WHAT REMAINS OF US
WHAT REMAINS OF US
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

الفصل الأول | الذئب والفريسة

لم أتخيل يومًا أن المطر قد يفعل بِي هذا، أن يكون عائقًا بيني وبين نجاتي، سماء جنوى تصرخ ألمًا، والبحر يزمجر هائجًا تواقًا لجثثٍ جديدةٍ قد تُشبع جوفه.
في أزقة إيطاليا الحزينة، لم أكن أهرب من غريبٍ يطاردني فقط، بل من كل ما مضى، من ما مررتُ به ومرَّ بِي، أهرب كما اعتدتُ أن أفعل منذ تلك الليلة..
منذ أن غادرتُ المسرح وتركتُ خلفي لحنًا غير مكتمل، لحنٌ خرجَ منّي كرصاصةٍ قتلت غيري، قبل أن ترتدّ وتعود نحو صدري وتطرحني أرضًا.
انهمار المطر يُضعفُ رؤيتي ويُضائِل فرصتي للهرب، كلّما محوته عن وجهي غطّاهُ مرة أخرى، وذلك الغريب خلفي يأبى التوقف!
ما عادت قدمي تتحمل ذلك الركض، وخوفي ضاعف تعبي، أزقة إيطاليا لم تعد آمنة لمن هم مثلي، كلما التفتُّ إليه أرى تلك الابتسامة على وجههِ، ابتسامة تخبرني كم أنا هالكة!
لم أكن أرى من وجهه سوى شفتيه المتهكمة، إذ يرتدي قبعة سوداء، ونظارة شمسية في منتصف الليل!
جمعتُ شتات نفسي وزدتُ من سرعتي حتى وصلت بي قدماي إلى زقاق ضيقٍ ومظلم، لم يكن أمامي سواه، ورغم وحشته إلا أن نهايته تؤدي إلى الميناء، وهذا جيد.
الضيق حولي يزيد الضيق داخلي، يزيد خوفي وهلعي، لم أعد أرى جيدًا، لم يكن ينقصني ذلك الظلام، المطر كان كافيًا ليمنع عني رؤيتي!
انقطع صوت خطواته خلفي، حتى لو استدرتُ فلن يجدي هذا نفعًا، الظلام غطّى المكان بالفعل.
صوت اصطدام حذائي بمياه المطر التي تغطي الأرض هو فقط ما أسمعه، عمّ الصمت مع طغيان الظلام على كل ما هو حولي..
خشيتُ الالتفات، خشيتُ التفكير حتى، عقلي الآن لا يرسم سوى السوء، لذا أكملتُ ركضي عنوةً حتى وصلتُ إلى نهاية الزقاق، لم يعد يفصل بيني وبين الخروج منه سوى خطواتٍ معدودةٍ، خطواتٍ معدودة فقط وسأكون في الميناء.
ولكن تلك الخطوات لم تكتمل، لا أعلم من أين ظهر حتى، لكنني جفلتُ حين أحكم القبض على معصمي، وقبل أن ألتفتَ إليه باغتني بدفعه لي نحو الجدار فارتدَّ جسدي ودوت منّي صرخة عالية اخترقت صمت المكان وضرب صداها الأرجاء.
ما زلتُ عاجزةً عن رؤية وجههِ، باستثناء ابتسامته التي لم تفارق ثغره، ابتسامة شامتة تزيد من هلعي..
الألم ينتشر في أنحاء جسدي خاصةً ظهري بعد ذلك الارتطام، كان يزيد من ضغطه على معصمي، وبيده الأخرى شد الخناق على عنقي فألصق رأسي في الجدار خلفي..
- حتّامَ ستهربين؟
همس بالقرب من وجهي
حاولت إخراج حروفي ثابتة ولكن قبضته على عنقي هزّت نبرتي
- من أنت؟
زاد ضغطه على عنقي تزامنًا مع زيادة اقترابه من وجهي ثم أجابني مهسهسًا
- كابوسك.
لم يعطني فرصة استعياب ما قاله أو الرد عليه، بل دفعني ناحية الجدار أكثر بواسطة يده الملتفة حول عنقي فرُفع وجهي إلى الأعلى وتضاعف اختناقي، ثم قال داخل أذني
- أظننتِ أن بعض التغيرات في طول شعركِ قد تُخفيكِ عنّي؟
كلما تحدث كلما زادت رهبتي وزاد اختناقي، أعجز عن النطق بكلمة واحدة حتى، أعجز عن مجابهتهِ وأنا بذلك الضعف.
حاولت التحرك من بين يديه والهرب، لكنه باغتني بسحبي نحوه حتى التصق جسده بجسدي، ثم نطق بنبرة أكثر حدّةٍ من سابقتها
- ضيقُ مدارككِ خيّلَ لكِ أن تخفّيكِ قد ينجيكِ منّي.
تلك المرة لم تكن خطوته التالية حديثًا! بل عوضًا عن هذا أفلتني بحدة دافعًا جسدي نحو الجدار الآخر المقابل؛ فارتدَّ جسدي ثم ارتطم أرضًا!
فرّت من ثغري صرخة عالية أخرى إثر الألم الذي ضرب جسدي، من رأسي إلى أخمص قدمي، لا مكان بي خالٍ من الألم.
المطر لم يتوقف، بل يزداد غزارة، تمامًا كألمي وخوفي..
زحفتُ بجسدي إلى الخلف بصعوبة بالغة بعد أن رأيته يتقدم منّي بخطى ثابتة بينما رأسي يترنح من رجفتي
جلس القرفصاء أمامي، ومُجددًا قبض على عنقي دافعًا جسدي إلى الجدار، تزامنًا مع وقوفه وسحبي معه نحو الأعلى فأُجبرت على الوقوف
- يتربص الكثير بكِ، لكنني نلتُ شرف الإمساك بك.
لم يكد يرفع يده الأخرى حتى بُوغِتَ بسكينٍ غُرزَ في ساقه، سكينٌ أُلقيَّ بِه من مكانٍ مجهولٍ  ولم يظهر صاحبه!
فور أن سقطَ أرضًا ممسكًا بقدمه، جمعتُ شتات نفسي، ومن دون ترددٍ ركضتُ نحو الميناء بكل ما أملك من قوة، لم أخشَ أنني أركض ناحية مصدر السكين، ركضت دون تفكير..
وما إن حطت قدماي خارج الزقاق شعرتُ بيدٍ تمسك بيدي وتسحبني خلفها فانسقتُ معها..
كان رجلاً ضخم البنية، ملابسه يغطّيها المطر، كما أنا.. لم أرَ وجهه بعد... ولكن يده قاسية، قاسية لدرجة آلمتني.
بعد أن ابتعدنا قليلاً حاولت التحرر منه، لكنه في تلك اللحظة التفتَ لي بنصف وجهه يرمقني بنظرهِ، قبل أن يشد الخناق على يدي ويكمل ركضه بِي
- توقف، أنتَ تؤلمني!
لم يجبني، ظل على هذا الحال حتى وصل بي بالقرب من مقهى الكتب المطل على الميناء، مقهى العم أنطونيو..
- أنتَ مُختل!
صرختُ به بغضبٍ أثناء تفقد معصمي بعد أن حرره، ثم رفعت عيناي إليه، كان قد التفتَ يحدق بي بينما يمسح الماء عن وجهه
- مختل؟ أتلكَ كلمة جديدة تعني شكرًا لإنقاذي؟
سرت رجفة قوية في أنحاء جسدي ما إن وقع صوته الثخين على مسمعي، لكنته الإيطالية ليست سليمة بشكلٍ كامل.. طريقة نطقه مختلفة، غريبة..
دحجته أثناء تراجعي فقابلني هو بالاقتراب أكثر، وعلى حين غرة أعاد الإمساك بمعصمي ثم ألصقني بِه ونطق محتدًّا
- أنقذتكِ.. لمَ الخوف؟
- ليس العجيب خوفي، بل تعجبكَ منه!
بحدةٍ أفلتُّ نفسي من بين يديه وقبل أن يجيبني جررتُ قدماي ناحية المقهى، لكنه أوقفني بحديثه
- عليكِ الانتقال من منزلكِ.
استدرتُ إليه بغضبٍ يكسو وجهي
- وما دخلك؟
- بالطبع لستِ بذلك الغباء الذي يجعلكِ تعودين إلى منزلكِ بعد تلك المطاردة.
استدرتُ إليه بكامل جسدي وبخطى ثابتة اقتربتُ منه مرة أخرى
- ومن أنت؟
اعتدل في وقفته ينظر إليَ من أسفل جفونه، ضغط على فكية بنفاد صبرٍ ثم أجابني واضعًا يديه في جيوبه
- ليوند فيسليفسكي، وأنتِ أورورا.. أورورا سيلفستري.
جُحظت عيناي اثر قوله وارتعش بدني، يعرفني!
تراجعتُ إلى الخلف خطوتين فأعدمهما هو سريعًا بينما يكمل حديثه
- أورورا سيلفستري، تعملين في ذلك المقهي الذي تقفين أمامه الآن، منذ عدة أشهر بعد أن انتقلتِ من روما إلى جنوى.. لسببٍ يعلمه كلانا جيدًا..
مع كل كلمة يتفوه بِها تزيد رجفتي ويزيد جحوظ عيناي، يعلم كل شيءٍ عنّي! وأنا للتو فقط رأيته!
- من تكون؟
خرج سؤالي متقطعًا، لكنه لم يجب، زاد قربه منّي فزدتُ تراجعي حتى اصطدمت بباب المقهى، أخذ يُحدق في وجهي عدة ثوانٍ قبل أن يرفع يده إلى الباب يدفعه إلى الخلف ليفتحه
- اقضي الليلة هنا، وفي الصباح سيكون منزلكِ الجديد جاهزًا.
ما إن دفعني إلى الداخل حتى أوصد الباب من الخارج بالمفتاح، ثم غادر! لم يُعطني فرصة للرد أو الاعتراض أو حتى استيعاب ذلك الموقف والتقاط أنفاسي!
يملك نسخة من مفتاح المقهى، أي أنه على معرفة بالعم أنطونيو!
لكن.. كيف لم أره قبل اليوم؟ لم ألمحه صدفة حتى ولم يحدثني عنه العم أنطونيو ولو لمرة واحدة؟
زفرتُ هوائي واستدرتُ أخطو إلى الداخل، يوجد غرفة صغيرة خلف إحدى الرفوف هنا للراحة..
سأنام فيها الليلة، وفي الصباح سأبحث عن منزلٍ آخر لاستئجاره، بالتأكيد لن أقدر على المكوث في منزلي مُجددًا.
لا أعلم لمَ تلك المطاردة، لكن أخشى أنها صدى لما مضى.. لم يكن مُجرد سكّير يعبث في الأرجاء أو حيوان يتبع شهواته..
يطاردني رغبة في قتلي.. وهناك غيره من يتربص بِي حسب قوله.
أنا هالكة لا محالة!!
تفحصت ملابسي أثناء وقوفي أمام ذلك السرير الصغير الموجود في زاوية الغرفة، ما زلتُ مبتلة، ولا ملابس هنا..
كنت قد خرجتُ من منزلي لشراء بعض الأغراض فقط، لذا مفتاح المقهى ليس معي، لا أقدر على الخروج قبل أن يأتي ذلك اللعين ليفتح لي.. أو حتى العم أنطونيو.
كم أكرهني وأكره حظيَّ العاثر!
نزعتُ معطفي وحذائي، لم يكن قميصي مبتلاً بقدر ابتلال المعطف، ولكن بنطالي من الأسفل حتى الركبتين، غارقٌ في المياه..
جمعتُ شعري بربطة صغيرة إلى الخلف، ثم شمّرتُ بنطالي حتى ركبتاي، كي لا أشعر بابتلالهما فيزيد شعوري بالبرد.
منذ عدة أشهر، بعد أن جئتُ إلى جنوى.. قصصتُ شعري، ليس لشيء.. ليس للتخفي.. فقط، كنت أهرب من نفسي، لا أريد لشيء أن يذكرني بما مضى..
لا أريد أن أخاف النظر إلى نفسي في المرآة..
وضعتُ ملابسي على مقعدٍ يجاور باب الغرفة حتى تجف، ثم عدتُ أجلس على طرف السرير بعد أن أخرجتُ هاتفي من جيبي أتفقده..
مؤخرًا كنت أتجنبُ مواقع التواصل الاجتماعي، ما زالت صحف الأخبار لا حديث لها سواي!
مئات المقالات تحمل ذات العنوان.. عازفة البيانو الهاربة.
وعناوين أخرى كثيرة
"لمَ اعتزلت أورورا العزف؟
هل لأورورا يد في ذلك الحادث المأساوي؟
أين اختفت أورورا؟"
"أورورا القاتلة لا أثر لها"
أغلقتُ هاتفي على مضضٍ ألقيه بجانبي، واستلقيت على ظهري أحدق في سقف الغرفة، أشعر بالاختناق.
لا بيت، لا وطن، لا موسيقى…
كل ما كنتُه انكسر حين توقّفتُ عن العزف.
منذ آخر لحنٍ لي..
لطالما تخيلتُ نفسي أعزف حتى يشيب رأسي، أن تكون نهايتي مجيدة، المرأة التي عاشت حياتها تعزف حتى كُسرت أصابعها..
لكن.. كُسرت أصابعي مُبكرًا.. كُسرت قبل أن يشيب رأسي.
ظننتُ أنني سأعزف لحن الوداع وسط دموعي وتصفيق حارٍ فخور من جمهوري، لكن.. لم تتح لي فرصة لعزف لحن وداعي!
لم يتح لي إلا الهرب والصمت، صمت كان أثقل من أي نغمة، صمتٌ ينقر على ضلوعي نقرات تكاد تكسرها.
أنا التي كانت تُسيطر على العواصف بالمقامات، أضحت اليوم عالقةً في مقامٍ واحدٍ مُرتبك، مقام الهروب.
لم يعد لي جمهورٌ يصفّق، ولا خشبةٌ تُنقذني من هذه الأرض المنهارة تحت قدميّ، لم يعد لي سوى ألحاني الميتة تتردّد في رأسي كأشباحٍ عفى عليها الزمان.
ضرب رأسي صداع حاد لكثرة تفكيري، مرّت قرابة الخمس عشرة دقيقة وأنا على نفس الحال أحدق في السقف وأصارع أصوات عقلي لتصمت..
قطع ذلك التيه نقرات خفيفةٍ على باب الغرفة فالتفتُّ إليه مذعورة، ولم يكن سواه!
- لأنكَ تمتلك مفتاحًا للمقهى لا يعطيكَ الحق في الدخول بهذا الشكل!
نطقتُ محتدة بينما أعتدل واقفة
مشى بعينيه على طول جسدي ثم ثبتهما على وجهي
- هل أبدو لكِ كرجلٍ بهذا الاحترام ؟
- لا تبدو لي رجلاً!
بكل سذاجة خرجت حروفي، كنت غاضبة، وخائفة، لم أفكر فيما أتفوه بِه، ولم أعي على نفسي إلا بعد أن ألقى ما كان في يدهِ على وجهي بحدةٍ فسقط أمامي..
إنها ملابس.
ولكن.. توقف الدم في عروقي.. توقف حين أدركتُ أنها ملابسي!
رفعتُ بصري إليه سريعًا.. كان قد تقدم منّي، لا يفصل بيننا سوى خطوة واحدة.
الغضب يتناثر على وجهه، يضع كفًّا في جيبه وكفّه الآخر يلتف حول نفسه بقوة برزت بها عروقه.
- لا تختبري رصانتي حتى لا أحطّمكِ.
هذا ما نطق به، إلا أنني لم أعره أهمية، ما زال عقلي مع تلك الملابس مذعورًا..
- أنت.. كيف ؟ كيف دخلتَ إلى منزلي وأحضرتَ ملابسي؟
يبدو أن تجاهلي لحديثه أزعجه، وهذا ما جعله يفصل الخطوة المتبقية بيننا، وعلى حين غرة لفَّ يده حول خصري يدفعني نحوه
- تدفعيني إلى الهاوية، في أول لقاءٍ لكِ بي!
كلما تحدّث كلما زاد خوفي، نظراته، كلماته، صوته وهيئته.. كل ما به يثير هلعي ويُعرّي هشاشتي..
- أنتَ تخيفني ليوند.
نطقتُ بتلعثم، عقلي أصبح سيئ، لم يَعُد قادرًا على إخفاء رهبتهِ وخفض أصواته وأفكاره.
تنهد مُغمضًا عينيه قبل أن تشتدَّ قبضته حول ظهري
- هذا ما يثير جنوني ورغبتي أورورا، أنكِ خائفة.
انقبض صدري وشعرتُ بغضبٍ يسري في عروقي، لمَ هو قريب إلى هذا الحد!
رفعتُ يداي إلى صدره ودفعته إلى الخلف بكل قوتي، ولأنه كان مرتخيًا حينها ، تحرك جسده إلى الوراء
- إيّاكَ ولمسي، إيّاك والاقتراب مني دون إذني، لا يهمني ما تشعر بِه، رغباتك اذهب بها إلى الجحيم، أما عن جنونك فجد له مصحة عقلية تقوّمه!
تجمّد جسده في مكانه أمامي، كان من الواضح عليه محاولاته لكبت غضبه الظاهر على وجهه وفي تحركات يده..
تنهد بقوةٍ رافعًا رأسه إلى الأعلى تزامنًا مع تمرير أنامله في خصلات شعره، ثم نطق يُحدق بِي
- غيري ملابسكِ المبتلة، وانتظري هنا حتى الصباح.
