- نبوءة الظلال -

الأشهر الحمراء؟
في سجلات الظلال، حيث تختلط الأسطورة بالدم، وُجدت نظرية تُدعى الأشهر الحمراء. قيل إن المولودين في أغسطس، سبتمبر، أكتوبر، نوفمبر، وديسمبر ليسوا بشرًا كما نعرفهم، بل أبناء الغموض، يحملون ملامح الليل في وجوههم، وطباع العتمة في أرواحهم.
تحدثت الثقافات القديمة عنهم ككائنات نصفها إنسان ونصفها سرّ، أقرب إلى شيء لا وجود له.
ولم تكن تلك مجرد خرافة، بل دراسة عن العالم السفلي تؤكد أن هذه الأشهر هي مواسم ولادة من لا ينتمون إلى النور... ومن هنا تبدأ الحكاية، حيث ينهض القدر ليكشف أسرار الدم والخلود.
العالم السفلي ليس مجرد مكان، بل هو طبقة من الوجود، موازية لعالم البشر، حيث تختلط الأرواح بالظلال. تقول المخطوطات القديمة إن الأشهر الحمراء هي مواسم ولادة الكائنات التي تحمل دماء الليل، وأنها بوابات مفتوحة بين العوالم.
في تلك الأشهر، يتسرب صدى الظلام إلى الأرض، فيولد أطفال بملامح غامضة، أقرب إلى مصاصي الدماء في الشكل والطباع. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد، بل علامات على عهد قديم، نبوءة تقول إنهم سيقودون صراعًا بين النور والظلام، بين الخلود والفناء.
العالم السفلي يترقبهم، يفتح لهم أبوابه، ويمنحهم القوة... لكن بثمنٍ لا يُدفع إلا بالدم.
وفي ليلةٍ من ليالي القمر الأحمر، حين سكنت الريح وتوقفت النجوم عن التنفس، تحركت النبوءة من سباتها.
أرض الظلال اهتزت، والبوابات القديمة بدأت تتصدع، كأنها تستجيب لنبضٍ جديد في العالم العلوي.
في قريةٍ نائمة على أطراف الغابة، وُلدت فتاة بعينين لا تشبهان أحدًا... عيناها تلمعان كالجمر المطفأ، وصراخها الأول شقّ السكون كأنما أعلن بداية عهدٍ جديد.
لم يعرف أحد أن تلك الطفلة ستكون مفتاح النبوءة، وأن دمها سيوقظ ما خُتم عليه منذ قرون.
ومنذ تلك الليلة، بدأ الظلام يتسلل إلى الأحلام، والسماء تكتب بلون الدم قصة الأشهر الحمراء.
" أي خرافة هذه؟ "
أردفت ضاحكة على اخيها الصغير الذي كان يحدثها عن تلك النظرية، بينما كانت تنظر اخر مرة إلى المرآة قبل خروجها.
خرجت من البيت وهي ما تزال تضحك على ما قاله، تمشي بخفة في الأزقة، حقيبتها على كتفها، وشعرها يتمايل مع نسيم الصباح.
كانت تلوّح لجارتها العجوز بابتسامة سريعة، ثم تسرع الخطى كي لا تتأخر عن المدرسة.
في الطريق التقت بصديقتها التي كانت تنتظرها عند زاوية الشارع، وتبادلا حديثًا عابرًا عن الامتحان القادم وعن المعلمة التي لا تكف عن إعطاء الواجبات، ضحكتا معًا ثم واصلتا السير بخطوات متناسقة.
كانت مجرد فتاة عادية، تحلم بدروسها، بأصدقائها، وبحياة بسيطة لا تحمل أي أسرار.
لم يكن في خطواتها ما يوحي بالقدر، ولا في ضحكتها ما يكشف عن الظلال التي تترقبها.
جلست في الصف الأمامي، تفتح دفترها وتدوّن الملاحظات بينما المعلمة تشرح الدرس بجدية.
كانت تسرق نظرات إلى النافذة حيث الشمس تتسلل بخيوط ذهبية، وتفكر في أحلامها الصغيرة: النجاح في الامتحان، الخروج مع صديقاتها، وربما قراءة رواية جديدة في المساء.
" سيرا، هل سمعتِ بالأمر؟ "
همست لها صديقتها بخفة، لتنظر لها عاقدة حاجبيها بعدم فهم وقبل ان تنطق بكلمة، أكملت ليان بحماس:
" نظرية الأشهر الحمراء...انتِ يا سيرا مولودة في شهر ديسمبر! ولذا..."
قاطعتها سيرا بتنهدٍ يفيض بالملل:
"ليس أنتِ أيضًا يا ليا! لقد سمعتُ هذه السخافة مرارًا في الأشهر الماضية. حسنًا أعترف أن الفكرة مثيرة بعض الشيء، لكن لا وجود لحقيقة كهذه... نحن لا نصوّر فيلمًا هنا."
مع سماع صوت الجرس، ضحكت سيرا وهي تغلق دفترها، ثم التفتت إلى ليان قائلة:
"صدقيني لو كانت هذه النظرية صحيحة، لكنتُ الآن أطير في السماء أو أشرب دمًا بدل عصير السبانخ الذي تعدّه جدتي."
قهقهت ليان، ثم دفعت كتفها بخفة:
"لكن تخيلي لو كان الأمر صحيحًا... سيكون الأمر أشبه بفيلم رعب نعيش فيه نحن!"
ابتسمت سيرا وهي تضع قلمها في الحقيبة:
"فيلم رعب؟ لا، نحن بالكاد ننجو من امتحانات الرياضيات، هذا هو الرعب الحقيقي."
ضحكتا معًا، ثم انشغلتا بحديث عادي عن الدروس والواجبات، كأن الأسطورة مجرد مزحة عابرة لا أكثر.
انتهى اليوم الدراسي أخيرًا، خرجت سيرا من بوابة المدرسة وهي تتنفس الصعداء، حقيبتها أثقل مما ينبغي، لكن خطواتها كانت خفيفة وهي تسير بجانب ليان.
افترقتا عند مفترق الطريق، ولوّحت لها بابتسامة قبل أن تكمل طريقها وحدها.
الأزقة كانت هادئة، الشمس تميل نحو الغروب، والهواء يحمل رائحة الخبز الطازج من المخبز القريب بينما النسيم يداعب خصلات شعرها بلطف، الاطفال كانوا يتراكضون ويمرحون، وعندما بدأت تراقبهم بنظراتها وتبتسم لحنين الماضي، اصطدم بها ذلك الشخص الذي كان خارجًا من الزقاق على يمينها، استدارت لتنظر له بسرعة عاقدةً حاجبيها، كان رجلاً طويل القامة، بارزاً عضلات صدره خلف قميصه الأسود، ذو شعر أسود كسواد الليل، وانحنت بعض الخصلات لتلامس جبهته، وما ان تلاقت أعينهما حتى أردف بسخرية:
"أوه...هل تظنين أن العالم سيبتسم لكِ دائمًا؟ استيقظي... فالأزقة لا ترحم من يسير فيها غافلًا."
ارتفع حاجباه قليلًا وهو يحدّق فيها و لابتسامتها التي تلاشت تدريجيًا، ثم أضاف بنبرة أكثر استهزاء:
"احرصي أن لا تكوني أنتِ القادمة في قائمة الضحايا...أو ربما أنتِ مجرد بطلة لفيلم رعب رخيص لا يعرف نهايته أحد."
أكملت سيرا طريقها متجنبةً إياه وهي تتمتم بين أنفاسها الغاضبة:
" مجنون...بل معتوه!"
أما هو فقد واصل السير خطوات قليلة، ثم توقف فجأة كأن شيئًا شدّه إلى الخلف. استدار ببطء عيناه تلاحقان ظهرها وهي تبتعد، ليعقد حاجبيه بينما يضم يديه على صدره، همس بصوتٍ خافتٍ كأنما يحدث نفسه:
" غريب..."
وصلت إلى بيتها، فتحت الباب بخفة، ورمت الحقيبة على الأريكة، ثم اتجهت مباشرة إلى المطبخ حيث كانت جدتها تضع كوبًا من عصير السبانخ على الطاولة.
ضحكت وهي تقول في نفسها: ها هو فيلم الرعب الحقيقي... عصير السبانخ! ثم جلست لتحتسيه بعد أن قبّلت جدتها بلطف.
حلّ المساء والبيت غارق في سكونٍ مريح. جلست سيرا على الأريكة، تتأمل ضوء المصباح الذي ينعكس على الجدران بلطف، بينما جدتها تنشغل بترتيب بعض الأواني في المطبخ.
أخذت كتابها المفضل، وبدأت تقلب صفحاته ببطء، لكن عينيها كانت تسرح أحيانًا نحو النافذة حيث القمر يطلّ بخجل بين الغيوم.
النسيم يتسلل من الشرفة، يحمل معه رائحة الياسمين من الحديقة الصغيرة، فتبتسم سيرا وهي تستعيد ذكريات طفولتها.
وضعت الكتاب جانبًا، وأسندت رأسها إلى الوسادة، لتستمع إلى صوت جدتها وهي تتمتم بدعاء المساء، ذلك الصوت الذي يملأ البيت بالطمأنينة.
ومع انتهاء الدعاء، سُمِع صوت المفتاح وهو يدور في الباب. دخل والدها بخطوات متعبة، يحمل حقيبته الصغيرة بين اصابه المرهقة، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه رغم الإرهاق. ألقى التحية بصوتٍ دافئ:
" مساء الخير "
ركضت سيرا نحوه لتعانقه ولتأخذ حقيبته وتضعها جانبًا.
جلس الأب على الكرسي الخشبي قرب الطاولة، تنهد بارتياح وهو يقول:
" لا شيء يضاهي العودة إلى البيت بعد يوم طويل."
ابتسمت سيرا وهي تضع أمامه كوب ماء، ثم جلست بجانبه تستمع إلى حديثه عن يومه في العمل، بينما الجو في البيت يزداد دفئًا وطمأنينة.
"اذاً كيف كان يومكِ اليوم؟"
ابتسمت وهي تضع رأسها على الطاولة
"طويل كالعادة...لكن لا شيء جديد، سوى أن ليان بدأت تزعجني بنظرياتها الغريبة."
ضحك بخفة بينما يحتسي من الماء قليلاً
"ليان دائمًا لديها قصص، أليس كذلك؟"
"نعم وهذه المرة عن الأشهر الحمراء...صدقني، لو كانت صحيحة لكنتُ الآن أحتسي دماءكم يا أبي."
هز أزهرون رأسه مع تلك الابتسامة التي لم تفارق وجهه وهو يمد يده ليمسح على شعرها بدفء
"أهم شيء يا ابنتي أنكِ لا تدعين هذه السخافات تسرق راحتك. العالم مليء بالقصص، لكن الحقيقة دائمًا أبسط مما نتخيل."
ابتسمت له بلطف وأغلقت عينيها براحة للمستهِ الحنونة، كأنها تعود طفلة صغيرة بين ذراعيه.
أزهرون نظر إليها بعاطفة صامتة، ثم قال بصوتٍ هادئٍ متعب:
"مهما كان العالم قاسٍ يا سيرا...تذكّري أن البيت سيبقى دائمًا ملاذك."
أمسكت يده بلطف وطبعت عليها قبلةً هادئة، ثم نهضت واقفةً تتمتم بصوتٍ خافت:
" أحبك يا أبي، أنت النور الذي لا ينطفئ في عتمتي."
دخلت سيرا غرفتها بخطواتٍ هادئة أغلقت الباب خلفها، ثم تنهدت وهي تترك حقيبتها على الكرسي.
كان الضوء الخافت من المصباح بجانب السرير يرقص على الجدران، فتتحرك الظلال ببطء كأنها كائنات حيّة.
الغرفة حملت رائحة الخشب ممزوجةً بعبق الياسمين الذي اعتادت أن تضعه قرب سريرها، لكن هذه الليلة كان هناك عبيرٌ آخر يتسلّل إليها... رائحة معدنية غريبة، أشبه بالصدأ أو الدم، كأنها قادمة من مكانٍ لا ينتمي إلى البيت.
نظرت الى النافذة، فوجدتها مفتوحة ثم اقتربت لتغلقها، لكنها توقفت فجأة...
على الزجاج، كان هناك أثر يد مطبوع بخفة، كأنه من الداخل لا من الخارج.
تراجعت خطوة، بدأ قلبها يخفق بشدة، نظرت حولها كل شيء في مكانه، لكن الهواء بدا أثقل من المعتاد.
ثم سمعت صوتًا خافتًا، كأن أحدًا يهمس باسمها من جهة الخزانة.
اقتربت ببطء، مدّت يدها لتفتح الباب، فهبت نسمة باردة من الداخل، ومعها ورقة صغيرة سقطت على الأرض، مكتوب عليها بخطٍ باهت:
" لقد بدأ العدّ التنازلي للأشهر الحمراء."
.
.
.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.