الفصل الأول: رِيشةٌ دامِيَّة
"لماذا لا تُوجد طُيورًا في الشمال؟"
كان لسؤالها العفوي وقعًا ثقيلًا على مِيليا، جعل وجهها البشوش، الذي كانت به تتأملها وهي تُلصق الريش الذي حصدتهُ اليوم على جناحي الطائر الورقي، يختفي.
انتفَض عمها يُغلق النوافذ، ويجرُّ الستائر كي يحجِب عن جدران منزلهُم سدف النهار، وكأنه يخشى أن يطير للأجنحة بما ستتناقله ألسنتهم. ثُم تربع على الأرض التي كانت تنبطح عليها، وما لبثت تتقلب ملامحها بين الريبة والرهبة حتى اعتدلت في جلستها عندما لمحت شرارة الانفِعال المُلتحف بالذُعر قد وجدت طريقًا إلى صوته حتى وإن كان وجهُه المُجعد لا يُوحي بِذلك.
"من أين سمِعتي ذلِك؟"
قبّضت حاجبيها بِعدم فهم لما استدعى تِلك الأجواء المشحُونة.
انتَفضت مِيليا تُربت على عاتِقي زوجُها، وتهمُس له ليهدأ حتى لا يُشعرها بالخوف. لكنها كانت تخلّفت عن ذلك وقد شقّ طريقه إلى صدر الصغيرة بالفعل.
"لقد طرأ على فِكري فحسب"
ضّم كفيه بشدة وكأنه يعصِرهُما، وكانت عيناها تتبع حركاته وانفعلاته الغير مُبررة لها، حتى أنها لاحظت رجفة كفيه اللذان حاوطا ذراعيها، وشهيقه وزفيره المُتكرر الذي ساعده على أن يُهدأ من روعه قبل أن يُهددها، ليس بالمعنى الحرفي، لكن هذا ما شعرت به يدسُه بين حروف كلماته.
"لا تُفكري مرة آُخرى إذًا!، ليحميكِ الربُّ لنا إيليرا"
كانت تلك الذِكرى هي ما تستحوذ على تفكيرها، والتي لسبب ما اختارت هذا التوقيت تحديدًا، قبل إقبالها بثوانٍ على صُنع آُخرى مثِيلة لها، ففي كلتاهما تُلقي هي بجملة تُحدث زعزعة في النفُوس.
ولأنها حاولتُ أن يكون وقع كلامها أخفّ من المرّة السابقة، قلّصت الجملة إلى كلمة واحِدة، ظنًا منها أنها لن تكون كافية لتُعيد ترتِيل الماضي
"سأتطوع"
ابتلعت كلِمتها الأصوات التي تصدر على طاوِلة الطعام، وكأنها لُقمة غصّت في حلق جُوناثان وزوجتِه، وكُلما طال الصمت كانت تُشيح بنظراتها عنهما ليس خوفًا كالماضي، بل تجنبًا لرؤية الخيبة قد تسللت إليهم؛ مُؤكدةً أنها المُعضلة بين الماضي والحاضر.. ورُبما المستقبل كذلك.
وضعت مِيليّا مِلعقتها بجانِب صِحنها، ونظرت لزوجِها بترجي استطاعت أن تشعُر به حتى لو لم تراه.
"كُنت أنتظركِ لتقُوليها"
قالها عمها بهدوء يُجاهد نفسه للحفاظ على وتيرته، ولكِنه كمثل كل مرة، يفقد أخر أنفاس ثباته بِسببها.
"جعلتُك تنتظِر طويلًا؟"
نظرت لها مِيليّا تؤنبُها لكنها كانت قد حسمت قرارها، والتي على الرغم من معرفتُها بذلك، ما زالت تتشبث في محاولة فاشلة لإبطال القُنبلة التي على وشك أن تدوي.
"بل أطلتِي حصُولكِ على الرفض فحسب"
كانت متأكدة أن جوناثان سيعترِض قرارها، ولكن كان عليها حتمًا خوض ذلك النقاش مهما قامت بتأجيله. وكانت لتحبذ المُواصلة في التأجيل لولا أن يوم التصفِيّة هو الغد!
"لقد أصبح اسمي على القائمة بالفعل، عمي. لن أنتظر أكثر حتى تمُوت براعِمي"
لا تعلم إن كانت تعمدت مناداته بـ "عمي" الآن لتُبطن له رسالة أنه ليس والدها ليتحكم بقرارتها، أم أنه خرج منها على سبيل الاعتِياد، لكن ما كانت على يقين منه: أنها لن تتراجع عن التطوع وحتى وإن هدمّ غضبه سقف المنزل فوق رأسها.
"لماذا؟"
سأل ثم صمت قليلًا.. لأنه كان مُدركًا لجوابها مُسبقًا، لذلك استرسل بنفس الصوت المُختنق
"لقد أفنيت حياتِي لأُوفر لكِ كل شيء حتى لا تُقبلين على التطوع، فعلت كل ما أستطيع فعلِه كي أبعدُكِ عن مُلاقاة نفس المصير، فلِماذا تصّرين إيليرا؟"
لمحتُ تجمُع الدموع في عين عمها، وحتى هي صفعتها الدهشة كمثل زوجتِه؛ هو الذي كان ينفجِر لمجرد سماع كلمة الأجنِحة، وكانت قد تأهبت ليشنّ عليها نيرانِه.. لكن ما لم تكُت مُستعدة له، هو أن يبكي.
لذلِك سكتت، ولم تُجبه، ليس إلا لأنها لا تُريده أن يُطلق سراح تلك الدموع التي يُكبلها في عينه
"غادرِي الآن، ابنة أخي"
ابتسامةٌ خفيفة هربت منها عند إدراكها أنه لاحظ ما رمت به، وقام بردِها لها. ورُبما لأنها كانت تحاول إخفاء الوخزة التي أصابتها عندما لاحظت قِلة الحيلة تنزِف من كُل حرف نطق به.
تعلم أن جوناثان ليس شخصًا قاسيًا البتة ليطرُدها من المنزل كما لم يفعل من قبل، لكنه كان مُتيقنًا بأنه لن يستطيع جعلها تتراجع عمّا يدور في رأسها الآن بعد أن أخفق طوال السنين التي ربّاها فيها في بيتِه.
عندما نهضت، تشبَثت بها مِيليا مُترجيّة
"إيلي اصعدي إلى غُرفتكِ حتى يهدأ جون، من ثُم تستطيعون استِكمال حديثكُم فيما بعد"
حتى لو لم تقُل ذلك مُباشرةً، كانت نبرة صوتها تترجاها؛ ولِذلك أحيانًا تشعُر بالأسف على مِيليا لأنها امرأة حنون ورهيفة.. لكن من سوء حظها وقعت بين نارين: نار هياج وحرص جوناثان، ونار عناد وتهُور إيليرا.
"سأذهب لمُشاهدة السرب، ثُم سأعُود"
حاولت إيليرا أن تُطمئِن زوجة عمها بكلِمتها الأخيرة. ثم لملمت خيبتهُم على عاتِقها وغادرت المنزل بعدما سمِعتُ تنهيدة مِيليّا وضربة عمها التي أهتزّت لأثر قوتها المزهرية التي كانت تحمِل زُهور الليلي الأبيض على الطاوِلة، وسقطتْ مُنكسرة على الأرضية..
—
أخذت خطواتها مبتعدةً عن الحي الفسيح الذي تسكُن فيه صوب الطريق الذي يؤدي إلى المنارة الأرضية، حيثُ سيهبُط سرب المُجنحين من السماء بعد دقائق معدودة.
توقفت مُتكِئة على جذع شجرة بعيدة عن الحشد المُترقب والمُتراص على طرفي الطريق، بينما كانت أعينها الفضولية تراقب الجميع، تنظُر للأشياء التي لا يُبرصها أحد، تُلاحظ تفاصيلها، ثم تُفكك خفاياها وما تُبطنه لتفهم كل ما حولها من جُذوره.
وعلى غرار الحُشود التي تُحيي الجنود بعد تسجيلهم للنصر في صفحات التاريخ، كان سرب مملكة آڤياريا يُحيي المُجنحين بالصمت، وكأن الكلمة محسوبة على ناطقها في تلك اللحظات..
أما بعد الصمت الذي بلا شك لم تكُن الوحيدة التي كانت تُلاحِظه، نظرة تعتليها سحابة سوداء من أم تطوع ولدُها إزاء المصير المجهول الذي يشحظه، شعلة حماس في شاب يقف في مُقدمة الحشد على أصابع قدميه حتى يتسنى له رُؤية افتتاحية الموكب قبل غيره.. وغيرها الكثير من التفاصِيل: ما بين الأمل والخيبة، والرغبة والنفُور.
مع غروب ضِياء الشمس وبقاء آثارًا منه في السماء، بدأ السرب بالظهور فجأة من السماء وكأنهم انبثقوا من العدم، حاجبين آثار أشعة الشمس التي كانت في السماء بأجنحتِهم الضخمة.
وكان العدم بالنسبة لأبناء أرض آڤياريا مُرتبطًا بالمنارة العُليا التي دومًا ما تُغطيها الغيوم: تلك الأراضي الطائرة التي لا يظهر منها سوى جُذورها، ما يجعلها تبدُو كجبالٍ تطفُو في السماء دُون أعمِدة تحمِلهُم.
وعلى الرغم من أن الرؤية لم تكُن واضحة في بادئ الأمر؛ لفرق المسافة، ولِتسلل الظُلمات. لكنها اتضحتْ شيئًا فشيء حين بدأ جناح النسر الذي كان في مُقدمة السرب بالهُبوط عند مُقدمة الحشد الذي بدأت هتافات خافِتة مذهُولة تفُر منه لهول مظهر الأجنحة التي يطِيرون بها.
