Chapter 02

ثوان فقط و أبعدت رأسها عن صدره ليبتعد هو بدوره ، ليقفا بمحاذاة بعضهما بعضا فتقرر روكسانا الإستدارة للجلوس على الأريكة الوحيدة التي تتوسط تلك الغرفة قليلة الأثاث ، لكنها كانت واسعة الحجم ، بما يكفي لطفلين باللهو داخلها بأرياحية لساعات من النهار ، رفعت روكسانا رأسها فور جلوسها لتجده قد وقف مقابلا لها تماما
لترسم إبتسامة مستفزة كرد على تعابير وجهه التي لاتزال متضايقة بشكل واضح ، لتردف :
" لاتزال عنيدا كما العادة صحيح؟ سموك "
"و أتفضيلك لبيري فقط منعك من إستخدام وسيلة أخرى للرد أكثر سرية كلمتين فقط لن تضرا في نهاية الأمر شيئا... ثم إني دعوتك حوالي الست مرات وأنا أنتظر أمام النافورة كأحمق ما "
رفعت روكسانا حاجبيها مع إبتسامة ساخرة لتجيب:
" أوه ، لاأعتقد أني إطلعت على هذه "
عقد ذراعية عند صدره وقال
"إذن لم تكلفي نفسك عناء قراءة بقية الرسائل ولو حتى بدافع الفضول ؟ لا أدري إهتمام ؟ ، ربما ؟ "
"بحقك داريوس ، لم يكن لي كل هذا المتسع من الوقت هذه الفترة تحديدا ثم .. إن رسائلك تلك أشبه لمشتتات فعالة "
رفع حاجبه الأيسر ليقول :
" مشتتات ؟"
أفصحت روكسانا عن ما يدور في رأسها :
" أجل ، إنها مضحكة نوعا ما ، و يبقى ذهني مشتتا يفكر بردود ويرد على نفسه ... ثم إنني وكما كنت دائما أحب بعث رسائلي الشخصية مع صغيرتي بيري فحسب ، ولا أحب مخالفة قواعدي "
رأت روكسانا كيف تراخت يداه لتسقطا على جانبيه ، كإشارة لها بتصدع موقفه المبالغ فيه برأيها ، أردفت :
" دعك من هذا الآن وإجلس أنت تحجب ضوء الشمس "
" لا ، أنا لا أفعل ثم إن الرؤية من هنا أفضل "
تعجبت روكسانا من كلامه لتقول :
" الرؤية أفضل؟ "
" نعم ، لا تظني أنك طويلة أو ماشابه لكن هكذا أرى ردات فعل أكثر .. وأحب الحديث بهذا الشكل على أية حال "
تسائلت روكسانا عن خطبه اليوم ، وكذا تصرفاته لكنها لم تعر الأمر إهتماما كبيرا فعقلها قد كان مشغولا بالفعل .. بالتفكير حول شيئ آخر تماما منذ وقت ليس بقصير
رفعت روكسانا رأسها أكثر بعد ، ولم تتمالك رغبتها العارمة التي راودتها فجأة ، لإخباره بما يدور في خلدها ، لمجرد الشعور بحضوره المألوف .. المريح ..، نهضت فجأة و أصبحت تقف أمامه مباشرة ، ثم أمسكت بكلتا يديه مع رفعها أعينها لتقابل نظراته شبه المتفاجئة بنظراتها الحالمة ، لتردف :
"داريوس .. "
أجاب بروية وبصوت هادئ :
"نعم ؟ .."
