الفصل الثالث || أول خيط
{center}
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
ليس كل دليلٍ حقيقة، ولا كل حقيقةٍ تصل إلينا كاملة... فأحيانًا تكون أخطر الأكاذيب هي تلك التي ترتدي ثوب الدليل.
🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿
لم ينم كنان تلك الليلة.
منذ عودته من السجن، وكلمات والده تدور في رأسه كأنها صدى لا يتوقف.
«"إذا أردت أن تثبت براءتي... فابحث عمّن كان يخاف أن أتكلم."»
كلما أغلق عينيه، سمع الجملة من جديد.
وكلما حاول إقناع نفسه بأن ينتظر، أو أن يترك الأمر للمحامين، عاد صوت سلمان ليهزم كل محاولة للهروب.
مع أول خيط من ضوء الفجر، كان قد اتخذ قراره.
لن ينتظر أحدًا.
ولن يثق بأحد.
سيبدأ بنفسه.
°
°
°
خرج من المنزل بهدوء حتى لا يوقظ والدته.
كانت المدينة ما تزال تستيقظ ببطء.
المحال نصف مغلقة.
والشوارع أقل ازدحامًا من المعتاد.
قاد سيارته نحو الطريق الذي ورد اسمه في تقرير الشرطة.
الطريق نفسه الذي مات فيه حسين النجار.
الشاهد الوحيد الذي كان قادرًا على إنقاذ والده.
ضغط على المقود بقوة.
حتى الآن لم يكن يعرف إن كان حسين ضحية أم مذنبًا يحاول التكفير عن خطئه.
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا...
أن موته غيّر مصير عائلة كاملة.
بعد قرابة نصف ساعة، وصل إلى المكان.
كان شارعًا طويلًا يمتد بين مجموعة من المخازن القديمة والمحلات الصغيرة.
لا شيء فيه يلفت الانتباه.
لا شيء يوحي بأن حياة إنسان انتهت هنا.
أوقف سيارته على جانب الطريق.
وترجل ببطء.
لفحته نسمة باردة.
رفع بصره نحو السماء الرمادية.
ثم نظر إلى الأسفلت أمامه.
بحسب التقرير...
وقع الحادث هنا تمامًا.
في هذه البقعة.
تقدم عدة خطوات.
ثم توقف.
أغمض عينيه للحظة.
حاول أن يتخيل المشهد.
سيارة حسين...
صوت الفرامل...
الاصطدام...
ثم النهاية.
لكن كلما حاول رسم الصورة في ذهنه، شعر أن شيئًا ناقصًا.
شيئًا لا يذكره التقرير.
شيئًا لا يريد أحد أن يراه.
فتح الملف الذي أحضره معه.
قرأ السطور مرة أخرى.
"فقد السائق السيطرة على المركبة."
"لا توجد شبهة جنائية."
"الحادث عرضي."
أعاد قراءة الجمل.
مرة...
ومرتين...
وثلاثًا.
ثم أغلق الملف بعصبية.
كان يشعر أن الكلمات باردة أكثر من اللازم.
نظيفة أكثر من اللازم.
وكأن أحدهم كتبها لينهي القضية بسرعة.
لا ليكشف الحقيقة.
رفع رأسه فجأة.
شيء ما لفت انتباهه.
على الجهة المقابلة من الطريق...
فوق محل قديم لبيع الأدوات الكهربائية...
كانت هناك كاميرا مراقبة.
توقف مكانه.
حدق فيها طويلًا.
الكاميرا موجهة نحو الشارع مباشرة.
نحو المكان الذي وقع فيه الحادث.
شعر بقلبه ينبض أسرع.
إذا كانت الكاميرا تعمل يومها...
فلا بد أنها سجلت شيئًا.
شيئًا لم يذكره التقرير.
عبر الشارع بسرعة.
ودخل المحل.
كان المكان ضيقًا ومليئًا بالأجهزة القديمة.
وخلف الطاولة جلس رجل مسن يقرأ صحيفة.
رفع الرجل رأسه عندما دخل كنان.
وقال:
"صباح الخير."
أجابه كنان بأدب.
ثم أشار نحو الخارج.
"الكاميرا الموجودة فوق الباب... هل تعمل؟"
نظر الرجل نحوها.
ثم هز رأسه.
"منذ سنوات."
تسارعت نبضات كنان.
"إذن كانت تعمل قبل أشهر أيضًا؟"
"بالطبع."
ساد صمت قصير.
ثم سأل الرجل:
"لماذا تسأل؟"
أخرج كنان صورة حسين النجار من هاتفه.
