ما بعد الجحيم
ما بعد الجحيم
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

مقدمة

"(ان تأتي متأخرا ... خير من الا تأتي اصلا )"
*"جيفري تشوسر"*
.
.
فِي ذَلِكَ العَالَمِ الَّذِي لَمْ تَكُنْ فِيهِ الظِّلَالُ مُجَرَّدَ غِيَابٍ لِلضَّوْءِ، بَلْ كَائِنَاتٌ تَتَنَفَّسُ فِي الزَّوَايَا المَنْسِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ، حَيْثُ تَخْتَلِطُ أَصْوَاتُ الصُّرَاخِ بِضَحِكَاتِ المَجَانِينِ، وَتَتَلَاشَى الحُدُودُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالكَابُوسِ...
هُنَاكَ، فِي تِلْكَ البُقْعَةِ الَّتِي لَا تُذْكَرُ فِي الخَرَائِطِ، وَلَا تَجْرُؤُ الرِّيَاحُ عَلَى زِيَارَتِهَا، وُلِدَتِ الحِكَايَةُ الَّتِي لَا تَجْرُؤُ الأَلْسُنُ عَلَى سَرْدِهَا، وَالَّتِي تَهْمِسُ بِهَا الظِّلَالُ فِي آذَانِ المَوْتَى فَقَطْ.
كَانَتْ تِلْكَ المَدِينَةُ تُعْرَفُ بِــ"مَدِينَةِ الأَقْنِعَةِ"، لَيْسَ لأَنَّ سُكَّانَهَا يُخْفُونَ وُجُوهَهُمْ، بَلْ لأَنَّ كُلَّ رُوحٍ فِيهَا تَرْتَدِي وَجْهاً لَيْسَ وَجْهَهَا، كُلَّ قَلْبٍ يَنْبِضُ بِكَذْبَةٍ يَظُنُّهَا حَقِيقَةً، وَكُلَّ ابْتِسَامَةٍ تُخْفِي خَنْجَراً يَتَرَقَّبُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِيَنْغَرِسَ فِي ظَهْرِ مَنْ وَثِقَ بِهَا.
وَفِي قَلْبِ هَذِهِ المَدِينَةِ المُلْتَهِبَةِ، حَيْثُ تَتَصَادَمُ الأَرْوَاحُ كَأَمْوَاجِ بَحْرٍ هَائِجٍ، تَتَشَابَكُ الخُيُوطُ وَتَتَلَاعَبُ الأَقْدَارُ كَمَا يَتَلَاعَبُ النَّارُ بِالهَشِيمِ.
هُنَاكَ، تَقِفُ بَطَلَتُنَا إِيـــمَـــا، تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي حَمَلَتْ فِي عَيْنَيْهَا بَحْراً مِنَ الأَسْرَارِ الَّتِي لَا تَجِفُّ، وَفِي قَلْبِهَا جَحِيماً لَا يُطْفَأُ.
كُلُّ نَدْبَةٍ عَلَى جَسَدِهَا تَحْكِي قِصَّةَ انْتِصَارٍ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَحَدٌ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ بَارِدَةٍ مِنْهَا تُخْفِي عَاصِفَةً مِنَ الغَضَبِ المَكْبُوحِ الَّذِي يَنْتَظِرُ لَحْظَةَ الاِنْفِجَارِ.
لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ عَادَتْ مِنَ المَوْتِ لِتُخْبِرَ العَالَمَ بِأَنَّهَا مَا زَالَتْ هُنَا، بَلْ كَانَتِ الرَّدَّ الصَّارِخَ عَلَى كُلِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّارَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلْتَهِمَ مَنْ وُلِدَ مِنْهَا.
إِنَّهَا رَمَادٌ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَشْتَعِلُ مِنْ جَدِيدٍ، وَحِكَايَةُ امْرَأَةٍ قَرَّرَتْ أَنَّ الخُضُوعَ لَيْسَ خِيَاراً، وَأَنَّ الانْتِقَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَغْبَةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ تُمْلِيهِ عَلَيْهَا كُلُّ قَطْرَةِ دَمٍ ضَاعَتْ مِنْ رُوحِهَا.
