'عملتان لوجه واحد الفصل الأول'

"عملتان لوجه واحد الفصل الأول"
جاثٍ على ركبتيه، لا يأبه بالدماء التي تسيل من وجهه، كان فقط يصغي بكل حواسه للذي يُحدّثه عبر الهاتف بصوت جهور «لم أُرِد أن تتلطخ يداي بدمائك، ولن آمر رجالي بقتلك؛ أنت ستفعل»
زحف نظره نحو الرجل الممسك بالهاتف، قوي البنية ولا فرصة لمواجهته، طأطأ رأسه باستسلام ثم زفر بقوة وعنف «أخبرتك أنني لم ولن أخُنك طوال حياتي فلمَ تسعى لإنهائها؟ لدي أطفال لا أُرِد لهم اليُتم في سن مبكرة، تعرف أنني لن أخبر أحد عما رأيت أقسم لك»
انطلقت ضحكة ساخرة من الشخص المجهول «ليس لديك خيار.. ستمُت على كل حال، وإن حاولت الهرب أو فعل أي شيء ساذج ستدفع عائلتك الثمن، على كلٍ سيغادر رجالي بعد دقائق من الآن، وأنت ستجوب في الغرفة باحثاً عن شيء تركته خصيصاً لك، ما إن تجده ستعي ما عليك فعله»
انتهت المكالمة، ثم غادر الرجال جميعهم، وما إن أحكموا غلق الباب خلفهم حتى نهض بيأس وبحث في الغرفة بأكملها حتى عثر على السلاح، أدرك حينها ما عليه فعله.
على بُعد خطوات من المبنى المهجور صدح صوت السلاح الناري فأخبر الرجال رئيسهم أن المهمة قد انتهت، ألقى أوامره وأنهى المكالمة بينما باشر الرجال عملهم
في الوقت ذاته جلست إيمان على طاولة الطعام بجانب أبنائها بينما كان القلق ينهش قلبها، انتبهت من شرودها على صوت أصغرهم عندما قال بنعاس« متى سيأتي أبي؟ لقد تضورنا جوعاً»
كانت الأم تقاوم شعور سيء بداخلها ولكن عندما تحدث صغيرها وعبّر عن سأمه من تأخر والده ارتعدت أطرافها لكنها هتفت بثبات مصطنع« إذاً إذهب وراقب من الشرفة وأخبرني عند مجيء سيارة والدك»
هنا ركض الصغار كلهم نحو الشرفة بينما كانت الأم تنفض الأفكار السيئة عن رأسها
زفرت الأم بضيق محاولة التخلص من الثقل الذي يقبع على قلبها لكنها لم تستطع، كادت أن تنغمس في أفكارها ثانيةً لولا أن هتف الصغير ببهجة« ها هي سيارة أبي» ثم أخذ يركض نحو الدرج ليستقبل والده أولهم
تعالت قهقهات والدتهم ثم قالت بارتياح موجهةً نظرها نحو ابنها الأكبر الذي كان يسير ببطء نحو طاولة الطعام« اذهب واستقبل والدك برفقة اخوتك عزيزي، سأُعد العشاء»
دلفت الأم إلى غرفة الطعام، كانت تحاول أن تنهي العشاء بأسرع ما يمكنها، يجول في خاطرها الكثير من التساؤلات، تتوق إلى اللحظة التي ستجلس فيها برفقة زوجها ويخبرها بكل شيء وعدها بأنه سيخبرها به حين عودته
سقط إبريق الماء من يدها حينما سمعت صوت صرخة قوية من أكبر أبنائها منادياً إياها، صوته متحشرج باكٍ، على الرغم من أن شقتها تقبع في الطابق الثالث إلا أنها سمعته، ابنها لا يصيح هكذا سوى حينما يحدث شيء
جحظت عيناها بقوة ثم هرعت نحو الباب بكل ما أوتيت من سرعة لكي تتفقد ما الذي جرى
دوت إنذارات سيارة الشرطة وسيارة الإسعاف، أعين الأطفال معلقة بالسيارة وبالجثة الهامدة بداخلها، يرتعدون من هول الأمر،
داخل السيارة... كان والدهم جالسا، ورأسه ينزف في صمت!
اختلطت الأصوات، صراخ، همسات ودعاء خافت، وبعضهم يحدق دون إبداء ردة فعل من هول الأمر
أما هي.. فكانت تتقدم نحوه ببطء، تحجرت الدموع في مقلتيها، توقفت أمام السيارة حدقت بالجسد طويلاً، لم تستطع الإقتراب، هل الجثة الهامدة أمامها تعود لزوجها؟! لقد حدثها عبر الهاتف عند الظهيرة، كان يلهث وهو يطلب منها حزم أمتعتهم للذهاب لمكان ما تجهله حتى الآن! كان صوته مرتعد كأنه يخشى حدوث شيء ما ربما هذا ما كان يخشاه! وقد كان
اقترب منها الضابط وقال بنبرة هادئة «عظّم الله أجركِ»
وجّهت بصرها نحوه ببطء، وما إن تداركت الأمر حتى جثت على ركبتيها، ومال جسدها حتى لامست جبهتها الأرض، خرجت منها شهقة مكتومة، رحل زوجها وإلى الأبد هكذا دون وداع
تعالت شهقاتها عندما تذكرت كلماته منذ أيام عندما هتفت بدلال «عدني بأن لا نفترق أبداً»
همس بالقرب من أذنها «حتى الموت لن يفرقنا»
تعالت ضحكاتها بمرح وقالت «إذاً إن مات أحدنا سيلحق به الآخر خلال يوم لا أكثر»
ضحك هو الأخر وضمها إلى صدره ومسح على رأسها بحنان وهمس «أحبكِ»
أعادتها من شرودها يد صغيرها الباردة المرتجفة وهو يحاول أن يختبيء بين ذراعيها، كان قلبها ينتفض مع شهقات أبنائها، ماذا حدث ولمَ؟ جميع سكان الحي يرددون بأنهم رأوا سلاح في يده أي أنه قتل نفسه! إذاً فهذا إنتحار! منهم من يؤكد هذا الحديث ومنهم من ينفي كل ذلك فـ" فؤاد" شخص مؤمن لن يفعل شيء كهذا أبداً
تم نقل جثمان "فؤاد" إلى سيارة الإسعاف فنهضت الأم مقتربة من السيارة وقبل أن تصعد أوقفها صوت الضابط منادياً «سيدة إيمان، انتظري»
نظرت إليه وهي بالكاد يمكنها فتح عينيها من الألم، ضمت حاجبيها بتعجب فاسترسل بقوله «يجب أن نصعد لمنزل السيد "فؤاد" هذه إجراءات هامة، بعد الإنتهاء يمكنكِ توديع زوجكِ»
صعدت إيمان برفقة أبنائها وبعض رجال الشرطة، منذ دخول الضابط لاحظ حقائب السفر، هرول نظره نحوها وتسائل «هل كنتِ تنوين الرحيل؟!»
زفرت بقوة وهتفت بصوت يكسوه الضعف «كان يلهث بقوة، فقط قال احزمي كل ما تحتاجينه من أغراض هامة لنا وللأطفال، حاولت أن أسأله عما يجري لكنه..»
احتقن صوتها لكنها أكملت ببكاء «وعدني بأنه سيخبرني بكل شيء حينما يعود»
أومأ الضابط برأسه ثم نظر نحو باب موصد وقال بعدما هتف أحد الضباط بأنهم لم يجدوا شيء «تم تفتيش الشقة بأكملها، لكن ماذا عن تلك الغرفة؟ لمَ هي موصدة؟»
أخرجت تنهيدة بنفاذ صبر وقالت «كان فؤاد يظل بداخلها الكثير من الوقت، كلما تسائلت عما يفعل بالداخل أجابني أن هذه خصوصية ويضع بالداخل أشياء هامة تخص العمل، لم يسمح لي حتى بتنظيفها، كان يقول أنه يريد كل شيء كما تركه»
رفع الضابط حاجبه وقال بعدم تصديق «ألم يصيبكِ الفضول حيال هذه الغرفة؟»
حركت رأسها بالنفي فتابع بقوله «قليل جداً من الأزواج يتركون غرفة مغلقة دون أدنى محاولة لمعرفة ما بداخلها»
على الرغم من الحزن الذي يكسوها لكنها تمالكت نفسها وقالت باستهزاء «إذاً فزوجي حظي بزوجه تحترم خصوصيته، ليس جميع الرجال محظوظين مثله»
فهم الضابط ما ترمي إليه إيمان فقال بنبرة متهكمة «للأسف الشرطة أحياناً تنتهك خصوصية بعض الأشخاص كالزوجات السيئات، هل يمكنكِ جلب مفتاح لهذه الغرفة أم نحطم بابها؟»
لم يكن أمامها سوى أن تخضع لقوله حتى تتمكن من رؤية زوجها قبل أن يلقى مثواه الأخير
بعد قليل كانوا جميعاً داخل الغرفة عدا الأطفال وبرفقتهم اثنين من رجال الشرطة
بحثوا في كل ركن في الغرفة حتى صارت الفوضى تعمها، كان الضابط جالس على المكتب ممسكا ببعض الأوراق التي كانت داخل الأدراج التي حطم أقفالها وأخرج كل ما بداخلها، تفقد المكتب فلفت نظره أحد الأدراج الذي ما زال مقفل، فقام بتحطيم القفل وأخذ يُخرِج ما بداخله
ضم الضابط حاجبيه حينما وجد بطاقة إثبات شخصية تحمل صورة فؤاد لكن الإسم المدون يختلف تماماً! تحسس الدرج إلى آخره، توقف لبرهة ثم أخرج هوية أخرى! إسم مختلف! وأخرى! ثم جوازا سفر!
أسماء متعددة... ووجهٌ واحد!
ظل الضابط محدقاً بالهويات المبعثرة أمامه لثوانٍ، وكأنه يحاول إستيعاب ما يراه
رفع إحدى البطاقات ببطء، ثم التفت نحو إيمان «أين كان يعمل زوجكِ سيدة إيمان؟»
أجابته دون أن تنظر إليه «في مصنع تعبئة وتغليف للمواد الغذائية في البلدة المجاورة»
طوى الضابط إحدى البطاقات بين أصابعه ثم قال «كم كان راتبه؟»
ضمت حاجبيها وقالت «ما الذي تتحدث عنه بالضبط؟ لمَ كل هذه الأسئلة التي بِت لا أفهم ما الذي ترمي إليه تحديداً؟ أليس من المفترض أن تبحث عمن فعل ذلك بزوجي فؤاد؟»
نهض الضابط واقترب منها ببطء وقال بصوت خافض «تجهلين الكثير عن زوجكِ.. أو عمّن كان يدّعي ذلك»
5 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.