الفَصل الثانِي: آثَار
الثَانِي من يُوليو، ٢٠٢٦
مِن ١٢:٠٦ حتَى ٥:٠٠ صباحًا.
تنبِيه:
يُمنع قِراءة القِصة بدون الاستِماع إلى
(Everything I wanted - Billie Eilish)
___________________________________
لقَد نجت مِن الغَرقِ،
لكِنَّ البَحر ظلَّ عالِقًا فِي عَيْنَيها.
~مُقتبَس.
—
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملف النفسي للمريض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاسم: نيرينا ڤيل
الجنس: أنثى
العمر: ٢٦ عامًا
رقم الملف: GH-0486
تاريخ الإدخال: ٢٣ / ٨ / ٢٠٠٤
الطبيب المسؤول: -
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التشخيص الأولي:
اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
اضطرابات إدراكية وسلوكية شديدة.
هلاوس بصرية وسمعية متكررة.
اشتباه باضطراب انفصالي مع نوبات تبدد الشخصية.
سبب الإيداع:
إحالة من دار رعاية الأطفال بناءً على توصية طبية، إثر ظهور اضطرابات نفسية وسلوكية متفاقمة، مصحوبة بسلوكيات متكررة تُشكل خطرًا على سلامة المريضة، كان أبرزها تكرار العثور عليها فاقدةً للوعي على شاطئ البحر في ظروف متطابقة، مما تعذر معه استمرار رعايتها داخل الدار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعراض المسجلة:
• بلل متكرر بالجسد والملابس دون وجود مصدر ظاهر للماء.
• الإدعاء المتكرر عن رؤية البحر داخل الغرفة.
• هلاوس سمعية وبصرية متعلقة بالغرق والماء.
• أرق مزمن مصحوب بكوابيس متكررة.
• نوبات هلع مصحوبة بضيق في التنفس.
• عزلة اجتماعية ورفض للتواصل مع المحيطين.
• استجابة محدودة للمثيرات اللفظية والأسئلة المباشرة.
• تحديق مطول في الفراغ أو في زوايا الغرفة.
• انخفاض ملحوظ في نبرة الصوت، مع حديث خافت يصعب تمييزه.
• سلوك عدواني مفاجئ عند الاقتراب الجسدي من المريضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستجابة للعلاج:
• لم تُظهر أي استجابة تُذكر للعلاج الدوائي.
• لم تُظهر أي تحسن مع العلاج السلوكي أو النفسي.
• تدهور تدريجي في الحالة الإدراكية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحوادث المسجلة:
• محاولات الهروب: ٩٢٧ محاولة
• حالات العثور عليها مغمىً عليها على الشاطئ: (العديد من الأرقام المشطوبة)
• محاولات إيذاء النفس: غير مثبتة
• الاعتداء على الطاقم الطبي: ١٨٦ اعتداءً
قيد التحقيق: وفاة الطبيب المعالج آرثر كولينز إثر اعتداء مباشر من المريضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة:
تحذير!
يمنع دخول الغرفة منفردًا
تظهر هدوءًا ملحوظًا عند وجود آلة الكمان، إلا أنه يحظر تركه في متناولها؛ إذ سبق أن حاولت نحر أحد أفراد الطاقم الطبي بأسلاكه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سحبَه صوت المُدير من انغِماسه الذي كان بِه يقرأ مَلفها:
"إذا جِئت من أجل مَلف نِيرينَا، فأغلِقهُ"
لكِن من كان جالِسًا على الكُرسي أمام المكتَب الموضوع عليه بِروازًا يحمل اسم 'هارُولد دُويِل' لم يفعل، بل تركَ الملف مفتُوحًا، نظرَ في وجه الآخر الذي تركَ عليه الزَمان آثارُه قائِلًا:
"أستطِيع أن أُعالجها"
مرّت لحظَات كان فِيها المُدير ينظُر إلى إِدرِيَان بنظرةٍ كافِية ليُدرِك الطَبِيب أن الآخر لم يسمَع هذِه الجُملة كثِيرًا. دفَع ظهره نحوَ المكتَب، سنَد مِرفقِيه عليه، ثُم شبكَ كفَّيه، وقَال:
"هل تعلَم كم طبيبًا حاول قبلَك إِدرِيَان جِراي؟ عددهُم يفُوق عدد الأطِباء الذين عملُوا في المَصحة منذ تم إنشاؤها"
صمتَ المُدير، وأخذَ نفسًا عمِيقًا كأن ما على وشكِ ذِكره أثقَلُ من أن يُقال، ثم استَأنف حديثَه تحت أنظار الآخر الهادِئة
"هل تعلم ما الذي حلّ بأخر طِبيبٍ كان مسؤُولًا عنها؟..."
