الفصل الأول - بِداية الحلم.
هَـل شعرتَ يَومًا بالحزن؟
أو بمَعنىٰ أكثر وضوحًا أن تفقدَ نفسك بالكامل؟
هَـل كانَ لدرجة أن تتمنىٰ الموت؟
تكرّر الأمر معي مرارًا، غير أنّني لم أستسلم له،
فقد أثقل كاهلي وعد عظيم، وعد جميل لكنه جسيم، وعد يكاد يشبه المستحيل...
لا أعلم إن كنت أستطيع فعلها.
في بعض الأحيان أبتسم وأقول لنفسي انني أستطيع فعلها، وفي أحيان أخرى تتجول في رأسي تلك الأفكار المجنونة التي تجعلني أفكّر بإنهاء كل شيء.
———
" إيلدار، تعال الىٰ هـنا "
كنتُ شاردًا أنظر إلىٰ ذلك المكان ، الى ما خلف تلك الزجاجة ، وبالتحديد الىٰ تلكَ الثياب ، حتى سمعتُ صوتًا يناديني .
" اوه ، أنا قادمْ "
ركضتُ نحوهم ، وقفت بينهم و الابتسامة تكاد تشق وجهي ،
"يا أصدقاء ما رأيكم! ، أليسَت تلكَ الثياب جميلة؟"
نظروا نحوَ المجهول ، لم يفهموا أيّ ثيابٍ أقصد بالضبط ،
نَظرَ أورين إلي وقال ،
" أيّ ثيابٍ تَقصِد يا إيلدار؟ "
أعادوا نظرهم نحوي وهم ينتظرون أن أجيب على سؤال أورين. أمسكت يده وأخبرتهم أن يتبعوني. ركضت نحو تلك الثياب، وقفت أمامها والابتسامة لم تغب عن وجهي. التفتُّ إليهم وقلت بحماس:
" ما رأيكم؟ "
لم يبعدوا نظرهم عنها فبهذا علمتُ أنها أعجبتهم .
قالَ داريوس ،
" ما أجمَلَها!! "
تبعهُ ليان ،
" أتمنىٰ أن أرتديها "
نظرتُ له و علىٰ وجهي ثقة كاملة علىٰ ما سوف أقول ،
" أنا سوفَ أرتديها عندما أكبر "
كانوا ينظرون إلي بدهشة ثم قالَ داريوس
" حقًا؟ "
أجبته مبتسمًا ،
" يا رفاق إنه حلمي! ، حلمي أن أكونَ جنديًا ، و أن أدافع عن أرض الوطن!.."
قاطعني ليان بسرعة و حماس ،
" لقد أصبح حلمي أيضًا! "
تلاقت الضحكات والهتافات حوله ، ووجد الحلم مكانة في قلوبهم المتلهفة ، فتعاهدوا أن يجعلوه حقيقة.
——
حين بلغتُ العاشرة، بزغ حلمٌ بداخلي. كانت أفلام الحروب والجنود تسحبني إليها دائمًا ، وفي مرآة واقعي رأيتُ لها صدىً. هنا لم تختلف حياتنا عن تلك المشاهد المشتعلة ، نيران تلتهم كل ما يعترض طريقها، بيوت مشوهة، نوافذ بلا زجاج، وأصواتُ الخوف تختبئ خلف أبوابٍ مكسورة ، كأنها أنينُ مملكةٍ جريحة ، و رائحة البارود والكبريت والدماء امتزجت لتصنع عبيرًا قاتمًا لا يشبه سواه ، تطغى على أرجاء المملكة وتخنق أنفاسها .في هذه المملكة تعلمتُ أن الأحلام تنمو وسط الرماد..
