Chapter 03

ساعات معدودة مرت وهي تتأمل الطريق الخضراء مع بعض الإهتزازات الخفيفة للعربة ، ومحاولات بائت بالفشل لطرد زحام الافكار التي تتلاطم داخل ذهنها واحدة تلو الأخرى ، والتي تجعل محاولة التركيز على فعل واحد أمرا ضبابيا
توقفت العربة أخيرا أمام بوابة القصر الدوقي ؛ بأمر مسبق منها ، لتترجل منها بمساعدة الخادم وتكمل المسير بهدوء نحو الباب الأساسي للقصر ، تستنشق بعض الهواء وتستقبل تحيات الخدم والحرس المارين ،هنيهات فقط حتى وجدت نفسها أمام الباب الخشبي الذي فتح من طرف الحارسين القابعين أمامها
خطت بضع خطوات للداخل لتسمع صوت الباب يعاود الإغلاق ، لتهرول بالصعود عبر الدرج المكسو بسجادة رمادية ممتدة مادام المكان خاليا
وفور ما وطأت قدماها آخره حتى سمعت تعليقا بصوت لطالما كانت تعرفه جيدا ساخر ، عذب ... أرستقراطي :
" أوه ، هل عدتي ، سعادة الدوقة ؟ "
تنهدت روكسانا بثقل لتتلفت حولها بروية لترى ما إن كان يتواجد خدم بالجوار ، لتقول وهي تباشر بالدخول لغرفة المعيشة الجانبية:
" أجل ، لقد عدت "
" ماذا؟ ما الأمر؟ أملوا منك حقا الآن ؟ ، لما أنت عابسة ؟ "
أغمضت روكسانا عينيها بقلة حيلة مع إغلاقها لباب غرفة المعيشة تلك خلفها ، لتقول:
" بماذا تهذين هذه المرة ؟ "
" أوه ، ما هذا ؟ هل سيبدأ تمردك الآن بمجرد أنه عزز ثقتك بكلمتين ؟ "
ردت روكسانا بصوت مكتوم :
" أو لربما سينتهي تمردك يوما عن الصمت ، وتسكنين ؟ "
شهقت المرأة بدرامية ، لتردف:
" كف لسانك ، أنا والدتك .. والدوقة الأم "
قلبت روكسانا عينيها بسخرية ظاهرية ، لتقول:
" أوه ، خطئي .... سعادتك "
صمتت قليلا تحدق بها بملامح ساكنة كانت تعرف تماما عن ماذا يدور حوله كل هذا الأمر ،من المرجح أنها إلتقت ببعض السيدات وبدأن يثرثن هنا وهناك ،وهي هنا تحاول تحميلي المسؤولية ،على كل لم ترد أن تتشاجر معها وتمنحها مرادها، لتضيف:
" ماذا تحتاجين ؟ "
" لا أحتاج شيئا منك ، أنا عزيزة الجناب في قصر زوجي ، لكن .. أنت من يحتاج لأن يتحلى ببعض الأخلاق النبيلة التي تتناسب ومقامك "
" ماذا ؟ "
" كفْ عن الذهاب للقصر الملكي كل فينة ، كنبتة لا جذور لها ... ولا مسؤوليات "
ردت روكسانا بمهل تتذوق كل كلمة قبل أن ينطقها لسانها :
" وهل لي جذور ، سعادتك ؟ "
كانت على وشك أن تدور على عقبيها لكنها رفعت حاجبا قائلة للماكثة أمامها على الأريكة بملامح ثلجية :
" و .. لا تقلقي على مسؤولياتي أنا أديرها جيدا ،لذا لا تخافي لن يتزعزع مقامك الموقر ، أيتها الدوقة الأم "
فور تلفظها بتلك الكلمات خرجت من تلك الغرفة تاركة الباب مفتوحا لكي لا تفتعل لها مشكلة أخرى عن الإحترام
إستمرت بالصعود عبر الدرجات للطابق الثالث حيث ولجت مكتبها ذا الرائحة المميزة للورق ، ومع إغلاق الحارس الباب خلفها سقط قناعها ورمت بجسدها على كرسي المكتب واضعة رأسها عليه لتريح ذهنها المتكهرب
بعد دقائق قصيرات رفعت رأسها من جديد ، وشرعت في كتابة بيانات دوقية رسمية تقتضي الإعلام رسميا عن عزل الماركيز برونو التابع لإقطاعيتها وتعيين ماركيز جديد محله ، مع قرار لنفيه و ليكون عبرة لمن يفكرفي العبث بأراضيها
وبعد ساعتين من العمل المتواصل على المراسيم ، ندهت الحارس عند الباب لتردف :
" ناد لي المبعوث الخاص بي ليمثل أمامي "
هنيهات قليلة مرت وقد كان شينو بإبتسامته المهذبة وخصلاته الشقراء المصففة بعناية واقفا بالمقابل للمكتب العريق لتردف روكسانا:
" شينو .. أعتمد عليك كليا في إرسال كل من هذه المراسيم الأربع لحيث ينبغي أن تذهب ، ولتمثلني و شخصي أمام الملأ "
" كما تأمرين ، أيتها الدوقة "
أومئت له بخفة لتواصل :
" أولا ؛ ستبلغ القصر الملكي والسلطة العليا
ثانيا ؛ تتوجه الى الحامية العسكرية أي عند قلاع الحدود الشرقية
ثالثا ؛ إلى مجلس النبلاء و الإقطاعيين
رابعا ؛ إلى الساحات العامة ليقرأ هذا البيان "
كانت تشير بأصبعها كل مرة تعد إلى صندوق ذو شكل مختلف، و موضوع داخل تلك الصناديق المراسيم الدوقية الأربع
" كما تطلبين ، أيتها الدوقة "
تقدم وحمل الصناديق الأربع ، وقبل أن يتلفظ بكلمة إستئذان قاطعته:
" و مُر السيد سيليزن بالحضور للمكتب الرئيسي غدا صباحا "
أومئ برأسه بخضوع ليردف:
" كما تريدين سيدتي ، والآن عن إذنك "
إكتفت روكسانا بإيمائة صغيرة له ، لينصرف بعدها لتمدد أطرافها وتتمطى بيديها ، وتنظر إلى النافذة لتجد الليل قد أسدل ستائره بالفعل
نهضت من على كرسيها فجأة ، بعد أن راودتها فكرة بدت لها ممتعة لتخرج ماجهة ناحية جناحها ، لتجلس مقابل منضدة الكتابة الصغيرة خاصتها ، وتسهب في كتابة رسالة إعتمدت فيها على الرسمية ، لتختمها نهاية بختم الدوقية ، وبعدها عاودت الخروج من غرفتها الرئيسية بحماسة لا تقرأ على تعابير وجهها .. نحو غرفة الرسائل العلوية
وقفت أخيرا أمام البازيار حاني الرأس و قالت :
" أخرج لي سيريوس من المحبس العقابي المتواجد به ، لقد إنتهت عقوبته "
" أمرك سيدتي الدوقة "
سويعات قليلة من التأمل عبر شرفة الإطلاق ،ليظهر البازياربجانبها وعلى ذراعه يستقر ذلك النسر الأسود الرهيب ، والذي تتمنى أنه تعلّم من أخطائه هذه المرة
طلبت من البازيار إعطائها منقله ليدها و أنها ستتولى إطلاقه بنفسها ، حاول البازيار الإعتراض لكن نظرة واحدة كانت كافية بإخضاعه ورد إعتراضاته
وقفت على شرفة غرف الإطلاق وهمست للقابع على يدها و هي مقربة وجهها منه :
" هيا صغيري ، أرجوك ، لا تخطئ هذه المرة ... هذه المرة فحسب فقط تذكر المكان الوحيد الذي أنت مدرب على الذهاب إليه ، شباك الأمير داريوس .. إنطلق "
و مع نهاية كلامها دفعته للفراغ ليحلق بسرعة ، وهي تتمنى أن يوصل الرسالة بشكل صحيح ولتعلم هذا يجب عليها الإنتظار
عادت لغرفتها الرئيسية بعدها ، بعد أن قررت أنها ستتغيب عن مائدة العشاء لهذه الليلة ..لتهم بأخذ حمام مريح للأعصاب قد كانت طلبت من الخدم تجهيزه مسبقا .. وذلفت بعدها لسريرها ذي الركائز الأربع والذي كان تصميمه طلبا مخصصا منها .....
فتحت عينيها صباحا على ضوء الشمس الساطع الذي تخلل عبر الستائر الفضية الخفيفة وبدأ بإزعاج نومها الهانئ لتستقيم بعدها وما زال باديا عليها علامات الإنزعاج ، بعدها أعدت حماما بنفسها ريثما تنسق ملابسها لليوم من غرفة الزينة .. وتأمر الخدم أن يحضرو فطورها لجناحها ..لأن جدولها اليوم كان مخططا له سابقا من ناحيتها ولا تريد أن يفسد عليها هدوئها الصباحي
وبينما هي تحتسي شايها بهدوء ، إذ يطرق الباب من طرف خادمة أعلمتها بوصول ضيف ينتظر حضورها بالمكتب الرئيسي :
" حسنا .. أعلميه بحضوري فور إنتهائي من أشغالي "
نظرت روكسانا للساعة الجدارية لتجدها الثامنة والنصف صباحا .. خمنت في نفسها :
" لما هو متحمس إلى هذا الحد ؟ "
أنهت فطورها بهدوء .. لتوافيه في المكتب
فور ما فتح الباب لها إستقام من مضجعه حاني الرأس و توتره لا يخفى على عين ، ليقول :
" صباخ الخير ، أيتها الدوقة "
أردفت وهي تعرج خلف مكتبها بتمهل :
" ولك أيضا سيد سيليزن "
سمحت له بالجلوس بعدها ، لتقول :
" إذن سيد سيليزن ، أرجح أنك تعرف سبب إستعادئي لك اليوم "
" أجل سيدتي "
أكملت بصوت وقور :
" إذا أيها السيد سيليزن لقد إنتدبتك ماركيزا تحت حكمي وفي إقطاعي .. تتصرف باسم دوقيتي ، وفي أراضيي .. أتمنى لك حكما عادلا وحظا وافرا ، و ... قلبا مخلصا .. ماذا عساي أقول أكثر ، عملك هو من سيعرف عنك وعن جدراتك ، لذا لا تخيب ظني بك ... فمن يخيب ظني به ، ليس مني "
رأته روكسانا وهو يبتلع ريقه ، والفرحة تكاد تفيض من عينيه .. يبدو أنه يعمل بطريقة مستقيمة وقد جنا ثمارعمله ، لكن لا تستطيع الحكم على الكتاب من غلافه بعد ، وقبل أن يبدأ بالتلعثم بكلمات شكر قالت :
" إنصرف الآن ، فالطرق التجارية لا تدار لوحدها "
نهض فورا معربا عن شكره الكبير .. وإنصرف بعد ذلك
لتفتح روكسانا بعدها بعضا من المستندات أمامها وبدأت بمراجعتها .. حتى قاطعها طرق مفاجئ على الباب ، أعطت الإذن بالدخول ليتضح أنها خادمة جاءت لإعلامها بأن هناك رسالة وصلت لها ، لتتساءل :
" من مَن ؟ "
" القصر الملكي سيدتي "
أومئت روكسانا فورا وأمرتها بإحضارها .. دقائق فقط وكانت بين يديها.. فتحتها وقد كان كما توقعت ، لتعرب عن إبتسامة واسعة لازمتها ختى وهي تتجه لغرفتها لتغير ثيابها للزي العسكري الأنثوي وهي تتمتم
"أحسنت حقا يا سيريوس ، لقد أوصلت الرسالة "
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.