قاطعَهُ إيدرِيان:
"قُتِل"
هزّ المُدير برأسِه نافِيًا:
"ليست قُتِل، وإنما قَتلتهُ!"
صمتَ الطَبيب، لا لأن المُدير جعلهُ يشعُر أنه مُتورِطًا مع المرِيضة في قتلِ طبيبِها، بل لأن ما أراد قولُه، لا ينبغِي أن يُقال.
مدّ يده إلى كُوب المَاء، وارتشَف منهُ بِبُطء يبلَّ ريقه الجاف
"إذًا تعلَم ما حصلَّ بِالفعل، وما زِلتَ تُريد الحُصول على ملفَها؟"
اشتَدَّت أصابِع إِدرِيَان حول المَلف حَتى تجعّدت حافَتِه بين يَديه، لكِنه لم يُبعِد عينيه عن المُدِير
"دعنِي أراها على الأقل، ولو لِمرةٍ واحِدة!"
"أنتَ طبيبٌ ماهِر إِدرِيَان، لا تُضع وقتَك مع مرِيضٍ فقدنَا الأمل فيه"
أجَابَ مُصِرًا:
"مرةً واحِدةً فحسب، إذ لم أستطِع أن أُحرِز تقدُمًا، أعدِكُ أنني سأُغلِق ملفَها ولن أتحدَث معك بِشأنِه مُجددًا"
—
وقفَ إِدرِيَان أمام باب غُرفتِها مُديمًا النظر إلى مِقبضه الذِي تجمَع عليه الغُبار، كأنَّ أحدًا لم يجرُؤ على لمسِه مُنذ زمنٍ طوِيل.
"مرّت سبعُ دقائِق أيُها الطبِيب، هل كُل شيء ما يُرام؟"
استنشَق نفَسًا عمِيقًا ثُم أطلقَه بتمهُّل حِين أيقَظه صوتُ المُمرِّض من شُرودِه
"كُل شيء على ما يُرام، لِندخُل"
فتحَ الباب ودلفَ الغُرفة بِهُدوء، مُوجِّهًا أنظاره نحو الفِراش؛ كان أوَّل مكانٍ توقَع أن يجِدها فيه، إلا أنه كان فارِغًا، سِوى من أفرِشة مُبتلَّة تقطُر ماءً. تقدَم بخُطواتٍ حذِرة، يبحَث عن أي أثرٍ لها، لكن المكان بدا خالِيًا على نحوٍ يُثير الريبة.
شدّت انتِباهه أثار أقدامٍ مُبتلَّةٍ تشقُّ طريقَها فوق الأرض، فتَتبعها في صمتٍ، دُون أن ترمِش جفُونه؛ لعلها تُرشِده إليها، وكأنَّه يخشَى أن تختفِي إن غفلَت عينيه عَنها.
عِندما وصلَ إلى أخر أثَر، انتَهى عِند الحائِط، وكأنه حبلًا انقَطع من مُنتصِفه. ثُم سمِع صوتَها خلفه:
"لَن تَجِده"
التَفت ناحِية الصوت، كانت جالِسة في الزاوِية خلفَ الباب، مُبتلَّةٍ من حافة رأسِها حتى أطرافِ قدميها، تتساقطُ المِياة من ملابِسها في هُدوءٍ يُناقِض الفوضَى التي أثارتها في صدرِه.
ورُغم عِلمه المُسبَق في بأن الماء لا يُفارِقها، إلا أنه عجزَ كبحِ دهشتِه، ليس لابتِلالها، بل لأنَّ الغُرفة كانت تخلُو من أيِّ مصدرٍ للماء، وكأنَّ البللَ كان ينبعُ منها هي.
"تقصِدين البَحر؟"
لاحظَ ميلَان رأسِها جانِبًا، وكأنها تُريد إعطاء أُذنيها فُرصةً أفضَل للسماع، فأستغلَها وتَابع:
"أنا لا أبحَث عنه، بل عنكِ.."