قبل ولادتي بسنوات عديدة ، عاشت مملكتنا حربًا لا تُنسى ، حربًا يأبى التوقف ، تعرّضت المملكة لدمار شامل، وسقط الكثيرون ضحايا الخراب، غير أن الحرب أُعلن إيقافها حين توفي الملك اثر سكتة قلبية، بعد أن شاهد مملكته تنهار أمام عينيه، فانتقل العرش إلى ولي العهد أبهر، الذي كان بعيدًا عن المملكة في مهام عمل وشؤون المملكة ،ليعود ويتولى الحكم وسط رماد الخراب. كان أبهر أكثر دهاءً من والده الملك، بفضل خبرته في التعامل مع أفراد ذلك الشعب المتوحش، شعب المورغار، أو كما نسميهم نحن: آكلي الأرض، وقد سُمّوا بهذا الاسم لأنهم ينهبون الممالك كما ينهب الجراد الحقول.
في البدء يطرق المورغار أبواب الملوك يأمرونهم بالخضوع والولاء ، ليكونوا تابعين لشعب المورغار فإن تجرأ أحدهم على الرفض تحوّل المورغار إلى كابوسٍ أسود يبتلع المملكة ، مستهدفين الممالك القوية الغنية بالمعادن والنفط.
لكن تلك النعم التي ميّزت مملكتنا، سرعان ما تحولت إلى لعنةٍ ثقيلة، فما إن تناهى خبر ثرواتنا إلى المورغار، حتى صارت المملكة هدفًا لأطماعهم.
وحين رفض الملك الانصياع لأوامر المورغار، حلّ الليل ثقيلاً على المملكة، وفي الأفق ظهرت جموعهم كغيمة سوداء تزحف ببطء، أصوات طبولهم تهزّ الأرض، وأعلامهم السوداء ترتفع فوق رؤوسهم كأجنحة غرابٍ متعطش للفناء تظلل الأرض بظلٍّ ثقيلٍ ينذر بالخراب. اندفعوا نحو الأسوار كالسيل الجارف، يحملون مشاعل النار وفؤوس الحديد، فأحاطوا بالمملكة من كل الجهات، وأشعلوا النيران في مخازن النفط، فتصاعد دخان كثيف غطّى السماء، وأضاءت ألسنة اللهب وجوههم المتوحشة. المعادن الثمينة نُهبت، والبيوت تحوّلت إلى رماد، أما الشعب فوقع بين قتيلٍ وأسير، ليصبح المورغار الكابوس الذي لا يزول.
في قاعة العرش، حيث الجدران ما زالت تحمل آثار الحرب، جلس الملك أبهر على العرش الجديد، وعيون المورغار تراقبه ببرودٍ لا يعرف الرحمة.
وُضعت المعاهدة على الطاولة، حبرها أسود كأعلامهم، تنص على أن تبيع المملكة لهم المعادن والنفط بسعرٍ أدنى من المعتاد، وفي المقابل لن يخضع الملك أبهر لهم، وستظل كاليبارا حرةً مستقلةً استقلالًا تامًا.
رفع أبهر القلم بيدٍ ثابتة، لكن خلف تلك الثبات كان قلبه يشتعل بالقلق تجاه مملكته، فهو يعلم أن هذه الورقة قد تكون خلاص المملكة، وقد تكون بداية عهد جديد من الخضوع المقنّع.
وعندما خطّ توقيعه، ارتجّت القاعة بصمتٍ ثقيل وكأن التاريخ نفسه توقف لحظةً ليراقب، ثم انطلقت أنفاس المورغار، مزيجًا من السخرية والقبول غير أن فكرة احتلال المملكة ما زالت راسخة في عقولهم ، ليُعلن أن الحرب قد توقفت... مؤقتًا.
كاليبارا هي مملكتنا، فقد حملت في عهد الملك السابق اسمًا واهيًا اندثر في غبار النسيان، حتى جاء الملك أبهر، فاختار لها اسم "كاليبارا"، يجمع بين القوة والحماية، ليكون عهدًا جديدًا يعلن استقلال المملكة وخلودها في ذاكرة التاريخ.
ومنذ اعلان اسم "كاليبارا"، ارتفعت أصوات الشعب في الساحات، يهتفون بالقوة والحماية، كأن الاسم نفسه صار نشيدًا يردده الأطفال والجنود والنساء، حتى غدت كاليبارا أكثر من مجرد مملكة، غدت وعدًا بالصلابة، وصرخةً في وجه الخراب.
ومضت خمسة وعشرون عامًا على إنشاء المعاهدة، وخلالها أصبحت كاليبارا آمنة، وتزداد قوةً وصلابةً أكثر من أي وقت مضى، حتى أصبحت مثالًا للممالك الحرة المستقلة، ورمزًا للصمود في وجه الأطماع، بل و أصبحت أسطورة تتناقلها الألسن في الممالك الاخرى ، حيث الممالك الضعيفة تنظر إليها كقدوةٍ في الصمود، تتمنى أن تحظى بما حظيت به من استقلالٍ وازدهار، أما الممالك القوية فترى فيها خصمًا خطيرًا، يملك ثروةً لا تنضب وقوةً لا تُكسر، حتى صار اسم كاليبارا يثير فيهم خليطًا من الاحترام والرهبة.
وهكذا أصبحت المملكة رمزًا للحرية، وعنوانًا للقوة التي لا تُخضعها الأطماع، لتظل راياتها الزرقاء والذهبية ترفرف في السماء، شاهدةً على عهدٍ جديدٍ لا يُنسى.
—
في قلب كاليبارا، امتلأت الساحات بالناس، رجال ونساء وأطفال، يرفعون رايات المملكة الزرقاء المطرزة بخيوط الذهب، تحمل في وسطها شمسًا ذهبية، رمزًا للسماء والضياء، لتعلن أن كاليبارا وُلدت من نورٍ لا ينطفئ.
الأجراس دقت في الأبراج العالية، والطبول عزفت إيقاع النصر، بينما الجنود ساروا في مواكبٍ مهيبة، تلمع دروعهم المنقوشة بشمسٍ ذهبية، وحين لامستها أشعة الشمس الحقيقية، انفجرت الأضواء في كل اتجاه، وكأن السماء نفسها باركت الموكب، فتحوّل الطريق إلى بحرٍ من الذهب المتلألئ، يُبهر العيون ويُشعل القلوب بالفخر.
كان الشعب يصفق ويهتف، والأطفال يركضون خلف الموكب، يحاولون لمس ذلك البريق، كأنهم يلمسون مستقبلًا مشرقًا، مستقبلًا تحرسه كاليبارا بقوةٍ لا تنكسر.
أما الملك أبهر فوقف على شرفة القصر والى جانبه الملكة إليونور التي تحمل من اسمها نصيبًا من النور ومعه الأميران ليث وغيث قبل أن يلقي بكلماته على شعبه، ينظر اليهم بعينٍ يملؤها الفخر، ويعلم أن كاليبارا لم تعد مجرد مملكة، بل أسطورةً حيّة.
ثم رفع يده ليعمّ الصمت، وقال بصوتٍ يجلجل كالرعد:
أيها الشعب العظيم،
اليوم التاسع عشر من أيلول ليس يومًا عاديًا،
بل هو يوم ميلاد الحرية،
اليوم الذي أعلنا فيه أن كاليبارا لن تخضع،
وأن قوتها وحمايتها ستظل درعًا لكم ولأبنائكم من بعدكم.
لقد حاولت الممالك أن تكسرنا لكننا صمدنا،
وحاولت الأطماع أن تبتلعنا لكننا قاومنا،
واليوم نقف شامخين،
نحتفل بخمسة وعشرين عامًا من الاستقلال،
خمسة وعشرين عامًا من القوة والكرامة.
ارتفعت الهتافات من الساحات، كأن الأرض نفسها تهتف باسم كاليبارا، وتردد الأجراس والطبول صدى الكلمات، بدأ الشعبُ بالغناء، والأطفالُ يرقصون بحماسٍ متقافزين يمينًا ويسارًا، يهتفون باسم المملكة من أعماق قلوبهم. في هذا اليوم، وُزِّع الخبزُ والحليبُ مجانًا، وتزيّنت الجدرانُ برسومٍ وألوانٍ متنوّعة، كان هناك مربعٌ تتوسّطه شمس، فالشمس ترمز إلى المملكة، والمربع يرمز إلى العائلة المالكة، وكلُّ مستقيمٍ من أضلاع المربع يمثّل فردًا منهم، ليُكتب هذا اليوم في ذاكرة التاريخ، كأعظم عهدٍ عرفته المملكة.
في طريق العودة، كان الغروب يلوّن السماء بدرجات برتقالية هادئة، والنسيم يمرّ بخفة بين الأشجار على جانبي الطريق، والأضواء اضاءت الطريق بخفة كأنها نجوم صغيرة تهدي العابرين، بينما كانت نشرات الاحتفال لا تزال معلقة على الأعمدة والجدران تتراقص مع النسيم بخفة شاهدةً على فرحةٍ لم تنطفئ بعد، حيث مازالت تعيش في صدى ذلك اليوم العظيم.
وضع الابن يده على كتف والدته، كأنه يحيطها بحضنٍ صغير، ثم مال ليقبّل فروة رأسها بلطف، لتبتسم هي ابتسامة مطمئنة تحمل في طياتها كل الحب والامتنان.
ضحكاته المتواصلة ونكاته التي لا تنتهي جعلت الجو مليئًا بالمرح، حتى أن والدته لم تستطع كتم ضحكتها وهي ترد عليه بخفة روح الأم.
خلفهما كان الذي يمشي بخطوات واثقة، يديه خلف ظهره وعيناه تلمعان بدفء وهو يراقب عائلته الصغيرة. ابتسامته كانت مزيجًا من فخر وطمأنينة، وتارةً يشاركهم الضحك حين يسمع نكات ابنه فيتبادل مع زوجته نظرات مليئة بالحب والانسجام.
ذلك الطريق لم يكن مجرد عودة إلى البيت، بل كان رحلة قصيرة في عالم من الألفة والسكينة، حيث تتجسد الروابط العائلية في أبسط الحركات وأصدق اللحظات.
كان الاطفال يتراكضون على جانبي الطريق يلعبون ويرقصون ، يرددون أناشيد الوطن بحبٍ وحماس، عدا ذلك الصوت الذي أتى من خلفهم ، صوت طفولي هادئ عكس صخب أولئك الاطفال الراكضين، طفلة صغيرة جميلة ترتدي فستانًا أزرقًا بلون السماء، وقد انسدل شعرها الذهبيّ على عنقها بلطف، تحمل بين كفّيها الصغيرتين دمية لطيفة، كأنها انعكاس لروحها وبراءتها.
كاليبارا... كاليبارا... يا تاج الممالك،
يا أرضًا وُلدت من نورٍ لا ينطفئ،
رايتكِ الزرقاء بحرٌ من العز،
وشمسكِ الذهبية وعدٌ لا يزول.
وقفوا يشاهدونها بابتسامة حتى غابت عن أنظارهم واختفى صوتها تدريجيًا وبات من الصعب سماعها.
نهتف باسمكِ فتزلزل الجبال،
ونقسم بعهدكِ فلا يعرف القلبُ الانكسار،
أنتِ المجد وأنتِ القوة وأنتِ الديار،
كاليبارا... كاليبارا... يا مملكة الأحرار.
أكمل إيلدار كلمات الأنشودة بصوتٍ واثق بينما كان والده يضحك، وشاركته والدته بإبتسامة مغمورة بالحب ثم انضم إليهم الأب، فصاروا يرددونها معًا في طريق العودة إلى البيت.