ووضعها أمامه.
تغيرت ملامح الرجل قليلًا.
وكأنه تذكر شيئًا قديمًا.
قال بهدوء:
"نعم... أتذكر هذا الرجل."
شعر كنان أن أنفاسه علقت في صدره.
"هل تتذكر يوم الحادث؟"
تنهد الرجل.
وأغلق الصحيفة.
"وكيف أنساه؟ الشرطة أمضت ساعات هنا."
قطب كنان حاجبيه.
"الشرطة؟"
أومأ الرجل.
"جاؤوا بعد الحادث مباشرة."
"وأخذوا تسجيلات الكاميرا."
ساد الصمت.
شعر كنان وكأن الأرض اهتزت تحت قدميه.
أخذوا التسجيلات؟
إذن كانت هناك تسجيلات فعلًا.
لكن التقرير لم يذكرها.
بل لم يذكر الكاميرا أصلًا.
قال بسرعة:
"هل احتفظتم بنسخة منها؟"
هز الرجل رأسه بأسف.
"لا."
ثم أضاف:
"قالوا إن الأمر مجرد إجراء روتيني."
خرج كنان من المحل بعد دقائق.
وقف على الرصيف المقابل.
وعيناه معلقتان بالكاميرا.
كانت الشمس بدأت ترتفع في السماء.
لكن شيئًا من البرودة استقر في داخله.
إذا كانت الشرطة أخذت التسجيلات...
فهذا يعني أن هناك دليلًا.
وإذا كان هناك دليل...
فلماذا اختفى؟
نظر مرة أخرى إلى المكان الذي مات فيه حسين النجار.
ثم همس لنفسه:
«"إذا كانت لديهم التسجيلات... فلماذا قالوا إنه مجرد حادث؟"»
وللمرة الأولى منذ صدور الحكم...
شعر كنان أنه لا يبحث عن براءة والده فقط.
بل يقترب من بابٍ يريد شخص ما أن يبقى مغلقًا إلى الأبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل أن يبدأ الرجل بالكلام، التفت حوله بحذر.
لم يكن الشارع مزدحمًا.
سيارتان عبرتا الطريق ببطء، ثم عاد الهدوء من جديد.
قبض الرجل على عصا المكنسة بقوة، حتى برزت عروق يده النحيلة، وقال بصوت خفيض:
"هل تعرف... لماذا لم أخبر أحدًا بما رأيت بعد ذلك اليوم؟"
هز كنان رأسه.
ابتلع الرجل ريقه، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبه الابتسامات.
"لأن الفقير يا بني... يتعلم منذ صغره أن بعض الأشياء، إن رآها، فعليه أن يتظاهر بالعمى."
ساد الصمت.
شعر كنان أن الكلمات أثقل من أن تكون مجرد خوف.
قال بهدوء:
"أنا لا أريد أن أؤذيك."
رفع الرجل عينيه إليه.
"لكني أريد أن أعرف الحقيقة."
ظل العامل ينظر إليه لثوانٍ طويلة، كأنه يحاول أن يقرأ ملامحه.
ثم سأل:
"أنت... ابن سلمان الريّان، أليس كذلك؟"
تجمد كنان.
"كيف عرفت؟
أطرق الرجل رأسه.
"ملامحك تشبهه كثيرًا."
ثم تنهد وأضاف:
"كان رجلاً يحترم الناس... حتى البسطاء أمثالي."
ازدادت حيرة كنان.
"إذن أخبرني... ماذا رأيت؟"
أشار الرجل إلى منتصف الطريق.
"قبل الحادث بدقائق... رأيت سيارة فضية، أظنها كانت سيارة ذلك الرجل."
وأشار إلى صورة حسين على هاتف كنان.
"كانت تسير بسرعة، لكنها لم تكن تحاول الهرب."
ثم رفع يده نحو الجهة الأخرى من الشارع.
"خلفها مباشرة... كانت هناك سيارة سوداء."
قطب كنان حاجبيه.
"سوداء؟"
أومأ الرجل.
"نوافذها كانت معتمة بالكامل."
"لم أرَ من بداخلها."
"لكنها كانت تلتصق بسيارة الرجل كأنها تلاحقه."
بدأت نبضات قلب كنان تتسارع.
"هل أنت متأكد؟"
نظر إليه الرجل بثبات.
"أنا أعمل هنا منذ سنوات."
"أعرف الفرق بين سيارة تسير في طريقها... وسيارة تطارد أخرى."
سكت لحظة.
ثم أضاف:
"حتى إن الرجل الذي في السيارة الفضية... كان ينظر في المرآة كل بضع ثوانٍ."
أغمض كنان عينيه للحظة، وتخيل المشهد.
حسين...
ينظر خلفه بقلق.
وسيارة سوداء لا تترك له فرصة للابتعاد.
فتح عينيه بسرعة.
"وماذا حدث بعد ذلك؟"
تنهد العامل.
"سمعت صوت احتكاك الإطارات."
"ثم انحرفت السيارة الفضية فجأة."
وأشار إلى عمود إنارة قريب.
"كادت تصطدم بذلك العمود."
"لكنها انحرفت مرة أخرى..."
سكت.
وبدا أن الذكرى ما زالت تطارده.
"ثم سمعت صوت الاصطدام."
انخفض صوته أكثر.
"بعدها... توقفت السيارة السوداء لثوانٍ."
شعر كنان بقشعريرة تسري في جسده.
"توقفت؟"
"نعم."
"رأيت بابها يُفتح قليلًا..."
"لكنني كنت بعيدًا، فلم أميز من نزل."
"وبعد أقل من دقيقة... انطلقت بسرعة واختفت."
ساد صمت ثقيل.
كانت هذه أول رواية تختلف تمامًا عما قرأه كنان في تقرير الشرطة.
أخرج من جيبه نسخة التقرير، وفتح الصفحة الخاصة بوصف الحادث.
قرأ بصوت مسموع:
"فقد السائق السيطرة على المركبة... ولم تُسجل أي مركبة أخرى في موقع الحادث."
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الرجل.
"لكن... أنت رأيت السيارة السوداء."
أومأ العامل بأسى.
"وأخبرت الشرطة بذلك."
اقترب كنان خطوة.
"وماذا قالوا؟"
ابتسم الرجل ابتسامة مرة.
"كتب أحدهم شيئًا في دفتره..."
"ثم قال لي: ربما اختلط عليك الأمر."
تنهد، وأعاد الإمساك بالمكنسة.
"ومنذ ذلك اليوم... لم يسألني أحد مرة أخرى."
أغلق كنان التقرير ببطء.
لم يعد يشك في أن هناك شيئًا ناقصًا.
بل أصبح متأكدًا أن هناك من تعمد أن يكون ناقصًا.
رفع بصره إلى الطريق الممتد أمامه، وهمس لنفسه:
"إذا كانت السيارة السوداء قد اختفت من التقرير..."
توقف لحظة.
ثم أكمل بنبرة امتزج فيها الغضب بالإصرار:
"فكم حقيقة أخرى... اختفت معها؟"
وقف كنان في مكانه بعد أن أنهى عامل النظافة حديثه.
لم يعد يسمع ضجيج السيارات.
ولا أصوات المارة.
كانت الجملة الأخيرة وحدها تتردد في رأسه:
«"ربما اختلط عليك الأمر."»
كم من حقيقة دُفنت بهذه الجملة؟
وكم من شاهد عاد إلى منزله وهو يظن أن ما رآه لا قيمة له؟
نظر إلى الرجل المسن، ثم قال باحترام:
"شكرًا لك."
هز الرجل رأسه بهدوء.
"لا تشكرني..."
ثم ابتسم ابتسامة شاحبة.
"ادعُ الله أن تظهر الحقيقة."
أعاد كنان صورة حسين إلى جيبه، واستدار متجهًا نحو سيارته.
لكن قبل أن يفتح الباب...
توقف.
شعور غريب تسلل إلى داخله.
ذلك الشعور الذي يخبر الإنسان أن هناك عينًا تراقبه.
رفع رأسه ببطء.
راح يتأمل المباني المحيطة.
شرفات قديمة.
نوافذ نصف مفتوحة.
محلات بدأت تستقبل زبائنها.
كل شيء يبدو طبيعيًا...
إلا قلبه.
كان يخبره أن هناك شيئًا ليس في مكانه.
وبينما كان يمسح المكان بعينيه...
وقعت عيناه على سيارة سوداء متوقفة في الجهة المقابلة من الشارع.
سيارة فاخرة.
زجاجها معتم بالكامل.
لم يكن يرى من بداخلها.
عقد حاجبيه.
هل كانت موجودة منذ وصوله؟
حاول أن يتذكر...
لكنه لم يستطع.
ظل ينظر إليها لعدة ثوانٍ.
وفجأة...
اشتعل محركها.
تحركت ببطء.
ثم اندمجت في حركة السير واختفت عند أول تقاطع.
بقي كنان يحدق في الطريق الذي سلكته.
شعر بقشعريرة باردة تسري في ظهره.