وَبِجَانِبِهَا، أَوْ رُبَّمَا فِي نَقِيضِهَا التَّامِّ، تَقِفُ اُختُها إمِــيــلِــيَــا، تِلْكَ الَّتِي رَأَتْ فِي النَّاسِ مَا لَا يَرَوْنَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَالَّتِي حَمَلَتْ فِي قَلْبِهَا نُوراً يَكَادُ يُخْفِي ظِلَّهَا الثَّقِيلَ.
هِيَ الَّتِي آمَنَتْ بِأَنَّ الخَيْرَ مَوْجُودٌ حَتَّى فِي أَحْلَكِ النُّفُوسِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ سَاذِجَةً بِمَا يَكْفِي لِتَظُنَّ أَنَّ الجَمِيعَ يَسْتَحِقُّ الثِّقَةَ.
تَبْتَسِمُ وَفِي عَيْنَيْهَا حِكَايَةُ أَلَمٍ لَا تُرْوَى، وَتَمُدُّ يَدَهَا لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ هُم مَنْ سَيَطْعَنُونَهَا فِي ظَهْرِهَا.
لَكِنَّهَا تَخْتَارُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، لَيْسَ لأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، بَلْ لأَنَّهَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُمْنَحَ فُرْصَةً أَخِيرَةً، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الفُرْصَةُ هِيَ ثَمَنَ حَيَاتِهَا.
---
هَاتَانِ المَرْأَتَانِ، اللَّتَانِ تَشْبَهَانِ النَّارَ وَالمَاءَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَاللَّتَانِ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا رَوَابِطُ لَا تُرَى بِالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، سَتَكُونَانِ مِحْوَرَ حِكَايَةٍ تَتَشَابَكُ فِيهَا خُيُوطُ الدِّمَاءِ وَالانْتِقَامِ وَالحُبِّ المَفْقُودِ...
حِكَايَةٌ تُخْبِرُكَ بِأَنَّ العَائِلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَمٍ يَتَدَفَّقُ فِي العُرُوقِ، بَلْ هِيَ اخْتِيَارٌ قَدْ يُكَلِّفُكَ رُوحَكَ.
بِأَنَّ الأُخُوَّةَ قَدْ تَكُونُ أَقْوَى مِنْ رَوَابِطِ الدَّمِّ، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ ذَاتَهَا سَبَبَ السُّقُوطِ فِي الهَاوِيَةِ.
وَبِأَنَّ التَّوْأَمَ لَيْسَا مُجَرَّدَ وَجْهَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ، بَلْ هُمَا مِرْآتَانِ تَعْكِسَانِ بَعْضَهُمَا البَعْضَ فِي عَالَمٍ يَخْلُو مِنَ العَدَالَةِ.
فِي هَذَا العَالَمِ، حَيْثُ الأَكَاذِيبُ تُنْسَجُ كَخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ، وَالوُعُودُ تُكْسَرُ كَالزُّجَاجِ تَحْتَ أَقْدَامِ الغَدْرِ، سَتَشْهَدُ صِرَاعاً لَا هَوَادَةَ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يُرِيدُ السَّيْطَرَةَ وَمَنْ يُرِيدُ الحُرِّيَّةَ، بَيْنَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالقُوَّةِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِالعَقْلِ، بَيْنَ مَنْ يَرَى فِي الانْتِقَامِ خَلَاصاً وَمَنْ يَرَى فِيهِ بِدَايَةَ هَلَاكٍ جَدِيدٍ.
