الـفَـصـل الـثَّـانِـي
لا تتعلّق بأحد، فأنا لا أكتبُ للناجين.
⸻
INK OF THE CROWN
-
• حِـبْـرُ الـتَّـاج •
—
الـفَـصْـلُ الـثَّـانِـي
—
لَـمْ يَـكُـنِ الـحـارِسُ يَـسِـيـرُ بِـسُـرْعَـةٍ وَلـا بِـبُـطْءٍ بل خُـطُـواتٌ مُـنْـتَـظِـمَـةٌ تَـعْـرِفُ الـطَّـرِيـقَ حَـتَّـى لَـوْ أُغْـلِـقَـتْ عَـيْـنـاهُ، أَمَّـا نِـيـتـارا فَـسـارَتْ خَـلْـفَـهُ بِـهـدوءٍ.
خَـرَجـا مِـنْ دِيـوانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ وَانْـعَـطَـفـا نَـحْـوَ الـرِّواقِ الـمُـؤَدِّي إِلـى قـاعـاتِ الـمَـجْـلِـسِ.
كَـانَ الـقَـصْـرُ يَـبْـدُو مُـخْـتَـلِـفًـا عَـنْـهُ قَـبْـلَ سـاعَـةٍ فَـقَـط، أَعْـلامُ الـعـائِـلَـةِ الـحـاكِـمَـةِ تُـبَـدَّلُ بِـأُخْـرَى جَـدِيـدَةٍ، وَخَـدَمٌ يَـعْـبُـرُونَ وَهـمْ يَـحْـمِـلُـونَ أَطْـبـاقًـا فِـضِّـيَّـةً نَـحْـوَ قـاعَـةِ الـوَلـائِـمِ، وَفِـي الـسَّـاحَـةِ الـدَّاخِـلِـيَّـةِ... كـانَ عِـدَّةُ فُـرْسـانٍ يَـتَـرَجَّـلُـونَ عَـنْ خُـيُـولِـهِـمْ بَـعْـدَ أَنْ وَصَـلُـوا مِـنْ بَـوابَـةِ الـعـاصِـمَـةِ.
تَـوَقَّـفَ أَحَـدُ الـخُـدَّامِ يُـنـادِي
«أَسْـرِعُـوا... الـرايـاتُ الـزُّرْقُ يَـجِـبُ أَنْ تُـرْفَـعَ قَـبْـلَ الظُّـهـرِ»
فَـرَدَّ آخَـرُ وَهـوَ يَـحْـمِـلُ سُـلَّـمًـا خَـشَـبِـيًّـا
«لَـوْ أَعْـطَـوْنـا أَرْبَـعَ أَيْـدٍ إِضـافِـيَّـةً... لَـفَـعَـلْـنـا»
لَـمْ تَـلْـتَـفِـتْ نِـيـتـارا إِلـيـهِـم فَـهـذِهِ الـفَـوضَـى الـمُـنَـظَّـمَـةُ تَـسْـبِـقُ كُـلَّ مُـنـاسَـبَـةٍ رَسْـمِـيَّـةٍ فِـي الـقَـصْـرِ، لٰـكِـنَّ شَـيْـئًـا واحِـدًا لَـفَـتَ انْـتِـبـاهَـهـا... عَـدَدُ الـحُـرَّاسِ كَـانَ أَكْـبَـرَ مِـنَ الـمُـعْـتـادِ.
عِـنْـدَ كُـلِّ مَـفْـتَـرَقٍ يَـقِـفُ اثْـنـانِ... وَعِـنْـدَ كُـلِّ بـابٍ أَرْبَـعَـةٌ، حَـتَّـى الـرِّواقُ الـمُـؤَدِّي إِلـى الـمَـجْـلِـسِ... لَـمْ يَـكُـنْ يَـخْـلُـو مِـنْ جُـنْـدِيٍّ واحِـدٍ.
سَـأَلَـتْ الـحَـارِس بِـهـدوءٍ وَهـيَ تُـواصِـلُ الـسَّـيْـرَ
«هـلْ وَصَـلَ وَلِـيُّ الـعَـهـدِ؟»
أَجـابَ الـحـارِسُ دُونَ أَنْ يَـلْـتَـفِـتَ
«لَـمْ يَـدْخُـلِ الـعـاصِـمَـةَ بَـعْـدُ... لٰـكِـنَّ طَـلائِـعَ جَـيْـشِـهِ بَـلَـغَـتِ الـبـوابَـةَ الـشَّـمـالِـيَّـةَ»
أَوْمَـأَتْ بِـخـفَّـة ثُـمّ عـادَ الـهـدوءُ يَـسِـيـرُ مَـعَـهـا.
لَـمْ يَـمْـضِ غَـيْـرُ قَـلِـيـلٍ حَـتَّـى مَـرَّتْ بِـهـا إِيـريـن، وَكَـانَـتْ تُـمْـسِـكُ لَـفـافَـةً مِـنَ الـقَـمـاشِ، وَتُـرافِـقُ إِحْـدَى خـادِمـاتِ الإمْـبِـراطُـورَةِ، مـا إِنْ وَقَـعَ بَـصَـرُهـا عَـلـى نِـيـتـارا حَـتَّـى تَـوَقَّـفَـتْ.
«نِـيـتـارا؟»
ابْـتَـسَـمَـتْ لَـهـا ابْـتِـسـامَـةً صَـغِـيـرَةً.
«إِلـى أَيْـنَ؟»
أَشـارَ الـحـارِسُ قَـبْـلَ أَنْ تُـجِـيـبَ.
«إِلـى الـمَـجْـلِـسِ»
اتَّـسَـعَـتْ عَـيْـنـا إِيـريـن قَـلِـيـلًا.
«الآن؟»
«هـذا مـا قِـيـلَ لِـي»
اقْـتَـرَبَـتْ إِيـريـن خُـطْـوَةً.
«هـلْ تَـعْـرِفِـيـنَ الـسَّـبَـبَ؟»
هَـزَّتْ نِـيـتـارا رَأْسَـهـا بـالـنَّـفـي.
«لَا»
صَـمَـتَـتْ إِيـريـن ثـانِـيَـةً... ثُـمَّ ابْـتَـسَـمَـتْ كَـعـادَتِـهـا.
«حَـسـنًـا إِذًا سَـأَبْـقَـى فُـضُـولِـيَّـةً حَـتَّـى تَـعُـودِي»
«أَعْـرفُ ذَلِٰـك»
ضَـحِـكَـتْ إِيـريـن.
«طَـبْـعًـا»
قَـاطَـعَـهـا الـحـارِسَ و انْـحَـنَـى قَـلِـيـلًا.
«آنِـسَـتِي...»
فَـأَوْمَـأَتْ نِـيـتـارا إِلـى صَـدِيـقَـتِـهـا وَوَاصَـلَـتِ الـسَّـيْـرَ.
⸻
تَـابَـعَـتْ نِـيـتـارا الـسَّـيـرَ خَـلْـفَ الـحـارِسِ حَـتَّـى بَـلَـغـا الـجِـنـاحَ الـغَـرْبِـيَّ مِـنَ الـقَـصْـرِ، لَـمْ تَـكُـنْ تَـطَـؤُهُ كَـثِـيـرًا فَـهـذِهِ الأَرْوِقَـةُ خُـصِّـصَـتْ لِـقـاعـاتِ الـمَـجْـلِـسِ... وَمَـكـاتِـبِ الـوُزَراءِ... وَغُـرَفِ الاسْـتِـقْـبـالِ الـرَّسْـمِـيَّـةِ.
الـرُّخـامُ الـأَبـيـضُ يَـمْـتَـدُّ تَـحْـتَ أَقْـدامِـهـا وتَـنْـعَـكِـسُ عَـلَـيْـهِ أَضْـواءُ الـثُّـرَيَّـاتِ الـذَّهَـبِـيَّـةِ، وَعَـلـى امْـتِـدادِ الـجُـدْرانِ... اصْـطَـفَّـتْ لَـوْحـاتُ أَبـاطِـرَةِ أَفـرونـيـا الـسَّـابِـقِـيـنَ.
تَـوَقَّـفَ الـحـارِسُ أَمـامَ بـابٍ مُـزَيَّـنٍ بِـنُـقـوشٍ ذَهَـبِـيَّـةٍ ثُـمَّ الـتَـفَـتَ إِلـيـهـا.
«سَـتَـنْـتَـظِـرِيـنَ هُـنـا قَـلِـيـلًا فَـالـمَـجْـلِـسُ لَـمْ يَـبْـدَأْ بَـعْـدُ»
أَوْمَـأَتْ بِـهـدوءٍ، فَـفَـتَـحَ الـبـابَ عَـلَـىٰ غُـرْفَـةٍ فَـسِـيـحَـةٍ... تَـضُـمُّ عِـدَّةَ مَـقـاعِـدَ مُـبَـطَّـنَـةٍ... وَنـافِـذَةً عـالِـيَـةً تُـطِـلُّ عَـلـى الـسَّـاحَـةِ الـدَّاخِـلِـيَّـةِ، وَفِـي آخِـرِهـا... كـانَ ثَـلاثَـةُ وُزَراءَ يَـتَـحـدَّثُـونَ بِـصَـوْتٍ خـافِـضٍ.
لَـمْ يَـلْـتَـفِـتْ أَحَـدٌ إِلـى دُخُـولِـهـا فَـاخْـتـارَتْ مَـقْـعَـدًا قُـرْبَ الـبـابِ إِلا أَنَّ بَـعْـضُ الـكـلِـمـاتِ قَـد تَـسَـرَّبَـتْ إِلـى سَـمْـعِـهـا.
«...لـا أَزالُ أَقُـولُ إِنَّ ذٰلِـكَ الـمَـنْـصِـبَ أَكْـبَـرُ مِـنْـهـا»
لَـمْ تَـرْفَـعْ حَـتَّـى رَأْسَـهـا فَـوَاصَـلَ الـرَّجُـلُ
«أَتُـعْـقَـلُ إِمْـبِـراطُـورِيَّـةٌ بِـحَـجْـمِ أَفـرونـيـا ثُـمَّ لا تَـجِـدُ سِـوَى فَـتـاةٍ واحِـدَةٍ لِـتُـتَـرْجِـمَ مَـعـاهَـداتِـهـا؟»
أَجـابَـهُ آخَـرُ بِـنَـبْـرَةٍ أَهْـدَأَ
«لَـيْـسَـتِ الـمُـشْـكِـلَـةُ فِـي عُـمْـرِهـا... الـمُـشْـكِـلَـةُ أَنَّـهـا لَـيْـسَـتْ مِـنْ إِحْـدَى الـعـائِـلاتِ الـنَّـبِـيـلَـةِ»
«وَمَـعَ ذٰلِـكَ تَـحْـضُـرُ مَـجـالِـسَ الـدَّوْلَـةِ»
«بِـأَمْـرٍ مِـنَ الإمْـبِـراطُـورِ»
«وَهُـنـا تَـكْـمُـنُ الـمُـشْـكِـلَـةُ.»
سَـكَـتُـوا لَـحْـظَـةً قَـصِـيـرة.