بعد أن أغلق باب المنزل، غمز ليو لابنه فابتسم الاخر بفهم، أمسك يد والدته وأجلسها على الأريكة، ثم ربت على كتفها بلطف وقبّل جبينها، نهض واقفًا بثبات واضعًا يده اليسرى خلف ظهره وقال بنبل:
" اهلاً بكِ آنستي، ماذا ترغبين للعشاء؟ "
إبتسمت هيلينا بخجل، وأجابت هي الاخرى بنبل:
" أيها النبيل الوسيم، اريدُ أغلى ما لديكم. "
فانحنى إيلدار لها باحترام وعلى وجهه إبتسامة عريضة، ثم مضى ليعاون والده في المطبخ.
في المطبخ، كان ليو يقطع الخضار بعناية، بينما اقترب منه إيلدار وهو يحمل ابتسامته العريضة.
قال ليو وهو يرفع نظره إليه:
" إذًا ماذا تريد آنستنا العزيزة؟ . "
أخذ إيلدار السكين من يد والده ليعاونه، ثم أضاف بخفة:
" اليوم سنقدّم لها أغلى ما لدينا يا أبي. "
ضحك ليو بصوت منخفض، وأكمل إعداد الطعام بينما كان المطبخ يمتلئ برائحة الخضراوات الطازجة وصوت الأواني المتناغم.
وفي تلك اللحظة كانت هيلينا جالسة تستمع إلى أصواتهما، ثم أغمضت عينيها براحة وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة وقد شعرت أن البيت كله يزهر بالحب والسكينة.
ومع انتهاء العشاء، دوّى صوت طرقٍ على الباب.
تبادلوا النظرات في صمت، وكأنهم جميعًا شعروا أن هذا الطَرق يحمل شيئًا غير مألوف. نهض ليو بخطوات ثابتة نحو الباب، بينما تبعه إيلدار.
وعندما فتح الباب، ظهر رجل غريب بملامح متعبة وعباءة داكنة، وإلى جانبه جواده. قال بصوتٍ خافت:
" سيدي، هنالك أمرٌ ملكيّ
يقضي باجتماع جميع الكبراء في غرفة الاجتماع. "
أومأ له ليو بهدوء وأغلق الباب بعد رحيل الرجل. أخذ معطفه المعلّق على الحائط خلف الباب ليرتديه، فأسرعت إليه هيلينا لتساعده.
قالت بقلق:
" عزيزي، ما الأمر؟ "
ابتسم لها ليطمئنها، واحتوى وجهها بكفيه قائلاً:
" لا داعي للقلق يا حبيبتي، إنها فقط أمور المملكة...
سأعود قريبًا. "
فقال إيلدار وهو يودّعه:
" مع السلامة، أبي. "
جلس إيلدار بجانب والدته، ناظرًا الى القلق الذي يملأ عينيها. أمسك يدها بلطف، فنظرت إليه وقد طردت عن وجهها كل القلق،
ثم قالت مبتسمة:
" عزيزي، هل ترغبُ ببعض الفواكه؟ "
ابتسم إيلدار وأخذ السكين الموضوع على الطاولة مع صحن الفواكه، وبدأ يقشر التفاح، ظلت تنظرُ إليه بابتسامة ثم مدّت يدها تمسح على شعره بلطف وقالت:
" فليحفظك الله لنا يا بني. "
في تلك اللحظة بدا البيت وكأنه يزهرُ من جديد بعد أن طرد ذلك القلق الذي كان يحتل المكان، اما ابتسامة إيلدار فقد كانت وعدًا صامتًا بأن يظل سندًا لها مهما تغيّرت الأيام.
——
بعد ساعتين وخمسٍ وعشرين دقيقة، فُتحَ الباب بهدوء، إستقامت هيلينا مسرعةً نحوه،
" اهلاً بعودتك عزيزي.."
ابتسم قائلاً " اهلاً بكِ غاليتي "
علق معطفه ثم استدار اليها ممسكًا يدها، أجلسها على الأريكة وجلس بجانبها، بينما كان إيلدار ينتظرُ بصمت، رفع ليو خصلات شعره التي كانت تغطي جزءًا من جبينه ثمّ اتكأ على الأريكة ناظرًا إليهما بعينين يملؤهما التفكير.
" المورغار...لقد شوهدوا من قِبَل جنود الحدود، بعضٌ منهم فليسوا بكثيرين، عيونهم مسمّرة نحو المملكة، ولا نعرفُ غايتهم أو سبب تواجدهم هنا. الملك أبهر أمر بتكثيف الحراسة على الحدود وارسال أضعاف الجنود، وإن تقدموا نحو الحدود مجددًا، فسيبعثُ برجال ليسألوهم عن غايتهم.."
ساد الصمت في الغرفة كغيمةٍ ثقيلة، وارتجف الهواء بين الجدران، تساقطت الكلمات في القلوب كحجارةٍ على ماءٍ ساكن. المورغار... اسمٌ يبعث في النفوس رجفةً غامضة، كأنهم ظلٌّ يتربّص على حدود المملكة، عيونهم البعيدة تلمع كشررٍ في ليلٍ مظلم.
تلك الغيمة وجدت أخيرًا مأواها، فأمطرت في عيون هيلينا، التي امتلأت حتى الفيض وتحوّلت إلى لآلئ تتلألأ في الضوء الخافت، كأنها نجوم صغيرة وُلدت من قلب الحزن.
أما إيلدار كان جالسًا بصمتٍ ثقيل، عيناه تتأرجحان بين القلق والصلابة، لم يرى المورغار بعينيه لكن كتبُ التاريخ تلك كانت كافية ليرى المشهد في مخيلته. نظر الى والدتهِ التي غلبها البكاء فشعر أن قلبه يتمزق الى أشلاء، ثم حول بصره الى والدهِ وقال بفراغ:
" اذًا ماذا الان يا أبي؟ هل سيعودون مجددًا؟ "
كان إيلدار في تلك اللحظة طفلًا يبحث عن طمأنينة، ورجلًا يتهيأ لحمل عبءٍ أكبر من عمره، ممزقًا بين خوفٍ ينهش صدره، وعزيمةٍ تتوهج كجمرةٍ لا تنطفئ.
" لا يا بني، هنالك معاهدة بين المملكتين..."
ساد الصمت لحظةً، أطرق ليو برأسه قليلًا ثم رفع عينيه نحو ابنه وأكمل:
" لكننا سنكون مستعدين، فالمملكة لا تنحني أمام الظلال أبدًا. "
احتضن هيلينا وربت عليها برفق، كأن لمسة يديه تبعث في قلبها سكينةً خفية، وعيناه تهمسان بما تعجز الكلمات عن قوله.
ثم التفت إلى إيلدار، وقد غمر صوته حنانٌ يشبه نسيم الليل، وقال مبتسمًا:
" اذهب إلى النوم يا بني. "
أومأ إيلدار إيجابًا، وعلى محيّاه ظلّ من الطمأنينة التي زرعها صوت أبيه، ثم استقام بخطوات هادئة متجهًا إلى غرفته، كأن الليل نفسه يفتح له ذراعيه ليحتضن أحلامه.
ساد البيت صمتٌ قصير بعد دخول إيلدار غرفته،
لكن ذلك السكون لم يدم طويلًا...
فجأة دوّى في الخارج صوتٌ غريب، كأنه ارتطام معدني يتبعه صدى بعيد، ثم ارتجّت النوافذ كأن الأرض نفسها تنذر بالخطر.
هيلينا تشبثت بذراع ليو بعينين مرتجفتين، بينما هو يحدّق في الظلام خلف الزجاج، وقد ارتسم على وجهه مزيج من القلق والعزم.
وفي تلك اللحظة، ظهر في السماء وميض أحمر خاطف، كأنه نذير شؤمٍ يطرق أبوابهم...
.
.
.{/center}
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!