هزة الشيطان
هزة الشيطان
جزء 3 من 5

١.٥ | أولىَ الأحَاجِي

عبِقٌ أرِجٌ، مُزهِرٌ وطَيِب، يشوبهُ الزِنبَقِ وَبهِ لمحَةٌ مِن حلاوَةِ الشَاي.
كانَ هذَا أولَ مَا يَغتصِبُ حواسكَ فورمَا تمَرُ ليليِثْ جوَارِك، رائحَةٌ حلوَه وَثقيِلة تُعانِقُ ذراتَ الهوَاء حوَلها كهالةٍ غَيرُ مَحسوسَه، قَد تلتصِقُ بِكَ لمُجرَدِ مُلامسَتِك لهَا، أوَ فِي مُعظمِ الأحيَانِ، شذاهَا ذَاك كَافٍ ليُطاردُكَ فِي كوَابيسِك.
تَحتَ ظِلَالِ المصابيحِ الذهَبِيَة، كانَ ڤِيشوُس سترَايك يَمِيلُ ببدنهِ علىَ الحائِط جِوَارِه، مُستندٌ عَليهِ فِيمَا يُثبِتُ أعينهُ الَعسِليَة عَلى زَميلتِه التِي أقَلُ مَا يُقَالُ عنهَا.. مَجنونَة، لَا وصفٌ آخَرٌ سيَفِي حَقِهَا، فمَن ذاكَ الذِي بَعدمَا يَقترِفُ جَريمَةٍ جِنائِيَة شَنِيعَة سيُفكِرُ بإقتحَامِ جنَاحٍ بَحثًا عَنْ أفخَمِ الثِيَاب.
وقَد تَنهدَت ليلِيثْ حِينهَا بَعدَ لحظَاتٍ طَوِيلَه مِنَ الصمَتْ، مُتسائِلَه دونَ تَكبُدِ عنَاء مُقابَلتِه، "إلىَ مَتىَ تَنوِي إطَالَة تَحدِيقكْ؟،" إذ كانَتْ مُنشَغلةٌ بفَحصِ الأشيَاءِ المُلقَاهِ قُبَالتِهَا علىَ السَريرِ الوَثِير عِوضًا عَنه؛ بدايةً مِن فسَاتِين دِيوُر، إِلىَ كُورْسيهَات تِييرِي مُوغِلر، وحتىَ حقَائِب هِيرمِيسْ. 
سَطحُ الفِراشِ قُبالتهَا كانَ يَعجُ بكافَةِ مَا يُكسىَ المَرءُ بهِ بعدمَا أفرغَتْ مكَنونَاتِ الخزانَةِ المُرفَهَةِ جِوارهَا، إلا أنهَا حتىَ وعلىَ الرغمِ مِن ذَلك، لَاتزالُ لَم تجِد ضالتهَا بَعد.
بدَا أنهَا تَبحث عن شَيءٍ ثَمِينٌ، لكِن ليسَ كمَا لَو كانَ ڤِيشوُسْ يهَتم، إذْ سُرعَان مَا تَمتمَ بلاَمُبالاةٍ فِيمَا يستقِيمُ عَن الحَائِط، "أتَيتُ لُأطِلَ عليَكِ، فَبحَسبَ مَا تُكرمنِي بهِ ذَاكرِتي وجَب علَيكِ أنَ تَكوُنِ خَارِجًا الآنْ، وليسَ هُنَا دُونًا عَن شتىَ بِقاعِ الأرضِ، صَحِيح؟."
دحرَجتْ ليلِيثْ حَدقتِيهَا بضجَرٍ وهِىَ تَلتقِطُ قِرطًا ألمَاسِيًا مِنْ عُلَبةِ المُجُوهرَاتِ المَفتوحَةِ، "لَا، ولَا أرىَ مُشكِلَةً تُذكَر، إعتَبِرهَا أتعَابٌ إضافِيَة لمُهِمَتِي."
"القِرطً فِي كَفكِ وحَدهُ يُساوِي ألفَينِ استرلِينِي،" نَبههَا، لتُأرجِح الآخرىَ كَتِفيهَا، "أقَلُ سِعرٍ أقبَلهُ نَقدًا لمَجهُوداتِي."
حسنًا، هِىَ حَتمًا مُختلَةٌ عَقليًا، فكرَ ڤِيشوُس وهوَ يُعدِلُ هيكلَ نظارتهِ الطِبيَة علىَ جِسرَ أنفهِ، إذْ حتىَ وعلىَ الرَغمِ مِن توَقعُه لرَدٍ مُماثِلٍ مِنهَا –كلاهُمَا يحَفظُ الآخَر عَنْ ظهرِ قَلبْ–، لَم يسَعهُ سِوَا أنَ يسألهَا بنبرَةٍ هادِئَة، "هَل أنتِ علىَ درايةٍ بموقعِنَا الآنْ؟.. أينَ نَحنُ تَحديدًا؟."