ثُـمَّ أَردَفَ الـثَّـالِـثُ... وَكَـانَ أَكْـبَـرَهُـم سِـنًّـا
«سَـأَطْـلُـبُ الـيَـوْمَ إِعـادَةَ الـنَّـظَـرِ فِـي تَـعْـيِـيـنِـهـا»
لَـمْ يَـظْـهَـرْ عَـلـى وَجْـهِ نِـيـتـارا شَـيْءٌ، فَـلَـمْ تَـكُـنْ تِـلْـكَ أَوَّلَ مَـرَّةٍ تَـسْـمَـعُ فِـيـهـا مِـثْـلَ هـذِهِ الـكـلِـمـاتِ وَ قَـطـعًـا لَـنْ تَـكُـونَ الآخِـرَةَ.
فَـتَـحَ أَحَـدُ الـوُزَراءِ عَـيْـنَـيْـهِ نَـحْـوَهـا مُـصـادَفَـةً... تَـجَـمَّـدَ لَـحْـظَـةً... ثُـمَّ انْـقَـطَـعَ الـحَـدِيـثُ بَـيْـنَـهـم فَـجْـأَةً، أَدْرَكَ الـبـاقُـونَ سَـبَـبَ صَـمْـتِـهِ، الْـتَـفَـتُـوا جَـمِـيـعًـا صَـوبَـهَـا، فَـتَـلاقَـتْ أَعْـيُـنُـهـم بِـنِـيـتـارا... اكْـتَـفَـتْ بِـإِيـمـاءَةٍ رَسْـمِـيَّـةٍ، كَـأَنَّـهـا لَـمْ تَـسْـمَـعْ شَـيْـئًـا.
فَـرَدُّوا الإِيـمـاءَةَ بِـبُـرودٍ وَعـادُوا إِلـى الـصَّـمْـتِ.
فِـي ذَاتِ الـلَّـحـظَـةِ... انْـفَـتَـحَ الـبـابُ الـكـبِـيـرُ الـمُـؤَدِّي إِلـى قـاعَـةِ الـمَـجْـلِـسِ وَخَـرَجَ أَحَـدُ مُـنـظِّـمِـي الـبِـلاطِ.
نَـظَـرَ فِـي الـغُـرْفَـةِ ثُـمَّ قـالَ
«أَصْـحـابُ الـمَـعـالِـي... ابْـدَأُوا الـدُّخُـولَ»
فَـنَـهَـضَ الـوُزَراءُ وَاحِـدًا تِـلْـوَ الآخَـرِ وَبَـعْـدَ أَنْ خَـرَجُـوا... الْـتَـفَـتَ الـرَّجُـلُ نَـحْـوَ نِـيـتـارا.
«الآنِـسَـةُ ڤـالِـيـراد... جَـلالَـةُ الإمْـبِـراطُـورِ يَـنْـتَـظِـرُكِ»
ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الـبـابِ لِيَـفْـتَـحَ لَـهـا الـطَّـرِيـقَ نَـحْـوَ قـاعَـةِ الـمَـجْـلِـسِ.
َتـقَـدَّمَـتْ نِـيـتـارا بِـخُـطـواتٍ هادِئَـةٍ نَـحْـوَ قـاعَـةِ الـمَـجْـلِـسِ، وَمَـا إِنْ عَـبَـرَتِ الـبـابَ الـعَـالِـيَ حَـتَّـى اسْـتَـقْـبَـلَـهـا اتِّـسـاعُ الـقـاعَـةِ الَّـتـي تَـعْـلُـو سَـقْـفَـهـا قِـبـابٌ مُـزَيَّـنَـةٌ بِـنُـقـوشِ الـنُّـسـورِ الإمْـبِـراطُـورِيَّـةِ.
كَـانَ الـوُزَراءُ وَأَعْـضـاءُ الـمَـجْـلِـسِ قَـدِ اتَّـخَـذُوا أَمـاكِـنَـهـم، وَاصْـطَـفَّ الـحُـرَّاسُ بِـجـانِـبِ الأَعْـمِـدَةِ دُونَ أَنْ يَـتَـحَـرَّكَ مِنْـهـم أَحَـدٌ، أَمَّـا فِـي مُـقَـدِّمَـةِ الـقـاعَـةِ فَـكَـانَ عَـرْشُ الإمْـبِـراطُـورِ يَـتَـرَبَّـعُ عَـلـى مَـنَـصَّـةٍ مُـرْتَـفِـعَـةٍ، وَإِلـى جـانِـبِـهِ مَـقْـعَـدٌ آخَـرُ لا يَـقِـلُّ فَـخـامَـةً، غَـيْـرَ أَنَّـهُ بَـقِـيَ خـالِـيًـا.
مَـا إِنْ وَقَـعَ بَـصَـرُ الإمْـبِـراطُـورِ أُورِيـان عَلَـيْـهـا، حَـتَّـى أَوْمَـأَ لَـهـا إِيـمـاءَةً خَـفِـيـفَـةً، ثُـمَّ قـالَ بِـنَـبْـرَةٍ هادِئَـةٍ سَـمِـعَـهـا كُـلُّ مَـنْ فِـي الـقـاعَـةِ
«تَـأَخَّـرْتِ دَقِـيـقَـتَـيْـنِ يـا آنِـسَـة ڤـالِـيـراد»
ارْتَـسَـمَـتْ عَـلـى شَـفَـتَـيْـهـا ابْـتِـسـامَـةٌ خَـفِـيـفَـةٌ وَأَجَـابَـت
«أَعْـتَـذِرُ يـا جَـلالَـةَ الإمْـبِـراطُـورِ»
أَشـارَ الإمْـبِـراطُـورُ بِـيَـدِهِ نَـحْـوَ الـمَـقْـعَـدِ الـفـارِغِ الـمُـجـاوِرِ لَـهُ.
«اجْـلِـسِـي.»
لَـمْ تَـتَـحَـرَّكْ نِـيـتـارا لِـلَّـحْـظَـةٍ، وَظَـلَّـتْ تَـنْـظُـرُ إِلـى الـمَـقْـعَـدِ تَـتَـأَكَّـدُ مِـن أَنَّـهـا سَـمِـعَـتْ جَـيِّـدًا، فَـذٰلِـكَ الـمَـقْـعَـدُ لَـمْ يَـجْـلِـسْ عَلَـيْـهِ أَحَـدٌ مُـنْـذُ سَـافَـرَ وَلِـيُّ الـعَـهـدِ ثـالـكـار قَـبْـلَ أكـثَـرِ مِـن خَـمْـسِ سَـنَـواتٍ، وَكَـانَ الـجَـمِـيـعُ يَـعْـرِفُ أَنَّـهُ خُـصِّـصَ لَـهُ وَحْـدَهُ وَيُـمـنَـعُ الاقـتِـرَابُ مِـنـهُ.
تَـبـادَلَ الـوُزَراءُ نَـظَـراتٍ سَـرِيـعَـةً، وَبَـدَأَ الـهـمْـسُ يَـسْـرِي بَـيْـنَـهـم قَـبْـلَ أَنْ يَـرْتَـفِـعَ صَـوْتُ أَحَـدِهـمْ.
«جَـلالَـةُ الإمْـبِـراطُـورِ... ذٰلِـكَ الـمَـقْـعَـدُ...»
لَـكِـنَّ الإمْـبِـراطُـورَ قـاطَـعَـهُ قَـبْـلَ أَنْ يُـكْـمِـلَ.
«أَعْـلَـمُ لِـمَـنْ خُـصِّـصَ»
سَـكَـتَ الـرَّجُـلُ فَـوْرًا.
تَـابَـعَ أُورِيـان بِـنَـفـسِ الـهـدوءِ
«وَأَعْـلَـمُ أَيْـضًـا أَنَّ صـاحِـبَـهُ لَـيْـسَ هُـنـا بَـعْـدُ، وَمَـا دَامَ الـمَـقْـعَـدُ فـارِغًـا... فَـلَـنْ أَدَعَ ضَـيْـفَـتِـي تَـقِـفُ طِـوالَ الاجْـتِـمـاعِ»
اسْـتَـقَـرَّتْ نِـيـتـارا فِـي مَـقْـعَـدِهـا، ومَـا إن فَـعَـلَـت حَـتَّـى خَـيَّـمَ صَـمْـتٌ قَـصِـيـرٌ عَـلـى أَرْجـاءِ الـقـاعَـةِ، لَـمْ يَـكُـنِ الـصَّـمْـتُ نـاتِـجًـا عَـنِ الاحْـتِـرامِ، بِـقَـدْرِ مَـا كـانَ نـاتِـجًـا عَـنْ مَـشـهَـدٍ لَـمْ يَـتَـوَقَّـعْـهُ أَحَـدٌ. فَـذٰلِـكَ الـمَـقْـعَـدُ كـانَ يُـعَـدُّ رَمْـزًا لِـوَلِـيِّ الـعَـهـدِ، وَمُـجَـرَّدُ أَنْ يَـجْـلِـسَ عَلَـيْـهِ شَـخْـصٌ آخَـرُ، وَلَـوْ لِـسـاعَـةٍ وَاحِـدَةٍ، كـانَ كـافِـيًـا لِـيُـثِـيـرَ الـهـمْـسَ فِـي الـبِـلاطِ شُـهُـورًا.
فَـتَـنَـحْـنَـحَ الـوَزِيـرُ فِـيـلِـيـب، وَكَـانَ رَجُـلًا يَـعْـرِفُـهُ أَعْـضـاءُ الـمَـجْـلِـسِ بِـصَـراحَـتِـهِ الَّـتـي تَـقْـتَـرِبُ أَحْـيـانًـا مِـنَ الـوَقـاحَـةِ، ثُـمَّ قـالَ وَهـوَ يُـعِـيـدُ تَـرْتِـيـبَ الأَوْراقِ أَمـامَـهُ
«جَـلالَـةَ الإمْـبِـراطُـورِ... قَـبْـلَ أَنْ نَـبْـدَأَ أَعْـمـالَ الـمَـجْـلِـسِ، لَـديَّ طَـلَـبٌ أَوَدُّ طَـرْحَـهُ»
أَشـارَ أُورِيـان بِـرَأْسِـهِ.
«تَـفَـضَّـل»
تَـبـادَلَ الـرَّجُـلُ نَـظْـرَةً سَـرِيـعَـةً مَـعَ اثْـنَـيْـنِ مِـنَ الـوُزَراءِ، ثُـمَّ تَـمـتَـمَ
«يَـتَـعَـلَّـقُ الأَمْـرُ بِـدِيـوانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ... وَبِـالأَخَـصِّ، بِـالآنِـسَـةِ نِـيـتـارا ڤـالِـيـراد»
لَـمْ يَـتَـحَـرَّكْ وَجْـهُ نِـيـتـارا، وَلَـمْ يَـبْـدُ عَلَـى الإمْـبِـراطُـورِ أَنَّـهُ اسْـتُـفِـزَّ.
«أَكْـمِـل»
قـالَ الـوَزِيـرُ بِـنَـبْـرَةٍ مَـقْـصُـودَةٍ
«أَرَى أَنَّ ذٰلِـكَ الـمَـنْـصِـبَ يَـجِـبُ أَنْ يُـعـادَ الـنَّـظَـرُ فِـيـهِ، فَـلَـيْـسَ مِـنَ الـمَـعْـقُـولِ أَنْ تَـعْـتَـمِـدَ الإمْـبِـراطُـورِيَّـةُ كُـلُّـهـا عَلَـى شَـخْـصٍ واحِـدٍ... خُـصُـوصًـا وَأَنَّـهُ لَـمْ يَـتَـلَـقَّ تَـعْـلِـيـمَـهُ فِـي أَكـادِيـمِـيَّـاتِ الـبِـلاطِ، وَلَـمْ يَـنْـتَـمِ إِلـى إِحْـدَى العائِـلاتِ الَّـتـي خَـدَمَـتِ الـعَـرْشَ قُـرونًـا»
لَـمْ يَـنْـظُـرْ إِلـى نِـيـتـارا مُـبـاشَـرَةً، لَـكِـنَّ كُـلَّ كَـلِـمَـةٍ كـانَـتْ مُـوَجَّـهَـةً إِلـيْـهـا.
فَـأَضـافَ وَهـوَ يُـقَـلِّـبُ وَرَقَـةً أَمـامَـهُ
«وَلَـدَيـنـا فِـي الإمْـبِـراطُـورِيَّـةِ كُـتَّـابٌ وَمُـتَـرْجِـمُـونَ كُـثُـرٌ، يَـمْـكِـنُ تَـوزِيـعُ الأَعْـمـالِ بَـيْـنَـهـم دُونَ أَنْ يَـبْـقَـى ذٰلِـكَ الـمَـنْـصِـبُ مُـحْـتَـكَرًا»
هَـذِهِ الـمَـرَّةَ... رَفَـعَـتْ نِـيـتـارا بَـصَـرَهـا نَـحْـوَهُ لَـكِـنَّـهَـا لَـمْ تَـقُـلْ شَـيْـئًـا وَلَـمْ تَـبْـدُ غـاضِـبَـةً، بَـلْ كـانَـتْ تَـنْـظُـرُ إِلـيْـهِ بِــهـدوءِ تَّـام.
تَـدَخَّـلَ وَزِيـرٌ آخَـرُ قـائِـلًا
«لَـسْـنـا نَـشُـكُّ فِـي كَـفـاءَتِـهـا... وَلٰـكِـنَّ الـدَّوْلَـةَ لا تُـبْـنَـى عَلَـى الأَفْـرادِ»
«وَلَـوْ مَـرِضَـتْ يَـومًـا؟»
«أَوْ اعْـتَـذَرَتْ عَـنِ الـعَـمَـلِ؟»
«أَوْ خَـطِـئَـتْ؟»
تَـوالَـتِ الأَصْـواتُ، وَ بَـدَا أَنَّ الـبـابَ الَّـذِي فُـتِـحَ لِـلْـكَـلامِ لَـمْ يَـعُـدْ يَـسْـهُـلُ إِغْـلاقُـهُ.
بَـقِـيَ الإِمـبـرَاطُـور يُـصْـغِـي إِلـيْـهِـم دُونَ أَنْ يُـقـاطِـعَ أَحَـدًا، وَكَـانَ يُـدِيـرُ خـاتَـمَـهُ الـذَّهَـبِـيَّ بِـإِبْـهـامِـهِ فِـي حَـرَكَـةٍ هادِئَـةٍ اعْـتـادَهـا كُـلُّ مَـنْ يَـعْـرِفُـهُ، لا يَـفْـعَـلُ ذٰلِـكَ إِلَّـا عِـنْـدَمـا يَـكُـونُ عَـلـى وَشْـكِ الـرَّدِّ.
تَـرَكَ الإمْـبِـراطُـورُ الـصَّـمْـتَ يَـمْـتَـدُّ ثَـوانِـيَ أُخْـرَى، ثُـمَّ أَرْخَـى الـخـاتَـمَ مِـنْ بَـيْـنِ أَصابِـعِـهِ، وَأَسْـنَـدَ ظَـهـرَهُ إِلـى الـعَـرْشِ دُونَ أَنْ يُـغـادِرَ وَجْـهَـهُ الـهـدوءُ.
أَجَـابَـهـم أَخِـيـرًا
«انْـتَـهـيْـتُـم؟»
تَـبـادَلَ الـوُزَراءُ نَـظَـراتٍ مُـتَـرَدِّدَةً، ثُـمَّ أَوْمَـأَ فِـيـلِـيـب قـائِـلًا
«هـذا كُـلُّ مـا لَـدي يـا جَـلالَـتَـك»
أَمْـسَـكَ الإمْـبِـراطُـورُ إِحْـدَى الـوَثـائِـقِ الْـمَـوْضُـوعَـةِ أَمـامَـهُ، وَقَـلَّـبَـهـا بِـبُـطْءٍ ثُـمَّ رَفَـعَ عَـيْـنَـيْـهِ نَـحْـوَهُـم.
«أُرِيـدُ أَنْ أَفْـهَـمَ شَـيْـئًـا»
لَـمْ يُـجِـبْ أَحَـدٌ.
«تَـقُـولُـونَ إِنَّ الإمْـبِـراطُـورِيَّـةَ لا يَـجِـبُ أَنْ تَـعْـتَـمِـدَ عَلَـى شَـخْـصٍ وَاحِـدٍ... أَلَـيْـسَ كَـذٰلِـكَ؟»
«نَـعَـمْ»
«إِذًا... مَـنْ مِـنْـكُـمْ يُـجِـيـدُ الـلُّـغَـةَ الـڤـيـرونِـيَّـةَ؟»
سَـكَـتَ الـجَـمِـيـعُ، انْـتَـقَـلَ بِـنَـظَـرِهِ إِلـى وَزِيـرٍ آخَـرَ.
«وَالـسِّـيـلانِـيَّـة؟»
لَـمْ يَـرْتَـفِـعْ صَـوْتٌ.
«وَلُـغَـةُ دُوقِـيَّـةِ أوسـتـار؟»
ظَـلَّ الـهـدوءُ يُـخَـيِّـمُ عَلَـى الـقـاعَـةِ، فَـأَغْـلَـقَ الإمْـبِـراطُـورُ الـمِـلَـفَّ بِـهـدوءٍ مَـع شِـبـه ابـتِـسَـامَـة.
«أَنْـتُـمْ تُـطـالِـبُـونَ بِـإِقـالَـةِ شَـخْـصٍ، لَـيْـسَ لِأَنَّـهُ أَخْـطَـأَ... بَـلْ لِأَنَّـهُ يَـقُـومُ بِـعَـمَـلٍ لا يَـسْـتَـطِـيـعُ أَحَـدٌ مِـنْـكُـمْ القِـيـامَ بِـهِ»
انْـخَـفَـضَـتْ أَبْـصـارُ بَـعْـضِ الـوُزَراءِ لَـكِـنَّ فِـيـلِـيـبَ لَـمْ يَـتْـرُكِ الـمَـوضُـوعَ.
«لَـمْ أَقُـلْ إِنَّـهـا غَـيْـرُ كُـفْءٍ... إِنَّـمـا أَقُـولُ إِنَّ الـمَـنْـصِـبَ يَـسْـتَـحِـقُّ شَـخْـصًـا مِـنْ أَصْـلٍ أَرْقَـى»
لَـمْ يَـتَـغَـيَّـرْ تَـعْـبِـيـرُ وَجْـهِ الإمْـبِـراطُـورِ.
«وَمَـا عَـلاقَـةُ الأَصْـلِ بِـتَـرْجَـمَـةِ الـلُّـغـاتِ؟»
لَـمْ يَـجِـدِ فِـيـلِـيـب جَـوابًـا فَـوْرِيًّـا فَـتـابَـعَ أُورِيـان:
«هَـلْ يَـتَـرْجِـمُ الـلَّـقَـبُ الـرِّسـائِـلَ؟ أَمْ تَـفْـعَـلُ ذٰلِـكَ الـمَـهـارَةُ؟»
لَـمْ يَـنْـطِـقْ أَحَـدهـم، اسْـتَـدَارَ الإمْـبِـراطُـورُ نَـحْـوَ نِـيـتـارا.
«آنِـسَـةُ ڤـالِـيـراد»
رَفَـعَـتْ بَـصَـرَهـا.
«نَـعَـمْ، يـا جَـلالَـتَـك»
«كُـمْ لُـغَـةً تَـسْـتَـطِـيـعِـيـنَ قِـراءَتَـهـا؟»
أَجـابَـتْ دُونَ تَـفـاخُـرٍ
«ثَـمـانِـيَ لُـغـاتٍ دِبْـلُـومـاسِـيَّـةً بِـطَـلاقَـةٍ... وَأَرْبَـعَ لُـغـاتٍ قَـدِيـمَـةً أَسْـتَـعِـيـنُ بِـهـا فِـي الـمَـخْـطُـوطـاتِ»
«وَمَـنْ عَلَّـمَـكِ؟»
لَـمْ يَـخْـفُ عَلَـى نِـيـتـارا مَـا يَـرْمِـي إِلـيْـهِ الـسُّـؤالُ.
فَـقـالَـتْ بِـهـدوءٍ
«وَالِـدِي... ثُـمَّ الـكُـتُـبُ»
أَوْمَـأَ الإمْـبِـراطُـورُ.
«هـذا يَـكْـفِـي.»
ثُـمَّ الْـتَـفَـتَ نَـحْـوَ أَعْـضـاءِ الـمَـجْـلِـسِ، وَقـالَ بِنَـبْـرَةٍ أَصْـبَـحَـتْ أَكْـثَـرَ حَـزْمًـا
«لَـنْ أُقِـيـلَ أَفْـضَـلَ مُـتَـرْجِـمَـةٍ فِـي الإمْـبِـراطُـورِيَّـةِ... لِـأُرْضِـيَ غُـرورَ بَـعْـضِ الـنُّـبـلاءِ.
إِنْ كـانَ لَـدَى أَحَـدٍ مِنْـكُـمْ مَـنْ يَـتَـفَـوَّقُ عَلَـيْـهـا، فَـلْـيُـحْـضِـرْهُ إِلَـيَّ غَـدًا.
وَإِلـى أَنْ يَـحْـدُثَ ذٰلِـكَ... أَعْـتَـبِـرُ هـذا الـنِّـقاشَ مُـنْـتَـهِـيًا.»
لَـمْ يَـكُـنْ فِـي صَـوتِـهِ غَـضَـبٌ... وَهـذا مَـا جَـعَـلَ الـرَّدَّ أَثْـقَـلَ وَقْـعًـا فَـلَـمْ يَـجْـرُؤْ أَحَـدٌ عَلَـى إِضـافَـةِ كَـلِـمَـةٍ، اِنْـفَـتَـحَـتْ أَبْـوابُ الـمَـجْـلِـسِ الـعَـظِـيـمَـةُ بِـبُـطْءٍ.
دَخَـلَ خـادِمٌ يَـحْـمِـلُ صِـنْـدوقًـا خَـشَـبِـيًّـا مُـغَـطًّـى بِـقُـمـاشٍ أَزْرَقَ مُـطَـرَّزٍ بِـشِـعـارِ الـخَـزِيـنَـةِ الإمْـبِـراطُـورِيَّـةِ... ثُـمَّ تَـقَـدَّمَ بِـهِ حَـتّـى وَضَـعَـهُ أَمـامَ الإمْـبِـراطُـورِ.
قـالَ بِـاحْـتِـرامٍ:
«جَـلالَـتَـكَ... هـذِهِ الـنُّـسَـخُ الـجَـدِيـدَةُ مِـنْ سِـجِـلَّاتِ الـضَّـرائِـبِ الـخـاصَّـةِ بِـالْـمُـقـاطَـعـاتِ الـجَـنُـوبِـيَّـةِ»
أَوْمَـأَ أُوريـان.
