وضع القراءة:

الفصل 2 : آل رمح.

كان الغلام الصغير ماثلا أمام داره مدهوشا، لقد أمضى الليالي يتخيل يوم عودته المنتظر، تخيل الجميع يستقبلونه و رفاقه بالطبول و الولائم، تخيل أخته العزيزة تحتضنه و تعبر عن افتقادها له طوال السنين الفارطة، فأين ذاك من هذا ؟
كان الصبية قد تفرقوا، و أسرع كل نحو وليه أو قريبه يبشره بعودته و يستفسره ما جرى.
ارتطم أحدهم بظهر الغلام فالتفت نحوه، ليجده يقول بانزعاج يختبئ خلف نبرته المتململة:
" إنك في طريقي يا دريد، أدخل أو اخرج بسرعة."
  - "  أعتذر.. أوه أ لست أخي رمل !"
  تنحى دريد عن مدخل البيت سامحا لشقيقه بالدخول، و لم يجد منه ردا فاعتبر ذلك موافقة، فقام يلحقه للداخل.
" ما الذي حدث في دارنا يا أخي؟ كيف حدث هذا الحريق و هل الجميع على ما يرام ؟" سأل دريد و هو يقفز من حول أخيه رمل الذي كان يقرأ في لفافة بين يديه، و لم يجبه حتى بلغ غرفته، فقال باختصار قبل أن يدخل و يوصد الباب في وجهه:
" أحدهم فجر الفناء."
تأمل دريد الباب بدهشة ثم تبسم بلا حيلة، أخوه لم يتغير، ما تزال الدنيا من حوله لا تعنيه في شيء.
تلون وجهه بالفرحة بعدها و أخذ يركض نحو وجهة معينة، خرج إلى الفناء و اتجه نحو غرفة معزولة عن المنزل و فتح بابها بسرعة و هو يهتف و يمسح أركانها بلهفة" أختي لبنى !! أنا هنا." لكنه تفاجأ بالمكان فارغا تماما.
رجح أن تكون قد دخلت للدار بعد الحريق، فغرفتها البائسة قريبة من مكان حدوث الحريق تقريبا.
عاد أدراجه و هو ينادي عليها بصوت مرتفع و يقتحم غرف المنزل، و عندما دخل المطبخ وجد شابة هناك، نظرت نحوه باستغراب لكنه تعرف عليها فورا و صاح:" أختي غزالة !"
حدقت فيه قليلا، و مع تذكرها لحديث السيدتين مع لبنى قبل سويعات، فقد عرفته من فورها و تركت الملعقة عن يدها، و قد تهلل وجهها سرورا:" آه يا إلهي، أنت دريد، أ لست محقة؟!"
  - " محقة، محقة! كيف حالك يا غزالة؟"
مسحت غزالة على رأسه ضاحكة:" أنا بخير، عجبا لقد نموت و ازداد طولك كثيرا يا دريد، أهلاً بعودتك."
  - "أشكرك..
غزالة غزالة، أين أختي؟
   و كيف حدث الحريق؟"
ارتبكت غزالة، و قالت و هي تنظر من حولها خشية أن يكون سؤاله الأول قد بلغ مسامع أحدهم:" آه..هذا.. لا أحد يدري، لقد حدث الأمر فجأة، قال ضرغام إنهم يبحثون في الأمر."
  - "هل يمكن أن قبيلة ما تحاول الإغارة علينا ؟"
  قال دريد بجدية لتضحك غزالة بخفة: " إن خيالك لا يزال واسعا، لا أعتقد ذلك." مط دريد شفتيه غير مقتنع، ثم عاد يسأل : " حسنا، و أختي؟" تركته غزالة و عادت تخلط الطعام في القدر و هي تقول و قلبها ينبض بقوة: " ربما هي في غرفتها."
  - " كلا، ليست هناك."
  - " هل نظرت جيدا ؟ قد تكون نائمة أسفل الأغطية و لم تنتبه لوجودها."
  - " من قد يتدثر في هذا الحر؟ ثم غرفتها أصغر من هذا المطبخ حتى ، كيف لها أن تخفى عن ناظري؟"
  - " إذا.. إذا أنا لا أدري! لماذا تسألني أنا بالذات؟ كيف لي أن أعرف أين ستكون.. قد تكون في أي مكان! أنا مشغولة الآن اذهب و احصل على بعض الراحة يا دريد و سأعد لك بعض الطعام!" كانت متوترة و هي تتكلم حتى أنها أحرقت أصبعها عن طريق الخطأ لتغمغم بألم ساخط.
كانت غزالة تعطيه بظهرها، و لكنها لم تسمع حركته و هو يغادر المطبخ، و لم تسمع رده على ما قالته، فالتفت باستغراب، لتجده ينظر نحوها بغضب فاتر، بدا و كأنه سيكشف السر الذي تخفيه بنظراته الثاقبة تلك، فتبسمت مرتبكة:" ما خطبك يا دريد؟ " قال و عينه في عينها، و مشددا على كل حرف:
" أين ، هي ، أختي يا غزالة! "
  - " قلت لك لا أعلم!" هتفت بتلعثم طفيف.
  - " ما الذي تخفينه عني؟ أنا لم أعد طفلا لتراوغيني." قال بإصرار ثم شهق بذعر:" هل أصابها مكروه؟ أ كانت في موقع الحريق حين حدث ! أ لهذا ترفضين إخباري!" تشكلت الدموع في عينيه و بدا بصدق على وشك الانهيار، فقد ارتطمت ركبتاه بالأرض و جعل رأسه بين كفيه و أخذ يتمتم لنفسه بشيء ما.
واجهت غزالة صعوبة بالغة في تهدئته فقد أخذ يشهق و يرتعش، و لم يفق من جنونه حتى هزته بعنف و صاحت:" لبنى على قيد الحياة فلتتمالك نفسك !! "
خفتت شهقاته و نظر لها بعين محمرة و مخاط متدل:" حقا ؟ "
" نعم، حقاً، لا تستبق الأحداث هكذا، من قال شيئا عن موتها في الحريق!" وبخته بتعب ليمسح أنفه و يبتسم بفمه الذي أغلبه ليس إلا ضروسا :" أنت محقة، إذا أين هي أختي ؟ "
تنهدت غزالة:" كل ما يمكنني قوله هو أنها حية و
بخير.لا تكثر السؤال عنها لكي لا يلحظ إخوتك غيابها."
  - " غيابها؟ إلى أين ذهبت؟ متى ستعود؟"
  - " إلى مكان بعيد و عودتها قد تأخذ وقتا."
 
  - " لماذا تتحدثين بالأحجيات! أين ذهبت؟ لقد كنت أتلهف لرؤيتها لخمس سنوات كاملة، كيف لها أن ترحل دون وداعي!
أ لم تخبروها أن اليوم ميعاد عودتي!" تمسك دريد بذراعي غزالة بشدة لتجعله يفلتها برفق ثم تمسك كفيه الصغيرين بحنان:" اهدئ يا دريد، عليك أن لا تكون سريع البكاء هكذا كلما تعلق الأمر بلبنى، كن قويا. لقد كانت مضطرة للذهاب يا صغيري فاليوم كانوا سيعطونها لرجل لا تعرفه و لا تريده."
" رجل لا تعرفه؟ ..أ تقصدين أنها كانت ستتزوج اليوم!؟"
" نعم، و لو لم تذهب لتعسر عليك رؤيتها حين تذهب بعيدا مع زوجها إلى الأبد، لكن و بهربها الآن فسيحدث و أن تعود إلينا و لو بعد حين، فانتظرها بصبر."
" لماذا لم يمنع أحد هذه الزيجة إن كانت لا ترغب بها لحد أن تهرب من البيت!؟ فقط إلى أي مدى سيجعلون أختي تشقى."
سقطت عبرات أخيرة من عينيه قبل أن يقف و يجفف دموعه في أكمام ثوبه، لكم آلمه قلبه لأجلها، عليه أن يغدو أقوى حتى يحميها، لن يسمح لأحد أن يجبرها على شيء لا ترغب فيه و لو اضطره الأمر ليقف أمام آزر، بل أمام العالم بأسره.
◇◇◇◇
في تلك الأثناء، كانت شقيقته تفرد احدى ذراعيها بينما تتشبث بالأخرى بظهر رفيقتها جونة، و هي تضحك بسعادة و استمتاع :" فليذهب الرجال إلى أعماق الجحيم يا جونة!"
ضحكت جونة بينما تقود الحصان و تتقدم نحو الأمام، أخفضت لبنى ذراعها و تنفست بعمق بينما تنظر بشجون إلى الوراء، من كان يظن أن السماء ستبدو كبيرة هكذا خارج قتام؟
لقد شعرت بانشراح لا مثيل له، عندما سيحل الغد ستكون في أرض لا تطؤها أقدام إخوتها، لن تسمع أصواتهم، و لن ترى وجوههم. و فكرت بينها و بين نفسها، ماذا لو أنها استخدمت تلك المتفجرات لغرض آخر غير التمويه، ماذا لو استدرجت نساء قتام بعيدا و فجرت جميع الرجال، ماذا كان ليحدث؟
أ كان يمكن للسماء أن تصبح أوسع من الآن؟
سألت بعد فترة:" جونة ؟"
  - " نعم؟"
  - " كم يفصلنا عن عرجان ؟"
  - " أعرف طريقا مختصرا، سنصل مع الشروق." ردت جونة و هي تنعطف يسار احدى الصخور.
  - " جيد، و كيف تبدو قبيلتكم يا جونة، أنا فضولية."
  - " لقد حصلت هناك على حياة سعيدة لأكون صادقة، لذلك هي في نظري مكان مريح و جميل."
  - " حين نحصل على ذكريات جميلة في مكان ما فإنه يصبح جميلا، أ ليس كذلك؟ ربما لهذا أرى قتام غاية في القباحة."
  - " أظن هذا، فقد زرت قتام قبل الآن، و أجدها مكانا ذو بنيان متين، و تجارة البقول و الحبوب مزدهرة بشكل جيد، فالناس في القبائل الأخرى يعانون نقصا في الموارد. ثم إن أشجار النخيل تعطي منظرا خلابا."
همهمت لبنى بشيء من الاستنكار، ثم قالت:" لقد كنا نعاني نقصا نحن أيضا، لكن آزر حل هذه المشكلة فجأة ذات يوم بطريقة ما، أراهن أنه هدد أحدا أو قتله." ثم أضافت:
" آزر بالمناسبة هو شيخ القبيلة... مع الأسف."
" أي أنه شقيقك." قالت جونة بعد صمت متردد.
" أخ فقط، ليس بشقيق. ثم لا يهم إن كنا من نفس الأبوين أو من الأب فقط، فلا خير في من هو رجل.."
" يا صديقتي لبنى، إنك تقسين في أحكامك، أنت لم تري إلا الرجال في قتام، بل و لم تري إلا الرجال في بيتك فلا تعممي، قد تجدين في العالم رجالا كالمسك، و نساءً كالعلقم.
إنه يعتمد على الشخص نفسه لا على جنسه."
" لا توجد نساء كالعلقم ما الذي تتفوهين به !! إنها مجرد خرافات لتبرير أذيتهم لنا فكيف تجرؤين على مشاطرتهم لمعتقداتهم الشيطانية" دفعت لبنى ظهر جونة ليختل توازنها لثانية ثم تستعيده في التالية و تصرخ بها:" هل أنت مجنونة يا لبنى! قد نكسر عظامنا إن سقطنا عن خيل عال كهذا!"
  - " لا أخشى السقوط منه ! فلأسقط و لأمُت بدل أن أسمع سخفا كالذي قلته."
" إنك مجنونة حقا! تحكمي بأعصابك قبل أن أغضب."
أوقفت جونة الحصان و هي تستدير إليها ما أمكنها.
" قبل أن تغضبي؟ فلتغضبي هيا، أريني ما يمكن لفتاة عاشت بسعادة أن تفعله لي، أنت يستحيل أن تكوني من بنات ماما بأفكار كهذه." 
" أفكاري هذه حقيقة شئت أم أبيت! أنا رأيت أكثر مما رأيته في حياتك كلها.
أنا أسعى لتحقيق العدالة و ليس لإبادة الرجال يا جاهلة، فالذكور هم الذين يعنفون النساء حول القبائل، و مهما بلغ شرهم فهذا لا ينكر وجود رجال يملكون من الحنان و الرحمة الشيء الكثير!" صاحت جونة و هي تمسك اللجام بقوة.
أخذت تلهث و جاهدت لتتمالك نفسها ثم عادت تتحدث بهدوء:" أنا على يقين أنه قد مر في حياتك رجل،  أو أكثر حتى، ممن يستحقون منك أن تعيدي التفكير برأيك حول الرجال في العالم."
سكتت لبنى قليلا، تلقي بنظرة عميقة لظهر جونة و حاجبها متقاربان في مزيج من الشجون و الغضب:
" سأكون كاذبة لو قلت أني لم أرَ عطفا مطلقا من أي رجل، كان هنالك من أروني لطفهم و رحمتهم، و لكني متأكدة من تزييفهم لذلك، لا أعرف دوافعهم ربما كانوا يسخرون مني فقط، فأشدهم عطفا قرر ذات يوم أن يتصرف و كأنه لم يعرفني قط.."
نظرت لها جونة من فوق كتفها و كانت ستقول لها الكثير، و لكنها تفاجأت بها تحارب دموعا أمطرت بخفوت، و فهمت من أسنانها المصطكة أن ألمها يشوبه ضغينة خاصة، فقالت في دهشة: " لبنى.."
استنشقت لبنى و مسحت وجهها و رفعته لأعلى و هي تقاوم تلك العبرات:" يا إلهي أقسمت أن لا أبكي رجلا، لا شوقا و لا شفقة و لا من ألم أحدثه لي.. خسئت يا جونة."
  - " أنا آسفة، صدقاً." قالت جونة بحزن و قد عادت تنظر أمامها : " آسفة ثانية و لكن قسمك هذا كان له أن يبطل ذات يوم، لا يمكنك أن تصدي الرجال بهذه الطريقة، ستبكين أحدهم ، ليس لأنه آلمك، بل حبا أو شوقا أو امتنانا فأنت فتاة ذات قلب طيب يا لبنى، تصرفك الأرعن و مزاجك الغاضب ليس إلا غطاء، أستطيع الشعور بذلك."
  - " توقفي عن قول الهراء و هيا بنا ننطلق، أشعر بالرياح القادمة من قتام تحمل أنفاسهم و تخنقني." قالت لبنى لتمسك  جونة اللجام و تصيح في الحصان لينطلق مرة ثانية.
عندما حل المساء، توقفت الفتاتان للراحة بعد ساعات من الركض على متن الحصان، كان ذلك سريعا و لكنه ليس مريحا تماما. أوقدت جونة  النار مستعينة ببعض الأعواد اليابسة المتناثرة و حدثت لبنى عن امتنانها لطبيعة الأرض الجرداء في قتام، فلو كانت رمالا لتم تقفي أثر حصانها.
  - " هل سيكونون قد لاحظوا غيابي الآن؟ "
  - " ما هذا السؤال، لقد حل الظلام و العروس لا أثر لها كيف لهم أن لا يلحظوا !" قلبت جونة الأعواد وسط النار، لتحتضن لبنى نفسها :" أنا قلقة بشأن زوجة أخي، لقد هربت و تركت الأمر على عاتقها. سوف يحاولون إجبارها على البوح عن مكاني و لو لم تكن تعرف به."
  - " هل سيصل بهم الأمر إلى ضربها أو ما شابه؟"
  - " أشك في أن زوجها سيسمح لأحد بأن يمس شعرة من رأسها، و لكن هذا لا ينفي أن يضغطوا عليها حتى تبدأ في البكاء فهي فتاة رقيقة، و قد تتلقى عقوبة غير الضرب لتعاونها معي." قالت لبنى.
" أظن أن ماما لم تجندها لرقتها هذه." قالت جونة لتعلق لبنى على ذلك:" أظن..ثم إنها لطيفة جدا و متسامحة، و قلبها لا يحمل أي ضغينة نحو أي مخلوق، و لذا لا تملك الدافع لتكون معنا"
سكتت الشابتان لفترة بينما تتناولان من عرجون التمر الذي كان بحوزة لبنى في الحقيبة الصغيرة التي كانت تخبئها هذا الصباح في رجلها، و قد أخذت تمضغه في سعادة طفل.
ضحكت جونة:" تبدين كمن يأكله لأول مرة و لا يصدق طعمه"
" آكله كل يوم، و في كل يوم أقع في حبه من جديد.إن التمر حلو و طري و مشبع و ينشر السعادة في أركان قلبي" ردت لبنى و هي تضع في فمها المزيد من الحبات، فقالت جونة و هي تتناول حبة واحدة في كل مرة:" حسنا، إنه لذيذ بالفعل، و لكنك معجبة به بشكل مضحك."
  - " هذا لأنك لا تتذوقينه جيدا ! امضغيه ببطء و استشعري كل جزء من الحبة، إن هذا ألذ ما دخل الفم." صاحت لبنى كمراهقة واقعة في الحب لتنفجر جونة ضاحكة.
لاحظت جونة أن لبنى توقفت عن المضغ و سرحت بفكرها في شيء جاد فسألتها : " ما الأمر؟ هل أكلت واحدة فاسدة؟"
رفعت لبنى رأسها بسرعة:" آه! كلا.. ليس كذلك، فقط.." تبسمت لبنى بحنين و عينها في النار: " هنالك شخص يحب الحليب بشكل كبير كما لو أن أمه لم تفطمه.
ذات مرة، وقعت حبات التمر خاصتي في وعاء الحليب الذي كان سيتناوله، كنا مشغولين لفترة و حين رجعنا لنأكل، صرخ كلانا بإحباط لأن طعامنا قد أفسد، فأنا لا أحب الحليب، و هو لا يحب التمر.
لم نعرف ماذا نفعل، فالحبات نقعت في الإناء ناشرة نكتها الحلوة، و الحليب بلل التمرات. أمسكت احدى الحبات و كان الحليب قد غمرها بينما حدق هو لحليبه الذي صار بطعم التمر، نظرنا لبعض، ثم قررنا التجربة، فأكلت التمرة و ارتشف هو الحليب ثم نظرنا لبعضنا بدهشة كبيرة، كان ذلك الذوق لذيذا للغاية، ألذ من التمر وحيدا..
حتى أنني شربت من الكأس و عشقنا الطعمين."
" أنتما أكبر أحمقين في هذا العالم !
الجميع يتناول الحليب مع التمر !" أمسكت جونة بطنها و انخرطت في الضحك فقالت لبنى بإحراج:" لم يخطر لأي منا تجربته لكرهنا أحد الطرفين، لا أصدق أن الناس كانوا يتناولون شيئا بتلك اللذة العظيمة دون إخبارنا!" ردت جونة و الضحكة لم تفارق شفتيها:
" ليس و كأنه بتلك العظمة، إنه لذيذ فقط."
" أنت فقط لا تفهمين." قالت لبنى و هي تواصل الأكل قبل أن تسألها جونة:" و لماذا لم تجلب معك بعض الحليب لنستمتع ببعض الذوق العظيم؟"
  - " لقد نسيت أني أحب ذلك الذوق المختلط، لم أتناولهما معا منذ فترة، حيث عدت للتقزز من رائحة الحليب ثم تذكرت ذلك فجأة الآن."
- " إنك لفتاة غريبة." قالت جونة في ختام الحديث قبل أن تخلدا للنوم قليلا، ثم تنطلقا مجددا في منتصف الليل.
◇◇◇◇
" إن هذا أعظم خزي قد تعرضت له العائلة يوماً ! "
ضرب هلل الطاولة بيده في غضب شديد ليدعك ضرغام ما بين عينيه في تعب: " دعونا نفكر في حل بدل الغضب عبثا"
ثم أضاف و هو يخاطب آزر الذي كان يستنشق من النارجيلة جواره و بدا أنه بالكاد يكتم غضبه : " لا أعرف كيف أواجه العريس بالأمر، إنه ينتظر مع والده و باقي الرجال في المجلس الآخر، نحن لا نعلم كيف سيتصرفون إذا علموا بحقيقة هرب لبنى" رد آزر من بين أسنانه:" لن يفعلوا شيئا، ذلك الفتى طلب يد تلك الحثالة بالذات حتى بعلمه أنها مخطوبة و قد عرض الكثير لأجلها، لن يلغي الأمر فلا تشغلنّ بالك به.
المهم الآن هو العثور عليها.
سأجعلها تدفع الثمن غاليا."
  - " تدفع الثمن لأنها أردات حريتها !؟ "
  نظر الرجال الأربعة في المكان نحو دريد الذي كان يلتزم الصمت حتى هذه اللحظة، و قد بدا منفعلا للغاية.
حاول ضرغام ثنيه و لكنه وجه كلماته الغاضبة نحو أكبر إخوته:" لماذا لم تسألوها إن كانت موافقة؟ لماذا تفرضون عليها ما لا تطيقه، إنها إنسان، ألا تفهمون؟ إنسان!! أختي هي ابنة سنمار، مثلي و مثلك يا آزر إلى متى ستستمر في معاملتها بتلك الطريقة كما لو أنها خلقت فقط لتعذبها ؟ "
  - " يبدو أن قنديل نسي أن يعلمك كيف تخاطب من هم أعلى منك مقاما يا أيها الطفل الوقح." تحدث آزر بنبرة عميقة، و قد ألقى نظرة مخيفة نحو مخاطبه الصغير، و الذي جزع للحظة و لكنه عاد يقول:" علمني معلمي أن لا أسكت عن الظلم مهما كان ما سأجنيه من ذلك! أنا لم أعد أخاف منك و إن حدث و رجعت أختي فإنك ستقتلني قبل أن تمسها بسوء، أ تفهم؟"
كان أخيل يجلس في أحد مقاعد المجالس، ينصت في صمت مطلق، و لكن تعبيره الساكن تغير لدى سماعه كلمات أخيه الأخيرة، فبرقت سوداوتيه بطريقة غريبة، ثم لاح شبح ابتسامة سريعة على شفتيه و هو ينظر نحوه.
  - " أختك الغالية ستقتلك قبل أن نفعل نحن حتى، افتح عينيك يا أيها الصعلوك، أ لا تذكر كيف كانت تعاملك قبل ذهابك؟ هي لم تذكرك لأحد يوما، إنك لا تهمها!" أمسك هلل بدريد من تلابيبه و صاح في وجهه، ليتدخل ضرغام و يبعده عنه و يحاول تهدئة الطرفين.
قال ضرغام:" سأذهب لأرى إن عاد الرجال الذين أرسلنا في أثرها، لا بد و أن يعثروا عليها فلا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرا."
أمسك دريد بثوبه معترضا:" لماذا تساعدهم في هذا يا أخي، أ لا ترى الظلم الذي تقترفه؟ أختي لا تريد هذه الزيجة فدعوها"
" أ تريدني أن أتركها تهيم وحدها في الفيافي يا دريد؟! الأفضل أن نعيدها إلى هنا ثم سنرى في أمر هذا الزواج."
وقف دريد محبطا ينظر إلى الباب الذي غادر منه ضرغام منذ لحظات، و دعا في قلبه أن تكون لبنى قد ابتعدت بما يكفي.
استأذن هلل و غادر إلى بيته و قد أعلن غسل يديه من قضية ابنة عمه، في حين رمق دريد آزر بحقد شديد و انصرف هو الآخر، فبات هذا الأخير وحيدا في المجلس مع أخيل، و الذي هم بالمغادرة و لكن آزر استوقفه و هو ينفث سحابة من الدخان كثعبان خبيث:" رويدك يا أخي الصغير."
لم يقل أخيل أي شيء، فقط توقف عند الباب و نظر له من فوق كتفه ببرود. علم آزر أنه لن يتحدث فتحدث هو: " أراك لم تشارك في الحديث، هل لم يعد أمرها يعنيك؟"
- " توقف عن التصرف و كأنك لا تعرف."
- " أنا فقط منبهر، أ كاد أشك في أن قناعك هو وجهك الحقيقي."
  - " إن كنت تريد فقط التحدث عن السخافات فأعفني أرجوك." تقدم أخيل نحو الباب و فتحه ليقول آزر:" ظننتك طوال الوقت ستستغل الصفقة لتمنع الزيجة و لكني أراك هادئا."
  - " هذا ليس من شأنك." قال أخيل ثم صفع الباب.
ظل واقفا هناك لفترة و قد جمعت تعابيره الغضب و الألم، كان لديه سره الخاص به، و هو الشيء الوحيد الذي يجمعه بآزر، فهو لم يعدّه أخا له كبقية إخوته، بل كان العدو الذي يترصد اللحظة التي يضع فيها حدا لحياته.
  - " بني أخيل!" رفع رأسه ينظر لمناديه فوجد أمامه رجلا قوي البنية، بقسمات قلقة نقلت ذلك لوجه أخيل أيضا :" أهلا عمي..؟ " أمسكه عمه من كتفيه و تحدثت عيناه بجزع أكبر من ذاك الذي في نبرته:" لقد صادفت دريد و أخبرني بشأن لبنى، أخبرني أن ذلك سوء فهم فقط، هي لم تفعلها؟"
نظر أخيل من حوله ثم أجاب:" بلى، فعلتها، لقد هربت."
  - " يا إلهي! و أين ستكون ذهبت في هذا الليل؟ إن الصحراء ملأى بالمخاطر..يا للطفلة الطائشة." آمسك العم رأسه في قلق ليقول أخيل:" أنا أعرف لبنى ككف يدي، هي لن تهرب بشكل أهوج و ترمي نفسها لوحوش الصحراء، لا بد و أن لديها خطة أو أحدا يساعدها..التهور ليس خصلة فيها."
  - " أ هذا قولك؟" سأل العم بشيء من الأمل ليومئ أخيل مؤكدا، فيقول عمه:" و لكن سأخرج في كل الأحوال لأفتش عنها، لن يغمض لي جفن و أنا لا أعلم حالها."
  - " و هل تريد أن ترجعها لهنا لو وجدتها؟
  هي لا تطيق هذا المكان!"
  - " يستحيل لي أن أغصب صغيرتي لبنى على شيء، أود فقط أن أعرف وجهتها و أطمئن إلى أنها تعرف ما تفعل.
و إن استطعت اقناعها بالعودة لقتام، فسأجلبها إلى بيتي رغما عن أنف آزر!"
سخر أخيل:" يموت ذلك الرجل و لا يتركك تأخذها، فأنت ستكرمها و هذا أمر يقوده للجنون." ثم أعقب:" أنصت إلي يا عمي، عد إلى حيث العريس و باقي الضيوف و اشغلهم بالعرس لأطول فترة ممكنة، و سأخرج أنا لأبحث عن شقيقتي بنفسي"
تردد أبو هلل قليلا و لكنه قرر أن يعتمد على أخيل، فرغم أنه يعلم أنهما لا يكلمان بعضهما البعض لسبب ما، و لكنه يثق في محبة أخيل لأخته الصغيرة.
و بذلك أخذ أخيل فرسا و انطلق مع آخر دقائق الغروب.
أمضى الساعات الطوال في بحثه، و كان قد بدأ يتقفى آثارا باهتة لشخصين يركضان من باب دارهم إلى منطقة قريبة من حدود القبيلة، و لكن كانت هناك ريح قوية قد طفقت تعصف بالتراب فصعبت التقفي، ليتوقف عند الجبل الذي يقبع به مخبأ ماما و أخذ ينظر للخلاء من حوله في ضياع.
أرهف السمع حين تسلسل إلى أذنيه صوت حركة من خلفه، فحرك حصانه ملتفتا و أخذ يبحث بسوداوتيه، ليقع بصره على رجل ملثم و عرفه من ثوبه المتأنق:" أنت!"
  - " مرحبا، هل أنت أحد الذين أرسلهم أخو الشيخ آزر؟" سأل الرجل و هو يتقدم على متن حصانه، ليجيبه أخيل:
  " بل أنا أحد إخوته، ما الذي تفعله هنا ؟"
  - " جئت أبحث عن عروسي." قال و في نبرته خليط بين الدعابة و الأسى.
حدق فيه أخيل بشيء من الحدة بعد تجاوزه المفاجأة بمعرفته السريعة بما أرادوا مواراته :" أ تريد امرأة لا تريدك؟"
وجه العريس الملثم رأسه نحو أخيل، و لم تكن عيناه ظاهرتين تماما و لكنه شعر به ينظر له بعمق، أخفض رأسه ثم برر:" أريد أن أكلمها، لو أنها أعطتني فرصة لأقابلها، فأنا واثق بأنها ستقبل."
  - " و لماذا أنت واثق من هذا ؟ أنا شقيقها و أعرف أن مهما ستقول لها فما كانت لترضى بك."
  - " أنت أخيل ؟" سأل بغتة ليجيبه أخيل بأن نعم، فاكتفى بإيماءة متفهمة، ثم حرك حصانه يمشي للأمام ببطء و بدا أنه يفكر في شيء ما.