سَتَرَى وُجُوهاً تَتَبَدَّلُ كَأَقْنِعَةِ الكَرْنَفَالِ، وَسَتَسْمَعُ كَلِمَاتٍ تُطْلَقُ كَالرَّصَاصِ فِي مَعَارِكَ لَا تُرَى، وَسَتَعِيشُ لَحَظَاتٍ تَجْعَلُكَ تَتَسَاءَلُ هَلِ الخَيْرُ وَالشَّرُّ مُجَرَّدُ وَجْهَيْنِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَدُورُ فِي يَدِ القَدَرِ؟
فهَذِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنِ المَافِيَا فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، حَيْثُ يَتَكَشَّفُ الوَجْهُ الحَقِيقِيُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حِينَ تُسْلَبُ مِنْهُ كُلُّ الخِيَارَاتِ وَيُتْرَكُ وَجْهاً لِوَجْهٍ مَعَ أَعْمَقِ مَخَاوِفِهِ.
هِيَ رِحْلَةٌ إِلَى الجَحِيمِ الَّذِي نَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِنَا، إِلَى تِلْكَ الزَّاوِيَةِ المُظْلِمَةِ الَّتِي نَخَافُ أَنْ نُطِلَّ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّنَا نَعْرِفُ جَيِّداً أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ هُنَاكَ، تَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِتَخْرُجَ وَتُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهَا.
وَدِدْتُ لَوْ أَقُولُ لَكَ أَنَّ الأَحدَاثَ سَتَكُونُ سَعِيدَةً، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي أَعْرِفُهَا تُخْبِرُنِي بِأَنَّ السَّعَادَةَ فِي هَذَا العَالَمِ لَيْسَتْ سِوَى سَرَابٍ يَرَاهُ العَطْشَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا.
وَدِدْتُ لَوْ أَقُولُ لَكَ أَنَّ الحُبَّ سَيَنْتَصِرُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَكِنَّ الوَاقِعَ الَّذِي عِشْتُهُ يُعَلِّمُنِي أَنَّ الحُبَّ فِي مَمْلَكَةِ الظِّلَالِ قَدْ يَكُونُ أَقْسَى أَنْوَاعِ الانْتِقَامِ.
وَدِدْتُ لَوْ أَعِدُكَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ، وَلَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنَ الحَيَاةِ أَنَّ "عَلَى مَا يُرَامُ" هِيَ الكَذْبَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي نَرْوِيهَا لِأَنْفُسِنَا لِنَسْتَطِيعَ النُّهُوضَ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي.
وَلَكِنْ... عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا الظَّلَامِ الَّذِي يُحِيطُ بِنَا، هُنَاكَ دَائِماً بَصِيصُ نُورٍ فِي آخِرِ النَّفَقِ، هُنَاكَ دَائِماً أَمَلٌ بِأَنَّ الغَدَ قَدْ يَكُونُ مُخْتَلِفاً، هُنَاكَ دَائِماً سَبَبٌ يَجْعَلُنَا نَسْتَمِرُّ فِي القِتَالِ حَتَّى لَوْ كُنَّا لَا نَعْرِفُ لِمَاذَا.
وَهَذَا مَا سَتَحْكِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ...
رِوَايَةُ مَنْ وُلِدُوا مِنْ رَمَادِ الجَحِيمِ،
وَقَرَّرُوا أَنْ يَكُونُوا نَاراً تُضِيءُ دَرْبَ الآخَرِينَ،
حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ يَعْنِي احْتِرَاقَهُمْ هُمْ أَنْفُسَهُمْ.
.
.
.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِخَوْضِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ؟
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِمُوَاجَهَةِ حَقَائِقَ قَدْ تُغَيِّرُ نَظْرَتَكَ لِلْحَيَاةِ إِلَى الأَبَدِ؟
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِأَنْ تَرَى الجَمَالَ فِي القُبْحِ، وَالحُبَّ فِي الكَرَاهِيَةِ، وَالنُّورَ فِي أَحْلَكِ الظُّلُمَاتِ؟
إِذَا كَانَتْ إِجَابَتُكَ نَعَمْ... فَتَأَكَّدْ أَنَّكَ لَنْ تَنْدَمَ عَلَى خُطْوَتِكَ هَذِهِ.
