في قبضته
اندفعت أبواب الدير الخشبية الثقيلة تحت وقع أقدام الجنود المدججين بالسلاح. كان الدخان ما يزال يتصاعد من أطراف القرية التي سقطت قبل ساعات، فيما ارتجفت جدران الدير العتيق بصدى صليل الدروع والسيوف.
تجمع المدنيون في آخر القاعة الكبرى، رجالًا ونساءً وشيوخًا، وقد التصق الأطفال بأمهاتهم خوفًا. ساد الصمت فور دخول الجيش، ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة.
تقدم قائدهم بخطوات ثابتة.
كان الشيهزادة، وريث الإمبراطورية المنتصرة.
ثم وقعت عيناه عليها.
وقفت أمام الجميع كدرعٍ بشري.
كانت بثوب بسيط يليق بأيام الحصار أكثر مما يليق بأميرة، وهذا ما جعله يستبعد انها الاميرة التي يبحث عنها، شعرها الذهبي المبعثر ينسدل فوق كتفيها. التف الأطفال حولها وكأنها آخر حصنٍ بقي لهم في هذا العالم المنهار.
رفعت ذقنها بكبرياء رغم شحوب وجهها.
أما نظرتها…
فكانت مليئة بالكراهية.
كراهية صافية، حادة كسكين.
شعر الشيهزادة بها حتى قبل أن تتكلم.
قالت بصوت ثابت رغم ارتجاف أنفاس من خلفها:
“إذا جئت لتكمل ما بدأته خارج هذه الجدران، فابدأ بي أولًا.”
تبادل الجنود النظرات بدهشة.
لم يجرؤ أحد على مخاطبة وريث الإمبراطورية بهذه الطريقة.
لكنها لم تخفض عينيها.
ولم تتراجع خطوة واحدة.
تقدم الشيهزادة ببطء.
فتشبث الأطفال بثوبها أكثر، بينما وضعت ذراعيها حول أصغرهم وكأنها تستطيع حمايتهم من جيش كامل.
توقفت خطواته على بعد أمتار قليلة.
“من المسؤول في هذه القرية؟”
سألها بهدوء.
ضحكت بسخرية مريرة.
“وهل يهم؟ لقد سلبتم أرضنا وجنودنا وبيوتنا. ماذا بقي لتأخذوه؟”
تصلبت ملامح بعض الضباط خلفه، لكن الشيهزادة بقي صامتًا.
كانت تتوقع تهديدًا.
أمرًا بإعدامها.
إهانة.
أي شيء.
لكنها فوجئت حين رأته يشيح بنظره نحو الأطفال المختبئين خلفها.
طفلة صغيرة كانت تبكي بصمت.
ركع الشيهزادة على ركبة واحدة حتى صار بمستوى نظرها تقريبًا.
ساد الذهول القاعة كلها.
حتى الأميرة رمشت غير مصدقة.
خلع قفازه الجلدي ومد يده للطفلة.
“لا أحد سيؤذيك.”
ارتفع حاجبا الأميرة فورًا.
“كاذب.”
قالتها دون تردد.
رفع رأسه نحوها مجددًا.
ولأول مرة التقت عيناه بعينيها مباشرة.
كان في نظرتها احتقارٌ كامل.
وفي نظرته شيء لم تستطع فهمه.
شيء يشبه التعب.
أو الندم.
قال بصوت منخفض:
“لو أردت إيذاء المدنيين لما أمرت جنودي بفتح أبواب الدير أصلًا.”
فهمت مقصده، كان يقول لو اردت قتلكم لحرقتكم احياء، وكان يريد التفاوض.
”
تبادلت العيون النظرات المرتبكة.
لم يبقَ أي مسؤول.
الحاكم المحلي قُتل في المعركة.
والضباط إما قتلوا أو أُسروا.
شعرت الأميرة بقلوب المدنيين ترتجف من حولها.
ورأت الخوف في عيون الأطفال.
إن لم يتحدث أحد…
فسيقرر المنتصر مصيرهم وحده.
تقدمت خطوة إلى الأمام.
“أنا.”
اتجهت الأنظار إليها فورًا.
حتى بعض المدنيين بدوا مصدومين.
تابعت وهي تحاول إخفاء اضطرابها:
“أنا من سيتفاوض معك.”
رفع الشيهزادة حاجبًا واحدًا.
كانت صغيرة على أن تكون حاكمة قرية.
انتظر اعتراضًا من المدنيين.
أو من أحد الكهنة.
أو من أي شخص.
لكن أحدًا لم يتكلم.
بل إن بعضهم بدا وكأنه يتشبث بوجودها.
فأومأ برأسه وتحدث بصوت جهور: "أعرف مسبقًا أن تعزيزات الإمبراطور وصلت إلى هذه المدينة قبل أسابيع.
والتقارير العسكرية تشير إلى ان قائد تلك التعزيزات هي ابنة الإمبراطور، الأميرة التي أرسلها والدها لتثبيت الدفاعات في المنطقة.
وقد قُتل معظم الجنود الذين جاؤوا معها في المعركة التي انتهت هذا الصباح."
قال جملته هذه ببطء يحرص على ان الجميع سمعها جيدا ثم اكمل:
"لكن أحدًا لم يعثر على الأميرة، لا بين القتلى، ولا بين الأسرى، وهذا يعني شيئًا واحدًا، أنها ما زالت هنا، في مكان ما داخل المدينة، وربما داخل هذا الدير نفسه"
صمت لحظة ثم وجهه كلامه لها
“إذا سلمتموها، فلن يُمس المدنيون بأذى.”
اما هي فقد تجمد الدم في عروقها
قالت ببطء:
“وتريد منا أن نخونها؟”
أجاب بلا تردد:
“أريد إنهاء هذه الحرب بأقل عدد من الجثث.”
ثم أضاف:
“الأميرة أكثر قيمة من القرية كلها من الناحية العسكرية.”
كرهت أنها فهمت منطقه.
وكرهت أكثر أنه كان محقًا.
فهي تعلم جيدًا ما تمثله.
ابنة الإمبراطور.
ورقة تفاوض لا تُقدر بثمن.
تقدمت خطوة نحوه.
“وإذا رفضت؟”
كانت تعرف الإجابة مسبقًا، لكنها أرادت سماعها.
فاجئها عندما لم يهددها بل تقدم منها و خلع قفازه الجلدي الأيمن ووضع قبضته على صدره، فوق شعار الإمبراطورية المنقوش على الدرع.
وهو تقليد عسكري قديم لا يُستهان به.
حتى ضباطه انتبهوا للحركة فورًا.
قال بصوت واضح تردد صداه في أرجاء الدير:
“أقسم بشرفي العسكري، وباسم السيف الذي أحمله، أنني لن أمس أي مدني من هذه القرية بأذى إذا تم تسليم الأميرة"
رفع رأسه قليلًا.
“لا نهب، لا حرق، لا أسر.”
كان صوته ثابتًا.
صوت رجل يعرف تمامًا قيمة القسم الذي يقدمه.
نظرت إليه طويلًا.
ثم إلى الناس خلفها.
إلى الأطفال الذين نام بعضهم من شدة الإرهاق.
إلى النساء اللواتي ينتظرن جوابها.
إلى الرجال الذين لم يبق لديهم سلاح ولا أمل.
عندها فهمت أن لا أحد غيرها سيدفع الثمن.
تنفست ببطء.
ثم قالت:
“إذن…”
وساد الصمت في القاعة كلها.
“…يمكنك التوقف عن البحث.”
انعقد حاجبا الشيهزادة.
ولأول مرة بدا عليه الاهتمام الحقيقي.
رفعت ذقنها بكبرياء.
ذلك الكبرياء الذي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت.
وقالت:
“أنا الأميرة.”
سقط الصمت على الدير كالصاعقة.
حدق الضباط بها غير مصدقين.
وتراجع بعض المدنيين خطوة من شدة التوتر.
أما الشيهزادة فبقي ينظر إليها.
وفجأة فهم كل شيء.
سبب ثباتها.
سبب جرأتها.
سبب عدم اعتراض أحد عندما أعلنت نفسها ممثلة لهم.
لقد كانت تقودهم منذ البداية.
“ستأتين معي إلى العاصمة.”
ساد الصمت فجأة.
حتى الأطفال توقفوا عن البكاء.
وأدرك الجميع معنى كلماته. اما هي كانت تعرف أنها تتجه نحو الأسر في افضل الأحوال منذ اللحظة التي تقدمت فيها.
أكمل بنبرة رسمية:
“كضيفة للإمبراطورية.”
ضحكت الأميرة ضحكة قصيرة خالية من المرح.
“ضيفة؟”
كان في نبرتها من السخرية ما يكفي ليجرح كبرياء أي رجل.
“نسميها في مملكتي أسيرة.”
توتر الجنود خلفه.
لكن الشيهزادة لم ينكر.
ولم يحاول تجميل الحقيقة أكثر.
“ستُعاملين بما يليق بمقامك كأمير"
النهاية
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!