"نَحنُ فِي جنَاحِ مَارِيَانَا ڤَان زِيلردْ،" أجَابتهُ ليليِثْ بتعَابيرٍ لامُبالِيَة فِيمَا تُزِيح خصلاِتهَا بَعيدًا عَن أُذنيهَا حتىَ ترتَدِي القِرطيِن، "الصحَفيةُ الشَهِيرَة التِي صُنِعَ لهَا أغلىَ ثَوبٍ فِي القَرنِ العشِرين مِن شَانِيلْ."
"لَا، بَل نحنُ فِي الجِنَاحِ رَقمُ مئتَانِ واحِدٌ وأربَعونَ يَا ليلِيثْ،" صححَها ڤِيشوُس بحَدقتِين لاحَ عبرَهُمَا وهَجٌ حَاد، نظرَهُ مُعلقٌ علىَ إنعكَاسِهَا قُبالَة المرَآة، "جُثَةُ كِليثْ آكرِي تقبَعُ فِي الحُجرَةِ المُجَاورةِ لنَا، يُحِيطُهَا حِفنَةٌ مِن أرقَى عُملَاءِ جِهَازِ الإستِخَبارَات."
"حَقًا؟،" مرَ برِيقٌ مُشَاكِسٌ عبرَ نظرَاتِ ليليِثْ فيمَا تَرمِي ثوبًا باهِظًا مِنْ ڤِيرزَاتشِي أرضًا، "يالهَا مِنْ مُصِيبةٌ."
تنهدَ ڤِيشوُس بعُلو، فهوَ علىَ الجَانبِ الآخرِ كانَ علىَ دِرايَةِ بخُطتهَا، علىَ دِرايةٍ بأنهَا قرَرت البقَاءُ فِي الفُندِق إثرَ خلوُهِ التَام الآن؛ فَأيُ امِرءٍ طَبيعِي كَان ليَنفُذَ بجلدِه فورَ سمَاعهِ لصَفَاراتِ الإنذَار، كمَا كانَ علىَ عِلمٍ بأنهَا إختَارت هذَا الجِنَاحِ خِصيصًا لأنَ لَا قاتِل سَوِي نَفسِيًا سيُفضِلُ الإختِباءَ فِي حُجرَةٍ تُجاوِرُ مَسرحِ جريمَةٍ كانَ هُوَ مُجرِمَه، حَامِلًا معَهُ سلاحَهُ ومُلطخٌ ببصمَاتِ قَتيِله.
وجبَ عليهِ الإعترَافِ بأنهَا خُطَةٌ مُحكمَه، إذ بمُساعدَتهِ لهَا –تلاعُبهِ بكامِيرَاتِ مُراقبَةِ الفندُق– الإمسَاكُ بِهَا أمسىَ شيءٌ مُستحِيلٌ الآن، ففِي نهَايةِ المطَاف الغَرِيزَةُ الأولىَ للمُجرمِ هِىَ الهرَب، وبوجُودِهَا هُنَا لم يَكُن أحَدٌ ليَشُكَ بِهَا، لكِنَهُ -كالمُعتَاد وعلىَ الرغمِ مِن كُلِ شَيء– لَم يَكُن ليُفَوِت فِرصَةٌ لتوبِيخهَا.
"تفَاصِيلُ مُهِمتكِ الجَدِيدَة بُعِثَت علىَ حاسُوبكِ بالفعِل، كانَ يتحتَمُ عليَكِ الخروُج مِنْ هُنَا، إنهَا أوَامرٌ، وأنَا أوَامرِي لَا تُعصىَ."
وقتذَاكْ دارَت ليليِثْ علىَ كَعبيهَا، فاحِصَه ڤِيشوُس بنظرِهَا لهُنيهَةٍ مِنَ الوقَتْ، بدايةً مِن تعَابيرهِ الجامِدَة وحتىَ البَرِيقُ الدَامِسُ فِي عينيَه، قبلَ أنَ تَقوُل وهِىَ تَشقُ خُطاهَا نحوَه مُطبطبَةٌ علىَ صَدرهِ الصُلب، "أنَا وأنتَ نَفِطنُ حَقيقَة أنَ لَا ذرَةً تحوُزهَا مِنَ الإهتمَامِ فِي فُؤادِكَ موُجهَةٌ صَوبِي يا عَزيزِي."
كانَ هذَا صَحِيحًا، مررَ ڤِيشوُس لسانهُ مُرطبًا شفَتِيه، هوَ ليسَ قِلقًا عليهَا إنْ صدُقَ القوَل.. بطرَيقةٍ مَا، ليلِيثْ دائمًا تنسَلُ مِن جرائِمهَا كالشعرَةِ إنْ عَلِقَتْ فِي العَجِيْن، بسلاسَةٍ وسُرعَة، لذَا هُوَ لَا يهتمُ بوُجودِهَا هُنَا، داخِلَ هذهِ الحُجرةِ تحديدًا رغمَ كُل الخطرِ الذِي يُحيطهَا.