مرَت دقائِق من صمتٍ ثقيل، ظلَّ خلالها واقِفًا إلى جوار الحائِط ينظُر إليها. كانت شارِدة في فراغِها المُعتاد، لا تلتَفِت إليه، وكأن وجُوده لم يترُك في الغُرفة أثرًا يستحقُّ أن تُلقي عليه نظرةً واحِدة. كانت سبَابتُها تدُور في حلقَاتٍ صغِيرةٍ فوقَ الأرضِ بِبُطء، بإيقَاعٍ رتِيبٍ لا ينقطِع، كأنَّ أصابِعها تحفَظُ شيئًا عجزَ عقلُها عن تذَكُّره.
وحين تيقَن أن الوقُوف لن يُغيِّر شيئًا، اتَّجه إلى الأريكة التي تتوسَط الغُرفة وجلسَ عليها، مُلتزِماً الصمت، خِشية أن يُربِك ذلك السُكون الهش الذي كانت تغرَق فيه.
راح الوقتُ ينساب ببطءٍ مُرهق، حتى بَدا أنَّ عقارَب الساعة قد نسَيّت كيف تتحرَّك. لم يكُن يسمَع سِوى تقاطُر الماء من شعرِها، يتردَّد صدَاه في الغُرفة بإيقاعٍ ثابِت، كأنَّه ساعةٌ أخرى لا تعرف العدَّ إلا بالقطرات. ومع كلِّ قطرةٍ، كان يشعر أنَّ دقيقةً كاملةً قد انقضَت.
فجأة، رفعَت إليه عينيها الزرقاوَين، وقد أثقَلهُما المَاء حتى خُيِّل له أنّهُما لا تعكِسان الضوء، بل تبتلِعانه. ظلَّت تُحدِّق في حدقتَيه، كأنَّها تبحَث عمَّا يختبِئ خلفهُما، لا ما يراه عبرهُما.
نهضَت بثُقلٍ ملحُوظ، وكأن الماء كان يجُرها إلى أسفَل مع كُلِّ حركة، ثُم قادتهِا خطواتها نحو الطبِيب، الذي أشَار للمُمرض الذي كان مُقبِلًا على اعتِراض طريقَها نحوه.
وقفَت أمامَه، وعيناها لم تُفارَقا عينيه. كانت نظراتُها كانت تبدُو مُنهكة، كأنَّها تحمِل في حدقتَها أعوامًا من الأرَق، وغرقًا طال أمدُه حتى نسيت النجاة، رغم أنَّها ظلَّت في مرأى بصرِها، لكِنها لم تبلُغها قط.
شعرَ بشيءٍ يتحرَّك في داخِله، شيءٌ في عينيها يُغريه للغَرق معها، لا رغبةً فِي الهلاك، وإنما لشُعورٍ غامِض يجتاحه بأنَّه لن يعثُر عليها إلا في القَاع.
نفرَ جسدها مِنه، واتجهَت نحو فراشُها المُبتل، لا لِتنام، بل لتحتمِي بحدُودِه.
"أظُن أن علينا المُغادرِة أيُها الطبِيب إدرِيَان"
همهمَ الطبِيب، واستَدار قاصِدًا الباب ليُغادِر، وحِين مدَّ يدَه إلى المِقبض، هبطَ بصرُه إلى الأرض مُصادفةً. كان هُناك أثرُ قدمٍ مُبتلَّة، لم تكُن موجُودة حِين دخل.. ظَلَّ يُحدِّق فيه طويلًا، لم يكُن أثرَ نِيرينَا، بل كان يبدأ مِن عِند قدمَيه...
~≫ يُتبَـع ≪~
___________________________________
قبل أن تُغلِق هذا الفَصل، انزَع عن نفسِك صِفة القارِئ، واتردِ مِعطف الطبِيب النفسِي. حلّل تحرُكات نِيرينا، راقِب سلُوكها، اقرأ ما بين سُطور ملفِها، واجمَع المُعطيات التي تركتُها أمامك.
ثُم أخبِرني..
ما الذِي تراه أنت، وأنا لم أكتُبه؟
وما الذي تتوقَع أن يكُون مخفِيًا 'تحت الماء'؟
وهل أساسًا كُنت ستقبل تولّي حالة نِيرينَا لو عُرِض ملفها عليك؟ ولِماذا؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (4)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول