كبرياء
كبرياء
جزء 4 من 5
وضع القراءة:

3~إتِّــــفَـاق

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في قمة جبل مدينة أدريمارا الشاهق ، وسط ذاك السكون المهيب ، يقع كوخ جبلي متواضع يبدو من الأماكن التي تروي فيه همسات الماضي الذكريات الحلوة التي لاتنسى لكن لا أحد يدري السر الذي شهدته تلك الجدران قبل سنوات طِوال
هناك أمام الكوخ يقف رجل مُسن ينظر له بعينين جامدتين ، كأن أحداث اليوم المشؤوم لا تنفك تعود لمخيلته
أغمض عينيه و أطلق زفيرًا كان عالقًا في صدره ثم ألقى نظرة سريعة إلى من في سيارته السوداء ذات الطراز الكلاسيكي ليطمئن عليه
برز صوت سيارة أخرى تقترب من الكوخ حتى توقفت أمامه مباشرة ، نزل منها السائق الخاص ببذلته الرسمية السوداء ، فتح باب المقعد الخلفي و نزلت منه سيدة في بداية الخمسين من عمرها ، تحمل بين يديها رضيعة كانت غارقة في نوم عميق وسط بطانيتها الوردية
ما إن لمحها المسن حتى إتجه إلى سيارته ، و فتح باب المقعد الخلفي ليجلب هو الآخر طفلا لا يتجاوز عمره السنة حمله بلطف كي لا يوقظه من نومه
تقدما بخطوات واهنة حتى تقابلا وجهًا لوجه ، نظراتهما عكست موقفهما ، هما يتمنيان لو أن الأمور لم تصل لهذا الحد ، لكن يدركان أيضًا أن هذا مايجب فعله
" سينتهي ، كل هذا سينتهي"
قالها المسن بصوت أشبه بالهمس
" سينتهي يا آلفرد ، لن نسمح بإراقة دماء أخرى "
ردّت السيدة بنبرة متحسرة
" ماري ، نحن لم نستطع منع الأمر لكن نستطيع منع تكراره"
" تقصد هما يستطيعان"
ثم نظرا للطفلين بنفس الوقت ، نظرات مشفقة متأسفة ، مشفقة على وضعها تحت مسؤولية شيء لم يقترفاه ، و متأسفة على إجبارهما على دفع الثمن معهما
" هذا ليس عادلاً "
" نحن لا نملك خيارًا "
" صحيح ، لكن ... "
" يكفي لقد حدث ما حدث ولا نفع للندم"
" العداوة ستنتهي في أقرب وقت ممكن "
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
" و هكذا أتممت صفقتي دون جهد يُذكر"
قالها إدريان بصوت يحمل شيئا من التفاخر بعدما سرد على سيليا قصص صفقاته و إنجازاته الأخيرة ،
و هي كانت تستمع له بإمعان شديد و نظرات معجبة
هذه كانت مزحة
هي لم تستمع لحرف واحد ممّا قاله ، طول الطريق و هي تتمنى أن تحصل معجزة و يتوقف عن كلامه المثير _ هذا ما يظنه _ تشعر بصداع كلما سمعت صوته المتفاخر
هي نادمة ، نادمة حقًا لأنها ركبت معه ، ليتها عادت أدراجها نحو الطائرة الخاصة و تركت جدتها تفعل ما تشاء ، تفضل تحمل غضب جدتها على تحمل وضعها الحالي
أخيرا وصلا لقصر عائلة كاروفا ، لم تشعر يومًا بالسعادة لرؤية هذا المكان كما تشعر الآن ، لا مزيد من صوت إدريان المزعج ، هذه نعمة لا أحد يفهمها غيرها
توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي ، و نزلت منها سيليا و هي ترقب القصر بنظرات مرتابة الآن ستعرف ما الذي يحدث هنا ، توجهت نحو الباب بخطوات ثابتة ، رفعت يدها لتدق الجرس ، ترددت لولهة ربما خوفًا ممّا ينتظرها أو ممن لا تريد رؤيتهم لكنها طردت تلك الأفكار و ضغطت على الجرس بينما وقف إدريان خلفها و هو يحمل حقيبتها قائلًا :
" لا داعي للشكر"
رمقته بنظرة جانبية غير مُبالية ، كأنها لا تملك شيئا أهم تفكر فيه حاليًا حتى تشكره على حمل حقيبة
فُتح الباب الخشبي الذي يحمل نقش رمز عائلة كاروفا لتظهر السيدة لُولَا رئيسة الخدم منذ عقود بإبتسامتها اللطيفة كعادتها و صوتها الحنون:
" أهلاً بعودتك آنستي "
" أهلاً لُولاَ ، أين جدتي ؟ "
قالتها سيليا و هي تدخل لقصر آل كاروفا ذو الطابع الفيكتوري لكن بأسلوب عصري ، رغم أنه عتيق إلّا أنه لازال يملك بريقه الخاص
" في غرفة المكتب ، هي تنتظرك مع ... "
لم تكد لُولَا تكمل جملتها حتى صعدت سيليا الدرج نحو الطابق الثاني حيث توجد الغرفة ، لحقها إدريان بخطوات بطيئة فهو يعلم مسبقاً بالأمر عكس سيليا التي لم تعد تتحمل أسلوب جدتها المبهم
وصلت للطابق الثاني و ما إن إلتفتت للممر الأيسر المؤدي إلى غرفة المكتب حتى سمعت صوت من خلفها :
" أنظرو أنظرو من عادت ، الأميرة المدللة"
توقفت سيليا مكانها و أخذت نفسًا عميقًا تحاول كبح غضبها لتستدير و تقابل جوليا ابنة خالها الأكبر التي كانت ترمقها بنظرة استصغار و إبتسامة متكلفة
" و أنا أيضًا إشتقت لكِ عزيزتي جوليا "
قالتها سيليا مع إبتسامة متصنعة
" كفى سخرية ، لماذا عُدتِي الآن ؟ لاتزال هناك ثلاثة أشهر على موعد زيارتك المعتاد "
" عفوًا ؟! هل عليّ تقديم طلب لحضرتك حتى آتي لمنزلي "
" منزلك ؟ هل أنتِ جادة ؟ هل عليّ أن أذكرك أنّ كُنيتك الأولى كانت رو...."
لم تستطع إنهاء كلماتها لأن يد سيليا تموضعت على عنقها بعنف و منعت أنفاسها من الخروج
بينما حاولت جوليا فك نفسها منها إلّا أن محاولاتها باءت بالفشل رغم طولهما المتقارب شعرت بالفزع أكثر عندما رأت منظر عيني سيليا المحمرتين من الغضب ، اقتربت منها لتهمس في أذنها بصوت يعكس مدى غضبها :
" لا تتجرئي حتى على التفكير بذاك الإسم مجددًا و إلاّ سأنسى أنّكِ إبنة خالي ، هل كلامي مفهوم ؟ "
أومأت جوليا رأسها عدة مرات و هي تشعر أنها على وشك الموت ، لتسحب سيليا يدها من عنقها و تتركها تسقط أرضًا و هي تسعل و تحاول إستعادة أنفاسها في نفس اللحظة التي وصل فيها إدريان للطابق
ما إن لمحهما حتى عقد حاجبيه و نظر لسيليا التي لم تُعره إهتمامًا و أكملت طريقها ، أمّا جوليا فقد نهضت بسرعة و إتجهت نحو الطابق العلوي و هي تهمس بينها و بين نفسها
(( ستندمين يا سيليا و أنا لن أنسى هذا ))
تابع إدريان خطواته لاحقًا بسيليا التي وصلت للغرفة و طرقت الباب لتجيب جدتها:
" تفضل"
دخلت سيليا بعصبية و هي تقول :
" اشرحي لي ما الذي .... "
ابتلعت بقية جملتها عندما رأت من يجلس أمام مكتب جدتها ، بهيئته الرسمية و عكازه الذي يحمل في مقدمته مقبض على شكل رأس أسد و قبعته الكلاسيكية التي لا تتذكر أنها رأته يومًا بدونها
آلفرد درافان ، زعيم عشيرة آل درافان ، و جد إدريان أيضًا ، هنا في قصرهم و بالتحديد في غرفة مكتب جدتها
حسنًا ، الأمر يزداد غرابة
طيلة عقود كان آل درافان ممنوعين من الإقتراب من من أملاك آل كاروفا ، و الآن الجد و حفيده في قصرهم دون حماية و لا حتى حراسة
نظرت نحو جدتها التي كانت هادئة ، إذن هي ليست تحت تهديد أو شيء كهذا ، أشارت لها بالجلوس في أحد المقعدين المقابلين لهما ، ففعلت ذلك ، ثم أشار السيد آلفرد لإدريان بالجلوس في المقعد الآخر و فعل هو أيضًا بدأت تشعر بجدية الموضوع ، قلبها يخفق بقوة أحست بالدوار لولهة لكنها تماسكت و وجّهت نظراتها لجدتها و قالت :
" ما الأمر المهم الذي جلبتني من أجله ؟ "
نظرت جدتها السيد آلفرد قبل أن ترد عليها :
" السيد آلفرد و حفيده أتيا اليوم للتحدث في أمر بالغ الأهمية ، و هو يخصك خاصة و يخص العشيرتين عامة "
حتى الآن هي تشعر بالضياع و لم تفهم بعد ما الذي تقصده
أشارت السيدة ماري للسيد آلفرد بالتحدث ، وجّه نظراته لسيليا الحائرة ثم قال :
" هذا الموضوع حساس نوعًا ما ، و قد تحدثت مع جدتك ، أطلب منك ألّا تتسرعي و تتحلي بالهدوء "
حرفيًا جملة ( تحلي بالهدوء ) هي التي أخرجتها من وضع الهدوء
سكت لثواني قبل أن يكمل :
" آنسة سيليا كاروفا ، عشيرة آل درافان تطلب يدك للزواج بحفيدي و وريثي إدريان درافان"
.
يخطئ الآباء و يدفع الأبناء الثمن
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.