لذَا ردًا عليهَا دونَ إنكَارِ جُملتهَا، "صَدُقتِ، لكِنْ هُمَ يَهتموُن، وإنْ كانَتْ هذهِ مُشكَلةٌ لهُم، فهِىَ أيضًا تُعَد واحِدةً لِي، كمَا أقوُل لكِ دائمًا، فِي عملَنا هذَا لَا مجَال للهفوَاتْ."
دحرَجتْ ليلِيثْ عينيهَا بمَلل، "وأنَا لَا أصنَعُ أيًا مِنهَا."
"سنرىَ هذَا،" غمغمَ ڤِيشوُسْ فِيمَا يُدِيرَ ظهرهُ عنهَا ليُقابِلَ البارَ الزُجاجِي جِوارهِ مُرادَ صَبِ كأسٍ مِنَ الشرَابِ لَه، وريثمَا يضَعُ الثلَج بحرصٍ شرعَ سَردِ تفاصيِل مُهمتهَا الجَديدِة لهَا، "لدَيكِ عَشرُ ساعَاتٍ، لَا أكثَر ولَا أقَل، كمَا لَم تُوضَع أيُ مُتطلبَاتٍ أو شروُط، يمكنُكِ فِعل مَا شئتِ بضحَيتكِ لذَا أبدعِي، أمَا عَن دُفعتكِ المَالِيَة الأخِيرَة وَقدرُهَا خَمسوُنَ ألفَ إستِرليني، رَقمُ التَحويِل التَسلسُلِي بُعِثَ لكِ فِي رساَلةٍ تُحذف تلقَائِيًا بعدَ فتحِهَا بعشرِ دقَائِق."
همهمَتْ ليلِيثْ بخِفَه، مُصغِيَه للإسطوَانةِ التِي يُعِيدهَا مرارًا وتكرَارًا كُلَ عَملِيَةٍ ريثمَا تفَحصُ الثَوب الذِي إختارَتهُ لإرتدَائِه مِنْ مجموُعَةِ دُولشِي أند غابَانَا العَتِيقَة لعَامِ ٩٥.. كانَ أسودَ اللوَنْ، قَصِيرًا وَضيقًا، بفتحَةِ صَدرٍ شبهُ مُثلثَه وأكمَامٍ طَوِيلَه. 
ليسَ سَيئًا، لوَتْ شَفتيهَا وهِىَ تُلقيهِ علىَ سَاعِدهَا، ثُمَ مالبُثَت حتىَ دنَتْ بقدمَيهَا لإحضَارِ زوَجِينْ مِنْ كعوُبِ توُم فُورد لإنهَاءِ طلتهَا، قبلَ أنَ تُوجهِ حَديثهَا لڤِيشوُس الذِي أنهىَ صبَ مشروبهِ الكحُولِي، "قُل لِي مَا يكفينِي مِن معلومَاتٍ عَن القَتِيل فِي حِينِ مَا أتجهَز."
'القَتِيل'، وَصفهَا لضَحيتهَا لفتَ إنتباههُ لوهَلةٍ، إلَا أنهُ لَم يُعقِب علىَ كلمتهَا تِلكْ، بَل تزامُنًا معَ دخُوِلهَا الحمَام لتَبديلِ ثيَابهَا أعلمهَا بعضًا عَنْ أبرَزِ تفَاصيِله، "إنَهُ طَبيِبٌ يعمَلِ فِي مشفىَ القديسِ تُومَاس، فِي أوَاخرِ الخَمِسينَاتْ، يُعانِي مِن أعرَاضٍ مُبكرَه لتَسمُمٍ بكتِيرِي حَاد، كمَا يُتاجِرُ بالأعضَاءِ البَشرِيَة."
شهقَت ليلِيثْ بعلُوٍ مِنَ الحمَام، مُوقِفَه ڤِيشوُس فِي مكَانهِ بحَاجبينِ معقُودينِ ظنًا منهُ أنَ مكروهً مَا وقَع، إلَا أنهُ مالُبثَ حتىَ رفعَ رأسهُ طاِلبًا الرحمَه والثبَاتْ فورمَا أكمَلتْ هِىَ صُراخهَا، "لقَد وجَدتُه!، الثوَبُ رَائِعٌ، بَل مُبهِرٌ وأيقونِي، إنَهُ يلتَمِعُ كالؤلُؤِ والألمَاسْ يَا إلَهِي فليمُد لِي أحَدٌ مِنديلًا لمَسحِ عبرَاتِي!."
أراحَ ