تراجيديا
تراجيديا
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

تراجيديا

‹عام 2070, شهرُ أيار ، اليوم 8›
———
«أبي،امي!.» صرختُ بأعلىٰ صوتي، عقلي لا يقوىٰ على استيعاب ما يراهُ أمامه.
كنتُ طفلة صغيرة، كنتُ في السادسة عندما رأيتُ رأس أبي وأمي في جهة، وجسدهما في مكانٍ آخر، كنت في السادسة فقط.
احملُ بيداي الاثنتين اخي الصغير واضعةً إياه في احضاني،أحميهِ من هذا العالم الفظيع، احميهِ من تلك المخلوقات المُرعبة، هياكل عظمية عملاقة في كل مكان، واحدهم قد أردىٰ والداي قتيلان بدون رأس.
نظرتُ نحو اخي، كان نائمًا، وضعتُ يداي على عينيهِ خشية استيقاظه ورؤيته هذه المناظر، ثم هربتُ نحو اقربِ مكانٍ يمكن لأحدٍ الهروب إليه.
لم يكن سوىٰ الغابة. كانت المكانَ الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه اولئك المخلوقات، لذلك هربتُ الى هناك رفقة أخي الصغير، ماثيو.
«ماثيو، بابا وماما لم يعودوا هنا.» تحدثتُ وانا أبكي، كيف سأعيش الآن، أين..
ابتلعتُ ريقي بينما اخي قد فتح عينيه ببطئ.
ابتسمت بإتساع، رغم ان عمرهُ سنة واحدة إلا أنني اشعر انّي في امانٍ معه، بقيتُ الهثُ خائفة، رؤوس كثيرة رأيتها منفصلة عن رأسها ، او أعيُن مقتلعة من مكانها.
والكثير من الاشياء التي لايستوعبها عقلُ طفل في سني، بينما أنا كنت مجبرة على استيعابها، وإلا فأنني لن اعيش طويلًا مع صدمتي.
هذا كان ماضيِّ مع اخي الصغير.
----
‹عام 2090 ، شهرُ أبريل، يوم 18›
---
«ماثيو، استيقظ لقد تأخرت هذه المرة في نومك!.» تحدثتُ موبخة لذلك الشاب الغُرابي ذو الأعين العسلية، تنهدتُ بقلة حيلة أبتسمُ على تعابيره المنزعجة.
«أختي، بحق السماواتِ السبع هل تدركين ان الساعة هي السابعة صباحًا!؟.» تحدث متذمرًا لأحمل الساعة وأضعها امامهُ مباشرة أقول.
«انها الساعة العاشرة صباحًا.» نظر نحو الساعة بأعيُن خاملة ليجفل من مكانهِ مذعورًا، تأخرهُ عن عمله يعدُ كابوسهُ الأكبر، لقد وعدني منذ صغره ومنذ ان بدأ يفهمُ الوضع جيدًا، إنه سيعملُ بجد واجتهاد لتوفير عيشة جيدة لنا بعيدًا عن هذه المخلوقات في القسمِ الآخر من البلاد، إبتسمت لتذكري وعده
«لاتقلق مازلت تمتلك ساعة ، إستحم وتناول طعامك، ثم اذهب.»
تحدثتُ بحنان ليتنهد هو ناهضًا من مكانه، مقبلًا رأسي بدفء، إبتسمت لهُ ليبتسم هو الآخر ويذهب نحو الحمام، بينما انا قد نزلتُ إلى الاسفل لأجهز مائدة الإفطار، نزلتُ لأبتسم لرؤية رفاقنا ..
ليفاي، باركون، وبوتشي، كانوا جالسين يجهزون الافطار، يبدو ان المائدة ستكون من نصيبي.
«أوي، اين ذلك المراهق، الن يساعدنا؟.» تحدث ليفاي بإنزعاج لأضحك بخفة عليهِ قائلة.
«ماثيو استيقظ لتوه، سيستحم ثم يتناول الطعام ثم يخرجُ للعمل، لاتقلق سيعملُ كما نعملُ نحن.»
