن كل ما عاد إليها كان صوت الرياح، وصفيرها الذي جعل الوحدة أكثر قسوة.
" صغيرتي، الوقت تأخر فلتذهبي إلى النوم. "
قالتها إيميليا بنبرةٍ حانية، وهي تقترب من سيرا لتضع يدها على شعرها برفق.
ابتسامتها كانت دافئة، لكنها تخفي خلفها قلقًا لم تستطع إخفاءه تمامًا.
الليل في الخارج كان يزداد برودة، والبيت بدا وكأنه يطلب من ساكنيه أن يلوذوا بالراحة.
سيرا أومأت برأسها ببطء، ثم نهضت من مكانها لتغادر الى غرفتها.
كانت تريد البقاء، ربما ساعة أو ساعتين حتى يعود، لكنها لن تستطيع أن تجادل جدتها وتزيد من الطين بلة.
خطت نحو غرفتها، خطواتها مترددة، تحمل في جيبها المفتاح الذي يثقلها أكثر من أي شيء آخر.
وعندما أغلقت باب الغرفة خلفها، شعرت أن الليل كله قد دخل معها، وأن النوم لن يكون سوى فصلٍ جديد من الغموض.
جلست على السرير، عاقدةً قدميها على صدرها، لم تقرر الاستسلام للنوم بعد، فداخلها رغبة عنيدة أن تبقى مستيقظة، حتى يعود والدها.
البيت كان صامتًا، لا يُسمع فيه سوى صوت الرياح وهي تضرب النوافذ، وكأنها تذكّرها بأن الليل أطول مما تظن.
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما بسرعة، كأنها تخشى أن يفوتها صوت خطواته على الباب.
كل ثانية تمرّ كانت تثقل قلبها أكثر، لكنها ظلّت تهمس لنفسها:
" سأنتظر… سأنتظره حتى يعود. ”
—
بعد ساعة، فُتح الباب بهدوء، دخل بخطواتٍ ثقيلة، ثم أغلق الباب من خلفهِ بالهدوءِ نفسه، ألقى نظرةً سريعة على أرجاء المنزل كأنه يتأكد أن كل شيءٍ في مكانه، ثم تقدم نحو غرفتها، فَتح باب غرفتها ببطء، أمالَ رأسه قليلاً ليتفحص الداخل، فوجدها نائمة بسلام، وجهها هادئ كأنها لم تحمل همّ الانتظار.
وقف للحظة عند العتبة، عيناه غائرتان في الظلال، ثم زفر ببطء وهو يغمض عينيه، كأن ثقل العالم كله يضغط على كتفيه.
اقترب منها أكثر، غطّاها بالبطانية برفق، ثم جلس على الكرسي بجانب سريرها، يراقبها بصمتٍ طويل، كأن وجودها وحده هو الشيء الذي يبقيه واقفًا أمام الليل.
—
استيقظت سيرا، عيناها تتقلبان في الظلال وهي تحاول أن تتذكر أين كانت قبل أن يستسلم جسدها للنوم.
ثم استقامت بسرعة، قلبها يخفق بقوة، كأنها تشعر بالذنب لأنها غفت بينما كانت تنتظر والدها.
غادرت الغرفة بخطواتٍ متسارعة، تبحث بعينيها في أرجاء البيت، كأنها تريد أن تعوض اللحظة التي ضاعت منها.
اتجهت سيرا نحو غرفة والدها، خطواتها مترددة كأنها تخشى أن لا تجده هناك.
فتحت الباب بهدوء، فلفحها هواء الغرفة البارد، ثم وقعت عيناها عليه.
كان قد عاد أخيرًا، لكنه غاط في نومٍ عميق، أنفاسه تتردد بانتظام، وملامحه متعبة كأن الليل كله قد استقر فوق وجهه.
وقفت عند العتبة، تتأمله بصمت، خليط من الراحة والقلق يتصارع في قلبها.
أرادت أن توقظه لتسأله عن غيابه، لتحدثه عن تلك الورقة، عن المفتاح، لكنها تراجعت، واكتفت بأن تغلق الباب ببطء، تاركةً الأسئلة معلقة في الهواء.
عادت إلى غرفتها بخطواتٍ بطيئة، كأن الأرض نفسها تثقلها بالأسئلة التي لم تجد لها جوابًا.
أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم زفرت ببطء وهي تشعر أن الغرفة أضيق مما كانت عليه قبل قليل.
استلقت على السرير، عيناها معلقتان بالسقف، مدّت يدها إلى جيبها، تتحسس المفتاح، ثم أخرجته ببطء، تنظر اليه للمرة الأخيرة.
زفرت ببطء، ثم نهضت من السرير، خطواتها مترددة، لكنها حاسمة.
اقتربت من المنضدة الصغيرة التي كانت على يسار سريرها، وضعت المفتاح هناك ببطء، كأنها تودّعه للحظة.
وما أن استقر المفتاح فوق سطح الخشب، لمح عينيها شيئًا غريبًا على المرآة الموضوعة على تلك المنضدة.
رفعت سيرا عينيها لتنظر إلى المرآة جيدًا، حتى وجدت انعكاس وجهها بشكل غريب، شبه مشوّه، وعينين لا تشبهان عينيها.
ارتجفت أنفاسها، شعرت أن المرآة لم تعد مجرد سطح يعكس صورتها، بل نافذة إلى شيءٍ آخر، شيءٍ يراقبها من خلف الزجاج.
اقتربت أكثر، يديها ترتجفان وهي تحاول أن تفهم: هل هذا مجرد خداع ضوء؟ أم أن المرآة تخفي سرًا لم يُكشف بعد؟ هل يكون مجرد حلم؟.
انعكاسها ابتسم فجأة، ابتسامة لم ترتسم على شفتيها، فارتدت إلى الخلف بخوف، قلبها يخفق كأنها تواجه نفسها… أو شيئًا يشبهها لكنه ليس هي.
.
.
.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!