" تعرف ؟بعد أسبوعين .. سيأتي وفد مملكة سيرفيا"
" و .. "
أعربت عن ما بداخلها ..بصوت منخفض نسبيا عن نبرتها المعتادة :
" رينارد سيكون هناك أيضا .. كما تعلم "
راقبت روكسانا رد فعله وهو يتحول من دحض للحقيقة إلى إدراك ، أغلق جفنيه قليلا ثم فتحهما ، وأردف :
" إذن ؟ .. روكسانا أأنت حقا لا تزالين معجبة به ؟ ... بعد مرو كل هذه السنوات "
شعرت روكسانا بنغزة في صدرها وهي تستمع إلى حديثه ونبرة صوته الجدية و خشيت أن يكون هنالك خطب ما مع هذا الأمر ...لكنها سرعان ما طردت عنها الأفكار السلبية التي راودتها حينها ، لا تريد أن تندم لإخبارها له بهكذا أمر ..ولكنه أصلا كان يعلم ..فلما الآن ؟..قالت بإبتسامة جاهدت على إبقائها قائمة :
" أنا .. نعم داريوس ، لماذا تقول هذا الآن ؟ "
ترك يديها فجأة ، ماجعل برودة خفيفة تسري بهما ، على الرغم من الدفئ المتسرب من أشعة الشمس المتناثرة ، لكنه سرعان ما وضع كفيه على كتفيها ليشد عليهما بلطف ، ويقول :
"روكسانا ،إسمعيني، أنت لم تريه منذ سنوات ..لم تلمحي طيفه حتى ، لماذا الآن س- "
قامت بمقاطعته بنبرة حادة :
"سأفعل ماذا ؟ هل هذا خاطئ أو ماشابه ؟"
" أنا لا أقول هذا ، لكن .. لا أظن أن من الصحة أن تفكري بهذه الطريقة "
رفعت روكسانا حاجبا ردا على كلامه لتقول :
" أي طريقة هذه التي تتحدث عنها ؟ "
" هكذا، أعني أنه من غير المنطقي .. أن تبقي معجبة به لهذه الدرجة ، بعد كل هذا الوقت ... لربما قد تغير ،طريقة تفكيره ، كلامه ، ربما قد تعرف على فتاة أخرى "
صمت قليلا ليطلق زفرة قصيرة بينما هي لاتزال تحدق به ثم يردف :
"فقط أخبريني هل أنت لاتزالين تنظرين إليه بهذه الطريقة بسبب ذكرياتكما معا فحسب أم أنك لا تزالين تحملين مشاعر له حقا ؟ "
ظلت روكسانا تنظر له في ذهول تماما ، تتعجب لمنحى سير هذه المحادثة التي إتخدت مسارا آخر كليا عن الذي تصورته و حتى ما لم تتصوره ، لتردف بعد هنيهات :
"أنا ..لا أزال أحمل مشاعر تجاهه"
"متأكدة ؟ "
إنتفضت روكسانا بعد أن عاد جانبها الدفاعي ليسيطر عليها وعلى ردودها ، لتردف :
"بالطبع أنا متأكدة ، ما الذي تعتقده على سبيل المثال ؟ أنني أعاني خطبا ما في فهم مشاعري ، أو .. أن حياتي ستظل دائما مرتبطة بما حصل سابقا لدرجة لا أستطيع التفكير بشكل صحيح "
رفعت حاجبها الأيسر لتقول بصوت حاد أكثر :
"هل المشكلة حقا أنني لم ألتقي بطيفه حتى من سنوات .. أم في أنني أنا هي من تفكر بهذه الطريقة ويقول هذا الكلام "
"ليس هذا-"
"ماذا قصدت إذا ،تقول أمتأكدة أنك معجبة به ، أم قراراك منسوب إلى ذكرياتكما معا .. ماذا تقصد بهذا بالضبط ؟"
برزت محاولاته لتهدئتها جلية لروكسانا ،لكنها قررت عدم التأثر بذلك.. للوقت الحالي ..ليقول :
" ليس هذا ماقصدته ، فقط إعتقدت في بادئ الأمر أنك لربما لا تفكرين بشكل سليم تماما ..لذا فقط أردت معرفة وجهة نظرك تجاه هذا الموضوع لأساعدك وأعطيك رأيي فحسب .."
يساعدها ؟ هل هذا ما يعتقده بخصوصها أنه ليس بمقدورها التفكير بشكل صحيح ؟.. أنه يراها بطريقة أخرى غير – كان هذا مافكرت به حينها ، سرب من الأفكار المتداخلة بعضها بعضا كل إستنتاج وتحليل طرأ في عقلها وقتها جعلها تعجز عن التعبير عن ذاتها بشكل صحيح
نفضت يديه عنها بسرعة و ردت بغيظ :
"تساعدني ؟ ما هذا الآن .. لماذا يكون أبسط إعتراف كهذا مني يصبح بمثابة قضية كبيرة ..آآهه "
فقدت قدرتها على تجسيد أفكارها والتعبير عنها نهاية حديثها ، ليخرج صوتها على شكل صراخ مكتوم ..فهمت بالخروج بعدها ،لتشعر به يمسك رسغها بلطف مانعا إياها من الإبتعاد
"روكسانا .."
أوه ،لا ،لاتريد مواجهته الآن هذا سيزيد الأمور تعقيدا فحسب .. لتقول بصوت هادئ عكس موقفها السابق ، هادئ جدا أقرب لشيئ سيفيض لو أضافت قطرة إنفعال
"داريوس كفى "
بقي ملمس يدبه الدافئة على يدها الباردة لثوان أخرى ذلك الدفئ المنبعث منه حتى في مواقف كهذه ، وعندما لم تستدر ،شعرت بأنامله ترتخي وتفلتها تدريجيا آخذا كل الوقت في العالم ليمنحه لها لتفكر أكثر ، وعند ها همت بالرحيل
خطت أول خطواتها ، لتدرك أن يده حطت على كتفها من الخلف ، ليديرها ناحيتها و قبل أن تتمكن جتى من إبداء رد فعل ، غرقت في ظلام حضنه ...، أغلقت عينيها ولكنها لم تبادله فقط أراحت رأسها عليه تستند به في تلك اللحظة
لتشعر بهمسه عند أذنها :
"آسف ... صديقتي لم أقصد "
أومأت برأسها على صدره فحسب ، مع علمها أنها تكون مخطئة أيضا ، لكنها لا تستطيع التفكير بشيئ حاليا ، كونها خرجت لتوها من معركة خاسرة لكلا الطرفين بين أفكار غير مرغوب فيها و بين آمال زائفة وكلام لم يفهم بعد ولم يقال وكل هذا حدث داخل عقلها خلال اللحظات الفارطة و التي أعمت بصيرتها لدقائق ، وما لن تعترف يه الآن ولا بأي وقت آخر أن مازاد الطين بلة والنار إتقادا .. إن لم يكن السبب في إشتعالها من الأساس .. أن من فكر بهذه الطريقة كان .. هو
لحظات وهمت بإبعاد رأسها ليفلتها هو بدوره لكنه لا يبتعد عنها ، ترفع رأسها لتحدق بعينيه اللتان تفصحان عن قلقه البالغ ، ولو كان يبذل جهدا في إخفاءه ، لتردف :
"آسفة ..لقد إنفعلت "
"لا عليك ، أعتقد أنني أسرفت في القلق هذه المرة ... وجعلتك تفهمينني بشكل خاطئ"
كان يقول هذا وهو يدير عينيه للأرض تعرف أنه لا يريد قوله بصوت مرتفع.. لكنه أفصح عنه على أية حال
أجابت روكسانا بشرود وهي تحدق بمقلتيه اللتين إستقرتا على خاصتها للتو :
"ربما .."