  - " أنا أعرف القليل بشأن ما عانته لبنى، و هذا أحد الأسباب في أني طلبت يدها ، لا أريدها أن تشقى بعد الآن و لكن لا يسعني فعل هذا بينما هي ليست تحت حمايتي." تحدث الشاب و عينه على البدر غير المكتمل المعلق في السماء، لم يستشعر أخيل في كلماته الكذب، و لكنه كان حذرا بطبعه فسأله:" و من أين تعرف أختي لتعرف ما قاسته؟"
  - " لقد التقينا قبل سنوات طويلة، و لكم آلمني رؤية طفلة حزينة و مكسورة مثلها، و ذلك ما جعلها غاضبة طوال الوقت، و كانت تصب ذلك الغضب على كل من هب و دب، و لكني أظنها استشعرت صدق نيتي فكان لها معاملتي بحقيقتها الطيبة أحيانا."
كانت الرياح قد اشتدت كثيرا فقال العريس و هو يحجبها بذراعه:" ربما من الأفضل أن نرجع".
◇◇◇◇
بزغ الفجر أخيرًا، فتجهزت الفتاتان اللتان كانتا تلتجئان بكهف صغير بعد رياح الأمس، و امتطيتا الحصان ثم انطلق بهما. سار ما يقارب الساعتين قبل أن تلوح قبيلة عرجان لهما في الأفق.
قالت لبنى بينما تدنوان من المدخل، و قد لاحظت أن القبيلة أحيطت بسور من الكثبان العاتية و الحجارة:" لماذا لديكم سور و حراسة ؟"
  - " لدينا أعداء كثر ممن لا يقبلون وجودنا، لذا كان لا بد من هكذا إجراءات، لا يمكنك الدخول إلى عرجان بسهولة، نحن نحفظ بعضنا جيدا." قالت جونة ثم مرت عبر المدخل المفتوح بثقة و هي تجيب عن السؤال في عيني الحارسين:" إنها صديقتي، و هي شخص موثوق."
مالت لبنى بجذعها هامسة:" أ هذا يكفي ليثقوا بي و يدخلوني؟"
  - " بالتأكيد لن يسمحوا للجميع بإدخال من يحلو له، و لكنني هنا شخص جيد السمعة و ابنة مستشار القبيلة ثم هم يعلمون أهمية عرجان بالنسبة إلي و ما كنت لأدخل من قد يتسبب بالضرر.  أنا أثق بك يا لبنى.. لذا إذا حدث و قررت افتعال مصيبة لنا فقد لا أتردد في قتلك."
  - " يمكنني تفهم هذا.
  لو لم تضيفي القسم الثاني من جملتك لشككت في لطفك" قالت لبنى باسمة بينما تتأمل المباني البيضاء لقبيلة عرجان. لقد كانت متعصبة للإناث، و لكن رهابها من الغدر كان يشمل كل المخلوقات.
أوقفت جونة حصانها أمام أحد المنازل و ترجلت عنه هي و لبنى التي قالت متأملة إياه:" أ هذه دارك يا جونة؟"
  - " نعم، إنه بيت كبير إلى حد ما لذا ستكونين مرتاحة." ردت جونة بينما تمد الحصان لرجل داكن أمسك لجامه و قاده لجهة معينة، لتستنكر لبنى:" لديكم عبيد ؟"
" هذا خادم، رجل حر بكرامته، و يحصل على أجر." أجابت جونة بينما و أخيرا فكت اللثام عن وجهها، كانت داكنة البشرة و حادة الملامح قليلا، قالت و هي تطرق الباب:
" سأتكلف أنا بالحديث، تأكدي من أن تكوني مطيعة و لا تفتعلي المشاكل طول مدة إقامتك."
  - " المشاكل تحبني و لكني سأبذل جهدي لأكون ضيفة خفيفة." ردت لبنى.
  - " من بالباب؟" جاء صوت من الدار لتقول جونة:
  -" إنها أنا !"
فتح الباب و أطلت منه شابة يافعة، كانت ذات بشرة حالكة السواد بشكل ملفت، و  كانت جميلة بحق، تأملتها لبنى في دهشة كبيرة فقد حصلت على فكرة عن أن جميع دكن البشرة لا يملكون من الجمال الشيء الكثير، و لكنها فهمت أن ذلك ليس صحيحا بالمرة، فلونك ليس معيارا للجمال.
لم يكن أنفها بالصغير و لكنه كان جميلا و ملائما لوجهها، و كانت وجنتاها ممتلئتان، و عيناها مكحلتان و واسعتان و فوقهما حاجبان طويلان مرتبان، رسمت ابتسامة حيوية مشرقة و قالت:" لقد عدتِ و أخيرا يا جونة! من رفيقتك اللطيفة؟"
" إنها صديقة، والدانا لم يرجعا بعد ؟" قالت جونة بينما تدخل و قد أفسحت الفتاة لهما المجال للدخول ثم أوصدت الباب.
  - " بلى، إنما يفترض بهم أن يرجعوا في أية لحظة."
  - " يرجعوا؟ من معهما ؟"
  - " رافقتهما حور و فاتنة، بينما بقيت أنا لأجالس ياقوت."  ردت الشابة بينما أشارت بذراعها و دعت لبنى لتدخل إلى المجلس و هي باسمة الثغر.
قالت جونة: " انتظريني هنا قليلا." ثم خرجت.
شغلت لبنى نفسها بتأمل أثاث الغرفة و تفاصيلها و تركت جونة لتكلم تلك الفتاة الجميلة و التي يظهر أنها شقيقتها، ترى هل ستزول ابتسامتها المهذبة حين تعرف أن اللطيفة ستتطفل عليهم لمدة طويلة ؟ هل ستوبخ جونة لإحضار غريبة و تأمرها بطردها ؟
امتلأ رأسها بالأفكار المقلقة و أخذت تفكر في المكان البديل الذي ستقصده إن أهل جونة رفضوا إيواءها، و كانت ضائعة في أفكارها بشدة و لم تنتبه للطفلة التي دخلت المجلس بصينية طعام و وضعتها على الطاولة أمامها، نادتها الطفلة عدة مرات و لما لم تجب لوحت بيدها الصغيرة أمام وجهها لتنتفض لبنى بخفة.
  - " ماذا يشغل بال الأخت إلى هذه الدرجة!
  تفضلي بعض الطعام، الطعام يجلب السعادة و يذهب التوتر."
قالت الطفلة ذات الشعر المجعد القصير و هي تحمل صحنا حوى كمية من اللحم المقلي الساخن و رفعته أمام لبنى.
مدت لبنى يدها و أخذت قطعة بامتنان و أكلتها، و قد كانت شهية للغاية فالتقطت أخرى بينما تحدثت الطفلة: " أرادت أختي ضحكة أن تضيفك ببعض المخبوزات الحلوة لأنه الصباح، و لكنها فكرت بأنك هزيلة و متعبة و لا بد و أن جسمك في حاجة لشيء كاللحم، كليه كله بلا خجل!"
  - " هذا لطف..كبير من أختك، اشكريها نيابة عني."  قالت لبنى بابتسامة مزيفة، و قد دخلتها شكوكها المعتادة و تساءلت عن السبب الذي يدفعها و أختها للاكتراث لأمر غريبة متطفلة، هي عاشت بين أناس يفعلون الأشياء بالمقابل لذا اعتادت أن تكون حذرة فيما تأخذ.
