وضع القراءة:

"عملتان لوجه واحد الفصل الثاني"

"عملتان لوجه واحد الفصل الثاني"
«لا تنظر خلفك، اركض فحسب!»
أمسكت والدته بيده وهي تلهث وركضت نحو القبو بسرعة قبل أن يراهم من اقتحموا المنزل للتو
كان هناك مخبأ سري في القبو لا يعرفه سوى 'مؤيد' ووالدته، أخبرته حينذاك أن يختبئ بداخله ولا يخرج إلا عندما تسمح له بذلك فهناك بعض الأشرار قد اقتحموا المنزل وعليها إخراجهم في الحال
في بداية الأمر لم يشعر 'مؤيد' بالخوف فقد اعتادت والدته أن تلهو معه بطريقة مماثلة، كالضابط واللص وغيرها من المغامرات التي تضفي على يومه الكثير من المرح، لذلك لم يكن ليشك في الأمر فهذه بالتأكيد لعبة جديدة
لم يمر وقت طويل حتى سمع صوت إطلاق النيران واشتباك محتدم بين أكثر من شخص، حينها فقط تدارك الأمر وتسلل الخوف إلى قلبه، كان يكتم شهقاته بيديه الصغيرتين ويأمل أن تأتي والدته وتخبره أن اللعبة قد انتهت لكن مرت الساعات ولم تأتِِ والدته ولم يعد يسمع أي شيء.
غفا 'مؤيد' ولم يستيقظ سوى في صباح اليوم التالي. أقنعه عقله الصغير أن ما حدث بالأمس كان مجرد كابوس مزعج وبمجرد أن يخرج من مخبؤه ستوبخه والدته لأنه نام طوال الليل داخل المخبأ. لكن عندما صعد إلى الأعلى رأى ما لا يمكن لطفل أن يستوعبه
المنزل مليء بصور لوالدته، جاحظة العينين وثيابها ملطخة بالدماء، وعلى الجدار كلمة واحدة تنساب من بينها خطوط حمراء 'الظل'
تجمد في مكان.
لم يفهم معنى الكلمة لكنه أدرك أنها كُتِبت بالدماء.
انتفض مؤيد وقد تمكن من الاستيقاظ وأخيراً، نظر حوله بفزع ليجد نفسه في غرفة نومه في منزله وزوجته مستغرقة في النوم بجانبه
أخذ شهيقاً وزفر بقوة ثم نهض، تحرك بتثاقل نحو الشرفة وهو يفكر في ما رأى في المنام قبل قليل، لم يكن هذا مجرد كابوس مزعج فحسب بل حقيقة طفولته القاسية واختفاء والدته.
احتقن وهو يتذكر شعوره في صغره، كانت تفعل كل ما بوسعها حتى تعوضه غياب والده المتكرر بحجة العمل. لم يكن فقدانها مجرد فاجعة بل الجرح الذي دفعه لمطاردة'الظل' طوال هذه السنوات.
قطع شروده صوت زوجته المليء بالنعاس "عزيزي، لِمَ أنت مستيقظ؟ هل رأيت مناماً مزعجاً؟»
زفر بقوة قائلاً دون أن يلتفت إليها «إنه المنام ذاته»
نهضت من الفراش واقتربت منه قائلة بنبرة مواسية وهي تربت على كتفه «تشتاق كثيراً إلى والدتك أليس كذلك؟»
أغمض عينيه بألم «ألف ضربة بالسيف لا توازي ما أشعر به كل ليلة يا 'مريان'»
همست بينما كانت تضغط على كفه «أخشى أنك تبحث خلف سراب»
اجتاح الغضب ملامحه وقال بنبرة حادة بعض الشيء «إنه ليس كذلك، أنتِ لا تدركين، سآخذ بثأر أمي مهما كلفني الأمر»
خرج مؤيد من الغرفة وهو يفكر في زوجته التي ما زالت تسعى للعيش في سلام، تريده أن
يترك الأمر للقدر، هكذا دون أن يطفئ النيران الناشبة في قلبه منذ أكثر من عشرين عاماً.
أغمض عينيه وهو يحاول ألا يستجيب لرغبة زوجته وأخذ يحدّث نفسه «لن يتركني الماضي ولن أتركه ما دمت حيّا، حتى وإن كان الثمن ما تبق مني»
كان يلتقط ملابسه الرياضية حينما اهتز هاتفه معلناً وصول رسالة، التقطه بملل.. ما إن انتهى من قراءتها حتى شعر بسقيع يجتاح جسده بالكامل.
حدّق في الفراغ أمامه وهو يفكر فيما عليه فعله بينما كان يحكم قبضته على الهاتف.
وقفت أمام الشرفة تراقب الشروق بينما كان عقلها يتآكل من كثرة التفكير في زوجها الذي لا يفهم أن الحياة لا تسير على هذا النحو أبداً، السعي وراء ماضي لا يعرف ماهيته أمر معقد سيضيع ويفقد ذاته في سبيل الانتقام، ماذا سيفعل إن فوجيء في نهاية المطاف بأن الذي يبحث وراءه قضى نحبه منذ زمن؟
زفرت وهي تتمتم «الآن سيخرج ليركض حتى تنقطع أنفاسه، كم أشفق عليك يا مؤيد»
ضمت حاجبيها حينما رأته من خلال الشرفة يرتدي زيّ رسمي ويتوجه نحو سيارته يحمل حقيبة سفر.
هرعت إليه وهي تصيح بقولها «مؤيد إلى أين أنت ذاهب؟ وفي مثل هذا الوقت؟»
أطال النظر في هاتفه وهو يقول «لدي عمل عاجل ربما يستغرق أكثر من أسبوعين»
كادت أن تناقشه لولا أنه قبّل جبهتها مودّعاً إياها وقال قبل أن يصعد سيارته ويقودها «سأخبركِ لاحقاً، إلى اللقاء عزيزتي»
تابعت سيارته حتى اختفت عن ناظريها
نظرت إلى الساعة ثم تمتمت «سأتأخر... هناك مستجدات في العمل»
اشتدت دقات قلبه وهو يشعر بأن الخيط الذي انتظره طويلاً ظهر، بعد كل هذه السنوات لعله يتمكن من تنفس الصعداء فقط بعد أن يجهز على ذاك المدعو 'الظل'
أخذ يقرأ الرسالة التي تسلمها منذ أكثر من نصف ساعة والتي كانت تنص على «جثة لم يمضِ على وفاتها وقت طويل، المشهد يوحي بانتحار. لكن التوقيت يثير الشك
ما عثرنا عليه غيّر مسار التحقيق، هذه القضية ليست بعيدة عن 'الظل'
ننتظرك يا مؤيد. الوقت ليس في صالحنا».
مرت ساعات طويلة على مؤيد حتى وصل إلى مديرية الأمن التابعة للمحافظة التي وقعت بها الحادثة
مرت دقائق حتى صار برفقة المحققين داخل المكتب تصافحوا سريعاً وتبادلوا الإيماءات ثم جلس مؤيد قائلاً «أخبروني ماذا لدينا هنا؟»
التفت إليه المحقق 'مراد' وقال «ليلة قبل أمس عُثر على شخص ما يدعى فؤاد في الحي الذي يقطن فيه، داخل سيارته فوق مقعد القيادة كانت الدماء تسيل من رأسه وبجانبه سلاح يحمل بصماته، لم نجد هاتفه أو أي شيء يثبت هويته لكن سكان المنطقة تعرفوا عليه وكذلك زوجته»
اقتضب حديثه المحقق 'سامر' بقوله «ما أثار دهشتي أن المكان الذي توقفت فيه السيارة كان يبتعد بضعة أمتار عن كاميرات المراقبة المثبتة في المحلات الصغيرة»
قاطعه مؤيد بقوله «أتعني أنه وقف على بُعد أمتار وقتل نفسه؟»
لوّح سامر برأسه نفياً وتابع «في البداية تبين أنه انتحار، لكن تقرير الطب الشرعي أثبت أن فؤاد قضى نحبه قبل ظهور سيارته في الحي بساعة ونصف تقريباً؛ هنا سقطت فرضية الانتحار»
أومأ مؤيد برأسه وقال «وماذا عن عائلته؟»
صمت سامر لبرهة ثم تابع «صحيح، أخبرتني زوجة فؤاد أنه حدثها عبر الهاتف قبل ظهور جثته بساعات طويلة وأخبرها أنه عليهم مغادرة الحي وسيشرح لها كل شيء حين عودته، وأيضاً عند تفتيش المنزل عثرنا على هذه الهويات»
مد مؤيد يده والتقط الهويات، تفحصها جيداً بعينيه ثم قال «لمَ ذكرتم الظل في الرسالة؟»
فسرعان ما قال سامر «لأن هذه القضية تشبه تلك التي حققنا بها منذ ثلاثة أعوام، الضحية اختفى لساعات طويلة ثم ظهر فجأة داخل سيارته تسيل الدماء من رأسه وخلال التحقيقات تبيّن أنه انتحار قسري»
أعادته كلمات سامر إلى تلك القضية القديمة وتذكر ما حدث منذ ثلاثة أعوام
ذاك الرجل كان يزودهم بمعلومات عن بعض الأشخاص الفاسدين.
وفي أحد الأيام اتصل بمؤيد وأقسم بأنه يملك خيطاً يقود إلى الظل.
لكن عندما وصل إليه... كان قد مات.
وبعد ساعات احترق منزل عائلته بالكامل.
يومها كان مؤيد قد قطع عهداً بحمايتهم مهما كلف الأمر، إلا أن 'الظل' سبقه مرة أخرى.
عاد مؤيد إلى الحاضر وهو يراجع أحداث قضية فؤاد الذي كان يخطط للهرب مع عائلته قبل وفاته!
نهض مؤيد من مقعده قائلاً بحزم «خذوني إلى الجثة أولاً...»
رفع نظره إليهما ثم أردف قائلاً «وبعدها أحضروا لي ملف القضية القديمة»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.