الفَصل الأوَّل: قَطرات
الأوَّلُ من يُوليو، ٢٠٢٦
مِن ٨:٢٧ حتَى ١١:٥٥ مساءً.
تنبِيه:
يُمنع قِراءة القِصة بدون الاستِماع إلى
(Everything I wanted - Billie Eilish)
___________________________________
ثمّةُ بِحارٌ لا تَراها الأعيُن،
تغرَقُ فِيها أرواحٌ كُلَّ ليلَةٍ.
—
فتحَت باب الغُرفة بهُدوء، عيناها ترمِيان نحو بُؤرةٍ مُعينة، الفِراش المعدَنِي الذي يكسُوه اللون الأبيَض. كانت نائِمةً فوقه في سكِينةٍ تامّة، كأنها قد غادرَت هذا العالم مُسبقًا.
مشَت برويَة نحو الطاوِلة بِجوار الفِراش، لم تلمِس طعامَها كالمُعتاد، لكِن مياهُها قد أغرَقته؛ مِما فتحَ الطرِيق لنُمو العفن عليه.
تنهدَت، ليس لأن الرائِحة الفاسِدة لا تُحتمل، بل لأنها اعتَادت عليها، إلى حدٍ جعلها تشمِئِز من عدم اشمِئزازِها.
قبلَ أن تهم بِجمع الطَعام العفِن، انتَفضت أثر استِيقاظها وهي تلهَث بفزَع، وكأن أحدهُم انتَشلها للتو من قاع البحر.
وبدلًا من أن تَهرع المَمرِضة نحوها، هرعَت نحو باب الغُرفة، تُنادِي الأطِباء:
"لَقد نَجت من الغَرق"
ردّ عليها طبيبًا كان في طريقُه إلى غُرفتِها بالفعل:
"مُجددًا؟"
أومَأت المُمرضِة مُفسِحةً المَجال لعُبور الطبِيب الذي علّق قبل دُخول غُرفتِها:
"ليتَها تغرَق وينتهِي كُل شيء"
كانت مُبتلَّة بالكامِل، شعرُها المُلتصِق بِوجهها تسقُط منه قطراتٍ من المَاء مُتتابِعة بإيقَاعٍ بارِد إلى فِراشها، الذِي لم ينجُ هو الآخر مِن الابتِلال، حتى بدا كأن البحرَ كان يسكُن معها غُرفتها.
جالِسةً القُرفصاء على فِراشها، تنتظُر إلى الطَبيب بنظراتٍ فارِغة، تارةً تبدُو وكأنها تُريد أن يمُد لها يد العونِ، وتارةً أُخرى تبدُو وكأنها ستقتلِع أصابِعه من كفيه وتحشُرهمَا في حلقِه.
"كيفَ كان الغرقُ اليوم؟"
لا رَد، فقط نظراتٌ تَتبعه وهو يتحرَك في أرجاء الغُرفة يبحَث عن شيءٍ ما: خلفَ الستائِر، داخِل الخِزانة، حتى تحت الفِراش قد ألقى نظراتُه دُون جدوى.
عدَّل قامتُه، وقفَ صوّبها بِسؤالٍ آخر:
"هل نجوتِي مُجددًا؟"
قال بينما يُقلِب الصفحَات التي يحمِلها بين ذراعِه، حتى عثرَ على صفحتِها قبل أن يقرأ اسمها حتى؛ إذا كانت فارِغة أكثر مِن غيرِها: نِيرينَا ڤِيل.
باعَدت بين شفتَيها، رمشَت عِدة مرات مُتتالِية قبل أن تقُول بصوتٍ مكتُوم، وكأنها كانت تتحدَث ورأسها تحت المَاء:
"تُريدنِي أن أغرَق؟"
ارتَبك الطبِيب، ليس لأنها سمَعتهُ، بل لأن نظراتُها نحوه لم تكُن طبِيعية؛ لم تكُن تِلك النظرَة الشارِدة التي اعتادَها من نِيرينَا، وإنما نظرةٌ لم يستطِع فهمها أو وصفِها، وكأنها تراه للمرة الأُولى.. أو رُبما الأخيرة.
"لا أحدَ يُريدكِ أن تغرَقِي نِيرينَا"
ردّ بذات ثباتِه المُشوب باللامُبالاة الذي كان يُوجه به أسئِلته لها، والذي أيضًا خاطَب بِه المُمرضة قبل دُخوله الغُرفة.
ردّت فورًا، حدّ أنه شك ما إن كان جوابُه قد بلغَ مسامِعها أولًا:
"بلا"
ثم صمتَت بريبة، حرَّكت رأسَها نحو إحدى زوايا الغُرفة بِبُطءٍ شديد، وحدّقت في الفراَغ طويلًا، دُون أن تُضيف أي شيء. كأنَّ شيئًا خرجَ من ظُلُمات ذاكِرتها ووقف هُناك يُحدِق فيها.
لحقَ الطبيب بنظراتِها، في بادِئ الأمر لم يستطِع تحدِيد ما كان يجذِب أنظارَها، ثُم جفلَت جُفونه عِندما رأى زُجاج النافِذة المُنكسِر. أرَاد الالتِفات إليها، لكِنه كان أبطَأ من يدٍ سبقَتهُ.
فجأةً، شعرَ بِدمائِه تشُقُّ طريقَها خارِج عُنقِه، وكأن نفسُه قد قررت أن تُغادِر جسده على عجل. ارتَطمت رُكبتاه بالأرضِ أولًا، ثُم انطفأت قواه تِباعًا، وانحنَى جسدُه ببطءٍ مُستسلِمًا، ليسقُط فوق البِركة الحَمراء التي أخذَت تتسِع بِصمت من قطراتِ دمائِه وقطرَات الماء الذي ظَلّت تتساقَط من شعرِها دُون أن تعبَأ بحُرمة المَوت..
~≫ يُتبَـع ≪~
___________________________________
قصة قصيرة.. لكن ليست خفيفة، وإنما ثقيلة، مؤلمة، وقاسِية..
لا تحكُموا عليها من بدايتها، فقط استمِعوا لصوت قطرات الماء وهي تنساب بين الفُصول، حتى تغرقُوا في أماكنكم، وحينها فقط.. "تحت الماء" ستستَطيعون فهم كل شي.
ارجو أن تُقدموا لها الحب.. وللاحتِياط، ابقوا مناديلكم الورقية قريبة.
دُمتم سالمين ♡.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!