  - " نعم سأفعل! و سأجلب لك في طريقي بعض الماء البارد."   قالت الطفلة و هي تنهض، و قبل أن تغادر تذكرت أمرا فالتفتت و قالت: " أنا اسمي ياقوت، ماذا عنك أختي؟"
  - " لبنى..أنا لبنى." ردت بشيء من التردد.
  ودت أن تعطيها اسما مزيفا - فماذا تريد بمعرفة اسمها ؟- و لكنها تخلت عن الأمر و تذكرت أن جونة قد تستنكر عليها ذلك.
بعد أن خرجت ياقوت، تفحصت لبنى الطعام بحرص و هي تشمه، لا يمكن أن يكونوا قد وضعوا لها سما أو شيئا يؤلم بطنها، أ ليس كذلك؟ لقد أكلته بغباء و تسرع و لكنها لم تشعر بأي ألم حتى اللحظة... حارت لفترة، قبل أن تستسلم للجوع.
عادت جونة بعد ذلك و جلست على الجانب الآخر من الطاولة حيث تركت لبنى الصحن الذي أكلت نصفه، فأخذت تلتهم منه:
" كما سمعت قبل قليل من أختي، و اسمها ضحكة، والداي  و إخوتي ليسوا في البيت و لكنهم سيعودون."
  قالت لبنى في فضول: " أ جميعكن بنات؟ إنها أول مرة أرى فيها بيتا يحوي أكثر من بنتين."
  -" في عرجان لا توأد البنات، تلك الخزعبلات من المحرمات هنا." ردت جونة ثم أعقبت بملل:" مع أني أحيانا أتمنى أن أقوم بوأد شقيقاتي فهن مزعجات بالخصوص فاتنة، أو على الأقل أن يتزوجن جميعهن في أقرب فرصة و لكن أبي لا يرضى أن تتركه الواحدة منا حتى تتم العشرين سنة على الأقل تحت سقف بيته."
  - " لماذا؟" استغربت لبنى تصرف والدهن و رأت أن الرجال يحاولون فعل أي شيء للتسلط على النساء و لكنها تفاجأت بجونة تقول:" ببساطة لأنه يحبنا، لقد عانيت حتى أثبت أن في وسعي السفر بأمان و أنا متلثمة، إنه ذلك النوع الذي قد يمضي الليل باكيا بجوار بناته إن ألم المرض باحداهن."
رفعت عينيها بعد أن أنهت كلامَها و الصحنَ أمامها ، و تفاجأت بالنظرة على وجه لبنى فقالت ضاحكة :" أ لا تصدقينني؟"
  - " حسنا، والد نجوم كوالدك و لكن يفترض بأنه حالة شاذة، أ تريدينني أن أصدق أنني الآن سأصادف رجلا يحب بناته حبا جما ، هذا شيء أشبه بالمعجزة."
-" ليس و كأن المعجزات مستحيل حدوثها."
  - " متحمسة للقائه إذا، سيكون من اللطيف أن يعاملني بمعاملته المزعومة لك و لشقيقاتك."
ابتسمت جونة جانبيا:" كوني واثقة بذلك."
  - " و ماذا عن إخوتكم الأولاد؟ هل يعاملونكم كما يعاملكم والدكن أم هم كإخوتي الأعزاء؟" سخرت لبنى.
  - " لدينا أخ واحد لا غير،  و هو شخص غامض  قليلا  حتى و هو توأمي، فأحيانا لا أعرف ما يدور في رأسه، و لكنه لطيف الطبع و حنون." قالت جونة بينما تستند على كفيها و ترجع بجذعها للوراء لتسخر لبنى ثانية:" أوه و معجزة أخرى في الطريق، أخ لطيف، هذه عبارة سخيفة بالنسبة لمن مثلي"
  - " أنا حقا آسفة لنوع الحياة التي عشتها بين أهلك يا لبنى، أنا قد أحطت برجال طيبين و يعتمد عليهم ، حتى أقاربي و رجال قريتي، و هذه نعمة أعتز بها، و لكن بالي لم ينفك ينشغل بمن هن في حالك يا لبنى، لقد انضممت لماما من أجلكن." تحدثت جَونة بصدق فابتسمت لبنى بامتنان.
استرسلت جَونة بجدية:" لأجلكن و لأجل أختي الكبرى حور، لقد تزوجت رجلا لا يشبه الرجال من حولنا، و الفضل له أني وعيت لنساء يقاسين في العالم خارج قبيلتي، لقد كان يعنفها و يظلمها كثيرا و استغل شخصيتها المترددة ليطغو أكثر فأكثر، اكتشفت الأمر عن طريق الصدفة و ساعدتني ماما -التي جمعتني بها الصدفة أيضا - في أخذ الانتقام منه، و لكن أختي الحمقاء أفسدت الأمر!"
  - " ماذا فعلت ؟"
  - " كانت ماما قد جلبت معها امرأتين من مساعداتها و انهلن عليه بالضرب المبرح، فهن مدربات كالمحاربين. و لكن حور التي خرجت تفتش عنه وجدت طريقها إلينا و رمت نفسها فوقه باكية و توسلتنا أن نتوقف."
  - " آسفة و لكن أ هي مجنونة؟! تلك كانت فرصتها لتفتك منه ! "
  - " و أنا لا أدري! كما لو أنه سيطر على عقلها ! إنها لا ترضى أن يتكلم عنه أحد بالسوء، و مهما فعل لها فهي تبقى مخلصة له و لا تشتكي، تقول إنه يحبها و إنه فقط لا يمكنه التحكم في غضبه. لو لم تكن أختي لمزقت فمها بالسكين حال قولها ذاك الهراء أمامي، أنا بجدية كنت على وشك تلطيخ يدي من أجلها بينما هي..!!" كانت جونة غاضبة بشدة و هي تتكلم و تلوح بيديها شارحة في غيظ.
تركت لبنى مكانها و جلست على البساط قرب جونة و مسحت على ظهرها مواسية:" لا بد أن الأمر كان صعبا، ما دمت هنا فسأساعدك لو أردت في إقناع أختك حور."
  - " قد تغضب و تعتبر ذلك تطفلا..لا أدري." فركت جونة جبهتها بأطراف أناملها متضايقة.
  تنهدت لبنى، ثم اقترحت:" ماذا لو تخبرين أباك؟ لو كان يحب بناته فما كان ليقبل أن يؤذي أحد ابنته."
  - " لقد فعلت، و لكن تلك الغبية كذبتني و أنكرت ذلك. و تشاجرنا لفترة، وقتها قررت تركها و شأنها و لكن لم ألبث أن عدت أقلق بشأنها و شعرت أن من واجبي فعل شيء."
  - " أنت أخت عظيمة يا جونة." مدحتها لبنى بإعجاب لتضحك جونة بخفة:" أي عظمة و أنا عاجزة عن إنقاذ أختي."
  - " صدق شعورك سوف يصلها، و ذات يوم ستدرك ذلك و تقدره ، و ستعلم أن سعادتها تقبع بعيدا عن زوجها الحقير."
  - " لك جزيل الشكر يا لبنى، أخبرتك أنك طيبة."
  تبادلت الفتاتان الابتسامات.
انضمت لهما ضحكة و ياقوت و قد جلست الفتيات  يدردشن، و تعجبت لبنى أن ضحكة لم تنبش عن أي شيء، و لم تسألها أسئلة خاصة، لا من أين جاءت و لا ما تريده، و تساءلت إن كانت جونة قد أخبرتها أم أنها فقط لا ترى داعيا لتعرف.
ما كان يضاعف من جمال ضحكة هي روحها المرحة، و كانت اسما على مسمى، فقد كان كل شيء يضحكها، و كانت لها ضحكة جميلة و منعشة ما جعل لبنى تحبها و تستلطفها، فهي بالعادة تشعر بالحذر من الجميع، و هذه العادة نتيجة لخيبة أمل صدرت من أكبر مصدر ثقة كان للبنى ذات يوم.
  حظيت بالكثير من المتعة رفقة الأخوات و ضحكت ملء قلبها على النكت السخيفة التي ألقتها ضحكة، و أنصتت باستمتاع لياقوت و هي تسمي لها دماها القماشية، حتى أنها لعبت بهن معها، و تذكرت أنها امتلكت واحدة فقط طوال حياتها، و كانت مصنوعة من القش، و قد أطعمتها للنار في لحظة غضب و ليست بنادمة على ذلك بل تتمنى لو ألقت معها الشخص الذي أهداها إياها.
جاء وقت الغداء، و تناولنه مع بعضهن و حين فرغن ساعدت لبنى في حمل الأطباق و أصرت بشدة على تنظيفها لئلا تكون ضيفة ثقيلة، فوافقت جونة على مضض و ذهبت لتنشغل بأمر آخر، بينما كانت ضحكة تأخذ عنها الأواني و تنشفها.
فجأة، جاءت طرقات على الباب، و يبدو أنها مألوفة لصاحبات الدار؛ فقد صحن في صوت واحد متحمس:" أبي !! " و ركضت ياقوت لتفتح الباب.
كانت لبنى متوترة إلى أقصى درجة، و بينما خرجت ضحكة من المطبخ، جعلت تنظم أنفاسها و تتدرب على ما ستقوله لوالدي جونة. بقيت هناك لقرابة العشر دقائق بينما تسمع حوارات متداخلة قادمة من المجلس و زاد ذلك من ارتباكها بشدة و أخذت تطل منتظرة ظهور جونة أو احدى شقيقتيها.
رأت فجأة فتاة تخرج من هناك فعادت للمطبخ و انتظرت قدومها إذ ظنتها جونة و لكنها تفاجأت بفتاة ما ذات بشرة قمحية تمر من أمام باب المطبخ و خيل إليها أنها.. ترمقها باحتقار؟
طرفت بقلق و قد بدأت بطنها تؤلمها، و قبل أن تغرق في أفكارها أكثر اقتحمت ياقوت المطبخ و قد كانت تصرخ باسمها طول الطريق إلى هناك، أمسكت بيدها و سحبتها في لحظة لتجد نفسها عند مدخل المجلس.
تطلعت لبنى للوجوه الجديدة الجالسة، و التي نظرت نحوها في الوقت نفسه، كان والد جونة رجلا قوي البنية بلحية شعثاء و شعر رأس قليل، بينما أمها كانت سيدة بيضاء ذات ملامح حادة كجونة، و كانت هناك امرأة أخرى، ممتلئة قليلا بسحنة عابسة رغم الابتسامة الخفيفة التي تضعها.
تبسمت لبنى ثم قالت بتلعثم و هي ترجو أن لا يلحظوا رعشة قدمها اليسرى:" مرحبا.. معذرة، أنا.. اسمي هو لبنى".
انفجر الأب في ضحكة عالية ثم قال باسطا كفه للمكان بين ضحكة و الأم:" تفضلي و اجلسي يا ابنتي، لا داعي للارتباك، أنت ضيفتنا جميعا."
رافقتها ياقوت و أجلستها هناك بينما اتضح للجميع كيف أنها متحجرة من التوتر، حاولت ضحكة تخفيف ذلك فضربت ظهرها بقوة:" على رسلك يا لبنى، نحن لن نأكلك." احمر وجه لبنى و حاولت التبرير و لكن الأم على يمينها أمسكت بيدها فالتفتت نحوها و وجدتها تخاطبها كما لو كانت طفلتها الصغيرة:" لقد أخبرتنا جونة بما حدث معك يا ابنتي." ارتخت لبنى و بدا عليها التأثر بلطف السيدة و لكنها دهشت بها تقول:" لا بد أن والدك سوف يمر من هذه المنطقة مرة أخرى ليبحث عنك، يسعك البقاء بيننا، لا مشكلة في ذلك و لا حرج، لقد ضاع ابني مني ذات يوم و كنت ممتنة لمن اعتنوا به، لذلك سوف أعتني بك أنا أيضا ليطمئن قلب أبيك."
أصيبت لبنى بالدوار و لم تفقه شيئا مما تقوله المرأة أمامها، أ تراها نامت في المطبخ و الآن هي تحلم؟ سرقت نظرة إلى جونة الجالسة قرب أبيها مقابلهما لتزحف هذه على ركبتيها نحوها بابتسامة شقية:" نعم، لا تقلقي يا لبنى. لقد شرحت لأمي و أبي كيف أنك كنت على سفر مع أبيك بينما اعترضكم قطاع طرق فأخذوك ثم هربت منهم و تهت في الصحراء قريبا من هنا، شرحت كل ما قلته لي بالتفصيل، لم أنسَ شيئا، صحيح؟"
  - " لا، كلا، لم تنسي." أجابت لبنى و بعض الارتياب في نبرتها.
  - " سأجلب لك ورقا و حبرا، يمكنك كتابة رسالة، و سأبعث بأحدهم ليوصلها إلى أبيك حتى يعرف مكانك، كما و سنخبر الحارسين في حال جاء أحد و سأل عنك." قال الأب و هو يبتسم لها ابتسامة تقول: كل شيء سيكون بخير.
  - " سأكون..ممتنة لذلك حقا يا سيدي." قالت لبنى.
  ترك المجلس و عاد بعد لحظات و وضع لفافة أمام لبنى و علبة حبر، فمسحت الأم على ظهرها:" إلى أين كان متجها حتى نبعث بالمرسول هناك؟ أم يكون قد عاد لقبيلتكما؟"
  - " لا..لا أدري يا سيدتي، أشك في عودته..سيكون.. يبحث  عني في الجوار أو..أو ربما تابع طريقه، فمهنته شيء لا يمكن تأجيله فهو يعمل لحساب آخرين." وجدت الكذبة طريقها للسان لبنى.
  - " إذا ما العمل؟" سألتها ياقوت في قلق.
تبسمت لبنى:" سأرسل بالرسالة إلى زمردار على أية حال، احتمال متابعته أكبر من عودته." ثم خطت بعض الأسطر و مدت اللفافة إلى الأب الذي سألها :" عن من يبحث تحديدا ؟ ما هو اسم والدك؟"
بحث عقلها بين الأسماء التي تعرفها، و اختار أبعد اسم قد يصعب إيجاد خيط يدل أهلها عليها :
" عَجو! قل له أن يبحث عن التاجر عجو!"
استغربت لبنى أن الجميع انتقل من الدهشة إلى التبسم أو الضحك، فسألت عن السبب لتجيبها جونة:" لا عليك، فقط هي صدفة أنه اسم أخي.. حسبته الوحيد في العالم بهذا الاسم الذي ابتكرته أمي بينما تتوحم على التمر."
  - " أخوك اسمه عجو ؟" تعجبت لبنى.
  - " نعم، و بالمناسبة أين هو؟" قالت ضحكة متذكرة فأجاب الأب و قد أوقف ضحكه:" نظرا لبعض الظروف فهو لم يرجع معنا، سوف يعود مساء ربما أو في صباح الغد."
