الفصل الثاني - هل أنا خادمة؟

"بعد عشر دقائق يجب أن أجدكِ أمامي في المطبخ."
قالت هيلقا ذلك، وعندما لم تجب عليها سيسيليا أضافت وهي تلوح بإصبعها أمام وجهها بتهديد:
"وإلا أنتِ تعلمين عقوبتك!"
هزت سيسيليا رأسها إيجاباً:
"لن أتأخر."
قالت ذلك لتكسب المزيد من الوقت لاستيعاب ما يجري والتفكير.
صفقت هيلقا الباب خلفها وهي خارجة، فأسرعت سيسيليا مرة أخرى نحو النافذة. وقفت تنظر للخارج لتتأكد أن كل هذا حقيقة فعلاً.
"إن العربة التي يجرها حصانان لا تزال تقف في حديقة القصر الأمامية. يا إلهي، إن كل ما يحدث حقيقي!"
قالت تحدث نفسها وتعصر جبينها بإصبعيها السبابة والخنصر.
استدارت نحو الباب ثم نحو الخزانة الصغيرة في زاوية الغرفة. فتحتها لتجد بها ثوبين فقط، فاختارت الثوب الأزرق الشاحب الذي يعود للعصور الوسطى.
"إنها نفس الأزياء التي اخترت أن أجعل الشخصيات ترتديها في الرواية!"
تمتمت بخوف.
ثم فجأة تذكرت مظهر هيلقا المخيف. إنها تعلم تماماً ما تقدر عليه هذه المرأة، أليست هي من كتبت هذه الشخصية بنفسها؟ فارتدت بسرعة وخرجت من الغرفة. فبدايةً هي لا تريد عداوة مع هيلقا، فهي تعلم أنها شخصية شريرة، بالغة الشر.
وقفت في منتصف الرواق ولا تعلم إلى أين يجب أن تذهب.
"أين هو ذلك المطبخ اللعين؟"
تمتمت بغيظ من تحت أسنانها.
"هاي، أنتِ أيتها الغبية، تعالي ونظفي حذائي، لقد تأخرتِ."
قالت فتاة ما بصوت آمر ونافد الصبر.
رمشت سيسيليا ثم أشارت بإصبعها نحو نفسها:
"هل تتحدثين إليّ أنا؟"
زفرت الفتاة بنفاد صبر وهي تطرق بقدمها الأرض:
"ومن غيرك هنا؟ أنا لا أعلم لما تحتفظ بكِ والدتي وأنتِ عديمة النفع، خادمة كسولة."
"هل أنا خادمة؟"
قالت سيسيليا مصدومة.
تفاجأت الفتاة والصبيان اللذان يقفان بجانبها، فضحك أحدهما مما سبب الغضب للفتاة، فاحمر وجهها من الغضب لاعتقادها أن سيسيليا تسخر منها، وصرخت:
"هيلقااااا!"
وبصرختها تلك أسرعت هيلقا للحضور:
"نعم، آنستي! هل هناك خطب ما؟"
"هذه الغبية تسأل إن كانت خادمة! وأنا أعتقد، يا عزيزتي، أنكِ لم تعودي مسيطرة على الخدم في القصر، وسوف أخبر أمي بذلك."
قالت والشر يشع من عينيها.
اصفر وجه هيلقا:
"أرجوكِ يا آنسة ليا، لا تخبري والدتكِ، سوف تطردني، وليس لي عمل آخر أعيل به أطفالي."
نظرت سيسيليا نحو الصبيين الواقفين بجانب الفتاة ليا. كان أحدهما يبدو صغيراً، ربما في السابعة من عمره، وأما الآخر، صاحب النظرة السوداء القاتمة، فكان يبدو في الحادية عشرة من عمره.
ولكن سيسيليا لم تستطع النظر إليه مطولاً بسبب نظراته القاتمة وملامحه الجدية، رغم أنها تشعر أنه مألوف لديها.
أخذت تحدث نفسها:
"هل يعقل أنني لست في الرواية التي ألّفتها؟ أنا لم أنشئ هذه الشخصيات... ولكن هيلقا إحدى شخصياتي!... أنا متأكدة من ذلك، أليس كذلك؟"
قطع حبل أفكارها صوت ليا وهي تبتسم بلؤم لهيلقا وتقول كي تبتزها:
"ربما عليكِ البدء في البحث عن عمل آخر... إلا لو..."
قالت هيلقا بلهفة:
"إلا لو ماذا؟!"
"أعطي هذه الفتاة العقاب الذي تستحقه!"
كانت ليا مجرد فتاة في التاسعة من عمرها، أي في عمر سيسيليا الحالي، ولكنها بخبثها وغطرستها كانت تخيف الخادمات.
"ولكن ماذا فعلت أنا؟"
قالت سيسيليا بتفاجؤ.
أجابتها ليا وابتسامة نصر على شفتيها:
"سوف تعلمين ماذا فعلتِ الآن!"
أمسكت هيلقا بيد سيسيليا، والتي كانت في جسد فتاة في عمر التسع سنوات فقط، وجرتها من يدها لتدفعها وتقول:
"أنتِ غريبة الأطوار منذ الصباح، وأعتقد أنكِ تستحقين هذا العقاب حتى يعود لكِ رشدك."
نزلت بها نحو القبو وهي تجرها من يدها، ثم فتحت باب حجرة مظلمة حالكة السواد، ودفعتها داخلها.
"سوف تبقين هنا حتى المساء بدون طعام ولا شراب!"
هدرت هيلقا بلا مبالاة واستدارت لتغلق الباب رغم علمها بفوبيا سيسيليا من الأماكن المظلمة.
أما سيسيليا فقد ارتعبت لفكرة أنها سوف تبقى هنا وحيدة:
"أرجوكِ، لا أستطيع البقاء هنا وحيدة، أرجوكِ لا تتركيني!"
كان صوتها مكسوراً ويقطع القلب، ولكن هيلقا دفعتها بقوة لتسقط على الأرض وأغلقت الباب بسرعة، وكأنها معتادة على هذا المشهد ولا تؤثر فيها نظرة الرعب التي في عيني الفتاة المسكينة.
بدأت سيسيليا بشكل هستيري تطرق على الباب وهي تصرخ:
"أخرجوووني!"
ولكن لم يستجب أحد لصوتها، حيث إن القبو منعزل عن القصر.
بعد الطرق المتواصل والبكاء المستمر، شعرت سيسيليا بالتعب وارتمت على الأرض الباردة لتنام وهي منكمشة على نفسها في وضعية الجنين، ربما هروباً من الخوف القهري.
"سيسيليا... سيسيليا!"
لا تعلم كم مر من الوقت وهي نائمة، ولكنها استيقظت على همسات باسمها وشخص ما ينكزها بخفة.
فتحت عينيها ببطء، ولكن الرؤية كانت غير واضحة بسبب الضوء القوي الداخل من الباب، وقد اعتادت عيناها على الظلمة. ولسبب ما أحست أن رائحة هذا الشخص مألوفة لها.
"لقد فتحتُ لكِ الباب لأنني أعلم أنكِ تخافين الظلام، وقد أحضرت لكِ بعض الطعام أيضاً."
"من؟... من أنت؟"
انتصب الشخص واقفاً، والذي من صوته يبدو أنه طفل أيضاً، ولكن ربما أكبر من سيسيليا بقليل.
"أنا... أنا ذاهب."
كأنه كان على وشك قول شيء ما، ولكنه تراجع وصمت لبضع ثوانٍ وأضاف:
"سوف أترك لكِ الباب مفتوحاً من أجل الضوء، ولكن لا تخرجي. سيعاقبونكِ مجدداً إن فعلتِ."
ثم خرج وترك الباب مفتوحاً قليلاً ليدخل الضوء إليها.
كان الطعام الذي أحضره لذيذاً جداً، عبارة عن لحم مشوي وسلطة وفواكه، وهو نوع الطعام الذي لم تكن سيسيليا الطفلة داخل الرواية تأكله، بل كانت فقط تراه بعينيها يُقدَّم على مائدة أصحاب القصر.
"هذا يدل على أن هذا الطفل من سادة هذا القصر... إنها إشارة جيدة."
فكرت سيسيليا.