ربما كانت مجرد سيارة عابرة...
وربما...
لم تكن كذلك.
عاد إلى داخل سيارته.
وضع الملف فوق المقعد المجاور.
ثم أخرج دفترًا صغيرًا كان يحتفظ به منذ أيام الجامعة.
فتح أول صفحة.
وكتب بخط واضح:
وفاة حسين النجار
ثم رسم خطًا أسفل العنوان.
وكتب تحته:
- كاميرا مراقبة أخذت الشرطة تسجيلاتها.
- شاهد يؤكد وجود سيارة سوداء.
- التقرير الرسمي لا يذكر السيارة.
- شهادة عامل النظافة أُهملت.
تأمل الكلمات للحظات.
ثم أغلق الدفتر.
كانت هذه أول مرة يشعر أنه لا يجمع ذكريات...
بل يجمع أدلة.
ولأول مرة منذ الحكم على والده...
بدأ يرى خيطًا رفيعًا يقوده نحو الحقيقة.
لكنه كان يعلم...
أن كل خطوة يخطوها في هذا الطريق، ستجعله يقترب من شخص لا يريد لهذه الحقيقة أن ترى النور.
أدار مفتاح السيارة.
لكن قبل أن ينطلق، التفت مرة أخيرة نحو مكان الحادث.
وقال بصوت لم يسمعه أحد:
«"أعدك يا أبي... لن أترك دمعة أمي، ولا سنواتك خلف القضبان، تضيع بسبب كذبة. سأعرف من دفن الحقيقة... حتى لو دفنت معها حياتي."»
انطلقت السيارة ببطء.
°
°
°
وفي الجهة المقابلة من الشارع...
كان رجل يقف خلف نافذة أحد المباني القديمة، يراقب سيارة كنان وهي تبتعد.
أخرج هاتفه من جيبه.
وضغط على رقم محفوظ مسبقًا.
وما إن جاءه الرد، قال بصوت هادئ:
"لقد بدأ يبحث."
ساد صمت قصير.
ثم أردف:
"يبدو أنه لن يتوقف."
أغلق الهاتف.
واختفى خلف الستائر...
وكأن وجوده لم يكن إلا ظلًا عابرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يعد كنان إلى المنزل.
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرًا، لكن فكرة واحدة كانت تسيطر على عقله.
تقرير الشرطة ناقص.
ضغط بيده على المقود وهو يقود نحو مديرية الشرطة.
كانت المباني تمر أمامه تباعًا، لكنه لم يكن يرى منها شيئًا.
كان يستعيد في ذهنه كلمات عامل النظافة:
«"أخبرت الشرطة... لكنهم قالوا إنني اختلط عليّ الأمر."»
كلما تذكرها، ازداد يقينًا أن الحقيقة لم تُدفن بالصدفة.
توقفت السيارة أمام مبنى الشرطة.
كان مبنى قديمًا ذا جدران حجرية باهتة، تتدلى فوق بابه لافتة معدنية فقدت بريقها مع مرور السنوات.
نزل كنان وأغلق باب السيارة بهدوء.
رفع رأسه إلى المبنى.
لم يكن يخاف من الدخول...
لكنه كان يشعر أن ما ينتظره في الداخل قد يغير مجرى حياته.
دفع الباب الزجاجي.
استقبلته رائحة الورق القديم والقهوة الباردة.
كان عدد من المراجعين يجلسون على المقاعد الحديدية في صمت، بينما يتنقل رجال الشرطة بين المكاتب بوجوه متعبة.
اقترب من موظف الاستقبال.
"السلام عليكم."
رفع الرجل رأسه.
"وعليكم السلام."
قال كنان بثبات:
"أريد الاطلاع على الملف الكامل لحادث وفاة حسين النجار."
تغيرت ملامح الموظف قليلًا.
"ما صلتك بالقضية؟"
أجاب كنان دون تردد:
"أنا ابن سلمان الريّان."
ساد الصمت لثوانٍ.
نظر الموظف إليه نظرة طويلة، ثم خفض بصره إلى شاشة الحاسوب.
بدأ يكتب شيئًا.
ثم قال:
"انتظر قليلًا."
جلس كنان على أحد المقاعد.
راح يراقب الداخل والخارج.
مرت خمس دقائق...
ثم عشر...
ثم خرج الموظف من أحد المكاتب وهو يحمل ملفًا رماديًا.
اقترب منه.
لكن قبل أن يسلمه الملف، خرج ضابط برتبة عالية من المكتب نفسه.
كان في منتصف الخمسينيات، طويل القامة، ونظرته حادة.
نظر إلى كنان، ثم إلى الملف.
وسأل ببرود:
"أنت ابن سلمان الريّان؟"
أومأ كنان.
اقترب الضابط.
أخذ الملف من يد الموظف.
ثم قال:
"هذه القضية أُغلقت."
أجاب كنان بهدوء حاول أن يخفي غضبه:
"أريد فقط الاطلاع على التقرير الكامل."
ابتسم الضابط ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيه.
"التقرير الكامل ليس متاحًا."
قطب كنان حاجبيه.
"ولماذا؟"
أجاب الضابط بسرعة:
"لأنك لست طرفًا في التحقيق."
"أنا ابن الرجل الذي بُني الحكم عليه بسبب وفاة حسين."
ساد صمت ثقيل.
ثم قال الضابط بنبرة حاسمة:
"انتهى الأمر."
أحس كنان أن الكلمات كانت أشبه بباب يُغلق في وجهه.
لكنه لم يتراجع.
بل قال بثبات:
"إذا كان كل شيء واضحًا كما تقولون... فلماذا تخشون أن أقرأ الملف؟"
للحظة...
لمع شيء غريب في عيني الضابط.
لم يكن خوفًا...
بل انزعاجًا.
انزعاج رجل لم يتوقع هذا السؤال.
ثم أعاد الملف إلى الموظف وقال:
"أنهِ هذا الحديث."
واستدار مغادرًا.
وقف كنان مكانه.
كان يشعر أن رفضهم لم يكن طبيعيًا.
لو كانت القضية مجرد حادث...
لما احتاجوا إلى كل هذا التشدد.
خرج من المبنى ببطء.
وقبل أن يصل إلى سيارته، أخرج دفتره الصغير.
وأضاف سطرًا جديدًا تحت الملاحظات السابقة:
- الشرطة ترفض إظهار الملف الكامل دون سبب مقنع.
أغلق الدفتر.
ورفع عينيه نحو السماء.
ثم همس:
«"كل باب يُغلق في وجهي... يؤكد أنني أسير في الاتجاه الصحيح."»
أغلق كنان دفتره، وأعاده إلى جيب سترته.
بقي واقفًا أمام مبنى الشرطة للحظات، يحدق في اللافتة المعلقة فوق المدخل.
كم مرة دخل الناس من هذا الباب بحثًا عن العدالة؟
وكم مرة خرجوا منه وهم يحملون أسئلة أكثر من الإجابات؟
زفر ببطء، ثم اتجه نحو سيارته.
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغرب، وألقت أشعتها البرتقالية على زجاج السيارات المصطفة على جانبي الطريق.
فتح باب سيارته، لكنه لم يجلس.
ظل واقفًا، وعيناه شاردتان في الفراغ.
أعاد ترتيب الأحداث في ذهنه.
كاميرا مراقبة...
شاهد رأى سيارة سوداء...
تقرير ناقص...
وضابط يرفض مجرد السماح له بالاطلاع على الملف.
لم يعد الأمر مجرد شك.
كان يشعر أن هناك يدًا خفية تحرك كل شيء.
أدار المفتاح، وانطلقت السيارة ببطء.
لم يكن يقود نحو المنزل.
كان يريد أن يبتعد قليلًا...
أن يرتب أفكاره بعيدًا عن ضجيج المدينة.
°
°
°
بعد دقائق، توقف أمام مقهى صغير يطل على النهر.
كان المكان هادئًا.
جلس في الطاولة الأخيرة، وأمامَه فنجان قهوة لم يذق منه رشفة واحدة.
فتح دفتره من جديد.
وفي منتصف الصفحة كتب سؤالًا واحدًا:
من المستفيد من موت حسين النجار؟
ظل ينظر إلى السؤال طويلًا.
ثم بدأ يكتب تحته أسماءً قليلة.
شطب بعضها.
وأبقى أخرى.
لكن اسمًا واحدًا بقي فارغًا.
الاسم الذي لا يعرفه بعد...
الرجل الذي يخشاه الجميع.
وبينما كان غارقًا في أفكاره، شعر بحركة خفيفة عند الطاولة المجاورة.
رفع رأسه.
لم يكن هناك أحد.
لكن على سطح الطاولة المقابلة، وُضع ظرف أبيض صغير.
قطب حاجبيه.
نظر حوله.
لم يلاحظ أحدًا يراقبه.
تناول الظرف بحذر.
لم يكن يحمل اسمًا.
ولا عنوانًا.
فتح طرفه ببطء.
أخرج منه ورقة مطوية.
فتحها.
ولم يكن فيها سوى سطر واحد، كُتب بحروف حادة كأن كاتبها كان يضغط على القلم بكل غضبه:
«"توقف عن البحث... فبعض القبور لا يجب أن تُفتح."»
ساد صمت ثقيل.
قرأ الجملة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
لم ترتجف يداه.
ولم تظهر على وجهه ملامح الخوف.
بل ابتسم...
ابتسامة صغيرة، لكنها لم تحمل شيئًا من الفرح.
وقال بصوت منخفض:
"إذن..."
رفع الورقة أمام عينيه.
"...لقد وصلت إليكم."
طوى الرسالة بعناية، ووضعها داخل دفتره، بدل أن يمزقها.
لم يكن يراها تهديدًا...
بل دليلًا جديدًا.
دليلًا على أن الحقيقة ما زالت حية، وأن هناك من يخشى أن يعثر عليها.
نهض من مكانه.
ووضع ثمن القهوة على الطاولة.
وقبل أن يغادر المقهى، التفت مرة أخيرة نحو المكان الذي وجد فيه الظرف.
ثم قال في نفسه:
«"حين يبدأ المجرم بإخافتك... فاعلم أنك اقتربت من الخطأ الذي يحاول إخفاءه."»
خرج من المقهى بخطوات ثابتة.
أما في الجهة الأخرى من الشارع...
فكانت سيارة سوداء تقف بصمت.
لم تتحرك.
ولم تُشغّل أضواءها.
كانت فقط...
تراقب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حلّ المساء على المدينة ببطء، حتى بدت الشوارع وكأنها ترتدي ثوبًا من السكون.
كان كنان جالسًا في غرفة والده، يتأمل الرسالة التي وصلته قبل ساعات.
«"توقف عن البحث... فبعض القبور لا يجب أن تُفتح."»
للمرة العاشرة أعاد قراءتها.
ثم طواها بعناية ووضعها داخل دفتر ملاحظاته.
لم تعد تخيفه.
بل أصبحت تؤكد له أن خطواته بدأت تقترب من شيء يخشاه الآخرون.
قطع أفكاره رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل محامي والده.
أجاب سريعًا:
"السلام عليكم."
جاءه صوت الرجل مترددًا على غير عادته.
"كنان... أحتاج أن أراك الليلة."
عقد كنان حاجبيه.
"هل حدث شيء؟"
ساد صمت قصير، ثم قال المحامي:
"هناك رجل طلب مقابلتك."
"من هو؟"
"رفض أن يذكر اسمه."
"وماذا يريد؟"
تنهد المحامي.
"قال إنه كان يعمل في المحكمة... وإن لديه ما يثبت أن قضية والدك لم تكن كما ظهرت أمام الجميع."
تسارعت نبضات قلب كنان.
نهض من مكانه دفعة واحدة.
"أين هو الآن؟"
"لن يأتي إلى مكتبي."
"قال إنه يخشى أن يكون مراقبًا."
ثم خفض صوته وأضاف:
"يريد مقابلتك في مستودع قديم خارج المدينة... بعد ساعة."
ساد الصمت.
لم يكن كنان يعلم إن كان ذلك فخًا...
أم الفرصة التي انتظرها منذ اعتقال والده.
أغلق الهاتف.
توجه إلى خزانته.
ارتدى معطفًا أسود، ثم التقط مفاتيح سيارته.
وقبل أن يغادر...
وقعت عيناه على صورة والده المعلقة فوق المكتب.
اقترب منها.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم همس:
"إن كانت هذه أول خطوة نحو الحقيقة... فسأمضي فيها."
أطفأ أنوار المنزل.
وأغلق الباب خلفه.
كانت تلك الليلة...
بداية طريقٍ لم يكن يعلم أنه سيقوده بعد سنوات إلى الوقوف في مواجهة رجل يظنه عدوه الأكبر... بينما كان العدو الحقيقي يراقبه من الظل، مبتسمًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً.
كلما ابتعد كنان بسيارته عن أضواء المدينة، ازداد الطريق ظلمةً ووحشة.
لم يكن المستودع الذي أرسل إليه الموقع مكانًا يرتاده الناس.
كان يقع في منطقة صناعية مهجورة، حيث تقف المباني الإسمنتية الضخمة كالأشباح، وقد أكل الصدأ أبوابها الحديدية.
أطفأ محرك السيارة.
ساد الصمت.
صمتٌ لم يقطعه سوى صفير الريح وهي تتسلل بين النوافذ المحطمة.
خرج من السيارة.
نظر حوله بحذر.
لم يكن هناك أحد.
أخرج هاتفه.
نظر إلى الرسالة مرة أخرى.
"ادخل وحدك."
رفع بصره نحو باب المستودع.
كان نصف مفتوح، يتأرجح مع الريح، ويصدر صريرًا حادًا في كل مرة يتحرك فيها.
تقدم بخطوات ثابتة.
وما إن عبر الباب، حتى ابتلعته العتمة.
كانت رائحة الغبار والخشب القديم تملأ المكان.
دخلت أشعة القمر من ثقوب السقف، فرسمت خطوطًا فضية على الأرضية الإسمنتية.
توقفت خطوات كنان فجأة.
في آخر المستودع...
كان يقف رجل.
يرتدي معطفًا رماديًا وقبعة تخفي معظم ملامحه.
بدا متوترًا.
كان يلتفت كل بضع ثوانٍ نحو الباب، وكأنه يخشى أن يلحق به أحد.
قال كنان بصوت هادئ:
"أأنت من طلب مقابلتي؟"
رفع الرجل رأسه ببطء.
أومأ مرة واحدة.
ثم قال بصوت خافت:
"كنان الريّان؟"
"نعم."
اقترب الرجل خطوة.
لكن يديه كانتا ترتجفان.
لاحظ كنان ذلك.
فسأله:
"ممن تخاف؟"
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.
وقال:
"لو عرفت... لما سألت هذا السؤال."
ساد صمت قصير.
ثم أخرج من داخل معطفه ظرفًا بنيًا سميكًا.
ظل ممسكًا به للحظات، وكأنه متردد في تسليمه.
قال:
"احتفظت بهذا سنوات."
"وكل يوم كنت أقول لنفسي إنني سأحرقه."
"لكن ضميري كان أقوى من خوفي."
مد الظرف نحو كنان.
تناوله الأخير ببطء.
كان ثقيلًا.
وثمة أوراق كثيرة بداخله.
رفع كنان نظره.
"ما هذا؟"
تنهد الرجل.
وأجاب:
"جزء من الحقيقة التي لم تصل إلى المحكمة."
في تلك اللحظة...
شعر كنان بأن نبضات قلبه تكاد تُسمع في أرجاء المستودع.
رفع الغلاف بحذر.
لكن الرجل أوقفه بإشارة من يده.
وقال بنبرة جادة:
"لا تفتحه هنا."
قطب كنان حاجبيه.
"لماذا؟"
اقترب الرجل أكثر، حتى أصبح صوته بالكاد يُسمع.
"لأن هناك من لا يريد لهذه الأوراق أن تبقى موجودة."
ثم التفت سريعًا نحو الباب، وكأنه سمع صوتًا في الخارج.
تغير لون وجهه.
وقال بسرعة:
"لم يعد لدي وقت."
أمسك كنان بذراعه.
"انتظر... من أنت؟"
نظر إليه الرجل طويلًا.
ثم أفلت ذراعه برفق.
وقال:
"اسمي لن يفيدك."
"ابحث عمّا في الظرف..."
"وستعرف لماذا دخل والدك السجن."
استدار مسرعًا.
واختفى بين الممرات الخلفية للمستودع.
ركض كنان خلفه.
لكن عندما وصل إلى الباب الخلفي...
لم يجد أحدًا.
كانت الساحة خالية.
ولم يبقَ فيها سوى صوت الريح.
عاد إلى الداخل.
نظر إلى الظرف بين يديه.
شعر أنه لا يحمل مجرد أوراق...
بل يحمل مصير عائلته كله.
لم يفتحه.
ضمّه إلى صدره للحظة.
ثم غادر المستودع بخطوات بطيئة، غير مدرك أن تلك الليلة لم تمنحه الحقيقة...
بل منحته الكذبة التي سيبني عليها سنواتٍ كاملة من حياته.
°
°
°
لم يقد كنان سيارته مباشرة نحو المنزل.
ظل يجوب شوارع المدينة بلا وجهة، والظرف البني يستقر على المقعد المجاور له، كأنه يحمل وزنًا أكبر من مجرد أوراق.
كان يمد يده إليه كل بضع دقائق...
ثم يتراجع.
كان يخشى أن يفتحه.
ويخشى أكثر أن يكون خاليًا من الإجابات.
حين عاد إلى المنزل، كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلًا.
أطفأ محرك السيارة، وصعد الدرج بهدوء حتى لا يوقظ والدته.
كان البيت ساكنًا على غير عادته.
فتح باب غرفة والده.
لطالما شعر أن هذه الغرفة تمنحه شيئًا من الطمأنينة.
جلس خلف المكتب الخشبي الذي كان سلمان يقضي ساعات طويلة يعمل عليه.
أشعل المصباح الصغير.
ثم وضع الظرف أمامه.
ظل ينظر إليه طويلًا.
وأخيرًا...
قطعه بسكينة صغيرة كانت على المكتب.
أخرج الأوراق واحدة تلو الأخرى.
تقارير...
نسخ من محاضر...
وأخيرًا...
ملف يحمل ختم المحكمة.
تسارعت أنفاسه.
فتح الصفحة الأولى.
كانت تتحدث عن قضية والده.
قلب الصفحة الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة...
توقفت يداه.
في أسفل إحدى الصفحات...
ظهر توقيع واضح.
وتحته اسم لم يكن يتوقع أن يراه.
القاضي عبد الرحمن الكندي.
شعر وكأن الزمن توقف.
اقترب من الورقة أكثر.
قرأ السطور مرة...
ثم أعاد قراءتها.
كانت الوثيقة تتحدث عن استبعاد دليل قيل إنه "غير كافٍ للاعتماد عليه".
ولو بقي ذلك الدليل...
لتغيّر مسار القضية بأكملها.
ارتجفت أصابع كنان.
همس بصوت يكاد لا يُسمع:
"مستحيل..."
رفع الوثيقة أمام الضوء.
تأمل الختم.
وتأمل التوقيع.
كل شيء بدا حقيقيًا.
لا خدش...
ولا شبهة تزوير.
عاد بذاكرته إلى يوم النطق بالحكم.
تذكر القاضي الجالس على المنصة.
وجهه الهادئ.
وصوته الثابت وهو يعلن الحكم على سلمان الريّان.
في تلك اللحظة
بدأت جميع الصور في رأسه ترتبط ببعضها.
التقرير الناقص.
اختفاء تسجيلات الكاميرا.
موت حسين النجار.
ورفض الشرطة فتح الملف.
كل ذلك...
أصبح في نظره يقود إلى رجل واحد.
أطبق على الورقة بقوة حتى تجعدت أطرافها.
كانت عيناه تمتلئان بالغضب شيئًا فشيئًا.
لكنه لم يبكِ.
منذ اعتقال والده...
تعلم أن الدموع لا تعيد حقًا.
نهض من مقعده.
واتجه نحو النافذة.
كانت المدينة تغرق في صمت الليل.
أما داخله...
فكان يضج بعاصفة لا تهدأ.
قال بصوت خافت:
"كنت أبحث عن الحقيقة..."
ثم أغمض عينيه.
"...لكنني وجدتك."
فتح عينيه من جديد.
ولم يعد فيهما ذلك الشاب الذي كان يحلم بإثبات براءة أبيه فقط.
كان في أعماقه شيء آخر...
شيء بدأ يولد بصمت.
شيء اسمه...
الانتقام.
اقترب من صورة والده الموضوعة فوق المكتب.
أمسك إطارها بكلتا يديه.
وقال بصوت ثابت، وكأنه يعقد عهدًا لا رجعة فيه:
«"أقسم لك يا أبي... إن كان عبد الرحمن الكندي قد ظلمك عمدًا، فسأجعله يذوق من الألم ما يكفيه عمرًا كاملًا. لن أنسى... ولن أسامح."»
ثم طوى الوثيقة بعناية، وأعادها إلى الظرف.
أطفأ المصباح.
وغادر الغرفة.
أما على المكتب...
فبقيت صورة سلمان الريّان في العتمة.
وكأنها كانت تريد أن تقول شيئًا...
لو استطاعت الكلام.
لكن الحقيقة...
كانت قد تأخرت عن الوصول.
وكانت الكذبة...
قد سبقتها بخطوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا ينتهي الفصل الثالث... 🖤
أريد أن أعرف رأيكم بكل صراحة...
- ما تقييمكم لهذا الفصل؟
- هل تعتقدون أن كنان يسير فعلًا نحو الحقيقة، أم أن هناك من يقوده إلى طريقٍ رُسم له منذ البداية؟
- ولو كنتم مكانه، هل كنتم ستصدقون الوثيقة أم ستشككون فيها؟
شاركوني توقعاتكم ونظرياتكم في التعليقات، فأنا أقرأ كل كلمة تكتبونها، وربما يلتقط أحدكم خيطًا غاب عن الجميع... 👀
أراكم في الفصل القادم، حيث سيصبح البحث عن الحقيقة أكثر خطورة... لأن بعض الأسرار لا تكتفي بأن تُخفى، بل تدافع عن نفسها.
{/center}
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!