Chapter: 1
مستودع مونتيمور الصناعي، ضواحي مونتيري المكسيك ، الساعة :2:33 صباحاً .
كانَ الصمت أثقل من جدران المستودع .
_رائحة الزيت المعدني والغبار الناعم تملأ الهواء، ممتزجة بعرق الخوف الذي يتصبب من جبين الرجل الجالس على ركبتيه ، أضواء النيون البيضاء تتدلى من السقف العالي ، كل واحدة منها تصدر طنيناً خافتاً يكاد لا يُسمع، لكنهُ يتردد في صدى المكان مثل نبض صناعي ..الأرض الاسمنتية مصقولة بعناية ، لا ذرة غبار عليها الا حيثُ تقف الأقدام، الجدران من الصفيح المموج العازل للصوت تخلق فراغاً مغلقاً تماماً ، لا يسمح بتسرب أيّ همس او صوت الى الخارج ،في الزوايا كاميرات حرارية مثبتة بدقة ،عدساتها تحدق في الفراغ كعيون لا ترمش، كل شيء هنا يُرى يُسجل يُحفظ .
في منتصف المستودع ،كرسي دوار من الجلد الأسود مرتفع الظهر موضوع بدقة هندسية تحت الضوء :عليه يجلس سيد عشيرة سالديفا 'ليوناردو مونتيمور' ساكناً صامتاً كتمثال منحوتٍ من صخر بارد بدلتهِ اليوم رمادية داكنة كمزاجهِ تماماً ، لكن الضوء لا ينعكس عليه كما ينعكس على وجوه الآخرين .
على الأرض امامه على مسافة خطوتين بالضبط يجلس خافيير فيغا ، جسدهُ يئنّ من الوجع والتعذيب يدهُ تنزف ووجههِ شاحب ، وعيناهُ منتفختان من آثار البكاء ، يداهُ مربوطتان خلف ظهرهِ بسلاسل حديدية تقطع الجلد كلما تحركَ وركبتاهُ تؤلمانه من طول الجثو على الاسمنت البارد ، لكنهُ لا يجرؤ على تغيير وضعيته بغير اذنٍ
لا زالَ سيد العشيرة لم ينظر اليه بعد كانَ يدير خاتم العشيرة في أصبعه ، خاتم ذهب أسود مرصع بياقوتة حمراء وعليه حرف (s) محفور بدقة ، كان هذا الخاتم قديماً لكنه لم يكن من قرون خلّت صنعَ قبل أربعين سنة فقط بعد أن اسسَ جده العشيرة من جديد في المكسيك لكنهُ كان يزن ثقلاً لا يخف لأنه حمل معهُ حكايات دم كثيرة ..
خلفَ الكرسي وعلى بعد أمتار يقفان رجلان هيكتور وادريان ، يرتديان بدلات سوداء ومسدسات في حمالات الكتف وجوههم جامدة، لم ينطقا بكلمة واحدة منذُ ان احضرا خافيير قبل خمس وأربعون دقيقة يقفان صامتين ينتظران أوامر سيدهم.
الوقت يمر ...الساعة على حائط المستودع تصدر صوتاً اجشاً كل ثانية !
سيد العشيرة رفعَ رأسه اخيراً ، نظرَ ببطء شديد نحو عيني خافيير .
لم تكُن هناك مشكلة في النظرة لا غضب ، لا ازدراء ولا شيء يُذكر ،كانت عيناهُ خاليتين تماماً كأنهما نافذتان على غرفة مظلمة ،حتى خافيير نفسه شعر برعب جديد يتسلل الى قلبه، كان يتمنى لو يرى غضباً ، الغضب يمكن فهمه ويمكن التعامل معه ،اما الفراغ فلا أحد يتوسل الى الفراغ!
_نطق أخيراً : "ورقة ساوثمبتون" .
جاءَ صوته منخفضاً هادئاً : " أينَ هي ؟"
اهتزَ جسد خافيير بصمت شفتاه تحركتا لكن الصوت لم يخرج، كان حلقهِ جافاً كالصحراء ، ولسانهِ ثقيلاً كالحجر .
_ "سيدي" تمتم أخيراً بصوت مرتجف ..
قاطعهُ ليوناردو متحدثاً : "للمرة الأخيرة أينَ هي؟"
نزلت دمعة من عيني خافيير وهمسَ : "بعتّها يا سيدي الى رجال سينالوا ارجوك سامحني لم يكن لديَّ خيار هددوني بزوجتي واطفالي "
صمت ... سيد العشيرة أمالَ رأسه قليلاً الى اليسار وكأنه يحلل المعلومة من زاوية أخرى في عقله المختل ، ثمَ قال بصوتٍ خفيض : "كنتَ تمتلك خيار اخباري بما يحصل لكنكَ اخترت المال !" ، نطق آخر كلامة بسخرية .
"لم آخذ مالاً" ، أكمل كلامه بصوت مكسور : "لم آخذ مالاً فعلتها خوفاً على عائلتي فقط"
سيد العشيرة بقيَ صامتاً يسمع كلامه جيداً لم تظهر على وجهه اي علامة على التأثر ، فرقعَ اصابعه بهدوء ، فوراً ظهرَ هيكتور من خلفه وسلمه ملفاً شفافاً.
فتحَ الملف ببطء ، وسحبَ ما بداخله كانت عدة صور لخافيير وهو يستلم ظرفاً بنياً وصورة اخرى على ايصال الظرف ، وصورة ثالثة لحساب بنكي في جزر كايمان برصيد جديد قدرهُ مئتا الف دولار!!
وضعَ الصور على الأرض بينه وبين خافيير واحدة تلو الأخرى وكأنه يرتب اوراق لعبة .
نطقَ أخيراً بصوت منخفض يحمل بينَ طياته الشر : "الخيانة جزء من طبيعة الانسان ،انا اغضب من الكذب بعد الخيانة ،الكذب هو الذي يجعل الخيانة لا تغتفر!".
_رفعَ خافيير رأسه ، دموعه تبلل لحيته ثمَ تحدث بصوت مبحوح :" لكنني كنت سأعترف يا سيدي غداً"
تحدثَ سيد العشيرة : "غداً لا يأتي ابداً.
لم يلتفت الى حراسه لكنهُ قال بصوت خفيضٍ اجش وكأنه يطلب فنجان قهوة : " أصبعهُ الصغير ، اليد اليسرى "
خافيير فهمَ تماماً ما يرمي اليه الزعيم يكلامه ، أرادَ ان يصرخ لكن صوته لم يخرج !
"من فضلك" همسَ خافيير بصوت لا يكاد يُسمع "أطفالي ارجوك لا تؤذيهم".
الزعيم وضعَ يده على دقنه وكأنه يفكر ، بعد عدة دقائق تحدثَ قائلا : " هل تعتقد أنني احقق فيكَ فقط ، أم في كل من تحب ؟ "
تحدثَ مجدداً : "ورقة ساوثمبتون ليست مجرد ورقة لو أنكَ لا تعرف محتواها لما بعتها بمئتي الف دولار "
مَشى ليوناردو خطوتين نحوَ خافيير وقفَ امامه ونظر اليه : " سؤال اخير أجب بصدق والا ستخسر أصابعكَ".
رفعَ خافيير رأسه عن الأرض ، وحدق بسيد العشيرة بعيون ملؤها الرجاء : "ماذا؟"
أدخل سيد العشيرة كفيه في جيوب بنطاله وعقبّ ذلكَ نطق : "هل أخبرت كاسترو بمحتواها ، ام بعتها فقط لأن اسمي موجود بداخلها ".
احنى خافيير رأسه الى الأرض وفي ذلكَ الصمت ركزَ ليوناردو على عينيه ، رأى شيئاً لم يعجبهُ وجعلَ الشياطين تتراقص في عقله " أنتَ تعرف" همسَ ليوناردو صوته منخفض حاد كحافة سكين .
أطرقَ خافيير رأسه ثمَ همسّ : "خريطة".
تحدثَ سيد العشيرة قائلاً : " خريطة ماذا ؟".
تحمحمَ خافيير ينظف حلقهِ : "خريطة الطريق الذي تستخدمهُ لنقل البضائع الحساسة!!".
ليوناردو بقيَ صامتاً ، لم يقل شيء عادَ للجلوس على كرسيه ، ثمَ اخرج سيجارة لكنهُ لم يشعلها فقط أمسكها بين أصابعهِ وأخذ ينظر اليها .
وبعدَ عدة دقائق تحدثَ : " اذا كان كاسترو عرفَ الطريق..فهذا يعني أنني سأفقد ثلاث الشحنات القادمة "
أبعدَ انظاره عن السيجارة وحولها نحوَ خافيير ثمَ قال : " هل تعلم كم ستكلفني ، عبثت معي وسأجعلكَ تدفع الثمن ".
" سيدي"بدأ خافيير بالتوسل "ارجوك سيدي سامحني " ،
تنهدَ ليوناردو بملل وهو يحدق به ثمَ تحدث قائلاً : " سأنهي حياتك بنفسي، رصاصة من مسدسي كافية لأزهاق روحك ".
توقفَ بعد ان انهى كلامه ونفضَ الغبار الوهمي عن سترتهِ ، ودونَ تردد أخرج المسدس من خلف ظهرهِ .. وأطلقَ رصاصة على رأسه أودت بحياته نحوَ الجحيم .
هذا الوغد جعلهُ يتكلم كثيراً اليوم وهذا يكفي!
أمرَ رجاله بأخراج جثة ذلكَ الحثالة الى الخارج.
للحظات يحدق بالفراغ أمامه ...
وبعدَ دقائق من الصمت .. مدّ يدهِ الى جيب سترته وأخرج صورة لامرأة شقراء وعلى وجهها ابتسامة فاتنة ... كانت صورتها في يدهِ اليمنى ومسدسهِ في اليسرى ، لم يكن يعرف أيهما سيقتلهُ أسرع شوقهِ اليها ام غضبه منها ، ،رفع الصورة الى انظاره وأخذَ يتأملها ، ثم همسَ بصوت مبحوح : " لا أذكُر ان كنتُ افتقدكِ ام افتقد قتلكِ !".
_____________________________
يتبع ...
نهاية الفصل الاول
اي سؤال هاد حسابي الأنستا : _evenira_
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (3)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول