المشهد
المشهد
جزء 3 من 4
وضع القراءة:

محادثة

مشاعر مختلفة... أحاسيس جدّية... قد شعرت بشيء جديد غير الفراغ الذي عشت فيه لسنين.
كان فارس جالسًا في مكانه المعتاد على المقعد المخصص له، يراقب الجميع كما يفعل دائمًا، فقد ازداد شغفه منذ آخر مرة حاول الابتسام فيها لأول مرة، في حدث يشهد فيه تاريخ إحساسه بمشاعر أخرى غير الفراغ الذي عاش فيه طوال حياته.
وبسبب تلك الفتاة التي كانت ذات وجه طفولي وابتسامة ملائكية لا تُمحى من ذاكرته، كان يذهب ليجلس في مقعده، يأمل كل يوم أن يجدها هناك جالسة بالخطأ، ربما تبتسم له مجددًا ويجعله ذلك يحس أن حياته التي كانت عبارة عن لون واحد قد أصبحت ذات لون آخر، وهي
ابتسامتها المشرقة الحنونة.
لكن لم يكن من نصيبه أن يلاقي صاحبة الابتسامة الملائكية مرة أخرى ليتعرف على اسمها، الذي قد اشتد فضوله نحوه. قد اختفى أثرها منذ ذاك اليوم كأنها لم تكن.
"ربما لم تكن من البشر، لهذا لم أعد أراها مرة أخرى. يا ترى، أهي ملاك نزل من السماء وقد أنهت مهمتها وها هي عادت إلى موطنها؟"
كان يحدث نفسه دائمًا بهذه الحجج الواهية لأجل مواساة نفسه لفقدان أثر صاحبة الابتسامة الملائكية.
ظل حاله مثل باقي الأيام، يحاول أن يجدها بين الحضور، لكن تأتي ممرضة لإرجاعه نحو غرفته مجددًا دون أي لقاء معها، وهذا ما كان يحبطه دائمًا.
ظل على تلك الحالة ما يقارب أسبوعًا دون أي ظهور لتلك الفتاة، لدرجة أنه اقتنع أنها ليست من البشر، أو أنها لم تكن مريضة مثله، لكن موضوع ارتدائها لنفس ملابسه ظل يزعجه. يا ترى لماذا لم يستطع التحدث معها في اليوم الأول من اللقاء، لأنه لم يكن يظن أنه الأخير؟
كنت جالسًا في غرفتي شارد الذهن كالعادة، أنتظر عودة الممرضة حتى أذهب إلى الحديقة، لربما يكون اليوم هو اليوم المنشود.
سمعت دقات طرق على باب غرفتي تنذر بدخول شخص ما، وكانت ممرضة كالعادة. استقمت معها مستعدًا للذهاب إلى الحديقة، لكنها خيّبت ظني بقولها إن لدي اليوم حصة لدى المعالج، وأنني بعد ذلك يمكنني الذهاب إلى الحديقة.
لم أسرّ بسماع تلك الأخبار البتة، ربما بحلول ذلك الوقت تكون قد ذهبت إذا كانت قد أتت من الأصل.
كنت حزينًا على غير عادة، لم أكن يومًا ذا مشاعر فياضة كهذه تجاه أيٍّ كان، لكنني كنت فضوليًا بشكل خاص تجاه تلك الفتاة، خصوصًا أنها ابتسمت ابتسامة محبة، ليست شفقة، التي تحاوطني بها الجميع.
ربما أكون فاشلًا في التعبير عن مشاعري، لكنني ربما بذلك اكتسبت مهارة التعرف بسرعة على محيا البشر. كانت ابتسامة الشفقة هي كل ما أتلقاه عندما يراني أي أحد من الممرضين أو الأطباء بسبب حالتي الصعبة. أنا هنا منذ زمن بعيد، ومع ذلك لم أستطع لليوم أن أتكلم أو أعبر عن أي من مشاعري، لا بالكلمات ولا بملامح وجهي.
كنت أتلقى دائمًا ابتسامات شفقة من الجميع على حالتي المزرية، لم تكن أيٌّ منها صادقة أو منبعها اللطف، بل فقط الشفقة لحالي البائس الذي وصلت إليه.
إلا هي، التي تعاملت معي ككيان، تعاملت مع مشاعري الميتة على أنها حية. كانت تلك أول مرة أشعر أن شخصًا ما يبصرني كذات لها مشاعر أيضًا، مع أنني في أعماقي أعلم أنني ماتت منذ مدة، لا أعرف السبب، بسبب ذكرياتي المشوشة والممحية أغلبها.
كنت جالسًا في مكاني المعتاد، والمعالج يتحدث ويثرثر كالعادة عن المشاعر والأحاسيس، وأنني أستطيع الإحساس مجددًا ولا يجب أن أستسلم. لم أجد جديدًا في كلامه مثل كل مرة، كنت أستمع بهدوء دون أدنى تفاعل.
كان يقول لي أحيانًا كلامًا جارحًا أو لطيفًا من باب تحريك مشاعري أو جعلي أغضب، ربما أفرغ ما أحس به، لكنني ظللت صامتًا، مع أن كل حرف منه كان يغرز فيّ جروحًا لا دواء لها، جروح الروح لا دواء لها.
ظللت على تلك الحالة ربما ساعتين، إلى أن انتهت حصتي، وأخيرًا سوف أستطيع الخروج. كان الوقت متأخرًا، لكنني كنت مختنقًا وفي أمل أن أجد تلك الفتاة، ربما تواسيني بابتسامتها المعتادة.
بعد أن اقتربنا من المقعد الخاص بي، كان فارغًا. كانت صدمة تعتلي وجهي، لكن هذا ليس بالجديد. لم أدرِ ما أفعل، كان هذا أملي الوحيد في أن أجدها، لكنها خيبة أمل.
ظللت جالسًا ما يقارب نصف ساعة، بدأ الشمس في الغروب تدريجيًا مع سطوع ألوان فاتحة تعلن نهاية اليوم وبداية آخر. كنت فاقد أمل في أن أجدها مجددًا، مرافقتي ذات الابتسامة الملائكية.
– مرحبًا أيها السيد، أتسمح لي بالجلوس بجانبك؟
التفتُّ ناحية المتحدث، لتتسع عيناي… لقد كانت هي مجددًا، الفتاة ذاتها. صُدمت لدرجة عدم نطق حرف واحد، فقط هززت رأسي بالإيجاب، أتمنى ألا ترحل.
– أنت هو الرجل الذي التقيته أول يوم لي هنا؟
هززت رأسي مجددًا، لم أستطع التجاوب معها، احسست بعجز… لماذا لا أستطيع التحدث مثلها؟
– هكذا… إذًا أنت آخر نزيل هنا مثلي، اسفة لو ازعجتك بكلامي الكثير، يمكنني الرحيل.
ارتعبت بمجرد التفكير في أنها قد ترحل دون أن أتعرف على اسمها أو أرى ابتسامتها التي ربما تخفف عني آلام جلستي مع المعالج. حاولت أن أفصل بين شفتيّ لأول مرة منذ زمن، محاولًا لفظ أي كلمة أتذكر نطقها.
– لا… لا تذهبي.
كانت محاولة قول هاتين الكلمتين أصعب شيء فعلته طوال مدة مكوثي هنا.
– أوه… نعم، بالتأكيد، ربما تشعر بالوحدة والجلوس هنا وحدك.
هززت رأسي، وهذه المرة رفعت مقلتاي نحوها لأبصر ملامحها عن قرب. كانت ملامحها هذه المرة أقرب لملامح الممرضى المتواجدين هنا، لكنها كانت مختلفة عن تلك المرة.
كانت ترتدي ملابس مثل خاصتي، طقم مخصص للمرضى، إلا أنها هذه المرة كانت تغطي شعرها داخل قبعة قطنية حمراء. كانت تراقبني بعينيها اللامعتين.
حاولت أن أبتسم لها في محاولة لإسعادها لأنها بدت ذابلة، لكنني لم أنجح في إتقانها، ومع ذلك كنت فخورًا بنفسي.
– هههه… تبدو لطيفًا عندما تبتسم.
ضحكت لي بإشراق، وكان صوت ضحكتها أجمل ما سمعت. أصبحت ملامحها الذابلة سعيدة، و تزينت شفتها ذات اللون الأزرق باهت بابتسامة واسعة.
3 قراءة
1 إعجاب
1 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
3 days ago
اتمنى ان ينال اعجابكم فصول قصة كاملة و لو اعجبتكم سوف اكون ممتنة لاجل نشر بقية قصة

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.