بدا أن شقيقاته حائرات بهذا الشأن و لكنهن لم يسألنه، ربما لأن لبنى بينهم، فقد كانت هذه العائلة من النوع الذي تربى على حفظ شؤونه لنفسه رغم انفتاحها.
  - " على أية حال، سأجلب لكم الغداء، لقد فرغنا منه نحن قبل ساعة." نهضت ضحكة إلى المطبخ، في حين قدم أفراد العائلة أنفسهم للبنى، فكان الأب يدعى رمح و يعمل كمستشار لشيخ قبيلتهم، و الأم تدعى علياء، و المرأة الهادئة كانت الأخت حور التي حدثتها جونة عنها، و التي ما إن قالت اسمها و قدمت كلمات الترحيب بلبنى حتى التحقت بضحكة في المطبخ.
جلست ياقوت قرب لبنى و أخذت تحدثها بنشاط عن الطريقة التي خاطت بها ثوب دميتها، فتبسم الأبوان لكون تصرف ابنتهما الصغيرة قد أزال عن ضيفتهما توترها و جعلها تتكلم براحة و مرح.
استأذن الأبوان، فازدادت راحة لبنى، و رغبت في أن تسأل جونة حول كذبتها و لكن ياقوت كانت لا تزال معهما و هي تضفر شعر الدمية المصنوع من الحبال الرقيقة، فأجلت الأمر و استفسرت عن الشابة التي مرت بها قبل قليل لتجيبها ياقوت عن ذلك:" تلك هي أختي فاتنة، كانت متعبة فذهبت لتنام و قالت سترحب بك حين تقابلك بعد استيقاظها."
[ كان بإمكانها الترحيب بي قبل قليل فعيوننا قد تلاقت ] فكرت لبنى ببعض التضايق.
بعد أن فرغن من كل ما يجب عمله، سارت لبنى خلف الشقيقات للحصول على قيلولة.
قالت ياقوت للبنى:" أنا و ضحكة و جونة ننام في الغرفة نفسها، أما فاتنة فتملك غرفتها الخاصة، لقد أحدثت جدالا طويلا حتى حصلت عليها ، و لكن حين تأتي أختي حور لزيارتنا فإنها تنام معها رغما عن أنفها المغرور! " ضحكت الأخوات حتى حور و التي قالت في ضحكها:" عيب أن تتكلمي عن أختك في ظهرها يا ياقوت، هي ترحب بي بسرور كلما جئتكم."
هزت ياقوت كتفها بلا اكتراث ثم أشارت لباب غرفة مروا عليها:" هذه خاصة أخي عجو، عندما يعود سأعرفك به يا لبنى، إنه أفضل أخ قد يحصل عليه المرء يوما، أنا أحبه كثيرا!"
  لم تعلق لبنى و تبسمت باصطناع، لكم ودت أن تحذر هذه الصغيرة من أن تتعلق بأخيها كثيرا خشية أن تكتشف حقيقة أنه لا يكترث لأمرها، و لكنها لم تقدر، فهي تعلم كيف سيردون عليها.
فتحت جونة باب الغرفة بعد أن وصلوا إليها، و قد كانت في الطابق العلوي. غرفة فسيحة، و مشرقة بفضل تسلل ضوء الشمس عبر نافذتها الكبيرة المفتوحة، اختفت أرضيتها أسفل بساط أحمر مزركش و مزين بالرسوم، و رتبت فوقه ثلاثة أسرة قماشية مملوءة بالوسائد المنفوشة، و على كل جانب من جانبي النافذة، وجدت مشكاة، على كل واحدة وضع فانوس للإنارة.
نظرت لبنى لليسار و رأت ثلاث صناديق مرتبة بجانب بعضها و قد زين أعلاها بمفارش بيضاء و طرز على كل منها اسم صاحبته، و كانت تحوي ملابسهن و حاجياتهن.
أما أدوات الزينة، فقد رتبت على رف متوسط الارتفاع، و اعتلته مرآة مربعة الشكل.
علقت و هي تغبطهن:" يا لها من غرفة لطيفة."
  - " يسعدني أنها أعجبتك، مع أني أراها عادية."
  قالت جونة بينما ترتمي على أحد الأسرة.
  - " عشت في غرفة بحجم صندوقين من الصناديق هناك و مهما نظفتها تبقى قذرة، لذا غرفتك العادية جنة بالنسبة لي." قالت لبنى بسخرية و هي تجلس على طرف سرير جونة.
وضعت ضحكة و ياقوت وجها مشفقا و سألت الصغيرة: " هل والدك يقسو عليك؟ إن كان يتركك تعيشين هكذا فابقي عندنا و لا تعودي إليه، أنا أحببتك كثيرا يا لبنى." احتضنتها لبنى من فرط امتنانها فقد استشعرت منها الحب أكثر من الإشفاق:" ليس أبي من يفعل، و لكنهم إخوتي."
  - " أ لا يسيطر على أولاده، كيف يسمح لهم بأن يتصرفوا و كأن لا أب لك!" احتجت ضحكة و كانت أول مرة تضع تعبيرا غاضبا منذ جاءت لبنى، و هذه الأخيرة شعرت ببعض السوء لكذبها، و من الحقيقة أن والدها قد توفي منذ سنوات، و لكنها قالت:" هو يسافر كثيرا للتجارة و يتركني معهم، حتى لو عاقبهم فسوف تشتد قسوتهم فور سفره مرة ثانية."
  - " كم هذا صعب، لا بد أنك مررت بالكثير." قالت جونة بتأسف صادق، فكذبات لبنى محشوة بمعاناة مرت بها فعلا.
" أوه، و لهذا أخذك معه هذه المرة في سفرته، و من الحظ العاثر خطفك قطاع الطرق!" قالت ضحكة.
  - " و من حسن الحظ، انتهى بي الأمر هنا." قالت لبنى أول جملة صادقة كليا في هذا الحوار و تبسمت بامتنان:" ليس فيكن من تتصور كم كنت في حاجة إلى صحبة كصحبتكن، أشعر براحة كبيرة كنت أفتقدها."
  - " يسرني أنك مرتاحة بصحبتنا، أتشوق لأيامك بيننا."  أمسكت ضحكة بيديها و أعطتها احدى ابتساماتها الساحرة بينما احتضنتها ياقوت و هي تضحك، أما جونة التي كانت مستلقية فقالت ممازحة:" لقد سرقت قلوب أختيَ في لمح البصر فما تراك فاعلة بعجو."
  - " جونة! لعجو خطيبة كما تعلمين." نظرت الفتيات لحور التي دخلت الباب حاملة بعض الأغطية و الأفرشة، لم يكن قد لوحظ اختفاؤها عن المجموعة حتى عودتها، فهي هادئة بشدة.
رتبت الفراش ليتوازى مع الفراش أسفل النافذة، و الذي كان لضحكة، و قالت بلطف:" هذا سيكون فراشك يا عزيزتي لبنى، أرجو أن تشعري بالراحة فيه، و إن احتجت أي شيء فلا تترددي بإخباري، اتفقنا؟"
أشرق وجه لبنى بابتسامة:" حاضر، شكرا جزيلا لك يا حور !" كانت قد عزمت أن تكسب قلبها، حتى تستطيع مساعدتها بشأن زوجها.
و بذلك، اضطجعت كل فتاة في سريرها، و انصرفت حور لغرفة فاتنة، و بعد قليل من الوقت غططن جميعا في النوم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.