كان الذُهول أسير أعُين الجميع دون استِثناء، خاصةً في هذه اللحظة التي لا تتكرر إلا مرةً كُل عام: حيثُ يكُون المُجنحين أبناء السماء بِهذا القُرب من أبناء الأرض: المُعلقين والمُنقطعين منهم. وما زادهم ذهُولًا هو اقتِراب قائد النسور حتى أصبح مرئيًا للحشد.
يمشي بشموخٍ على كتفه نسره الضخم واقفًا بجمود، وخلفُه يبرُز جناحه ذا الرِيش الطويل الأبيض بحوافِه السوداء التي تعكِس فُتات الضوء وكأنها تبعثُ بِه لونًا ذهبيًا، مانِحةً حاملها حضورًا يسبق خطواته. مرورًا بالمُجنحون النسور وأجنحتهم التي تُطابق زيَّهُم في لونِه، مُتراصين خلف القائِد بدايةً من الأعلى رُتبةً في الرِيَش حتى أقلهم.
ومع انتِهاء هُبوط أخر مُجنح من النُسور، بدأ جناح المملكة الثاني بالهُبوط: الصقر. والذي -على عكس النسر- لم يكن واقفًا، بل كان يُحلق فوق قائد الصقور بجناحه الضخم وألوانِه التي تتدرج البُني مع خطوط دقيقة من الداكِن ونقضيه، ومخالبه الحادة تخطِف الأنفاس كما ريشه، فقد يخيل للناظرين أنها تستطيع تمزيق أي شيء حتى الهواء.
مرت إيليرا بعينيها سريعًا مُتخطيةً المُجنحين الصقور، ثم استقامت مُبتعدةً عن الشجرة وتغلغلت بين الحشد بخفة حتى استطاعت الوقوف في المقدمة؛ من أجل الحصول على رؤية أفضل لجناح المملكة الثالث: جناح البومة.
عند هُبوط قائد البوم بدأ قلب إيليرا يخفُق بشدة، واحتاجتها إثارة لم تعرف سببها عندما رأت البومة متشبثة في شعر القائد الطوِيل، بعينيها الكبيرتين الشاحظة التي تلتف مع دوران عنقها لتبث الرهبة في نفُوس من تسقُط عليه من الحشد.
ولم تكن عيني البومة فقط هي من ترمق بذلك الشُحوظ، بل إيليرا كذلك، تتأمل جِناح القائد العرِيض والناعِم، ريشه الطويل، وألوانه الهادِئة بين الرمادي ولون الخشب الباهِت، تتخللها بقع داكنة غير منتظمة، كأنها ظلال ليلية.. ثم كل مُجنح يمر من بعده، وهي تتخيل نفسها ترتدي زِيَّ جناحِهم، وتسير بينهم يومًا ما بِجناحيها.
قطع شرودها ضربها الهواء بسبب تطاير ريشة سوداء أمامها حملتها الرياح إليها، والتي اتضحت مع نعيق الغُراب تزامنًا مع هُبوط الجناح الرابع للملكة: جناح الغُراب، والذي ابتعد الحشد عن الموكب عند اقترابه، تاركين مساحة أكبر تفصَلهم عنه.. وحتى أن البعض قد عادوا أدراجهم.
وبينما كانت تنفث إيليرا بإمتعاض في الريشة السوداء التي تأبى الانفِصال عنها، ومن بين كل الظِلال، تلاقت عيناها مع شخص واحِد، لا تعرِفه ولا يعرفها، لكِنها شعرت أنها رأت تلك العينين من قبل، بنظرتُه الهادئة التي تخترِقُها كما لو كان يرى كُل سر فيها من لمحة واحدة.. حدّ أنها أحسّت لو أنها أطالت النظر إلى عينيه قليلًا، لرُبما يروي لها قصة حياتها كاملة.
وكانت تلك النظرة كافية لتُشعل شرارة فضولها ورهبتها في الوقت نفسِه، لكنها كانت تُخفي تلك المشاعِر خلف نظراتِها التي كانت ثاقِبة دون تعمُد منها، وكأن بنظرتِها تلك تُذكرها نفسها بالكُره الذي تحمِله للغربان، وليس نفورًا فحسب كغيرِها.
لكِنها وإن استطاعت إخفاء شعورِها، لم تستطِع كبح رغبتُها في تأمُل تفاصيل جناحه، الذي لم يكُن أنيقًا كالنسر ولا مُنظمًا كالصقر، لكنه مُخيف بطبيعته، كما لو أن الظلام نفسه اتخذ شكل جناح.. بريشه الكثيف داكِن السواد، أطرافُه الحادة بشكل ملحوظ، كأنه شُذِّب ليكون أكثر قسوة، كي يُناسب قائد الغربان ومُجنحين الغِربان.
صوت صفِير النسر الذي فرد جناحيه على حين غرة شدّ أنظار إيليرا إليه، حتى البومة التي كانت مُتصلبة في حركتِها، أفرجت عن سراح جناحها وحلقّت فوق قائدها في حركات دائرية مُتقطعة قبل أن ينطلِق سهمًا لاح من الأُفق نحوها، والذي أحاده قائد الصُقور بِحركة سريعة من جناحيه عن مساره حين أوشك على إصابتها.
ولم يكد يختفي ضَباب الدهشة، حتى انفجّر ذلك السهم فوقهُم محدثًا فوضى عارِمة في كُل ما حولِه: صراخ وتدافع من قِبل الحشد الذي كان يُشاهد قبل ثواني، نيران نشبت في صفوف المُجنحين خاصةً البُوم أدت لفقدانِهم الاتزان؛ مما أدى لتدافعهم هُم كذلك وإفسادهم للحد الذي كان فاصلًا بينهم، لكن لم يكُن تدافعهم هروبًا بل إحاطةً لقادتهِم.
ولأن تحليقهُم جميعًا لم يكُن خيارًا صائبًا، بل سيزيد الفوضى سوءًا، تبادل المُجنحين النظرات فيما بينهم، مُنتظرين أوامِر قادتهِم في هذا الموقف الذي لا يحتمِل الانتظار.
تقدّم قائد النُسور سِيڤيرين، فارِضًا هيبته بين ارتباك المُجنحين، وتزاحُم المدنيين. نطّق بصوتٍ جهوري هزّ السماء حوله:
"الأولوية القُصوى هي حِماية شعب آڤياريا، والحِفاظ على أمانهم".
أكدّ قائد الصُقور وريش جناحيه قد نشبّ بحدّةٍ مُهيبة، كإيقاع كلماته التي خرجت صاعقةً دبّت على المسامِع، أقوى من دبّة الانفجار:
"ليتولى النُسور والبوم أمان الشعب، أما الغِربان والصُقور فليُحلقوا لتحديد مصدر الهُجوم ومُطاردته"
وعلى الرغم من أعدادهم المهُوولة، وصل صوتُه الجهوري للجميع كافةً، كأن الرياح كانت تحت طُوعه تنقِل أوامِره على تياراتها، ولم يلبث المُجنحين ثواني بعد تلقيهم إياها، حتى بدأوا بالانقِسام إلى فرق استجابةً لأوامَر قادتهم.
شرع النُسور في ترتيب فوضى المدنيين، بينما أخذَ البُوم بأعيُنهم الشاحِظة في رصد الإصابات، وإنقاذ من نشبت فيهم آثار الانفِجار. في حين أطلق بعض الصُقور سراح أجنحتهم ليُشكلوا درعًا حول القادة الثلاث لحمايتهم من أي ضربة مُباغتة، بينما البقية منهم حلقُوا مع قائِد الغِربان بِرفقة مُجنحيه لتتبع آثر مصدر الهجُوم.
اشتدّت الرياح من ثُقل أجنحتهُم المُحلقة في السماء، والتي كُلما ارتفعت كُلما حصلُوا على مرمى أفضل للرُؤية. لكنه لم يكُن كافِيًا لرصد الهدف بِعناية، إذ كان التزاحُم -وبالرُغم من سيطرة النُسور عليهم- لا يزال حاضرًا. مما جعل السهم يبدو وكأنه قد ظهر من العدم ليُصيب البُومة دون أي أثرٍ آخر لتتبعه!
"التزاحُم لا يهدأ أيُها القائِد، والرُؤية عسيرة"
قال إحدى الغِربان الذي كانوا يُحلقون بأجنِحتهُم مع القائِد فوق الحشد.
كان قائِد الغربان حينها يُعاين الحشد بعينيه الثاقِبة، عددهم، اتجاه سيرهم، ومدى حالة الفزع التي تلتبسهم. وما إن أنهى حتى أمر بصوتٍ حاد، لم يكُن أشدُ حِدّة من ريش جناحيه الذي انتصبت أطرافُه مُستعدةً لتمزيِق الهواء الذي يعترِض طريقها.
"شكِلوا فِرق وانقسِموا في الاتجاهات الأربع، لا أُريد من ريشة طائِرة أن تفلِت من تحت أنظاركُم"
أومأ المُجنحين من الغِربان والصُقور حتى قبل أن يُنهي أوامِره، واتجهوا في طيرانِهم كسروب مُنفصلة نحو زوايا المُحيط.
وفي تلك الأحيان، بينما كان المدنيين يتدافعُون ببعض الانتِظام مُتسابقين في العودة إلى منازلهم، كانت إيليرا تحوم حول نفسها محاولةً الكشف عن أي حركة مُريبة تُرشدها إلى البؤرة التي انطلق مِنها ذلك السهم.
وبين مِئات المُتدافعين، استطاعت رُؤية شخصًا واحدًا ينسحب بِهدوء وبِخفة غير معهُودة المثيل، تجعلُه على وشك أن يكُون غير مرئي! ولم يستغرق الأمر وقتًا يُذكر من إيليرا كي تندفِع للحاق به، حتى قادها نحو الغابة بعيدًا عن مجال رؤية المُجنحين.
—
حجَّبت الأشجار شاهِقة العُلو ما تبقى من أشعة الشمس بعد غروبِها، مما جعل رؤية إيليرا تنحصر على سماعِها صوت انكِسار الأغصان، وسحق الأوراق المُتساقطة يدوِي آثناء مُلاحقتها للمُلتثم تحت قلنسوته السوداء.
ولأنها كانت قد اعتمدت على الصوت لإرشادها، توقفت فور اختفاءه وصدرها يعلُو ويهبُط أثر الركض الحاد الذي أهدر أنفاسِها. وعِندما عادت الأصوات مِن جديد، لكن هذه المرة لم تكُن تبتعِد عنها، بل تتحرك حولها، أدركت حينذا أنها لم تكُن تُطارده.. بل كان هو من يستدرجُها نحو الغابة!
وما إن كادت تستعيد أنفاسها من جديد، خطفها خنجر صغير اخترَق لِباسها ونغزّ جلد ظهرِها، تحديدًا في نقطةٍ ينتهي الخط المُمتد منها إلى قلبِها
"التفِتي بِهدوء"
كلِمتين خرجتا من صوت أُنثوي، ترددت إيليرا لمُطاوعتها في بداية الأمر، لكن بعد تقييمها لموقفها قررت ألا تتهور أكثر؛ فأستجابت لها حتى أصبحت في مواجهتها، لكِن بسبب قلنسوتها السوداء لم تستطِع رؤية ملامح وجهها بوضوح، كما كان الحال بِالنسبة للآُخرى بسبب شعر إيليرا الطويِل الذي كان يُغطي وجهها بفوضوية.
ما استطاعت إيليرا تمييزُه رغم العتمة الكثيفة التي غطّت التفاصِيل، كان ذلك الجناح المنبثق من ظهرها؛ جناحٌ لا يُشبه أي جناح رأته مِن قبل، فيه شيءٍ عصيّ على الوصف: غيابه عن التماثل..
إذ لم يكُن زوجًا من الأجنحة كما سائر المُجنَّحين، بل جناحًا فرديًا واحدًا فقط، أكثر انقباضًا، وأكثر تهديدًا. مُنبثقًا من الجهة الشِّمالية لظهرها، كأنه خُلق ناقصًا عمدًا، أو قُطِع نصفه الآخر من ذاكرة هذا العالم.
"ما الذي تفعلُه مدنيةٌ هُنا؟"
ابتلعت إيليرا ريقها بشدة كادت تبتلع أنفاسها معه
"أنا مُتطوعة"
ارتفعت بنصل الخنجر الحاد نحو عُنق إيليرا، ثُم ضغطت عليه بقوةٍ أحدثت جرحًا صغيرًا سال منه خطًا مُتعرِجًا من دمائِها
"هذا يجعلُ الأمر أسوأ"
وعندما كانت مُقبلة على غرس الخنجُر بأكمله دُفعة واحِدة في عُنقها، التقطت أُذنيها صوتًا يقترِب تسبُقه رياحًا حملت الأوراق المُتساقطة بفحيحٍ خافِت، لكِنه كان كافِيًا لكشف وجه إيليرا الذي ما إن ألقت عليه الآُخرى نظرةً خاطِفة حتى اختفت في لمح البصر تزامُنًا مع ظهور أحد المُجنحين من بين الأشجار.
اختفت الأصوات، وسكنت الأوراق المُتطايرة، وتحركت الظِلال حولهُ كأنها تُكرم وُجود قائد الغِربان بينها. شعرت إيليرا أن كل الفوضى التي شهدتها منذ لحظات صمتت احتِرامًا له، ليس لأنه غريبًا عنها، بل لأنه أكبر مِنها..
بخطواتٍ صامِتة اقتربَ نحوها وعينيه عادت لِتُحاوط أسوار قِلاعها، بِمعاونةٍ من صوتِه الذي كان وكأنه ساكِتًا آثناء تحدُثه
"كان ينبغي أن تهربي منذ سقطت الريشة الأولى من جناحِي"
بينما كانت تُبادله النظرات ببعض الشُرود آثر فزعها من الهُجوم التي كانت على وشك أن يسفِك بها، ضربت جُملته مسامِعها واستفزّت ذِكرى لصوتِ والدها محبُوسةً فيها، "تذكري، كُل ريشة تسقُط من الجناح، تُعيد كِتابة مصيره"، لكنه لم يسنح لها بالحيز الكافي لإستدعاء ذِكراها كاملةً، إذ مزّق حبل أفكارِها قبل أن يكتمِل في انسيابه:
"إذًا، ما الذي تفعله نُولارِية هُنا؟"
للتو استوعبت إيليرا هول الموقِف التي آلت إليه بسبب تهورها.. في غابة الغِربيب ليلًا، مع المُلتثمة التي أحدثت الانفِجار ثُم لاذت بالفِرار بعد أن أوشكتْ على قتلِها، لتترُكها وحدها مع قائد الغِربان، الذي إن وضعت كُرهها لجناحه جانبًا، فأين ستضع حِدته وجُموده؟
عضتّ لسانها كي لا تتلعثم، بعدما أدركت أن مُحاولة الهرب من سؤالِه سيزيد سوء موقِفها، ثُم أجابت:
"كُنت أُطارد من حاول اغتِيال قائد البُوم"
قبضّ وجهه الذي كان يبدو مُنقبضًا دون تكبُد تعابيره العناء
"وهل كانت مُطاردتُكِ تستحق عُنقكِ الذي كان على وشك أن يطِير قبل جناحكِ؟"
لم يرُوق لها التهكُم المُبطن فيما قال، لكنها حافظت على ثباتِها
"رأيتُها.. كانت مُجنحة، لكنها لا تمتلِك زوجًا من الأجنحة، بل فردًا واحدًا فقط"
للمرة الأُولى تغير شيئًا في نظراته، شيئًا صغيرًا يكاد يكون غير مرئِي، لكنه كان موجودًا
"مُتأكدة؟ أم أن الظِلال هيأت لكِ ما رأيته؟"
انقبض فكها
"أستطيع التمييز بين الظل والجناح"
"إلى أي حد؟"
تعثرت الكلمة التالية قبل أن تخرج من فمها، ليس لأن السؤال كان صعبًا، لكنه طُرح بطريقة تجعل أبسط الحقائق تبدُو موضِع شك.
رفعت ذِقنها قليلًا بنية استِعادة ما انتزعه منها حضوره المُهيب
"ماذا؟"
"إلى أي حد أنتِ مُتأكدة؟"
استقرت عيناه عليها دون أن يرمش تقريبًا، فلم يبدُو وكأنه ينتظر جوابًا، بل ينتظر أن تتراجع عنه.. لكنها كانت أشدُّ عنادًا من أن تفعل.
"كنت على بُعد خطوات منها"
مرّت لحظة صمت، اهتزت خلالها الأغصان فوق رؤوسِهما بفِعل الرياح، بينما ظل هو ثابتًا بصورة أزعجتها أكثر من استِجوابه المُمتلئ بالشك حولها.
"وما الذي جعلكِ تُطاردينها أصلًا؟"
أوشك صبرها على النفاذ، لكنها كانت مُيقنة لكونه ليس شخصًا تستطيع صبّ انفجارِها عليه
"لأنها كانت غريبة"
"كيف؟"
ضغطت أسنانها على بعضها بإحكام؛ لأنها بدأت تشعُر أنه لا يبحث عن إجابة مِنها، بل يبحث عن ثغرةٍ يُمسكها ضدها، كي يلُف حبل الإعدام حول عُنقها.
"كانت تهرُب"
"الجميع كان يهرب"
اختنق جوابُه في حلقِها، فإسترسل هُو:
"هل كانت تُخفي وجهها؟"
دفعت نفسها دفعًا لترُد:
"كان أغلب الحشد يُخفون وجُوههم من الدخان"
ظل ينزع منها الأجوبة واحدًا تلو الآخر حتى شعرت أن يقينها نفسه بدأ يتآكل، وأنها لم تعُد تعرِف الصواب من نقيضُه.
"إذًا لماذا لحقتي بها؟"
"لأنها لم تكُن تهرُب بإرتِباك مثل الجميع، بل كانت تحرُكاتها مدرُوسة، وكأنها عاشت ذلك الحدث من قبل.."
توقفت قليلًا أثر نظراتُه التي كان يُركزها على عينيّها، ثم أضافت:
"كما أن الجمِيع كان يهرُب نحو الأحياء السكينّة، لا نحو الغابة!"
"ولِهذا قررتي أن تُطارديها بيدين فارِغتين نحو غابةً الغِربيب، بدلًا من نقل مُلاحظاتُكِ لأحد المُجنحين؟"
صمتت، لأنها لم تعرِف ماذا تقُول. وحين استشعر صمتُها لم يُفوت الفُرصة ليُضيف بنفس نبرتِه التي يدُس فيها تهكُمًا مُستفزًا:
"هل تتخذين جميع قراراتكِ بهذه الطريقة؟"
اشتعل الضيق داخلها، فردّت على عجلة لأنها شعرتْ بأنها تتعرض لِهجُوم شخصي، لا مُجرد استِجواب عن الواقِعة.
"ليس جمِيعها.."
استحوذ عليها الصمت مرةً أُخرى، لكن ليس لأنها لا تملُك ما تقُول، بل لأنه مهما تفاقم ضيقها، سيظل صدقُها يُلازمها
"أغلبُها"
سكت قليلًا، وطال سكوته حتى ظنت أنه سيعُود أدراجه ويُطلق سراحِها، لكِنه خيّب أمالها بسُؤاله:
"مُتطوعة إذًا؟"
ثباتُه بدأ يُزعجها أكثر من تهكُمه، وتساءلت في نفسها: كيف يستطيع أن يُحافظ على هذا الثبات دُون أن ترِف عينيه حتى؟ لذا اكتفت بإيماءة خفيفة، كجوابٍ مِنها.
"وما الدافع وراء تطوعُكِ؟"
"لأنني أريد ذلك"
"هذا السبب وليس الدافع"
قالها ببرود جعلها ترغب في لكمِه، ولأنها كانت مشغُولة في التفكير في كيفية تسديدها لكمة له دُون أن يُنتف براعمها، لم تُجبه، فبادر هو بالتوضيح
"السبب ما تُخبرين الآخرين به"
توقفت عيناها التي كانت شاردة عليه خاصتِه، وللتو لاحظت زُرقة عيناه الخاطِفة، لا للأنفاس أو الأنظار.. بل للرُوح.
"أما الدافع... فهو ما تُخبئينه في نفسكِ"
كرِهت أنه جعلها تُفكر في كلامُه لِدرجة أنها لم تجِد ردًا، لذلك قالت بحدّة:
"هل انتهى الاستجواب؟"
"أوشك"
ثم سأل:
"أي جناح؟"
"ماذا؟"
"أي جناح تُريدين الانتِماء له؟ الصقر؟"
"لا الصقر ولا النسر، بل البومة"
خرجت إجابتُها بتلقائية أسرع مِما فكرت.
"ولماذا؟"
قالت بنبرتِه:
"سأُعطيك سببًا أخر، وليس دافِعًا"
"حصلتُ على واحِدًا بالفِعل"
تصلبّت ملامِحها استجابةً للرغبة العارِمة التي اجتاحتها في دفعِه بعيدًا. وازدادت تصلُبًا حين أردف:
"لماذا استبعدتِ الغِربان مُباشرةً؟"
تجمدت.. ولِوهلة كرِهت نفسها، ليس لأنها استبعَدتهُم بوضوح، بل لأنها لم تنتبِه أنها فعلت ذلِك أمام قائِد الغِربان، وجعلتُه يُلاحِظ عقدتها الأزليّة.
وللمرة الأُولى مُنذ ظهر أمامها، أهتزّ ثباتُه، ومال رأسُه قليلًا مُلوحًا بطيف ابتسامةً خفيّة استفَزتها.. ابتسامة مُنتصر نجح في إسقاط سيف خصمِه، فأندفعت تُلملم أي وسيلة للدِفاع عن نفسِها فورًا:
"أنا لم..."
قاطعها بنفس وتيرة صوتُه، دون أن يتكبد عناء رفعه حتى:
"فعلتِ"
كان ردُه بسيطًا، لكنه أغلق باب الإنكار في وجهِها: بابًا تُخمد خلفه نيرانًا كانت تُشعل دواخِلها في الماضِي. انقَبضت يديها بِجانب جسدها، وكاد ثباتِها ينفلِت، وتُخبره أن يصمُت عمّا هو مُقبل على قوله.. لكنه سبقها:
"أنتِ تكرهين الغربان"
لم يكُن سؤالًا، وذلِك استفزها أكثر؛ إذا أنه لم يترُك لها حتى فُرصة للكذِب، أو الهرب، أو حتى التظاهر بأن الأمر لا يعنِيها.
"أجل"
خرجت الكلمة أشد حدّة مما توقعت، ولِسبب تجهلُه أحسّت ببرودة دمها المُتصلِب على عُنقها عندما مرّت أصابعه من أمامه وُصولًا إلى شعرها، ليلتقط ريشة الغُراب التي علِقت به
"لِوهلة ظننتُها جُزءًا من شعركِ، لكِنها تخُصني"
حرّكت كلماتِه شُعلة كانت خامِدةً بداخلها، شُعلةً تكاد تُجزم أنه تعمدّ استفزازِها.. فإنعكست دواخِلها على ردّها العدوانِي الذي نطقت به صراحةً، بعدما نفذتْ منها كل مُحاولاتها للتماسُك
"إذا كنت ترى جناحك فيه... فليكُن لك، لأنني لن أكُون منه"
"وما الذي يجعلُكِ تعتقدين أن الغِربان لن يُرحبوا بكِ؟"
"لأنني لن أُرحب بكم"
صمت لوهلة ونظراتِه مُثبتة على دمائها التي كانت لا تزال تحمِل بعض الرطُوبة، فقرّب ريشتُه السوداء ناحية عُنقها ولطخها بالدم الداكِن للتي لِخفة حركتِه لم تُلاحِظ حركتِه
"ستتفاجأي عِندما تُدركين أننا لا نطلُب الترحِيب"
كانت الثقة البادِية في جُملته هي آخر فُتيل كان مُتبقيًا لإنفجار بُركانِها، فلملمت أشلائها والدُخان الذي يتصاعد منها يكاد يكُون مرئِيًا مُبتعدةً عنه تحت أنظارُه التي تبِعتها حتى اختفت من أمام ناظِريه..
—
كانت مِيليّا جالسةً أمام المِنضدة التي تنتصِف رواق المنزل ذُو الطابِقين، بعد أن هدأ زوجها وخلد للنوم، ظلّت تنتظِر عودة إيليرا في قلقٍ حتى تسترِيح.
سمِعت صرير الباب، فإنتفضت ناحيتُه لتُقابل من دخلت كالعاصِفة التي تُلقي بكل شيءٍ حولها، ورُغم كُل نداء خرج من مِيليّا لإيليرا، لم تستطِع أن تعترِض طريقها إلى غُرفتها حيثُ كان المِقص ينتظِرُها في صُندوق الخِياطة ليفصِل خُصلات شعرها نِصفين، بين ذُهول مِيليّا التي اندفعت ناحيتُها، وانتزعته من بين أصابعها بحزمٍ لم يقبل التراخِي تلك المرة.
انهارت إيليرا على الأرضية انهيارًا دون دموع، أو أي إشارة تعكس طبيعة انهيارِها، فتبِعتها مِيليّا بعدما ألقت المقص جانبًا لتُعانقها دون أن تنبُس ببنت شفةٍ، احتوتها بصمتِها الذي تحتاجُه قبل ذِراعيها.
مرت دقائق حتى هدأ ارتِجاف إيليرا، وهدأت العواصف التي كانت تقتلع كُل ما شيدتُه بداخل نفسها من ثبات، ثم أبعدتها مِيليّا عنها إنشاتٍ قليلة لتتيح لها فُرصة مُعانقةً وجهها بكفيها الحنون ومُخاطبتها
"إلى أي حد تريدينه قصيرًا؟"
لِمعت عيني إيلي عِند سماعِها لسؤال زوجة عمِها، ليس إلا لأنها شعرت كم هي مُطمئنة بِوجودها.. بوجود شخص لا يقف ضد رغباتِها وقرارتها، ولا يلُومها لمُجرد أنها تُريد كِتابة حياتها بالطريقة التي تجعلها حياتها.
"أريد أن يكون عُنقي حُرًا"
أجابتها بنبرة مُرتاحة بعدما سكنت كل دواخِلها، فأومأت مِيليّا ثُم التقطت المقص بأصابِعها وبدأت تقُص شعرها الأسود حتى أصبح خصلاتِه تعتلي عُنقها، مما جعلها تلحظ الجرح المُلوث بالدِناء، وبقلق أُم لم تلِدها بل ربّتها دفعها لتهمس
"لن تُخبريني؟"
"مُجرد حماقةً آُخرى من حماقاتي كما يُردد جون دائِمًا"
انتشلت مِيليّا كفيها بين كفيها، تضُمّه بقوة وكأنها تبُث لها رسالتها شُعوريًا قبل أن تقولها
"تعلمين أنني دائِمًا ما كنت وسأظل أهتِف لكِ في ساحتكِ، طالما تشعُرين بأن تِلك هي الطريقة التي تُريدين الرقص بِها على إيقاع حياتُكِ.. لكن لا تنسي أن من يفقِد قدميه، لا يستطيع الرقص بعد فُقدانِهما"
فهِمت ما ترمي إليه مِيليّا، لكِنها لم تكُن تستطيع أن تُناولها مُرادها وتعدُها بشيء هي ليست مُتيقنة حِياله، لذلك ألقت جملتها بطريقة ساخِرة كي تُغير سير الحديث
"لكِن.. فاقِدُو الأقدام، يرقُصون أيضًا"
نكزتها مِيليّا من كتفِيها كاتمةً ضحكتها على أسلوبِها الساخِر في إلقاء كلماتِ سوداويّة بطريقة طريفة
"لقد ربيتُكِ مُنذ كُنتِ في ربِيع عُمركِ إيلي، أنتِ ابنتِي التي لم يلِدُها رحِمي العقيم، لذلك لا تجعليني أذُوق مرارة حِرماني من الأمومة مرتين"
"لا أستطيع أن أقطع لكِ وعدًا ميلي، لكنني سأحاول لأخر رمقٍ فيّ"
ابتسمت مِيليّا وهذه المرة هي من انهارت بين ذراعِي إيليرا بينما جُوناثان كان يراقِبُهما من خلف باب الغُرفة في هدوء..
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!