وضع القراءة:

الشمعة السادسة

في الرابعة فجراً، لا تكون الذكريات مجرد صورٍ باهتة، بل هي أشباحٌ تسكنُ جدران عقلي، تخدشُ سكينة الصمت بأظافرِ الحنين. أتحسسُ بيدي ملمس الجدار البارد في غرفتي، وكأنني لا أزالُ أتلمسُ جدران ذلك البيت القديم، بيت الجد.. حيث كان الوقتُ يمتلكُ طعماً آخر، طعم العسلِ والترابِ المبلل.
استيقظتُ على صدى ضحكةٍ قديمةٍ تلاشت منذ سنوات، تتردد في أركان الغرفة المعتمة. كان الملمس مألوفاً بشكلٍ مخيف، كأنه خارطةُ طريقٍ لكل خطيئات الماضي التي حاولتُ طمسها. هنا في هذه الزنزانة التي أسميها " ذاكرتي"، لا مكان للهروب فالأبواب موصدةٌ بأقفالٍ من حنين، والنوافذ لا تطلّ على العالم الخارجي، بل على نسخٍ أخرى مني، تلك التي كنتُها قبل أن يبتلعني النسيان.
كانت غرفة الجلوس في بيت جدي تنبضُ بحياةٍ خاصة. الساعة الخشبية القديمة المعلقة على الحائط كانت نبضاتها المنتظمة هي الموسيقى الوحيدة التي تعرفها طفولتي. استيقظتُ على إيقاعها في ذلك الصباح الباكر، حيث كان المكان يضجُّ بالسكينة. على الأرض، كانت الفرشاتُ مصفوفةً بعناية. نظرتُ بجانبي كانت أمي غارقةً في نومٍ عميق، وبجانبها أختي الصغيرة تتكورُ كقطعةِ صوفٍ دافئة، رأسُها يغوصُ في حضن أمي، مستسلمةً لأمانٍ لا تدركُ قيمتَه إلا حين تفقده. تأملتُ ملامحهما في ضوء الصباح الخافت و نهضتُ بحماسٍ طفوليّ، شعري المنسدل كالحرير كان يداعبُ وجهي، رتبتُه بلمسةٍ عفويةٍ على عَجَل، ثم لامست قدماي الحافيتان البلاط البارد، ذاك البرود الذي يوقظ الحواس.
اتجهتُ نحو النافذة كان ضوء الشمسِ المتسلل من غرفة الضيوف يرسمُ خيوطاً ذهبية على الغبار المتراقص في الهواء، لونٌ غامضٌ لا يراه إلا الأطفال، يذوبُ كقطعة سكرٍ بمجرد أن يغزونا عالم الكبار!
التقطتُ لعبتي وفتحتُ باب المنزل بهدوءٍ لأغزو ساحة البيت بفرحٍ لا يسعه جسدي الصغير. نزلتُ الدرجاتِ وأنا أقفزُ من الحماس. كانت الحديقة في الصباح الباكر جنةً صغيرة، تعجُّ برائحة الياسمين والورد الجوري بألوانه الأحمر والأبيض والأصفر، اختلطت رائحته بنسيم الصباح، رائحةٍ لم ينساها فؤادي على مر السنين. التقطتُ بيديّ الصغيرتين ورقة شجرٍ أسميتها "ورقة العطر السحري"، تلك التي كنتُ أفركها بين كفيّ فيتحول عطراً يلتصقُ بجلدِ طفولتي.
"ياسمينة.. هل استيقظتِ؟"
رفعتُ رأسي نحو السطح كان خالي الصغير يصارعُ الريح بطائرةٍ ورقيةٍ صنعها من بقايا الخشب والأكياس السوداء. كان يتصببُ عرقاً، وعيناه تلمعان ببريقِ محاربٍ صغير.
"خالي ابراهيم صباح الخير ! هل طارت؟" سألتُه بصوتٍ متهدجٍ من شدة الحماس.
نظر إليّ بثقةٍ والضحكةُ تملأ ثغريه "أجل، بالتأكيد! انظري!"
ولكن، ما هي إلا لحظاتٌ حتى خفض نظره إلى الطائرة التي تهاوت مجدداً على الأرض، مُنذرةً بأن محاولته باءت بالفشل. ضحكتُ بصوتٍ عالٍ على ردة فعله، وما هي إلا لحظاتٌ حتى تحرك ستار نافذة الجيران وأطلَّ ذلك الصغير بشعره الأشقر المبعثر كخيوط القمح، وملامحه الفوضوية التي تعكس روح صاحبها.
"كرم! عيد ميلادي، اليوم عيد ميلادي! أصبحتُ ست سنوات!" صرختُ، فقفزَ من نافذتهم وكأن الأرضَ لم تعد تتسع لفرحته. اقتربَ، مسح يديه في قميصه المتسخ، وسألني وعيناه تلمعان: "هل هناك كعكة؟"
أجبتُه بابتسامةٍ ملأت وجهي: "أجل، والدي وعدني بأجمل كعكةٍ في العالم!" قلتها وأنا أشيرُ بأصابعي في كل اتجاه.
"هيا لنلعب معاً،" قلتُ، فهزَّ رأسه مجيباً: "لنلعب لعبة القراصنة، ولنكمل رحلة البحث عن الكنز كالبارحة، فلنحفر اليوم في كومة الطين قرب شجرة التين الكبيرة."
لعبنا في ذلك الفناء، ركضنا بين أشجار الليمون واللوز، ونسينا أن العالم خلف ذلك السور الطوبي قد يبدأ بالانهيار في أي لحظة. ثم ناداني جدي للإفطار. كان يجلسُ بهدوئه المعهود، شعره الأبيضُ يحيطُ برأسه كالهالة، وعيناه الزرقاوان تفيضان بحنانٍ يكسرُ صخر القلوب. اقتربتُ منه، ألقيتُ بنفسي في حضنه، وشممتُ رائحة التبغ والوقار التي تفوحُ من ثيابه.
"هل نحتفلُ بحفيدتي؟" سأل وهو يمسحُ على شعري.
أغمضتُ عينيّ وأجبتُ بدلال: "أريد زينةً، وكعكةً، وعيد ميلادِ أميرات!"
ابتسمَ جدي، وكانت تلك الابتسامةُ أرقَّ شيءٍ رأيته في حياتي. لم أكن أعلم، بينما كانت يداه الحانيتان تلامسان كتفي، أنني كنتُ أقفُ في آخرِ لحظةِ أمانٍ عرفتُها، وأن كلَّ ما سيأتي بعد هذه الشمعة السادسة، ليس سوى صدىً خافتٍ لبيتٍ كان يوماً يُسمى وطناً، وأن تلك الشمعة التي كنتُ أحلمُ بإطفائها، ستكون هي التي ستحرقُ كل ما تلاها.
وقد أقبل المساء المُنتظر، ليحلّ بظلاله الهادئة على منزل جدي الدافئ. وقد وفى والدي بوعده، فأشرقت على الطاولة أجمل كعكةٍ رأتها عيناي الصغيرتان. وقد قضيتُ في رحاب هذا البيت من عمري أكثر مما قضيتُ في منزلنا ، فأنَا الحفيدة الكبرى، وأختي "يارا" التي تصغرني بثلاثة أعوام هي الحفيدة الثانية.
و حظيتُ من الدلال بما لم يحظَ به طفلٌ سواي ، من جدّي، وجدتي، وخوالي الأربعة الذين لطالما اصطحبوني في جولاتهم بين أصدقائهم، يتباهون بجمال ملامحي ودلالي. كنتُ ملكةَ ذلك المكان بلا منازع، الحفيدة المحبوبة وحبيبة الجد والجدة التي لا يُردّ لها طلب.
شهد ذلك المنزل أصفى الضحكات وأطهرها ، إذ كان وجود طفلةٍ تنبض بالظرافة والفرح يغمر قلوب الجميع بالحياة. وحتى حين ولدت أختي، لم يتزحزح مقامي المميز عن عرش الحفيدة الأولى. كان والدي كثير الأسفار، فحين يغيب، كنا نقضي الشهور والأسابيع الطوال في كنف بيت الجد. وكان لجدي متجرٌ شهير للثياب في الحي، لطالما أخذنا عند عودته من العمل ليشتري لنا تلك الدمى المحشوة التي كنا نضمّها إلى صدورنا بغبطة. دمىً منحتني لحظات فرحٍ طفوليّة، لكن رؤيتها بعد أعوام طويلة كانت تفتح ينابيع الدمع في عينيّ ، فلكل دميةٍ ذكرى، وما قيمة الذكريات إن لم تكن تؤلمنا في لحظة فقدانها؟
ومع حلول المساء، اجتمع الجميع و أطفئت أضواء المنزل، والتفّ خوالي الاربع إبراهيم، وفؤاد، وعلي، وفارس أمّا صديقي كرم الذي خجل من حضور الاحتفال العائلي، فتركنا له حصته من الكعكة لانزالها له لاحقاً، فاستقبلها بابتسامته المضحكة .
وقفوا جميعاً يغنون حول الكعكة، وذاك المشهد ، ضحكاتهم التي تضج بالحياة حينها علق في ذاكرتي عمراَ طويلاً، ولم يغادر أبداً.
كان في المكان دفءٌ فريد، ليس كالدفء المعتاد، إنه دفء العائلة ، دفءٌ نادرٌ كاللآلئ، طعمه سكرٌ صافٍ حين تملكه، ومرٌّ كالعلقم حين تفقده. الفقير حقاً ليس من لا يملك النقود، بل من يعيش بلا هذا الدفء. وفي خضم تلك البهجة، سألني والدي بصوته الدافئ وضحكته الخلابة، بينما كانت الأغنيات تحيط بنا:
"هل أنتِ سعيدة يا حلوتي؟"
يقال إن كل فتاةٍ بأبيها معجبة، والحق يقال إنني كنت أعشق والدي أكثر من نفسي. نظرتُ إليه وعيناي تتلألأ فرحاً، فأجبته:
"أجل، سعيدة جداً !"
ثم سألته بطفولةٍ بريئة: "هل ستحتفلون بي هكذا حتى عندما أُصبح كبيرة؟"
أجابني بيقينٍ تامّ يغلفه حنان الأبوة: "بالتأكيد! فمن لدَي أغلى منك ومن أختكِ؟"
تعالت ضحكات العائلة بحبور، فتدخل جدي معتصم بوقاره الجميل، وعيناه الزرقاوان تلمعان بالمزاح الحنون:
"ولو بقيتُ حياً إلى أن تبلغي يا ياسمينتي، أتُراكِ تعزمينني على عيد
ميلادكِ آنذاك؟"
فأجبته بدلال: "بالتأكيد يا جدي!"
وفي تلك اللحظة المجيدة، انقبض الوقت ليقف حائراً أمام عدسة الكاميرا، والتقطت لنا صورةٌ جمعت كل تلك الضحكات الطاهرة تحت سقفٍ واحد. لم تكن مجرد ورقةٍ ملونة، بل كانت صندوق توابيتٍ لصوتهم، ومخبأً لدفءٍ لم أعلم أنه سيكون الأخير.
ولو أنني علمتُ حينها أن هذه اللحظة هي "الوداع الأخير" المتخفي بزي العيد، لما سمحت للعدسة أن تلتقطها ساكنة لحفرتُ تفاصيل تلك الوجوه بظفري على جدران روحي.
إلا أن أذرف دموعاً مريرة على طفلةٍ كانت تظن أن السعادة عهدٌ لا ينقض. إنها أقسى أنواع العذاب أن تملك صورةً لأشخاصٍ، وهم في الحقيقة قد لن يجتمعوا مجددا ، أو رحل ذلك الدفء من صدورهم. سأبقيها هكذا.. معلقةً على جدار الذاكرة، ضاحكةً، غير آبهةٍ بالعواصف الرعدية التي كانت توشك أن تقتلع جذور بيتنا من أساسه.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.