«ضَـعْـهـا هُـنـا»
بَـيْـنَـمـا كـانَ الـخـادِمُ يَـنْـسَـحِـبُ... تَـقَـدَّمَ وَزِيـرُ الـخَـزانَـةِ الـلُّـورْدُ رافِـيـن خُـطْـوَةً.
«إِذا أَذِنَ جَـلالَـتُـكَ... فَـهـنـاكَ أَمـرٌ آخَـرُ يَـحْـتـاجُ إِلـى مُـراجَـعَـةٍ»
رَفَـعَ الإمْـبِـراطُـورُ بَـصَـرَهُ.
«تَـكـلَّـم»
فَـتَـحَ الـرَّجُـلُ إِحْـدَى الـسِّـجِـلّاتِ.
«ازْدادَتِ الـنَّـفَـقـاتُ الـعَـسْـكـرِيَّـةُ خِـلالَ الـسَّـنَـواتِ الـخَـمْـسِ الـمـاضِـيَـةِ بِـشَـكْـلٍ واضِـحٍ... وَمَـعَ عَـوْدَةِ وَلِـيِّ الـعَـهـدِ... سَـتَـزْدادُ مَـرَّةً أُخْـرَى»
قـالَ أَحَـدُ الـوُزَراءِ:
«وَلٰـكِـنَّ ذٰلِـكَ ثَـمَـنُ الأَمْـنِ»
فَـرَدَّ رافِـيـن:
«لَـمْ أُعـارِضْ ذٰلِـكَ... إِنَّـمـا أَقُـولُ إِنَّ الـخَـزانَـةَ تَـحْـتـاجُ إِلـى إِعـادَةِ تَـوْزِيـعٍ»
بَـدَأَ الـنِّـقاشُ يَـتَـشَـعَّـبُ... وَانْـتَـقَـلَ مِـنَ الـضَّـرائِـبِ إِلـى الـمَـوانِـئِ... وَمِـنَ الـمَـوانِـئِ إِلـى الـطُّـرُقِ الـتِّـجـارِيَّـةِ... ثُـمَّ إِلـى تَـقـارِيـرِ الـحَـصـادِ فِـي الـمُـقـاطَـعـاتِ الـغَـرْبِـيَّـةِ.
لَـمْ تُـشـارِكْ نِـيـتـارا فِـي شَـيْءٍ مِـنْ ذٰلِـكَ وَاكْـتَـفَـتْ بِـالإِصْـغـاءِ.
كَـانَـتْ تَـتَـأمَّـلُ الـوُجـوهَ أَكْـثَـرَ مِـنْ الـكـلِـمـاتِ.
هُـنـاكَ مَـنْ يَـتَـحَـدَّثُ وَهـوَ يَـنْـظُـرُ إِلـى الإمْـبِـراطُـورِ فَـقَـط... وَهُـنـاكَ مَـنْ يَـراقِـبُ رُدودَ فِـعْـلِ الـبـاقِـيـنَ قَـبْـلَ أَنْ يُـبـدِيَ رَأْيَـهُ... وَهُـنـاكَ مَـنْ يُـوافِـقُ كُـلَّ مَـنْ يَـتَـكـلَّـمُ أَيًّـا كـانَ قَـولُـهُ.
أَمَّـا الإمْـبِـراطُـورُ... فَـكـانَ يَـتْـرُكُ الـجَـمِـيـعَ يَـتَـحَـدَّثُ... ثُـمَّ يَـقْـطَـعُ الـنِّـقاشَ بِـجُـمْـلَـةٍ واحِـدَةٍ تَـحْـسِـمُ الأَمْـرَ.
وَبَـعْـدَ أَكْـثَـرَ مِـنْ سـاعَـةٍ... دَخَـلَ أَحَـدُ الـحُـرَّاسِ وَانْـحَـنَـى.
«جَـلالَـتَـكَ... وَصَـلَـتْ دُفْـعَـةٌ جَـدِيـدَةٌ مِـنَ الـمُـراسَـلاتِ الـواردةِ مِـنَ الـمَـرافِـئِ»
الْـتَـفَـتَ أُوريـانُ نَـحْـوَ نِـيـتـارا.
«آنِـسَـةُ ڤـالِـيـراد...»
وَقَـفَـتْ فَـورًا.
«نَـعَـم جَـلالَـتَـكَ»
«سَـتُـراجِـعِـيـنَـهـا هـنـا... فَـإنْ وَجَـدْتِ مـا يَـحْـتـاجُ إِلـى قِـراءَةٍ فَـورِيَّـةٍ... فَـأَعْـلِـمِـيـنـا»
أَوْمَـأَتْ نِـيـتـارا إِيـمـاءَةً خَـفِـيـفَـةً، ثُـمَّ سَـحَـبَـتْ أَقْـرَبَ الـمُـراسَـلاتِ إِلَـيْـهـا، فَـكَّـتِ الـخَـتْـمَ بِـهـدوءٍ وَبَـدَأَتْ تَـقْـرَأُ.
أَمَّـا فِـي الـجـانِـبِ الآخَـرِ مِـنَ الـقـاعَـةِ، فَـلَـمْ يَـكُـنِ الـنِّـقـاشُ قَـدِ انْـتَـهـى، بَـلْ عـادَ وَزِيـرُ الـخَـزانَـةِ يَـقْـلِـبُ أَحَـدَ الـسِّـجِـلّاتِ أَمـامَـهُ، ثُـمَّ قـالَ
«إِنَّ الـوارداتِ الـقـادِمَـةَ مِـنَ الـمُـقـاطَـعـاتِ الـشَّـرْقِـيَّـةِ لَـمْ تَـبْـلُـغْ مـا كـانَ مُـتَـوَقَّـعًـا، وَإِنِ اسْـتَـمَـرَّ هـذا الـتَّـراجُـعُ، فَـسَـنَـكُـونُ مُـضْـطَـرِّينَ إِلـى إِعـادَةِ الـنَّـظَـرِ فِـي خُـطَّـةِ الإِنْـفـاقِ»
أَجـابَـهُ وَزِيـرُ الـتِّـجـارَةِ وَهـوَ يُـقَـلِّـبُ وَرَقَـةً أَمـامَـهُ
«لَـيْـسَ الـتَّـراجُـعُ فِـي الـوارداتِ، بَـلْ فِـي سُـرْعَـةِ وُصُـولِـهـا، فَـالـمَـرافِـئُ الـجَـنُـوبِـيَّـةُ تَـشْـهَـدُ ازْدِحـامًـا مُـنْـذُ أَسـابِـيـعَ، وَهـذا أَخَّـرَ عِـدَّةَ شُـحْـنـاتٍ»
بَـقِـيَ أُورِيـانُ يُـصْـغِـي إِلـيْـهِـم دُونَ أَنْ يُـعَـلِّـقَ، وَانْـتَـهـتْ نِـيـتـارا مِـنَ الـرِّسـالَـةِ الأُولـى وَوَضَـعَـتْـهـا إِلـى جـانِـبِـهـا، ثُـمَّ فَـتَـحَـتِ الـثَّـانِـيَـةَ، وَمـا إِنْ وَقَـعَ بَـصَـرُهـا عَـلـى أَوَّلِ أَسْـطُـرِهـا حَـتَّـى تَـغَـيَّـرَ إِيـقـاعُ حَـرَكَـةِ أَصابِـعِـهـا قَـلِـيـلًا، فَـلَـمْ تُـقَـلِّـبِ الـصَّـفْـحَـةَ كَـمـا فَـعَـلَـتْ مَـعَ سـابِـقَـتِـهـا، بَـلْ أَعـادَتْ قِـراءَةَ الـفِـقْـرَةِ مَـرَّةً ثـانِـيَـةً، ثُـمَّ انْـتَـقَـلَـتْ إِلـى آخِـرِ الـرِّسـالَـةِ، وَتَـأَمَّـلَـتِ الـخَـتْـمَ الـمَـذْبُـوعَ فِـي أَسْـفَـلِـهـا.
لَـمْ يَـخْـفَ ذٰلِـكَ عَـلـى الإمْـبِـراطُـورِ، فَـرَفَـعَ بَـصَـرَهُ نَـحْـوَهـا وَأَردَفَ بِـهـدوءٍ
«هـلْ وَجَـدْتِ مـا يَـسْـتَـحِـقُّ الـعَـرْضَ؟»
رَفَـعَـتْ نِـيـتـارا عَـيْـنَـيْـهـا عَـنِ الـوَرَقَـةِ، ثُـمَّ أَجـابَـت
«لَا أَسْـتَـطِـيـعُ الـحُـكْـمَ بَـعْـدُ يـا جَـلالَـتَـكَ، وَلٰـكِـنَّ هُـنـاكَ شَـيْـئًـا يَـحْـتـاجُ إِلـى الـمُـراجَـعَـةِ»
«مـا هـوَ؟»
أَعـادَتْ نَـظَـرَهـا إِلـى الـرِّسـالَـةِ قَـبْـلَ أَنْ تُـجِـيـبَ.
«هـذِهِ الـمُـراسَـلَـةُ وَارِدَةٌ مِـنْ مِـرْفَـإِ إِلـڤـار، وَقَـدْ أُرْفِـقَـتْ بِـهـا نُـسْـخَـتـانِ، إِحْـداهُـمـا بِـاللُّـغَـةِ الإمْـبِـراطُـورِيَّـةِ، وَالأُخْـرَى بِـاللُّـغَـةِ الـڤـيـرونِـيَّـةِ، وَلَـيْـسَـتـا مُـتَـطـابِـقَـتَـيْـنِ»
تَـوَقَّـفَ وَزِيـرُ الـتِّـجـارَةِ عَـنِ الـحَـدِيـثِ، وَالْـتَـفَـتَ نَـحْـوَهـا، فَـقـالَ
«أَتَـقْـصِـدِيـنَ خَـطَـأً فِـي الـتَّـرْجَـمَـةِ؟»
هَـزَّتْ رَأْسَـهـا بِـالـنَّـفْـي.
«لَوْ كـانَ خَـطَـأً فِـي الـتَّـرْجَـمَـةِ لَـظَـهَـرَ فِـي الـتَّـعـابِـيـرِ أَوِ الـمُـصْـطَـلَـحـاتِ، أَمَّـا هـنـا فَـالـمَـعْـنَـى نَـفْـسُـهُ قَـدْ تَـغَـيَّـرَ»
سَـادَ الـهـدوءُ فِـي الـقـاعَـةِ، وَبَـدَأَـتِ الأَنْـظـارُ تَـتَـنَـقَّـلُ بـيـنَ الـرِّسـالَـةِ وَوَجْـهِ نِـيـتـارا، فِـي حِـيـنِ مَـدَّ أُورِيـانُ يَـدَهُ نَـحْـوَ الـوَرَقَـةِ وَقـالَ
«أَعْـطِـيـنِـي إِيَّـاهـا»
مَدَّتْ نِـيـتـارا الـوَرَقَـةَ نَـحْـوَ الإمْـبِـراطُـورِ، فَـتَـنـاوَلَـهـا أُورِيـانُ وَأَلْـقـى عَلَـيْـهـا نَـظْـرَةً سَـرِيـعَـةً قَـبْـلَ أَنْ يَـعُـودَ بِـهـا إِلـى مَـكَـانِـهـا.
«أَيْـنَ الاخْـتِـلافُ؟»
أَشـارَتْ نِـيـتـارا إِلـى سَـطْـرٍ فِـي وَسَـطِ الـصَّـفْـحَـةِ، وَقـالَـتْ بِـنَـبْـرَةٍ هادِئَـةٍ
«الـنَّـصُّ الإمْـبِـراطُـورِيُّ يَـذْكُـرُ أَنَّ الـشُّـحْـنَـةَ غـادَرَتْ بَـعْـدَ اكْـتِـمـالِ الـجَـرْدِ، أَمَّـا الـنُّـسْـخَـةُ الـڤـيـرونِـيَّـةُ فَـتُـشِـيـرُ إِلـى أَنَّ الـجَـرْدَ سَـيُـسْـتَـكْـمَـلُ عِـنْـدَ الـوُصُـولِ»
عَـقَـدَ وَزِيـرُ الـخَـزانَـةِ حـاجِـبَـيْـهِ.
«وَمـا الـفَـرْقُ؟»
الْـتَـفَـتَـتْ نِـيـتـارا نَـحْـوَهُ.
«الـفَـرْقُ أَنَّ إِحْـدَى الـنُّـسْـخَـتَـيْـنِ تُـؤَكِّـدُ أَنَّ الـبِـضـاعَـةَ غـادَرَتْ بَـعْـدَ تَـسْـجِـيـلِـهـا، وَالأُخْـرَى تَـتْـرُكُ بـابَ الإِضـافَـةِ مَـفْـتُـوحًـا حَـتَّـى وَصُـولِـهـا. وَإِنْ وُجِـدَ اخْـتِـلافٌ فِـي الـعَـدَدِ بَـعْـدَ ذٰلِـكَ، فَـلَـنْ يُـعْـرَفَ أَيْـنَ وَقَـعَ»
لَـمْ يُـعَـقِّـبِ الـرَّجُـلُ، وَاكْـتَـفَـى بِـإِلْـقـاءِ نَـظْـرَةٍ سَـرِيـعَـةٍ نَـحْـوَ وَزِيـرِ الـتِّـجـارَةِ، الَّـذِي مَـدَّ يَـدَهُ يَـسْـتَـأْذِنُ فِـي أَخْـذِ الـوَرَقَـةِ، فَـدَفَـعَـهـا أُورِيـانُ إِلَـيْـهِ دُونَ كَـلامٍ.
قَـلَّـبَ الـرَّجُـلُ الـرِّسـالَـةَ أَكْـثَـرَ مِـنْ مَـرَّةٍ، ثُـمَّ رَفَـعَ رَأْسَـهُ قـائِـلًا
«لَـمْ أَنْـتَـبِـهْ إِلـى هـذا»
فَـأَجـابَـتْ نِـيـتـارا بِـبَـساطَـةٍ
«لِأَنَّـهُ لَـيْـسَ خَـطَـأً لُـغَـوِيًّـا، بَـلْ اخْـتِـلافٌ فِـي الـمَـعْـنَـى»
بَـقِـيَ أُورِيـانُ يُـراقِـبُ وُجُـوهَ الـحاضِـرِيـنَ لَـحْـظـةً، ثُـمَّ أردَف
«أَرْسِـلُـوا نُـسْـخَـةً إِلـى دِيـوانِ الـمَـرافِـئِ، وَلْـيُـطْـلَـبْ تَـوْضِـيـحٌ قَـبْـلَ أَنْ تُـعْـتَـمَـدَ الـسِّـجِـلّات»
«أَمْـرُكَ يـا جَـلالَـتَـكَ»
⸻
لَـمْ يَـمْـضِ سِـوى قَـلِـيـلٍ مِـنَ الـوَقْـتِ، حَـتّـى انْـفَـتَـحَ بـابُ الـمَـجْـلِـسِ، وَدَخَـلَ أَحَـدُ مُـنَـظِّـمِـي الـبِـلاطِ بِـخُـطُـواتٍ سَـرِيـعَـةٍ، وَانْـحَـنَـى أَمَـامَ الإمْـبِـراطُـورِ.
«جَـلالَـتَـكَ»
رَفَـعَ أُورِيـانُ بَـصَـرَهُ ولَـمْ يَـحْـتَـجِ الـرَّجُـلُ إِلـى إِكْـمـالِ الـكـلامِ، فَـقَـدْ فَـهِـمَ الـجَـمِـيـعُ الـمَـعـنَـى.
«وَلِـيُّ الـعَـهـدِ وَصَـلَ إِلـى الـبـوابَـةِ الـخـارِجِـيَّـةِ»
لَـمْ يَـقُـلْ أَحَـدٌ شَـيْـئًا، بَـل نَـهَـضَ الـمَـجْـلِـسَ كُـلّـه فِـي الـلَّـحْـظَـةِ نَـفْـسِـهـا.
كَـانَ هَـذا مِـنْ قَـوانِـيـنِ أَفـرونـيـا الَّـتـي لَا تُـكْـتَـبُ فِـي الـمَـراسِـيـمِ، وَلٰـكِـنْ يَـعْـرِفُـهـا كُـلُّ مَـنْ خَـدَمَ الـعَـرْشَ، فَـعِـنْـدَ عَـوْدَةِ كـايـلـور بَـعْـدَ حَـمْـلَـةٍ طَـوِيـلَـةٍ، يَـخْـرُجُ الـقَـصْـرُ كُـلُّـهُ لِـاسْـتِـقْـبَـالِـهِ.
لَا يُـسْـتَـثْـنَـى وَزِيـرٌ.
وَلَا نَـبِـيـلٌ.
وَلَا حَـتَّـى الإمْـبِـراطُـورُ نَـفْـسُـهُ.
خَـرَجَ الـجَـمِـيـعُ نَـحْـوَ الـسَّـاحَـةِ الـعَـظِـيـمَـةِ أَمَـامَ الـقَـصْـرِ، وَمَـا إِنْ فُـتِـحَـتِ الأَبْـوَابُ، حـتَّـى أُطْـفِـئَـتْ جَـمِـيـعُ الـمَـشـاعِـلِ الـذَّهَـبِـيَّـةِ الَّـتِـي تُـضِـيءُ الـمَـدْخَـلَ وَغَـرِقَـتْ سـاحَـةُ الـقَـصْـرِ فِـي هُـدُوءٍ وَظَـلَامٍ دَامِـس.
فَـفِـي تَـقـالِـيـدِ أَفـرونـيـا:
"لَا يُـشْـعَـلُ الـنُّـورُ لِـمَـنْ عَـادَ، قَـبْـلَ أَنْ يَـضَـعَ قَـدَمَـهُ فِـي أَرْضِـهِ."
وَقَـفَ الإمْـبِـراطُـورُ أُورِيـانُ فِـي مُـقَـدِّمَـةِ الـجَـمِـيـعِ، ولِـلـمَـرَّةِ الأُولَـى مُـنْـذُ سَـنَـواتٍ، لَـمْ يَـكُـنْ أَحَـدٌ يَـنْـظُـرُ إِلـى الـعَـرْشِ، كَـانَـتْ كُـلُّ الـعُـيُـونِ مُـتَـجِـهَـةً نَـحْـوَ الـطَّـرِيـقِ الـمُـؤَدِّي إِلـى الـبـوابَـةِ.
بَـعْـدَ لَـحَـظـاتٍ مِـنَ الـصَّـمْـتِ، ظَـهَـرَ أَوَّلُ فَـارِسٍ عَـلَـى الـطَّـرِيـقِ، ثُـمَّ آخَـرُ، ثُـمَّ صَـفٌّ كَـامِـلٌ مِـنْ فُـرْسـانِ الـحَـرَسِ الـمَلَـكِـيِّ.
يَـتَـوَسَّـطُـهـم هُـو...
الـكَـايـلـور؛
وَرِيـثُ الـعَـرش، وَولِـيُّ الـعَـهـد، الأَمـيـر... ثَـالـكَـار وِيـنـدسُـور.
⸻
سَـارَ ثَـالْـكَـارُ بَـيْـنَ صُـفُـوفِ فُـرْسَـانِـهِ بِـخُـطًـى ثَـابِـتَـةٍ، وَلَـمْ يَـحْـتَـجْ إِلَـى أَنْ يَـأْمُـرَ أَحَـدًا بِـإِفْـسَـاحِ الـطَّـرِيـقِ. كُـلَّـمَـا اقْـتَـرَبَ، تَـرَاجَـعَ الـجُـنُـودُ خُـطْـوَةً، وَانْـفَـتَـحَ الـمَـمَـرُّ أَمَـامَـهُ.
كَـانَ يَـرْتَـدِي زِيَّ الـجَـيْـشِ الإِمْـبِـرَاطُـورِيِّ دُونَ أَيِّ زِيـنَـةٍ تُـمَـيِّـزُهُ عَـنْ سِـوَى رُتْـبَـتِـهِ، وَاسْـتَـقَـرَّ سَـيْـفُـهُ إِلَـى جَـانِـبِـهِ كَـمَـا اعْـتَـادَ الـجَـمِـيـعُ أَنْ يَـرَوْهُ، لَـمْ يَـتَـغَـيَّـرْ فِـي نَـظَـرِ مَـنْ عَـرَفُـوهُ قَـبْـلَ سَـنَـوَاتِ الـحُـرُوبِ.
مَـا إِنْ بَـلَـغَ الـسَّـاحَـةَ الْـأُولَـى أَمَـامَ الـقَـصْـرِ، حَـتَّـى تَـوَقَّـفَـتِ الـخُـيُـولُ فِـي انْـتِـظَـامٍ، وَاصْـطَـفَّ فُـرْسَـانُ الـحِـرَاسَـةِ عَـلَـى جَـانِـبَـيِ الـمَـمَـرِّ.
كَـانَـتْ نِـيـتَـارَا تَـقِـفُ بَـيْـنَ كُـتَّـابِ الـدِّيـوَانِ، تُـرَاقِـبُ مَـا يَـجْـرِي بِـصَـمْـتٍ. مُـنْـذُ تَـوَظَّـفَـتْ فِـي الـقَـصْـرِ، لَـمْ تَـشْـهَـدْ عَـوْدَةَ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ، وَلَـمْ تَـرَ قَـطُّ أَهْـلَ الـبِـلَاطِ يَـتْـرُكُـونَ أَعْـمَـالَـهُـمْ وَيَـخْـرُجُـونَ جَـمِـيـعًـا إِلَـى الـسَّـاحَـةِ. حَـتَّـى مَـوْرِيـسُ، الَّـذِي لَـمْ يَـكُـنْ يَـغَـادِرُ مَـكْـتَـبَـهُ إِلَّـا لِـلـضَّـرُورَةِ، وَقَـفَ الـيَـوْمَ مَـعَ بَـاقِـي الـمُـوَظَّـفِـيـنَ، وَعَـلَـى وَجْـهِـهِ جِـدٌّ لَـمْ تَـعْـهَـدْهُ مِـنْ قَـبْـلُ.
أَدْرَكَـتْ أَنَّ مَـا يَـجْـرِي طَـقْـسًـا إِمْـبِـرَاطُـورِيًّـا قَـدِيـمًـا. وَقَـبْـلَ أَنْ تَـسْـأَلَ أَحَـدًا عَـنْ مَـعْـنَـاهُ، رَأَتْ الإِمْـبِـرَاطُـورَ أُورِيـانَ يَـتَـقَـدَّمُ بِـنَـفْـسِـهِ نَـحْـوَ ابْـنِـهِ، فَـعَـرَفَـتْ أَنَّ أَوَّلَ مَـنْ يَـسْـتَـقْـبِـلُ كَـايْـلُـورَ أَفْـرُونِـيَـا... هُـوَ الـعَـرْشُ نَـفْـسُـهُ.
تَـرَجَّـلَ ثَـالْـكَـارُ عَـنْ فَـرَسِـهِ، وَخَـطَـا نَـحْـوَ أُورِيـانَ حَـتَّـى تَـوَقَّـفَ أَمَـامَـهُ. ثُـمَّ وَضَـعَ يَـدَهُ الـيُـمْـنَـى عَـلَـى قَـلْـبِـهِ، وَأَمَـالَ رَأْسَـهُ بِـقَـدْرٍ يَـفِـي بِـالتَّـحِـيَّـةِ.
«أَعُـودُ إِلَـى خِـدْمَـةِ الـعَـرْشِ... يَـا جَـلَالَـةَ الإِمْـبِـرَاطُـورِ»
بَـقِـيَ أُورِيـانُ يُـحَـدِّقُ فِـيـهِ لَـحْـظَـةً قَـصِـيـرَةً، ثُـمَّ رَفَـعَ يَـدَهُ وَوَضَـعَـهَـا عَـلَـى قَـلْـبِـهِ بِـالـطَّـرِيـقَـةِ نَـفْـسِـهَـا.
تَـبَـادَلَ عِـدَّةُ حَـاضِـرِيـنَ نَـظَـرَاتٍ سَـرِيـعَـةً. فَـلَـمْ يَـكُـنْ مِـنَ الـمَـأْلُـوفِ أَنْ يُـؤَدِّيَ الإِمْـبِـرَاطُـورُ هَـذِهِ الـتَّـحِـيَّـةَ إِلَّـا فِـي مَـوَاقِـفَ مَـحْـدُودَةٍ.
«عُـدْتَ... يَـا ثَـالْـكَـار»
أَجَـابَـهُ بِـهُـدُوءٍ
«لَـمْ أَتَـأَخَّـرْ إِلَّـا بِـقَـدْرِ مَـا كَـانَ يَـجِـب»
اِكْـتَـفَـى أُورِيـانُ بِـإِيـمَـاءَةٍ خَـفِـيـفَـةٍ، ثُـمَّ اسْـتَـدَارَ نَـحْـوَ الـحَـاضِـرِيـنَ، وَأَعْـلَـنَ بِـصَـوْتٍ بَـلَـغَ أَقْـصَـى الـسَّاحَـةِ
"كَـايـلُـورُ أَفْـرُونِـيَـا... عَـادَ إِلَـى الْـقَـصْـرِ»
فَـانْـحَـنَـى كُـلُّ مَـنْ فِـي الـسَّـاحَـةِ دُفـعَـةً وَاحـدَةً
لَـمْ يُـضِـفْ ثَـالْـكَـارُ شَـيْـئًـا، وَاكْـتَـفَـى بِـإِيـمَـاءَةٍ مُـقْـتَـضَـبَـةٍ قَـبْـلَ أَنْ يَـسِـيـرَ إِلَـى جَـانِـبِ الإِمْـبِـرَاطُـورِ نَـحْـوَ مَـدْخَـلِ الـقَـصْـرِ.
تَـبِـعَـتْـهُـمُ الأَنْـظَـارُ حَـتَّـى غَـابَـا خَـلْـفَ الأَبْـوَابِ الـعَـالِـيَـةِ، وَعِـنْـدَهَـا فَـقَـطْ بَـدَأَ الـحَـاضِـرُونَ يَـتَـفَـرَّقُـونَ.
بَـقِـيَـتْ نِـيـتَـارَا فِـي مَـكَـانِـهَـا لَـحْـظَـةً، تُـتَـابِـعُ الـسَّـاحَـةَ الـتِـي اسْـتَـعَـادَتْ هُـدُوءَهَـا تَـدْرِيـجِـيًّـا. لَـمْ يَـكُـنْ مَـا شَـغَـلَـهَـا شَـخْـصَ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ، فَـهـو فِـي نَـظَـرِهَـا لَـمْ يَـكُـنْ أَكْـثَـرَ مِـنِ ابْـنِ الإِمْـبِـرَاطُـورِ الَّـذِي تَـحْـمِـلُ عَـائِـلَـتُـهُ دَمَ وَالِـدِهَـا.
غَـيْـرَ أَنَّ الـطَّـقُـوسَ الَّـتِـي شَـهِـدَتْـهَـا لَـلْـمَـرَّةِ الأُولَـى أَثَـارَتْ فِـي ذِهْـنِـهَـا أَسْـئِـلَـةً كَـثِـيـرَةً، كَـمْ مِـنَ الـتَّـقَـالِـيـدِ الـتِـي يَـحْـتَـفِـظُ بِـهَـا هَـذَا الـقَـصْـرُ دُونَ أَنْ يَـعْـلَـمَ بِـهَـا مَـنْ يَـعْـمَـلُ فِـيـهِ كُـلَّ يَـوْمٍ؟
بَـيْـنَـمَـا كَـانَ مَـوْرِيـسُ يَـسْـتَـدِيـرُ نَـحْـوَ الـدِّيـوَانِ، الْـتَـفَـتَ إِلَـى نِـيـتَـارَا فَـوَجَـدَهَـا لَـا تَـزَالُ تُـطَـالِـعُ الـبَـابَ الْـمُـغْـلَـقَ.
«لَـا تُـضَـيِّـعِ وَقْـتَـكِ فِـي الـتَّـحْـدِيـقِ،»
عَـقَّـبَ بِـنَـبْـرَةٍ هَـادِئَـةٍ.
«فَـالْـيَـوْمُ أَطْـوَلُ مِـمَّـا تَـظُـنِّـيـنَ.»
حَـوَّلَـتْ نِـيـتَـارَا نَـظَـرَهَـا إِلَـيْـهِ، ثُـمَّ سَـأَلَـتْ
«هَـلْ يَـخْـرُجُ الْـقَـصْـرُ بِـأَكْـمَـلِـهِ فِـي كُـلِّ مَـرَّةٍ يَـعُـودُ فِـيـهَـا وَلِـيُّ الْـعَـهْـدِ؟»
أَوْمَـأَ مَـوْرِيـسُ إِيـمَـاءَةً خَـفِـيـفَـةً.
«إِذَا كَـانَ عَـائِـدًا مِـنْ حَـمْـلَـةٍ عَـسْـكَـرِيَّـةٍ... نَـعَـمْ»
تَـابَـعَ الـسَّـيْـرَ دُونَ أَنْ يَـتَـوَقَّـفَ، ثُـمَّ أَضَـافَ
«هَـذَا الـتَّـقْـلِـيـدُ أَقْـدَمُ مِـنْ أُورِيـانَ نَـفْـسِـهِ. مُـنْـذُ قِـيَـامِ أَفْـرُونِـيَـا، يَـكُـونُ الْـعَـرْشُ أَوَّلَ مَـنْ يَـسْـتَـقْـبِـلُ كَـايْـلُـورَهُ عِـنْـدَ عَـوْدَتِـهِ»
لَـمْ تُـعَـلِّـقْ نِـيـتَـارَا، وَاكْـتَـفَـتْ بِـالْـإِصْـغَـاءِ.
⸻
عَـادَ الـهُـدُوءُ إِلَـى دِيـوَانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ مَـا إِنِ انْـتَـهَـتْ مَـرَاسِـمُ الاسْـتِـقْـبَـالِ، غَـيْـرَ أَنَّ الْـهُـدُوءَ لَـمْ يَـدُمْ طَـوِيـلًـا. فَـمَـعَ عَـوْدَةِ وَلِـيِّ الْـعَـهْـدِ، انْـفَـتَـحَـتْ عَـلَـى الـدِّيـوَانِ عَـشَـرَاتُ الْـمُـرَاسَـلَـاتِ الـمُـؤَجَّـلَـةِ، وَامْـتَـلَـأَتِ الـمَـكَـاتِـبُ بِـالـلَّـفَـائِـفِ الْـمَـخْـتُـومَـةِ وَالـتَّـقَـارِيـرِ الـقَـادِمَـةِ مِـنْ مُـخْـتَـلِـفِ أَرْجَـاءِ أَفْـرُونِـيَـا.
لَـمْ يَـكَـدْ يَـمُـرُّ قَـدْرُ دَقِـيـقَـتَـيْـنِ عَـلَـى جُـلُـوسِ نِـيـتَـارَا، حَـتَّـى وَضَـعَ مَـوْرِيـسُ لَـفَّـافَـةً مُـغْـلَـقَـةً أَمَـامَـهَـا.
«هَـذِهِ أَوْلَـوِيَّـةٌ»
رَفَـعَـتْ عَـيْـنَـيْـهَـا إِلَـيْـهِ.
فَـأَرْدَفَ
«رِسَـالَـةٌ مِـنْ مَـكْـتَـبِ وَزِيـرِ الـخَـارِجِـيَّـةِ، سَـتُـرْسَـلُ إِلَـى الْـوَزِيـرِ الـأَوَّلِ فِـي دُوقِـيَّـةِ إِيـلْـدَار»
أَوْمَـأَتْ بِـهُـدُوءٍ، ثُـمَّ فَـضَّـتِ الـخَـتْـمَ، وَشَـرَعَـتْ تَـقْـرَأُ الـنَّـصَّ بِـتَـرْكِـيـزٍ.
وَمَـا إِنْ فَـرَغَـتْ، حَـتَّـى أَعَـادَتْ قِـرَاءَتَـهَـا مَـرَّتَـيْـنِ، ثُـمَّ وَقَّـعَـتْ فِـي أَسْـفَـلِـهَـا بِـخَـتْـمِ دِيـوَانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ، وَأَعَـادَتْ طَـيَّهَـا بِـعِـنَـايَـةٍ، ثُـمَّ وَضَـعَـتْـهَـا دَاخِـلَ غِـلَافِـهَـا.
تَـقَـدَّمَ أَحَـدُ الـخَـدَمِ، فَـسَـلَّـمَـتْـهُ الـرِّسَـالَـةَ.
«إِلَـى مَـكْـتَـبِ الـوَزِيـرِ الْـأَوَّلِ... لَـا تَـتَـأَخَّـرْ»
أَخَـذَهَـا بِـانْـحِـنَـاءَةٍ خَـفِـيـفَـةٍ.
«حَـاضِـرٌ يَـا آنِـسَـةُ نِـيـتَـارَا»
غَـادَرَ مُـسْـرِعًـا، وَلَـمْ تُـعِـرْهُ اهْـتِـمَـامًـا بَـعْـدَ ذَلِـكَ. فَـقَـدْ انْـتَـهَـتْ مُـهِـمَّـتُـهَـا عِـنْـدَ تَـسْـلِـيـمِ الـرِّسَـالَـةِ.
⸻
فِـي الـجِـهَـةِ الأُخْـرَى مِـنَ الـقَـصْـرِ، كَـانَ خَـادِمٌ آخَـرُ يَـخْـرُجُ مِـنْ مَـكْـتَـبِ رَئِـيـسِ الـمُـرَافِـقِـيـنَ، يَـحْـمِـلُ لَـفَّـافَـةً مُـخْـتُـومَـةً بِـشِـعَـارِ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ، مُـوَجَّـهَـةً إِلَـى جَـنَـاحِ ثَـالْـكَـارِ.
