وضع القراءة:

الفصل صفر - أوبرا توسكا

** الملاك الساقط هو شيطان ذو أجنحة **
المخلوقات الأسطورية ليست سذاجة بشرية وليست دليلا على جنون جماعي
لكني أراها كأرشيف رمزي لتجارب لم يكن للإنسان لغة أخرى لوصفها
قبل العلم الحديث كان الكون لا يزال غامضا حتى الموت والشفاء والكوارث الطبيعية.. لم يستطع البشري القديم ترجمة خوفه إلا عن طريق الرسومات والقصص المنقولة
كانوا يصفون خوفهم كالوحش والبطل كالأمل الأخير لإنقذاهم منه..
لكن في عصرنا هذا.... لم يعد هناك ما يسمى بطل..
نحن جميعنا نمثل ذلك الوحش في الأساطير الإغريقية وغيرها..
كيميرا و مانتيكور
فهل من منتصر سيكتب التاريخ كما يريد؟
منتصف ليل التاسع عشر من يناير
لعام 2023
أومسك .. روسيا
دار الأوبرا في مونت كارلو الساعة التاسعة والنصف مساءً..
كان المكان يعج بأصوات الأوركسترا التي تتناغم مع العزف الكلاسيكي وفي قلب القاعة كانت هناك صغيرة جالسة تحيط بها لمسات من الذهب والقرمزي تستمع للأنغام بروح مختلفة عن باقي الصغار النائمين خلال العرض أو يلعبون بدميتهم
كانت عيناها تتابعان كل حركة من الموسيقيين تراقب كل نغمة بحذر لا يفوته أي تفصيل صغير..
تراقب الأوركسترا ويد المايسترو تتحرك من الاعلى إلى الأسفل...
الأوبرا ولدت من رغبة إنسانية عظيمة لتجعل أبسط الأفعال والكلام قطعة فنية يحكى عنها للسنين القادمة.. كل كلمة تدخل دون إذن لروح المستمع وكل حركة تحيي ما بداخله..
في المقصورة جانبها كان هناك امرأة بفستان فضي اللون وجريء التصميم جذبت انتباهها لثواني معدودة
كانت تتكأ على الحافة تشبك أصابعها المليئات بالخواتم معا غير واضعة أي لون على أظافرها تنظر للذي يخرج ويدخل كما لو انها ليست مهتمة للعرض بتاتا.. ولعلها شعرت بمراقبة أحد لها فالتفتت نحوها
وفي هذه اللحظة الفتاة بين أبويها والغريبة الوحيدة نظرتا لبعضهما.. لكن الصغيرة زمت شفتيها تشبك أصابعها بقوة تكسر التحديق المريب..
أثناء نظر تلك الصغيرة بالسوبرانو لدقائق أخرى ارتخى جسدها بملامح شاردة ثم خرجت من شفاهها هذا السؤال
"إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يحمي الحب دون فقدان ذاته..؟ "
أوبرا توسكا.. وخاصة نهايتها هي ما جعلتها لا ترمش.. يديها أصبحتا تتمسكان بحواف مقصورة الشرف الجالسة فيها مع والديها..
مقصورتهم كانت بجانب خاصتها وقريبة جدا تستطيع سماع المحادثة بينهم.. والد الفتاة وضع يده على كتفها يضغط برفق
" الحب يملأ قلبها بقوة لكنه يصبح ساحة معركة ضد السلطة الظالمة والظروف السياسية.. "
التفت نحوها يمرر يديه بين خصلاتها السوداء التي تشبه خاصته يظهر ابتسامة خافتة
" كل خطوة تحاول فيها حماية ماريو تكاد تمحو نفسها.. لكنها تفعل ذلك بلا تردد.. "
لم تبعد أنظارها عن السوبرانو فقد كان تحديقها كله هناك كأنها تنظر لحياة أخرى صنعت.. لكن هذا لم يمنعها من أن تسأل مجددًا
" هل التضحية المطلقة من أجل الحب تعني فقدان الذات ؟ أم أن الحب الذي يستحق أن تتم حمايته هو وحده من يعطي للحياة معنى حتى لو إنتهى بالموت؟.. "
ومن جانبها الآخر الجالسة بمثالية كما ملابسها التي تتكلم عن ثرائها وعقد الألماس الذي يزين عنقها أجابتها
" توسكا تقدم حياتها للحب والفن لكنها تشعر أن الكون خانها.. الإنسان حين يحب قد يتجاوز حدود ذاته النفسية والجسدية.. "
رفع زوجها عينيه الزيتونية نحو زوجته وانتظر لحظات قليلة حتى تحدث
" الحب الحقيقي قد يرفع الإنسان إالى السماء أو يسحقه بالأرض.. لكن الرحلة نفسها تلك المحاولة العميقة للحماية.. هي ما تمنح الحياة شكلًا.. "
الفتاة الغريبة من مكانها أثناء استماعها لهم... لم تتحدث
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.