مر الوقت بطيئاً جداً عليها، ولكن في النهاية جاءت هيلقا لتخرجها وقالت:
"يا لكِ من فتاة بائسة، يبدو أنني نسيت الباب مفتوحاً، ولكنكِ لم تخرجي."
ثم ضحكت ضحكتها المستفزة.
أخذت سيسيليا تفكر:
"عليّ أن أجد حلاً لكل هذا وبسرعة، لن أظل تحت رحمة هذه الشريرة المجنونة."
مر عليها اليوم الأول في القصر صعباً، ولكن كل ما كان يشغل عقلها هو كيفية إيجاد حل لهذه المشكلة والعودة إلى عالمها الحقيقي.
وبالرغم من كل التعب الذي تعرضت له، إلا أنها سقطت فوراً في نوم عميق.
ثم في الصباح التالي؛
تكرر نفس المشهد مجدداً، ودخلت إليها هيلقا لتقول:
"سوف تقومين اليوم بخدمة غرفة الإفطار، أسرعي وإلا غضبت منكِ السيدة اليوم أيضاً."
بعد أن ارتدت سيسيليا ثيابها، أسرعت نحو غرفة الطعام التي وجدتها بعد بعض الجهد، ثم قالت:
"آآآه، وأخيراً وجدتها... أنا متلهفة جداً لرؤية ما إذا كان هناك بعض الشخصيات التي سأتعرف عليها."
بدأت تحوم حول طاولة الطعام وتسكب الشاي في الفناجين للجالسين حول الطاولة. لم تنتبه لساق ليا التي مدتها أمامها لتتعثر بها وتسقط.
وهذا ما حدث فعلاً، فقد تعثرت سيسيليا وفقدت توازنها، ولكن بدلاً من أن تسقط على الأرض، سقطت مباشرة على ركبة الدوقة، والدة ليا، مما أدى إلى سكب الشاي الساخن على ثوبها.
"أيتها الحمقاء!"
قالت السيدة بصراخ وهي تدفع سيسيليا نحو الأرض.
"خرقاء دون نفع."
هسهست ليا بمكر وهي تضحك.
"أنا آسفة، لم أقصد ذلك."
قالت سيسيليا.
"أنتِ من اليوم مفصولة من العمل هنا. أنا لا أحتاج لخادمة خرقاء مثلك."
أسرعت هيلقا تنظف ثوب السيدة وتتأسف منها، بينما ليا تبتسم بخبث.
التفتت الدوقة إلى زوجها الجالس على رأس الطاولة بصمت وقالت وهي تمثل الطيبة والحزن:
"لقد حاولت مساعدة هذه الفتاة الفقيرة اليتيمة بتوظيفها في القصر، ولكنها كما ترى، إنها خرقاء وغبية. ولقد صبرت عليها كثيراً، ولا تنفك تحرجني أمام الضيوف دائماً."
كانت سيسيليا صامتة تحاول دراسة الشخصيات لتتعرف على نفسها، في أي رواية هي.
"افعلي ما تشائين."
قال الدوق دون مبالاة، وأخذ يكمل تناول طعامه وكأن شيئاً لم يحدث.
وقفت الدوقة بشموخ أمام سيسيليا وهي تنظر لها بكبر وقالت:
"اجمعي أشياءك وارحلي فوراً!"
لم تفهم سيسيليا لمَ كل هذا الحقد تجاه هذه الشخصية المسكينة التي هي داخلها الآن. ولكن لا وقت للتفكير فيهم، فعليها أن تعرف مكانها في الرواية، وربما قصتها تبدأ بالخروج من هذا القصر.
استدارت بكل بساطة لتغادر، مما أثار الدهشة في نفس ليا ووالدتها، فقد توقعا منها أن تبكي وتترجاهما ليغفرا لها كالعادة. ولكن كل ما فعلته هو أنها أدارت ظهرها ببساطة لتغادر.
ثم صوت من خلفها استوقفها:
"انتظري!"
التفتت إلى مصدر الصوت كما التفت الجميع.
كان المتحدث نفس ذلك الفتى الذي في عمر الحادية عشرة.
"أريدها أن تكون خادمتي الشخصية."
"أدريان!"
قالت الدوقة بذهول مشوب بالاعتراض.
اتسعت عينا سيسيليا من المفاجأة وهي تحدق فيه دون تصديق...
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.