سمعتُ تنهيدتهُ ليقول بشيءٍ من القلق يتخللُ صوته. «انا لا أقصد ذلك، انا فقط— حسنًا، لاتجعلي اخاكِ يخرج اليوم للعمل.» رمشتُ بسبب تلعثمه حتى قال ما ارادهُ في النهاية.
«ولكن لما؟.» تسائلت مستفهمة لتأتي بوتشي من خلفي
تعطيني الصحون قائلة. «الهياكل العظمية العملاقة تلك، قالوا انها ستهاجم الوسط، ولذلك حذر الإعلام من خروج اي احدٍ للخارج.»
تنهدتُ لأومئ. «جيدٌ إخباري بهذا الأمر، شكرًا لكم.» تحدثتُ بإمتنان لهُم ليومئوا مُبتسمين. «بالتاكيد، لا نريد خسارة فردٍ آخر، يكفي أن جميعنا خسرنا عوائلنا بسببهم.»
تنهدنا عند ذكر هذا الموضوع ليعُم الصمتُ الإرجاء، كان الجميعُ يعملُ بصمت.
باركون لم يتحدث هذه الفترة كلها، بوتشي تعطيني الصحون وانا اضعها، ليفاي دخل المطبخ لأكمال وصفته على البيض، كما يُحبها، وهنا قد جاء دور اخي.
نزل من الدرج ورائحة عطره تفوح في الإرجاء ، ابتسمتُ لأنظر نحوه. «صباحُ الخير، ايها المراهق.» تحدثتُ بأبتسامة مشرقة ليبتسم لي هو. «صباحُ النور، ايتها العجوزه.»
ابتسم كلانا لتقاطعنا بوتشي قائلة. «اولا صباحُ الخير ماثيو، ثانياً وللأسف هذه الهندمة لن تفيدك، لماذا؟ لأنك لن تخرج اليوم من المنزل، ثالثاً لقد جهز الطعام.» لقد اختصرت بوتشي ما اردت قوله بعدة كلماتٍ فقط.
بينما ماثيو ضل ينظر لها مصدومًا، نظر نحوي بنظرة متسائلة لأقول. «اخي، لقد نشرت الاخبار المحليه عن احتمالية اقتحام الوسط من قبل تلك الوحوش العظمية، ولذلك لن استطيع جعلك تذهبُ اليوم.»
«وهل تصدقون هذه الشائعات؟ بحقكم؟ بالتأكيد لو ارادوا الدخول لدخلوا منذ وقتٍ طويل، لا شيء يصعبُ عليهم.» تحدث بلا مبالاة جعلتني أُجن لأصرخ قائلة. «ستتناول طعامك ولن تخرج خطوة من هذا الباب افهمت!.»
«لا، سأخرج وسأذهب للعمل واعود كما افعل كل يوم، لن اصدق اناسًا يبحثون عن الاهتمام في هذه الظروف البائسة!.» تحدث هكذا لأشعر بعقلي يخرج من مكانه من مجرد التفكير في انه سيخرج...سيلقى مصير والداي، او ربما يتحول ليصبح مثلهم.
مُحال...
«ان خرجت من هنا سأقطعُ قدميك يا ماثيو!.»
«حاولي.» قالها ليأخذ شطيرة من المائدة متجهًا نحو الباب، ركضتُ خلفهُ امسك بكتفه، موقفة إياه. « ماثيو بحقك، الا ترى الوضع خارجًا! هل سينبئوننا من لا شيء!.»
«ربما يفعلون، لما تصدقينهم على أي حالٍ من الاحوال؟ لاتقلقي سأعود سالمًا غانمًا كما كنت دومًا.»
-
لقد كان يكذب.
«تم الإعلان صباح اليوم عن حالة الطوارئ الدولية في لندن، انجلترا، الساعة ١٠:٣٠ صباحًا بتاريخِ شهر ابريل يوم 18، وفرض حظر التجوال في جميع انحاء البلاد، راجين تعاونكم معنا.»
صدح صوتُ المذياعِ رنانًا يُنذر بما هو قادم.
السانيسرز، كائنات أشبه بالهياكل العظمية، وهي ليست إلا أناسًا مساكين تم استعمالهم في تجارب البروفيسورات غريبي الأطوار، كنوعٍ من الأمراض ليجدوا له علاج.
فتكوا بأرواحهم، حولوهم لمخلوقاتٍ عديمة رحمة!.
