وضع القراءة:

الفصل الأول: مُعادلة لم تُحل

٢٠٢٦/٧/١
في منتصف الجبل، بعيدا عن ازدهار المدن وأقل بعدا عن القرى الحية، تقبع مدرسة مرتمية لا رواد لها، ينعكس ضوء القمر عن طريق النوافذ المحطمة لأحد الصفوف ينتهي مساره على الطاولات والأرضية بالغة النظافة لاذرة غبارٍ عليها سوا مادخل لتوه مما حملته الرياح الباردة عبر كسور الزجاج، تتحرك معها الستائر الممزقة الرثة وتصطدم السلسلة البلاستيكية على حواف الستارة بالجدران بين هبة رياحٍ وأخرى.
من الفصل النظيف يمكنك سماع صوت ساعة لاتزال تعمل..سارت الدقائق والثواني حتى تحرك عقرب الساعة ليتجه نحو الثانية عشر بالتمام، حينها صدر صوتٌ آخر يُخالط صوت الثواني، خطوات رتيبة تقترب، مرة يتضح صوتها ومرة يختفي لبعض الأتربة المتكدسة في الممرات، شخص في أواخر الثلاثينات بشعر ذقنٍ كثيف وبدلة رسمية بنية موضبة بعناية وحذاء جلدي يعكس ضوءً يتخلل نوافذ الممر...
توقفت خطواته عند سجادٍ أمام الصف المعني؛ مسح حذائه فيها ودخل، أغلق الباب، وسار لمنتصف مقدمة الصف وراقبه بعناية بالغة وكأنه يمسح وجوها فوق المقاعد ثم أخرج طبشوراً أبيضاً واستدار ليرفع يده ويكتب..
التاريخ: ٢٠١٦/٢/٧
الساعة١٢ ظهراً
عنوان الدرس: الجمع والطرح
الحصة: الأخيرة
وبدأ يكتب بصمت ما يشرح به درسه...ليس للطلاب بل للمقاعد الفارغة.. ثم كتب سؤالاً(٢+٦=...)
واستدار يحدق ثم أشار لأحد المقاعد، لم ينتظر كثيراً حتى علت جوانب فمه بابتسامة براقة لا تشبه وجهه الفاتر، تشبه الصف النظيف في وسط المدرسة المتروكة، ثم استدار وكتب الجواب= ٨
ثم كتب سؤالاً آخراً واستدار وأشار لمقعد آخر وعاد يكتب الجواب وهكذا حتى توقفت الدقائق عند بعد منتصف الوقت بقليل، وضع الطبشور في جيبه وألقى نظرة أخيرة على الصف ثم غادر
في الصباح عاد نفس الشخص ..الشمس لتوها بدأ تنشر ضوئها وهو يحمل أدوات التنظيف وبملابس شبه قديمة قميص أبيض وبنطال أسود؛ يحمل ممسحة وقطعة قماش لإزالة الغبار ودلو ماء وغيرها، أتجه لنفس الصف ونظفه بعناية، وحدق في سلسلة البلاستك في طرف الستائر، أخرج شريطا لاصقاً وثبت به السلسلة البلاستيكية نحو الجدران فلم يعد صوتها يفسد رتابة المكان بالنسبة له، وهكذا لمدة ساعة، ثم غادر.
وفي المساء في الثانية عشر بالضبط عاد للصف بزيه الرسمي البني، أخرج طبشوراً ورفع يده ليكتب: التاريخ: ٢٠١٦/٢/٧
الساعة١٢ ظهراً
عنوان الدرس: الجمع والطرح
الحصة: الأخيرة
عاود كتابة شرحه السابق الذي لربما كتبه مئة مرة أو أكثر من قبل، وكتب سؤاله: ٢+٦=....
استدار وراقب الصف، ثم أشار للمقعد نفسه الذي اختاره لأول مره سابقاً، وبدلاً من أن يبتسم هذه المره، تعكر صفوه وأشتدت ملامحه وعروقه، لم يكن يتحدث ولكنه بدا وكأنه يوبخ أحداً بطريقةٍ ما.
ألقى طبشوره بغضب وانسابت من عينيه الدموع وظل يراقب المقعد ذاك بغضب واستند على السبورة وأنزلق حتى جلس القرفصاء وبكى بشدة، لم تعرف هذا لولا أنك تشاهده ولكنه في الحقيقة لا يُصدر أي صوت، ثم عانق رأسه وأخفاه بين ساعديه، وفوق رأسه مُعادلة لم تُحل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.