وَلَكِنْ تَذَكَّرْ...
فِي هَذا العَالَمِ...
لَا شَيْءَ كَمَا يَبْدُو.
وَلَا أَحَدَ كَمَا تَتَخَيَّلُ.
وَالنِّهَايَةُ... قَدْ تَكُونُ البِدَايَةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا.
---
هَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ... هَذَا هُوَ الجَحِيمُ بِعَيْنِهِ، مَرْسُومٌ بِحِبْرِ الدُّمُوعِ وَدِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ؟
.
.
.
.
.
قبل كل شيء...
هذه كانت المقدمة فقط...
وما سترونه بعدها هو الأخطر من كل هذا.
فالنار التي رأيتموها تتلون في الأفق البعيد، ليست سوى شعلة صغيرة بالمقارنة مع ما ستنفجر به هذه الصفحات. ما رأيتموه حتى الآن هو مجرد وهم، مجرد غشاوة تخفي عنكم الحقيقة الكامنة وراء كل كلمة سأكتبها.
والآن...
أهلاً بالجميع...
أهلاً بكم بين كلماتي التي جاهدت حقاً لأخرجها، بين الأحرف التي نزفت من روحي قطرة قطرة، وبين الأوجاع التي سأشاركها مع أحدهم أخيراً، بعد أن تمزقت صامتة سنين طويلة.
أهلاً بكم معي... ليس في الجحيم، بل فيما بعد الجحيم.
ذلك المكان الذي لا يصل إليه أحد إلا بعد أن يكون قد احترق بالكامل، وتعلم كيف يولد من جديد من رماد نفسه.
ذلك المكان الذي لا تجد فيه روحاً واحدة لم تذق طعم الموت مرات لا تُعد ولا ت
.
.
.
.
.
.
----------------------------------
.
.
.
.
"(ان تأتي متأخرا ... خير من الا تأتي اصلا )"
*"جيفري تشوسر"*
.
.
.
فِي ذَلِكَ العَالَمِ الَّذِي لَمْ تَكُنْ فِيهِ الظِّلَالُ مُجَرَّدَ غِيَابٍ لِلضَّوْءِ، بَلْ كَائِنَاتٌ تَتَنَفَّسُ فِي الزَّوَايَا المَنْسِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ، حَيْثُ تَخْتَلِطُ أَصْوَاتُ الصُّرَاخِ بِضَحِكَاتِ المَجَانِينِ، وَتَتَلَاشَى الحُدُودُ بَيْنَ الحُلْمِ وَالكَابُوسِ...
هُنَاكَ، فِي تِلْكَ البُقْعَةِ الَّتِي لَا تُذْكَرُ فِي الخَرَائِطِ، وَلَا تَجْرُؤُ الرِّيَاحُ عَلَى زِيَارَتِهَا، وُلِدَتِ الحِكَايَةُ الَّتِي لَا تَجْرُؤُ الأَلْسُنُ عَلَى سَرْدِهَا، وَالَّتِي تَهْمِسُ بِهَا الظِّلَالُ فِي آذَانِ المَوْتَى فَقَطْ.
كَانَتْ تِلْكَ المَدِينَةُ تُعْرَفُ بِــ"مَدِينَةِ الأَقْنِعَةِ"، لَيْسَ لأَنَّ سُكَّانَهَا يُخْفُونَ وُجُوهَهُمْ، بَلْ لأَنَّ كُلَّ رُوحٍ فِيهَا تَرْتَدِي وَجْهاً لَيْسَ وَجْهَهَا، كُلَّ قَلْبٍ يَنْبِضُ بِكَذْبَةٍ يَظُنُّهَا حَقِيقَةً، وَكُلَّ ابْتِسَامَةٍ تُخْفِي خَنْجَراً يَتَرَقَّبُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِيَنْغَرِسَ فِي ظَهْرِ مَنْ وَثِقَ بِهَا.
وَفِي قَلْبِ هَذِهِ المَدِينَةِ المُلْتَهِبَةِ، حَيْثُ تَتَصَادَمُ الأَرْوَاحُ كَأَمْوَاجِ بَحْرٍ هَائِجٍ، تَتَشَابَكُ الخُيُوطُ وَتَتَلَاعَبُ الأَقْدَارُ كَمَا يَتَلَاعَبُ النَّارُ بِالهَشِيمِ.
هُنَاكَ، تَقِفُ بَطَلَتُنَا إِيـــمَـــا، تِلْكَ المَرْأَةُ الَّتِي حَمَلَتْ فِي عَيْنَيْهَا بَحْراً مِنَ الأَسْرَارِ الَّتِي لَا تَجِفُّ، وَفِي قَلْبِهَا جَحِيماً لَا يُطْفَأُ.
كُلُّ نَدْبَةٍ عَلَى جَسَدِهَا تَحْكِي قِصَّةَ انْتِصَارٍ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَحَدٌ، وَكُلُّ نَظْرَةٍ بَارِدَةٍ مِنْهَا تُخْفِي عَاصِفَةً مِنَ الغَضَبِ المَكْبُوحِ الَّذِي يَنْتَظِرُ لَحْظَةَ الاِنْفِجَارِ.
لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ عَادَتْ مِنَ المَوْتِ لِتُخْبِرَ العَالَمَ بِأَنَّهَا مَا زَالَتْ هُنَا، بَلْ كَانَتِ الرَّدَّ الصَّارِخَ عَلَى كُلِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّارَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلْتَهِمَ مَنْ وُلِدَ مِنْهَا.
إِنَّهَا رَمَادٌ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَشْتَعِلُ مِنْ جَدِيدٍ، وَحِكَايَةُ امْرَأَةٍ قَرَّرَتْ أَنَّ الخُضُوعَ لَيْسَ خِيَاراً، وَأَنَّ الانْتِقَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَغْبَةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ تُمْلِيهِ عَلَيْهَا كُلُّ قَطْرَةِ دَمٍ ضَاعَتْ مِنْ رُوحِهَا.
وَبِجَانِبِهَا، أَوْ رُبَّمَا فِي نَقِيضِهَا التَّامِّ، تَقِفُ اُختُها إمِــيــلِــيَــا، تِلْكَ الَّتِي رَأَتْ فِي النَّاسِ مَا لَا يَرَوْنَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَالَّتِي حَمَلَتْ فِي قَلْبِهَا نُوراً يَكَادُ يُخْفِي ظِلَّهَا الثَّقِيلَ.
هِيَ الَّتِي آمَنَتْ بِأَنَّ الخَيْرَ مَوْجُودٌ حَتَّى فِي أَحْلَكِ النُّفُوسِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ سَاذِجَةً بِمَا يَكْفِي لِتَظُنَّ أَنَّ الجَمِيعَ يَسْتَحِقُّ الثِّقَةَ.
تَبْتَسِمُ وَفِي عَيْنَيْهَا حِكَايَةُ أَلَمٍ لَا تُرْوَى، وَتَمُدُّ يَدَهَا لِمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ هُم مَنْ سَيَطْعَنُونَهَا فِي ظَهْرِهَا.
لَكِنَّهَا تَخْتَارُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، لَيْسَ لأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، بَلْ لأَنَّهَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُمْنَحَ فُرْصَةً أَخِيرَةً، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الفُرْصَةُ هِيَ ثَمَنَ حَيَاتِهَا.
---
هَاتَانِ المَرْأَتَانِ، اللَّتَانِ تَشْبَهَانِ النَّارَ وَالمَاءَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَاللَّتَانِ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا رَوَابِطُ لَا تُرَى بِالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، سَتَكُونَانِ مِحْوَرَ حِكَايَةٍ تَتَشَابَكُ فِيهَا خُيُوطُ الدِّمَاءِ وَالانْتِقَامِ وَالحُبِّ المَفْقُودِ...
حِكَايَةٌ تُخْبِرُكَ بِأَنَّ العَائِلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَمٍ يَتَدَفَّقُ فِي العُرُوقِ، بَلْ هِيَ اخْتِيَارٌ قَدْ يُكَلِّفُكَ رُوحَكَ.
بِأَنَّ الأُخُوَّةَ قَدْ تَكُونُ أَقْوَى مِنْ رَوَابِطِ الدَّمِّ، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ ذَاتَهَا سَبَبَ السُّقُوطِ فِي الهَاوِيَةِ.
وَبِأَنَّ التَّوْأَمَ لَيْسَا مُجَرَّدَ وَجْهَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ، بَلْ هُمَا مِرْآتَانِ تَعْكِسَانِ بَعْضَهُمَا البَعْضَ فِي عَالَمٍ يَخْلُو مِنَ العَدَالَةِ.
فِي هَذَا العَالَمِ، حَيْثُ الأَكَاذِيبُ تُنْسَجُ كَخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ، وَالوُعُودُ تُكْسَرُ كَالزُّجَاجِ تَحْتَ أَقْدَامِ الغَدْرِ، سَتَشْهَدُ صِرَاعاً لَا هَوَادَةَ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يُرِيدُ السَّيْطَرَةَ وَمَنْ يُرِيدُ الحُرِّيَّةَ، بَيْنَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالقُوَّةِ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِالعَقْلِ، بَيْنَ مَنْ يَرَى فِي الانْتِقَامِ خَلَاصاً وَمَنْ يَرَى فِيهِ بِدَايَةَ هَلَاكٍ جَدِيدٍ.
سَتَرَى وُجُوهاً تَتَبَدَّلُ كَأَقْنِعَةِ الكَرْنَفَالِ، وَسَتَسْمَعُ كَلِمَاتٍ تُطْلَقُ كَالرَّصَاصِ فِي مَعَارِكَ لَا تُرَى، وَسَتَعِيشُ لَحَظَاتٍ تَجْعَلُكَ تَتَسَاءَلُ هَلِ الخَيْرُ وَالشَّرُّ مُجَرَّدُ وَجْهَيْنِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَدُورُ فِي يَدِ القَدَرِ؟
فهَذِهِ لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنِ المَافِيَا فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، حَيْثُ يَتَكَشَّفُ الوَجْهُ الحَقِيقِيُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حِينَ تُسْلَبُ مِنْهُ كُلُّ الخِيَارَاتِ وَيُتْرَكُ وَجْهاً لِوَجْهٍ مَعَ أَعْمَقِ مَخَاوِفِهِ.
هِيَ رِحْلَةٌ إِلَى الجَحِيمِ الَّذِي نَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِنَا، إِلَى تِلْكَ الزَّاوِيَةِ المُظْلِمَةِ الَّتِي نَخَافُ أَنْ نُطِلَّ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّنَا نَعْرِفُ جَيِّداً أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ هُنَاكَ، تَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِتَخْرُجَ وَتُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهَا.
وَدِدْتُ لَوْ أَقُولُ لَكَ أَنَّ الأَحدَاثَ سَتَكُونُ سَعِيدَةً، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي أَعْرِفُهَا تُخْبِرُنِي بِأَنَّ السَّعَادَةَ فِي هَذَا العَالَمِ لَيْسَتْ سِوَى سَرَابٍ يَرَاهُ العَطْشَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا.
وَدِدْتُ لَوْ أَقُولُ لَكَ أَنَّ الحُبَّ سَيَنْتَصِرُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَكِنَّ الوَاقِعَ الَّذِي عِشْتُهُ يُعَلِّمُنِي أَنَّ الحُبَّ فِي مَمْلَكَةِ الظِّلَالِ قَدْ يَكُونُ أَقْسَى أَنْوَاعِ الانْتِقَامِ.