جعلوهم يقتلون من يحبون بدون إرادتهم، اضحوا بدون عقولٍ توازن بين وعيهم وعدم وعيهم، يفعلون هذه الاشياء بدون عقلٍ يحكمهم، بدون وعي منهم!.
نظرتُ نحو صورِهم، ضخامٌ وعمالقة يهاجمون الوسط، تغرغرت الدموعُ في عيني عند رؤية احدهم.
اعرف عظام وجهه جيدًا وتقاسيمه، احفظه عن ظهر قلب، كيف لا وانا من قمت بتربيته بعد وفاة والداي أثر هذا المرض نفسه!.
لقد كان اخي الصغير، ماثيو.
«ماثيو..» تحدثتُ بصوتٍ مهزوز، حبيسة مشاعري السلبية، لا يجبُ ان تظهر الآن.
الفريق بأنتظاري، لايجبُ ان اضعف الان، ليس الآن فقط.
اخي بحاجتي، وانا سأعوضُ الخطأ الذي ارتكبته، سأقومُ بإعادته إلي ولو كلفني ذلك الثمن حياتي.
«ماريا، هل انتِ مُستعدة؟.» استدرتُ نحو الصوت الانثوي الذي كلّمني، كانت بوتشي، صديقة عُمري منذُ ايام الحفاظات، هي كذلك أحد الناجون؛ الذين هم عبارة عني انا، بوتشي، واثنان آخران، ليفاي، باركون.
ابتسمت لها بهدوء أكتفي بإيماءة بسيطة توضح أني مستعدة للذهاب.
«البقية؟.» تسائلت.
«انهم بأنتظارنا.» أجابت.
اومئتُ، وذهبتُ انا وهي نلتحقُ برفاقنا.
البشريون، والناجون الوحيدون.
اول ما استقبلنا اثناء خروجنا كانت تعابيرُ ليفاي وباركون، ينظران للأعلى بأسىٰ، ونظرة ثابتة، نظرتُ نحو مايبصرونه.
لقد كانت تلك الهياكل العظمية، لمحتُ اخي من بينهم، اخي الصغير المسكين.
لقد كنت بالأمس فقط بين يداي، أعتني بك كروحي، كنفسي، اعتبرك كالنفس الذي اتنفسه، وأن جائني احدٌ يقول اني سأُقاتلك يومًا.
ماكنت لأصدق.
ولكن لدي سؤال، اخي.
هل انت بخير؟ كيف تشعُر؟.
لاتقلق، انا هنا، اختك ستكون إلىٰ جانبك الى الأبد! ولكن اريد منك وعدًا، أن تصمُد، فقط أن تصمُد لبعض الوقت.
نظرتُ نحو هيكله العظمي، لأجده ينظر نحوي، كان واضحًا، كان أوضح من اسمي، كان محجريه يذرفان الدموع، كما انا افعل في داخلي.
اخي كان يستغيثُ بي، وليس هو فقط، انما جميع تلك الهياكل، كأنهم يحاولون السيطرة على عقولهم قبل ارتكاب مجزرة كبرىٰ في هذه الارض بحق الناس الذين هنا.
لاتخافوا، ولاتقلقوا، نحن هنا، وستكونون بخير، وعدٌ مني اني سأقضي على كل من تسبب بهذا الدمار وان ألم افعل ، فأتمنى اني لا ارى النور في حياتي!.
-----
عام 2090
شهر ابريل، اليوم 18.
«اليوم..يصادفُ يوم عيد ميلادكِ، اختي ماريا..ولذلك، عيد ميلادٍ سعيد..يا افضل اختٍ قد حصلتُ عليها، عيد ميلادٍ سعيد، إلى جانب عائلتنا، لاتنسي ان تبلغيهم سلامي، من اخيكِ الحبيب، ماثيو.»
-
أنتحارُ ماثيو بتاريخِ ٢٠٩١/٤/١٨
بعد ان شعر بروحه تتآكل لفراق اخته
والندم يلتهمهُ لأنه من قتلها بيديه.
قرر اللحاق بها، فشنق نفسه حتى الموت.
مُعلنًا نهاية كل شيء.
-
انتهى.
5 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.