ألقى كلماته على مسمعي بامتعاضٍ والتفتَ ليغادر، إلا أنني أوقفته بقولي قبل أن يخرج
- ملابسي! كيف وصلتَ إلى منزلي؟ وكيف استطعت الدخول!
خرجت من ثغره ضحكة خافتة متهكمة
- أنتِ فقط قديمة الطراز.
قالها ومن ثم غادر الغرفة!!
تخطّيتُ ملابسي الملقاة أرضًا وركضتُ خلفه خارجًا، استطعتُ اللحاق به قبل أن يخطو خارج المقهى وجهرتُ بقولي
- ما الفرق بينك وبين من يطاردني؟
- جميعنا ذئاب، لكنني ذئبٌ غرضه للآن حمايتكِ.
ردَّ بهدوءٍ زعزع ثباتي الزائف أمامه.
بصعوبةٍ حركتُ أقدامي أسير إليه، عينيه لم تفارق وجهي، بقى يُحدق بي حتى وقفتُ أمامه وأجبته
- الذئاب لا تحمي، الذئاب تفترس.
ببطءٍ ظهرت بسمة على شفتيه، رفع أنامله يُرجع خصلة شعرٍ كانت تمردت وسقطت على وجهي، ثم أجابني بنبرة هادئة
- ربما ستكون حمايتكِ بافتراسك.
- لستُ فريسة.
خرج ردّي تلقائيًا فور أن قال قوله، لم أعي على نفسي.. لا أشعر بشيءٍ غير ذعري من ذلك الرجل.
نزلت أنامله ببطءٍ على طول وجهي حتى أوقفها أسفل ذقني، وبعنفٍ دفعه إلى الأعلى
- أسعى ألَّا تكوني، عودي إلى الداخل.
بقيتُ في مكاني أعجز عن الحراك، قدماي أبتا الانصياع لِي، وعقلي مشوش.. لا أدركُ شيئًا.. لا أدرك شيئًا إلا أنني خائفة.
ظلّت عيناي ثابتتين على ظهرهِ حتى غادر وأوصد الباب خلفه بالمفتاح مُجددًا.
عدةٍ ثوانٍ أخرى وأنا في مكاني، بصري مُعلقٌ على الباب، وجسدي يرتجف.
ليس خوفًا.. ربما أشعر بالبرد فقط..
نعم، أنا أشعر بالبرد فقط.
وعيتُ على نفسي أخيرًا فتنهدتُ وعدتُ إلى الداخل، توجهتُ إلى ملابسي وانتشلتها من الأرض.. لكن عاد شرودي مُجددًا..
اعتدتُ وضع مفاتيح منزلي داخل مزهرية تجاور الباب، ليس بالطريقة المعتادة، لا أحد يعلم أن المزهرية مزيفة، وبأسفلها يوجد غطاء صغير يوضع المفتاح بداخله..
لا أحد يعلم هذا إلا أنا!
ولا سبيل للدخول إلى المنزل إلا أن يعرف الشخص مكان المفتاح، أو أن يكون قد اقتحم المنزل فعلاً!
ومعرفته بمكان تواجد المفتاح أمرٌ قادرٌ على دب الذعر في أوصالي..
لا تفسير سوى أنه يراقبني.
حتى لو تجاهلت معرفته باسمي وانتقالي من روما إلى جنوى، الصحف بأكملها تتحدث عن الأمر..
لكن.. معرفة عنوان منزلي والدخول إليه مستوى آخر، مستوى آخر تمامًا.
زفرتُ بضيقٍ وألقيتُ ملابسي على السرير بحدة، ذلك الغضب الناتج عن خوفي وقلقي، لا يهدأ أبدًا!
أخذتُ أسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا.. ولكن كل هذا دون جدوى، كل محاولاتي في تهدئة نفسي تنتهي بالفشل.
عدتُ إلى هاتفي مجددًا، في لحظات غضبي وتعبي، أستمع إلى الموسيقى، إلى ألحاني القديمة، تلك التي عزفتها في طفولتي، ألحان قديمة تعلمتها على أصابع أمي، نغماتٍ كنتُ ألوّح بها كي أطردُ العتمة.
لكن ما رأيته حين فتحتُ هاتفي جمّد الدم في عروقي..
رسالة مجهولة من رقمٍ غير مُسجل..
"أركضي قدر ما شئتِ، ستقعين من التعب قبل أن يدرككِ الموت"
5 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.