وَعِـنْـدَ مُـلْـتَـقَـى الـمَـمَـرَّيْـنِ، تَـوَقَّـفَ الـخَـادِمَـانِ لِـلَـحْـظَـةٍ، وَتَـبَـادَلَـا بَـعْـضَ الـكَلِـمَـاتِ، قَـبْـلَ أَنْ يَـمُـرَّ بِـجَـانِـبِـهِـمَـا أَحَـدُ قَـادَةِ الـحَـرَسِ مُـسْـرِعًـا.
ارْتَـبَـكَ أَحَـدُ الـخَـدَمِ، وَاخْـتَـلَـطَـتِ الـلَّـفَّـافَـتَـانِ بَـيْـنَ يَـدَيْـهِ.
لَـمْ يَـنْـتَـبِـهْ، فَـاِلْـتَـقَـطَ إِحْـدَاهُـمَـا، وَأَكْـمَـلَ طَـرِيـقَـهُ، وَكَـانَ ذَلِـكَ كَـافِـيًـا، فَـالرِّسَـالَـةُ الَّـتِـي كَـانَ يَـجِـبُ أَنْ تَـصِـلَ إِلَـى الـوَزِيـرِ الْـأَوَّلِ...كَـانَـتْ فِـي طَـرِيـقِـهَـا إِلَـى جَـنَـاحِ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ.
⸻
دَخَـلَ ثَـالْـكَـارُ جَـنَـاحَـهُ بَـعْـدَ أَنْ انْـتَـهَـى اجْـتِـمَـاعُـهُ الأَوَّلُ مَـعَ أُورِيـانَ وَأَعْـضَـاءِ مَـجْـلِـسِ الـحُـكْـمِ، لَـمْ يَـكُـنْ الـجَـنَـاحُ قَـدْ تَـغَـيَّـرَ كَـثِـيـرًا مُـنْـذُ غَـادَرَهُ.
تَـقَـدَّمَ أَحَـدُ الـخَـدَمِ، وَانْـحَـنَـى بِـاحْـتِـرَامٍ.
« سُـمُـوّكَ، وَصَـلَـتْ إِلَـيْـكَ هَـذِهِ الـرِّسَـالَـةُ قَـبْـلَ قَـلِـيـلٍ»
تَـنَـاوَلَ ثَـالْـكَـارُ الـلَّـفَّـافَـةَ دُونَ تَـعْـلِـيـقٍ، وَقَـبْـلَ أَنْ يَـفُـضَّ خَـتْـمَـهَـا، وَقَـعَـتْ عَـيْـنَـاهُ عَـلَـى الـعُـنْـوَانِ، لَـمْ يَـكُـنِ اسْـمُـهُ مَـكْـتُـوبًـا.
انْـعَـقَـدَ حَـاجِـبُـهُ لِـلَـحْـظَـةٍ، ثُـمَّ فَـضَّ الـخَـتْـمَ، وَأَخَـذَ يُـطَـالِـعُ مَـا دَاخِـلَـهَـا، مَـرَّتْ ثَـوَانٍ قَـلِـيـلَـةٌ قَـبْـلَ أَنْ يُـغْـلِـقَ الـرِّسَـالَـةَ مَـرَّةً أُخْـرَى.
لَـمْ تَـكُـنْ الـرِّسَـالَـةَ مُـوَجَّـهَـةً إِلَـيْـهِ بَـلْ إِلَـى أَحَـدِ الـسِّـيَـاسِـيِّـيـنَ فِـي الإِمْـبِـرَاطُـورِيَّـةِ، وَلَـوْلَـا أَنَّـهُ فَـضَّ الـخَـتْـمَ بِـنَـفْـسِـهِ، لَـظَـنَّ أَنَّ الـخَـادِمَ أَخْـطَـأَ فِـي الـتَّـسْـلِـيـمِ فَـحَـسْـبُ.
أَعَـادَ نَـظَـرَهُ إِلَـى آخِـرِ الـرِّسَـالَـةِ وَتَـوَقَّـفَ عِـنْـدَ الـخَـتْـمِ الـمُـثْـبَـتِ أَسْـفَـلَـهَـا.
"دِيـوَانُ الـتَّـرْجَـمَـةِ الإمْـبِـرَاطُـورِيِّ"
لَـمْ يَـضَـعِ الـرِّسَـالَـةَ جَـانِـبًـا، بَـلْ رَفَـعَـهَـا مَـرَّةً أُخْـرَى، وَأَعَـادَ قِـرَاءَةَ بَـعْـضِ سُـطُـورِهَـا بِـتَـأَنٍّ، أَثْـنَـاءَ ذَلِـكَ دَخَـلَ رَئِـيـسُ مُـرَافِـقِـيـهِ.
«هَـلْ هُـنَـاكَ شَـيْءٌ سَـيِّـدِي؟»
أَغْـلَـقَ ثَـالْـكَـارُ الـرِّسَـالَـةَ، ثُـمَّ وَضَـعَـهَـا عَـلَـى الـمَـكْـتَـبِ.
«هـذِهِ لَـيْـسَـتْ لِـي»
تَـقَـدَّمَ الـرَّجُـلُ، وَأَلْـقَـى نَـظْـرَةً سَـرِيـعَـةً عَـلَـى الـغِـلَافِ، فَـسُـرْعَـانَ مَـا شَـحَـبَ وَجْـهُـهُ.
«يَـبْـدُو أَنَّ خَـطَـأً وَقَـعَ فِـي تَـوْزِيـعِ الـمُـرَاسَـلَـاتِ، أَعـتَـذِر بالـنِّـيَـابَـةِ عَـنـهُـم سُمُـوَّكَ»
لَـمْ يُـجِـبْـهُ ثَـالْـكَـارُ، سَـأَلَـهُ بِـهُـدُوءٍ
«مَـنْ صَـاحِـبُ هَـذَا الـخَـتْـمِ؟»
أَلْـقَـى الـرَّجُـلُ نَـظْـرَةً أُخْـرَى عَـلَـى أَسْـفَـلِ الـرِّسَـالَـةِ.
«دِيـوَانُ الـتَّـرْجَـمَـةِ سَـ...»
«أَعْـرِفُ ذَلِـكَ، أُرِيـدُ اسْـمَ الـمُـتَـرْجِـمِ»
انْـحَـنَـى الـرَّجُـلُ فِـي ارتِـبَـاك
«سَـأَعُـودُ حَـالًـا سَـيِّـدِي»
غَـادَرَ الـجَـنَـاحَ بِـخُـطًـى مُـسْـرِعَـةٍ، وَبَـقِـيَ ثَـالْـكَـارُ وَحْـدَهُ.
لَـمْ يَـبْـدُ عَـلَـيْـهِ انْـزِعَـاجٌ، وَلَـمْ يَـكُـنْ الـخَـطَـأُ فِـي حَـدِّ ذَاتِـهِ مَـا يَـسْـتَـحِـقُّ كُـلَّ هَـذَا الاهْـتِـمَـامِ مِـنـه لَـكِـنَّ شَـيْـئًـا آخَـرَ اسْـتَـوْقَـفَـهُ.
كَـانَ أَسْـلُـوبُ صِـيَـاغَـةِ الـرِّسَـالَـةِ، لَـمْ تَـكُـنْ تَـرْجَـمَـةً حَـرْفِـيَّـةً، وَلَـا تَـعْـبِـيـرًا مُـتَـكَلَّـفًـا يَـسْـعَـى إِلَـى تَـجْـمِـيـلِ الـكَلَامِ، فَـهُـو يُـتـقِـنُ الـلُّـغَـة سِـرّا، كَـانَـتْ مُـبَـاشِـرَةً وَدَقِـيـقَـةً، وَهَـذَا مَـا لَـفَـتَ انْـتِـبَـاهَـهُ.
لَـمْ تَـمْـضِ سِـوَى دَقَـائِـقَ قَـلِـيـلَـةٍ حَـتَّـى عَـادَ رَئِـيـسُ مُـرَافِـقِـي ثَـالْـكَـارَ إِلَـى الـجَـنَـاحِ، وَمَـعَـهُ الـمَـعْـلُـومَـاتُ الـتِـي طَـلَـبَـهَـا.
تَـوَقَّـفَ أَمَـامَ الـمَـكْـتَـبِ وَانْـحَـنَـى قَـلِـيلًا.
«اسْـمُ الـمُـتَـرْجِـمَـةِ نِـيـتَـارَا ڤَـالِـيـرَاد، سَـيِّـدِي. هِـيَ أَحَـدُ أَعْـضَـاءِ دِيـوَانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ، وَالـمُـتَـرْجِـمَـةُ الـوَحِـيـدَةُ لِـلـمُـرَاسَـلَـاتِ الـدِّبْـلُـومَـاسِـيَّـةِ فِـي الـدِّيـوَانِ»
لَـمْ يَـتَـغَـيَّـرْ وَجْـهُ ثَـالْـكَـارِ، إِلَّا أَنَّ اسْـمَـهَـا بَـقِـيَ لَـحْـظَـةً فِـي ذِهْـنِـهِ.
ڤَـالِـيـرَاد.
لَـمْ يَـكُـنِ الاسْـمُ غَـرِيـبًـا عَـلَـى أَحَـدٍ فِـي الـقَـصْـرِ، فَـعَـائِـلَـةُ ڤَـالِـيـرَاد كَـانَـتْ مِـنَ الـعَـائِـلَـاتِ الـمَـعْـرُوفَـةِ فِـي أَفْـرُونِـيَـا.
لَـكِـنَّهُ لَـمْ يُـعَـلِّـقْ عَـلَـى الأَمـرِ.
أَشَـارَ إِلَـى الـرِّسَـالَـةِ فَـقَـطْ.
«أَحْـضِـرْهَـا»
تَـرَدَّدَ الـرَّجُـلُ قَـلِـيلًا.
«الـمُـتَـرْجِـمَـة؟»
رَفَـعَ ثَـالْـكَـارُ نَـظَـرَهُ إِلَـيْـهِ فَـلَـمْ يَـحْـتَـجْ إِلَـى أَنْ يُـكـرِّرَ أَمْـرَهُ.
«أَمـرُكَ سَـيِّـدِي»
⸻
فِـي دِيـوَانِ الـتَّـرْجَـمَـةِ، كَـانَـتْ نِـيـتَـارَا تُـرَاجِـعُ بَـعْـضَ الـمُـرَاسَـلَـاتِ الـقَـدِيـمَـةِ عِـنْـدَمَـا تَـوَقَّـفَ أَمَـامَ مَـكْـتَـبِـهَـا أَحَـدُ حُـرَّاسِ الـقَـصْـرِ.
رَفَـعَـتْ نَـظَـرَهَـا إِلَـيْـهِ.
«نِـيـتَـارَا ڤَـالِـيـرَاد؟»
«نَـعَـم؟»
«وَلِـيُّ الـعَـهْـدِ يَـطْـلُـبُ حُـضُـورَكِ إِلَـى مَـكـتَـبــهِ»
بَـقِـيَـتْ صَـامِـتَـةً لَـثَـوَانٍ فَـهِـيَ لَـمْ تَـكُـنْ تَـتَـوَقَّـعُ ذَلِـكَ.
الأمِـيـر ثَـالْـكَـارُ؟
أَغْـلَـقَـتْ الـمَـلَـفَّ الـذِي أَمَـامَـهَـا وَنَـهَـضَـتْ.
«هَـلْ ذَكَـرَ سَـبَـبَ اسْـتِـدْعَـائِـي؟»
هَـزَّ الـحَـارِسُ رَأْسَـهُ.
«لَا»
لَـمْ تَـسْـأَلْ أَكْـثَـرَ، أَخَـذَتْ مَـعَـهَـا نُـسْـخَـةَ الـرِّسَـالَـةِ الَّـتِـي كَـانَـتْ قَـدْ كَـتَـبَـتْـهَـا، ثُـمَّ تَـبِـعَـتْـهُ نَـحْـوَ جَـنَـاحِ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ.
⸻
عَـنْـدَ الـبَـابِ الـعَـالِـي، تَـوَقَّـفَ الـحَـارِسُ وَطَـرَقَ مَـرَّةً وَاحِـدَةً.
جَـاءَ صَـوْتُ ثَـالْـكَـارِ مِـنَ الـدَّاخِـلِ.
«ادْخُـل»
دَخَـلَـتْ نِـيـتَـارَا الـجَـنَـاحَ بَـعْـدَ أَنْ سَـمَـحَ لَـهَـا الـحَـارِسُ بِـالـدُّخُـولِ، لَـمْ تَـكُـنْ تَـعْـرِفُ سَـبَـبَ اسْـتِـدْعَـائِـهَـا، وَلَـمْ تُـرِدْ أَنْ تَـضَـعَ احْـتِـمَـالَـاتٍ قَـبْـلَ أَنْ تَـعْـرِفَ الـحَـقِـيـقَـةَ.
تَـقَـدَّمَـتْ بِـخُـطَـوَاتٍ هَـادِئَـةٍ، ثُـمَّ تَـوَقَّـفَـتْ أَمَـامَ الـمَـكْـتَـبِ، كَـانَ ثَـالْـكَـارُ يَـنْـظُـرُ إِلَـى الـرِّسَـالَـةِ الـمَـوْضُـوعَـةِ أَمَـامَـهُ.
لَـمْ يَـرْفَـعْ عَـيْـنَـيْـهِ فَـوْرًا، بَـلْ قَـلَّـبَ الـصَّـفْـحَـةَ الأَخِـيـرَةَ، ثُـمَّ أَردَفَ
«أَنْـتِ نِـيـتَـارَا ڤَـالِـيـرَاد؟»
«نَـعَـمْ، يَـا سَـمُـوَّ الـوَلِـيِّ»
أَغْـلَـقَ الـرِّسَـالَـةَ وَوَضَـعَـهَـا أَمَـامَـهُ.
«هَـذِهِ كَـانَـتْ مُـوَجَّـهَـةً إِلَـى شَـخْـصٍ آخَـر»
أَوْمَـأَتْ.
«أَعْـلَـمُ»
رَفَـعَ نَـظَـرَهُ إِلَـيْـهَـا.
«وَلَـمْ يَـبْـدُ عَـلَـيْـكِ الـقَـلَـقُ»
«لِـأَنَّ الـخَـطَـأَ لَـمْ يَـكُـنْ فِـي الـمَـحْـتَـوى، يَـا سَـمُـوَّ الـوَلِـيِّ. لَـوْ كَـانَ كَـذَلِـكَ، لَـكَـانَ الـقَـلَـقُ فِـي مَـكَـانِـهِ»
بَـقِـيَ يَـنْـظُـرُ إِلَـيْـهَـا لَـحْـظَـةً، فَـقَـد كَـانَـتْ إِجَـابَـةً مَـدْرُوسَـةً وَلَـيْـسَـتْ مُـدَافَـعَـةً عَـنِ الـنَّـفْـسِ.
«تَـبْـدُو الـمُـتَـرْجِـمَـاتُ فِـي الـدِّيـوَانِ أَكْـثَـرَ ثِـقَـةً مِـمَّـا تَـوَقَّـعْـت»
لَـمْ تَـعْـرِفْ هَـلْ كَـانَـتْ جُـمْـلَـتُـهُ مَـدْحًـا أَمْ اخْـتِـبَـارًا.
«الثِّـقَـةُ فِـي هَـذَا الـعَـمَـلِ لَـيْـسَـتْ اخْـتِـيَـارًا، يَـا سَـمُـوَّ الـوَلِـيِّ. فَـالـخَـطَـأُ فِـي كَـلِـمَـةٍ وَاحِـدَةٍ قَـدْ يُـفْـهَـمُ بِـطَـرِيـقَـةٍ تَـخْـتَـلِـفُ عَـنْ مَـقْـصِـدِ صَـاحِـبِـهَـا»
مَـالَ ثَـالْـكَـارُ قَـلِـيلًا نَـحْـوَ الـكُـرْسِـيِّ.
«إِذًا أَنْـتِ يَـا آنِـسَـة تَـرَيْـنَ أَنَّ الـمُـتَـرْجِـمَ لَـيْـسَ مُـجَـرَّدَ نَـاقِـلٍ لِـلـكَلِـمَـاتِ»
«لَـوْ كَـانَ كَـذَلِـكَ، لَـكَـانَـتِ الآلَاتُ أَفْـضَـلَ مِـنَّـا فِـي هَـذَا الـعَـمَـلِ»
لَـمْ يَـظْـهَـرْ عَـلَـى وَجْـهِـهِ شَـيْءٌ، لَـكِـنْ عَـيْـنَـيْـهِ تَـغَـيَّـرَتَـا قَـلِـيلًا، لَـمْ يَـكُـنْ مُـعْـتَـادًا أَنْ يَـجِـدَ مَـنْ يُـجِـيـبُـهُ بِـهَـذَا الـهـُـدُوءِ.
«تَـتَـحَـدَّثِـي كَـأَنَّـكِ نَـسَـيـتِ أَنَّـكِ أَمَـامَ وَلِـيِّ الـعَـهْـدِ»
أَدْرَكَـتْ نِـيـتَـارَا أَنَّـهُ يَـدْفَـعُ الـحَـدِيـثَ إِلَـى مَـكَـانٍ آخَـرَ.
فَـأَجَـابَـتْ بَـعْـدَ لَـحْـظَـةٍ
«لَـمْ أَنْـسَ ذَلِـكَ يَـا سَـمُـوَّ الـوَلِـيِّ، وَلَـكِـنَّـنِـي ظَـنَـنْـتُ أَنَّ الـسُّـؤَالَ كَـانَ عَـنْ الـرِّسَـالَـةِ، وَلَـيْـسَ عَـنْ مَـنْ أَنَـا أَمَـامَـهُ»
لَـمْ يَـجِـبْ ثَـالْـكَـارُ فَـوْرًا لَـوْ كَـانَ شَـخْـصًا آخَـرَ لَـرَأَى فِـي كَـلَامِـهَـا تَـجَـاوُزًا... أَمَّـا هُـوَ، فَـكَـانَ يَـرَى أَنَّـهَـا تَـقُـولُ مَـا تَـقْـصِـدُهُ فَـقَـطْ.
وَرُبَّـمَـا كَـانَ هَـذَا... مَـا أَثَـارَ فُـضُـولَـهُ نَـحـوَهَـا.
قَـالَ بِـهُـدُوءٍ
«أَنْـتِ لَـا تَـخَـافِـيـنَ كَـثِـيـرًا.»
لَـمْ تَـأْخُـذْ الـجُـمْـلَـةَ كَـإِطْـرَاءٍ فَـأَجَـابَـتـهُ.
«أَخَـافُ مِـنَ الأَخْـطَـاءِ الَّـتِـي أَسْـتَـطِـيـعُ تَـجَـنُّـبَـهَـا، أَمَّـا الـخَـوْفُ مِـنْ مَـنْـصِـبٍ فَـقَـطْ، فَـلَـنْ يُـحَـسِّـنَ عَـمَـلِـي»
أَخَـذَ الـرِّسَـالَـةَ وَوَضَـعَـهَـا جَـانِـبًا.
«يَـمْـكِـنُـكِ الـذَّهَـابُ يَـا آنِـسَـة.»
نَـظَـرَتْ إِلَـيْـهِ لَـحْـظَـةً، ثُـمَّ انْـحَـنَـتْ انْـحِـنَـاءَةً خَـفِـيـفَـةً وَغَـادَرَتْ دُونَ أَن تَـلـتَـفِـت وَرَائـهَـا.
وَبَـعْـدَ أَنْ أُغْـلِـقَ الـبَـابُ، بَـقِـيَ ثَـالْـكَـارُ يَـنْـظُـرُ إِلَـى الـمَـكَـانِ الَّـذِي كَـانَـتْ تَـقِـفُ فِـيـهِ، لَـمْ يَـعـتَـاد أَنْ يَـجِـدَ شَـخْـصًا يُـجِـيـبُـهُ بِـهَـذِهِ الـطَّـرِيـقَـةِ.
وَلَـمْ يَـكُـنْ مِـن شِـيَـمِـهِ أَيـضًـا أَنْ يَـرْغَـبَ فِـي مَـعْـرِفَـةِ مَـا سَـيَـقُـولُـهُ ذَلِـكَ الـشَّـخْـصُ فِـي الـمَـرَّةِ الـقَـادِمَـةِ.
•
•
•
•
•
•
أهـلاً أهـلاً... 🩶
وأخيرًا... وصل هذا الفصل إلى أيديكم بعد ساعات طويلة من الكتابة، التعديل، وإعادة ترتيب الكثير من التفاصيل.
أعتذر كثيرا منكم على التأخير، لم يكن لدي انترنيت للواتباد لهذا تأخر الفصل.
بالمناسبة حبيت أخبركم أنني غيّرت بوستر الرواية بناءً على نتيجة التصويت في الإنستغرام أغلبكم اختار التصميم الجديد، لذلك قررت اعتماده رسميًا لـ Ink of the Crown .
دعمكم في هذه المرحلة يعني لي الكثير جدًا؛ التصويت (Vote) والتعليقات بين السطور تصنع فرقًا كبيرًا 🩶
إذا وجدتم أي أخطاء في الفصل، سواء إملائية أو غيرها، سأقوم بتعديلها لاحقًا .
أسئلة الفصل:
١. ما رأيكم في أول ظهور لثالكار؟ وهل كان كما توقعتم أم مختلفًا؟
٢. ما هو انطباعكم الأول عن العلاقة بين نيتارا وثالكار؟
٣. هل تعتقدون أن ثالكار كان يستفز نيتارا فعلًا أم أنه كان يحاول فهم شخصيتها فقط؟
٤. برأيكم... هل نيتارا أخطأت عندما سمحت لنفسها بالرد بهذه الطريقة على ولي العهد؟
٥. ما أكثر شخصية أو مشهد لفت انتباهكم في هذا الفصل؟
٦. هل لديكم أي توقعات لما سيحدث بعد خطأ الرسالة؟
خطتنا القادمة:
كما تعلمون، تفاعلكم هو أكبر دافع لي للاستمرار و هو من سيحدد موعد الفصل القادم. التصويت والتعليقات على الفصول تساعدني كثيرًا، لذلك شاركوني آراءكم وتوقعاتكم، وسأحاول دائمًا أن أقدم لكم فصولًا تستحق الانتظار.
حسابي على إنستغرام:
eliranyth
(ستجدون هناك جماليات الرواية، التصاميم، الكواليس، وأي تحديثات خاصة بـ Ink of the Crown)
للترويج : ارجوا فقط الإشارة إلى حسابي الرسمي @ .
•
•
•
•
•
•
دمتم بخير، موعدنا في الفصل القادم.
• إلـيـرا ✍🏻
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!