حرك داريوس رأسه يسارا قليلا يحدق في اللاشيئ مع حلول الصمت القاتل بينهما ثم قال بصوت خافت :
" و روكسانا .. "
أعاد التحديق بها مجددا حينما إستولى على تركيزها ، ليكمل :
" لا أحد يفكر عنك بتلك الطريقة التي جعلتك تعتقدينها سابقا ، لا أحد، ثم أنك أعقل شخص بيننا ..وتعرفين أنني سألت سؤالا عابرا فحسب لأفهم ما كنت تفكرين به حينها .. فحسب "
صمت قليلا ليواصل :
" و قلت ما قلت ليس لأنها أنت من تريده ، بل لأنني أنا من يقلق عليك "
كانت تعلم مسبقا أن كل ما تفوه به صحيح ،حتى من دون قوله ، فقط هي إنجرفت خلف مشاعرها العديدة التي كانت ترغب بالإنفجار تلك اللحظة ، وقد فعلت ، لسبب غير وجيه تماما لكنه كان كل ما فكرت به حقا لحظتها
خفضت روكسانا رأسها قليلا تنظر لأطراف ثوبها ، هنيهات و أعادت التحديق به من جديد حينما علا صوته مجددا :
" وهو؟ حسنا .. إن كان هذا ما تريدين فلك هذا .. أنا أدعمك في كل الأحوال "
شعور براحة كبيرة بدأ يجتاحها فجأة ، حقا لقد خاضت تغيرا مزاجيا كبيرا ، لكن سرعان ما أكمل :
"لكن ، لا تتعلقي بطيفه كثيرا ، وكوني حذرة مع مشاعرك الصغيرة هذه ، فلربما غيرته السنوات في نهاية المطاف "
بعد أن هدأت هي وأفكارها الآن وعادت لمجراها الصحيح ، أصبحت توافقه الرأي نوعا ما ، لتجيبه :
" حسنا .."
الصمت المريح الذي غمر الغرفة الآن جعلها تتنهد بخفة وتعيد رسم بسمة صغيرة على ثغرها ، لتردف :
" حسنا الآن .. عطلتني بما فيه الكفاية "
حالما قررت الإستدارة شعرت به يخطو بجانبها ليصبح واقفا بمحاذاتها :
"تذهبين ؟.."
"نعم "
همت بالتقدم أمامه لفتح الباب لكنها سرعان ما خطر لها خاطر .. أنها لم تودعه ..إلتفتت ناحيته وعندما رفعت رأسها رأته يحدق ناحيتها بنظرة غريبة سرعان ماتبدلت لتتناسب و ملامحه المعتادة وهو يبادلها العناق السطحي لتوديع بعضهما ، عجيب بدا كما لو أن أحدا ما قام بسرقة عالمه السعيد للتو ، خمنت أنه لايزال مشغولا بالتفكير حول الموضوع السابق فحسب ، وكإنفصال جسديهما خلال ثانيتين ، إنفصلت تلك الفكرة عن ذهنها
" ولا تفكري بعدم الرد على رسائلي هذه المرة أيضا ، على حسب علمي أن أجنحة النسورلا تستغرق قرنا للتشافي "
"أخبرني المعالج بأن حالتها تحتاج حوالي خمس إللى ست أسابيع للتتماثل للشفاء بشكل كلي ، ما يعني أنها تحتاج وقتا إضافيا للتحسن "
أردف داريوس بقلة حيلة :
" ماذا عن سيريوس؟"
"أوه لا ، إنه معاقب حاليا "
"ماذا ؟"
أجابته بينما تمد يديها مقبضي الباب لفتحه :
" لا تسأل أحسن "
عندما فتحت الباب كليا تجلت لها خادمة بين يديها صينية شاي الواضح أنها قدمت للتو ، وعندما سأل داريوس عنها أخبرته أن الملكة هي من أمرت بإحضارها لتلك الغرفة
ضحكت روكسانا بخفة على عادات الملكة ، بينما تواصل المسير مع داريوس تاركين الخادمة تعود من حيث قدمت
دقائق من السير في أروقة القصر العتيقة مرفقة بإنحناءات من كل من يمر بقربهما ، ليصلا لبوابة القصر المفتوحة على مصرعيها بطولها الشاهق وهناك عربة الدوقة روكسانا تتوقف بعد طلب إستدعائها سابقا
يلتفت داريوس نحوها بعدما توقفا ليقول :
" إلى اللقاء إذا ، رافقتك السلامة "
"شكرا ، إلى اللقاء "
ودعته لتستدير وتستأنف سيرها نزولا عبر الدرجات الثلاث نحو عربتها ، لتمد يدها بوقار ملكي ليد الخادم الممدودة نحوها ليساعدها على الوصول درجات العربة ودخولها ، ما إن دخلت حتى قام الخادم بإغلاق باب العربة خلفها ، سويعات فقط وإنطلقت خيول جر العربة ، بعدها إزداد عدد وقع الحوافر بتقدم خيول الفرسان حول العربة
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.