توُطِئة
عِندمَا دَاهَمَ مَكتَبُ التَحِقيقَاتِ الفِيدرَالِي أستُودِيوُ دِلارا يَازدَانِي لثَالِثَ مرَةٍ هذَا الشَهر كانَتْ جَالِسَةٌ بهدوُءٍ أثنَاء مَا تُرَمِمُ آناءً صِينيًا عَتيقًا مِن عَهدِ الأسَرةِ مِينغ.
حتىَ أنهَا كانَت تُهَمهِمُ لحَنًا مَا تحتَ أنفاسهَا فِيمَا تَنفِضُ الغُبارَ عَن هَذهِ التُحَفةِ التَارِيخيَة النَفِيسَة، وعلىَ الرَغمِ مِن أنَ ذهنهَا كانَ مُنشَغِلٌ قليلًا بمَا يَعجُ فِي مَرسمهَا خارِجًا مِن فَوضىَ، يَدِيهَا كانتَا تعملَانِ بعنايةٍ وإتقان كمَا لَو وضِعَتَا علىَ نِظَامِ التَحريكِ الآلِي، حَيثُ كانَت مسحَاتُ فُرشَاتِهَا ثَابِتَةٌ، رَشيِقَةٌ وَخَفِيفَةٌ كَحركَةِ الريشِ حِينَ يتسَاقَطُ مِنَ السمَاءِ بنعُومَه.
هدوءُ أعصابِهَا هذَا كانَ يرَجعُ لسَببٍ وَاحِدٍ فقَط، وهوَ حَقيقةُ أنَ كلُ مَا يَحدثُ الآنَ كانَ يُعَدُ روُتِينًا لهَا.
بقَدرِ مَا تَكرهُ الإعترافَ بهَذهِ الحَقِيقَة هِىَ كانَت معتادَةٌ بشَدةٍ علىَ الطَريِقَةِ التِي تَتحوَل فِيهَا جَنتهَا مِن ملَاذٍ إبدَاعِي إلىَ ساحَةٍ فوضوِيَة فِي غضُونِ بضعِ لحظَاتٍ قَصٍيرَة.
إن خرجَت مِن مكتِبهَا هِىَ مُستَعِدَةٌ للمُراهَنَة بثَروتهَا علىَ أنهَا سَتجِدُ إعصَارًا ضارِيًا هبَ وعصفَ بهِم، فَمعَ تعَالِي هُتافَاتِ أُولئِكَ الفِيدرَاليِين المعَاتِيَة كانَ بإمكَانهَا إلقَاءَ نظرةً شمُوليَة افتراضيّة علىَ مَا يَحدُث خارجًا.
مِن مَوضِعهَا فِي الطَابقِ الثَانِي كانَت تسَمعُ بالفعِل رطمَاتٍ مُتتاِليَة إنْ دلَت علىَ شَيءٍ فسَتدُل علىَ وقوُعِ صنَاديقِ مُستلزمَاتِهَا وحاجيَاتِهَا أرضًا بفعِل أيَادٍ عَنِيفَة، كمَا تبينَت أيضًا ضَجِيجُ تَهشُمِ تمَاثِيلهَا الفخاريَة ورُبمَا حتىَ الزُجاجيَة مِن علىَ أرفُفهِم العَالِيَة، ولَا يَنتهِي الأمرُ هُنَا بَل تُدهَس هَذهِ القِطَع الصَغِيرَة وتتناثَر مُتعِلقَه فِي أحذَيةِ العُملَاءِ ذَاتِ الكعُوبِ السَمِيكَة.
كانَت تَحفظُ تفَاصِيلُ هَذهِ المِجزرَة عَنِ ظَهرِ قَلبْ، حتىَ أنهَا مِن شِدَةِ إعتيَادِهَا بالفعِل كانَ بإمكَانهَا توقَعُ مَا سيَحدثُ تَاليًا قبَل حَدوُثهِ.
"تفَضل يَا سَيِد فلُورنِسين، البَابُ مَفتوحٌ لَم أوصِدهُ هَذهِ المرَة،" هتفَتْ دِلارا بنبرَةٍ وَدوَدة فِيمَا تضَعُ فُرشَاتِهَا جَانِبًا، وتزَامُنًا معَ دخُولِ رَئيسِ المُحَقِقِين المُعتادَ كانَت قَد مسحَت يَديهَا بالفعِل مِن الغُبَارِ بمِنشفتهَا قبَل أنَ تُشِيرَ إلىَ الكُرسِي عِنَد مكتبهَا، "إجلِس رجَاءً."
قمَعتْ صَاحِبةُ العَينينِ اللَوزِيتَينِ تنهيَدةٌ كادَت تنسَلُ مِن فمهَا فِيمَا تَشقُ خُطاهَا نحوَ مَكِتبهَا الَرئِيسيِ، مُبتعدَةٌ عَن طاولَةِ الفَحصِ التِي كانَت تَجلسُ إليهَا قبَل ثوَُان، وَلم يسعهَا سِوىَ أن تُفكرَ فِي كَم هُوَ مُمِلٌ حَقًا إخِتفَاءُ عنصُرِ المُفَاجَأة مِن اللقَائَاتِ التِي يُفترَضُ بِهَا أنَ تَدُبَ الرُعبِ فِي أوصَالِك.
ليسَ مُمتِعًا، كلُ هذَا للأسَفِ لَم يَكُن مُسَلٍ بتَاتًا وهِىَ حتمًا عليهَا أيضًا أنَ تتهِمَهُم بسرَقةِ وقَتهَا الثَمِينِ كمَا يتَهموُنهَا مرَةً فِي الشَهرِ علىَ الأقَل بسرَقةِ تُحفَةٍ فنيَة جديدَة.
"إذًا مَا الذِي قِيلَ أنِي أخفِيهُ فِي مُذكِرَةِ التَحقيقِ هَذهِ المرَة؟،" تسَائلَت سَايِرينَا بإبتِسامَةٍ لطِيفَه رَيثمَا تَجلِسُ علىَ كرسيهَا قُبالَة السَيِد فُلورنسِين، قبَل أنَ تُردِفَ وهِىَ تُشَمِرُ عَن سَاعديهَا اللذَينِ عقَدتهمَا بعدهَا علىَ سَطحِ المَكتبِ الزُجَاجِي، "مِن إسبوُعٍ مَضىَ كانَت لوحَةُ ولَادةِ ڤِينوُس، يَليهَا قَلادَة حَيدرَ أبَاد اللؤلؤيّة، والآن ماذَا المُونَالِيزَا؟."
السُخريَةِ التِي إستشَعرهَا المُحَقق فلُورنِسين فِي حديثهَا دفَعَت أذنَيهِ للتوَرُدِ خَجلًا، وكَرجُلٍ عانىَ مِنَ التَنمُرِ فِي صِغَره نبرتهَا أخَرسَته.
"فِي حَقِيقَةِ الأمرِ يَا سَيِدَه يازداني—"
هنرِي فلُورنسِين كانَ فِي حَقيقَةِ الأمرِ رَجُلًا لَم يتخطىَ عقَدهِ الثَالثِ بَعد، لايزَالُ شَابًا أسمرًا يَافعًا إستَلمَ المَنصِبَ حديثًا مِن عَمِه، بَلا خبرةٍ مُسبَقة، تدريبٍ أو حتىَ تَمهِيد، وقَد كانَ يُحَاوِل إثبَاتَ كفَائتهِ لعَائلَتهِ بشتىَ الطُرق عَن ظَريقِ مُلاحقَةِ سَارقِي التُحَفِ الفَنيَة اللَذِينَ يُفترَضُ بأن تَكوُنَ سَايِرينَا واحدَةً مِنهُم..
وَمِن وِجهَةِ نظرهَا المُتواضِعَة كموضعِ إتهَام لَم تَكُن تُمَانِعُ حقًا إستِهدَافهِ لهَا كُلمَا إختفَت قِطعَةٌ أثِريَة جديدَة كأنَهُ لَا يرىَ سوىَ إسمهَا..
مُشكَلتهَا الوَحِيدَة وأكَثرُ مَا يُزعِجهَا أنهَا بدَأت ترَاهُ أكَثرُ مِمَا ترىَ وجههَا فِي المرَأةِ، وَبَحقِ خَالقِ السموَات لمَا لَا يأتِيهَا مرَةً فِي الشَهِر فقَط؟.
أجَل، هىَ كانَت تتفهَمهُ حقًا ولَن تقوىَ علىَ لَومِه حتىَ إن ابتغَت، ففِي نهَايةِ المطَافِ بحُكمِ مُتطلَباتِ وَظِيفتهَا، إضاَفةً إلىَ الحادَثةِ التِي هزَت ثِقَةُ المُعظَمِ بهَا كانَت كَثيرًا مَا تضعهَا تحتَ الشُبهَات.
دِلارا يَازدَانِي كانَت تعمَلُ مُرَمِمَةَ تُحَفٍ فَنيَة مُستَقِلَة، أي أنهَا مُختصَةٌ ومُسؤُولَة عَن عمَلِيةِ إعادَة تَأهِيل كافَةِ القَطعِ الأثِريَةِ التِي تُوكَلُ لهَا مِن أرقىَ المتَاحِف والمَعارضِ الفنيَة للمُحافظَة علىَ إرثهَا الثقَافِي.
علىَ سَبيلِ المِثَال إنْ تعرضَت لوحَةٌ فنَية شَهِيرَة مَا لضَررٍ بَالغٍ نَظرًا لعَدمِ مُلَائمَتهَا البيئَةِ الجوَية المُحِيطَةِ بهَا كانَت هىَ تُصِلحهَا، وليسَت اللوحَاتِ فقَط بَل حتىَ الحُلىَ، الآوَانِي الفخَارِيَة أوَ التمَاثِيل الثَمِينَة.
فِي أغَلبِ الأحيَانِ كانَت كلُ هَذهِ التُحَف النَفِيسَة تُرسَل إليهَا عَن طَريقِ توَاصُلهَا المُبَاشِر معَ مَسؤوُلِي المتَاحِف أو حتىَ جَامعِي الفَن فَاحشِي الثرَاء، واللذِينَ دَائمًا مَا يَكوُن فِي حَوزتهِم أقصىَ القَطعِ نُدرَةً وَأصَالَة فِي حُجرَاتٍ غيرُ ملَائمَة، فَبطبيعَةِ الحَالِ تُرسَل هَذهِ القَطع إليهَا، وبطبيعَةِ الحَالِ تُصلحهُم، تعيدهُم وتَأخذ مَالهُم قبَل أن تُعَاد هَذهِ الدَائرَة المُغلقَة مِن جَدِيد..
لكِنهَا لَا تعَلم حقًا متىَ فُتِحَت وَبَدأت تخرَج مِنهَا إشاعَاتٌ تتهمهَا بسرَقةِ هَذهِ التُحَف.
"إذًا؟، مَا الذِي خُطِفَ هَذهِ المرَة ومِمَن؟،" ألحَت عَليهِ دِلارا لإجابتهَا، وقَد كانَ الفضوُل يُخربشهَا كَقطٍ ضَرِير، ليُتَمتِمَ هِنريِ سَريعًا، "لُوحَةُ الوِصَالِ المُنقَطِع لزِينِثيَا هكسِنتِين.@
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!