وَدِدْتُ لَوْ أَعِدُكَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ عَلَى مَا يُرَامُ، وَلَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنَ الحَيَاةِ أَنَّ "عَلَى مَا يُرَامُ" هِيَ الكَذْبَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي نَرْوِيهَا لِأَنْفُسِنَا لِنَسْتَطِيعَ النُّهُوضَ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي.
وَلَكِنْ... عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا الظَّلَامِ الَّذِي يُحِيطُ بِنَا، هُنَاكَ دَائِماً بَصِيصُ نُورٍ فِي آخِرِ النَّفَقِ، هُنَاكَ دَائِماً أَمَلٌ بِأَنَّ الغَدَ قَدْ يَكُونُ مُخْتَلِفاً، هُنَاكَ دَائِماً سَبَبٌ يَجْعَلُنَا نَسْتَمِرُّ فِي القِتَالِ حَتَّى لَوْ كُنَّا لَا نَعْرِفُ لِمَاذَا.
وَهَذَا مَا سَتَحْكِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ...
رِوَايَةُ مَنْ وُلِدُوا مِنْ رَمَادِ الجَحِيمِ،
وَقَرَّرُوا أَنْ يَكُونُوا نَاراً تُضِيءُ دَرْبَ الآخَرِينَ،
حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ يَعْنِي احْتِرَاقَهُمْ هُمْ أَنْفُسَهُمْ.
.
.
.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِخَوْضِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ؟
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِمُوَاجَهَةِ حَقَائِقَ قَدْ تُغَيِّرُ نَظْرَتَكَ لِلْحَيَاةِ إِلَى الأَبَدِ؟
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ لِأَنْ تَرَى الجَمَالَ فِي القُبْحِ، وَالحُبَّ فِي الكَرَاهِيَةِ، وَالنُّورَ فِي أَحْلَكِ الظُّلُمَاتِ؟
إِذَا كَانَتْ إِجَابَتُكَ نَعَمْ... فَتَأَكَّدْ أَنَّكَ لَنْ تَنْدَمَ عَلَى خُطْوَتِكَ هَذِهِ.
وَلَكِنْ تَذَكَّرْ...
فِي هَذا العَالَمِ...
لَا شَيْءَ كَمَا يَبْدُو.
وَلَا أَحَدَ كَمَا تَتَخَيَّلُ.
وَالنِّهَايَةُ... قَدْ تَكُونُ البِدَايَةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا.
---
هَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ... هَذَا هُوَ الجَحِيمُ بِعَيْنِهِ، مَرْسُومٌ بِحِبْرِ الدُّمُوعِ وَدِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌ؟
.
.
.
.
.
قبل كل شيء...
هذه كانت المقدمة فقط...
وما سترونه بعدها هو الأخطر من كل هذا.
فالنار التي رأيتموها تتلون في الأفق البعيد، ليست سوى شعلة صغيرة بالمقارنة مع ما ستنفجر به هذه الصفحات. ما رأيتموه حتى الآن هو مجرد وهم، مجرد غشاوة تخفي عنكم الحقيقة الكامنة وراء كل كلمة سأكتبها.
والآن...
أهلاً بالجميع...
أهلاً بكم بين كلماتي التي جاهدت حقاً لأخرجها، بين الأحرف التي نزفت من روحي قطرة قطرة، وبين الأوجاع التي سأشاركها مع أحدهم أخيراً، بعد أن تمزقت صامتة سنين طويلة.
أهلاً بكم معي... ليس في الجحيم، بل فيما بعد الجحيم.
ذلك المكان الذي لا يصل إليه أحد إلا بعد أن يكون قد احترق بالكامل، وتعلم كيف يولد من جديد من رماد نفسه.
ذلك المكان الذي لا تجد فيه روحاً واحدة لم تذق طعم الموت مرات لا تُعد ولا تُحصى.
.
.
.
.
.
.
.
----------------------------------
.
.
.
.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.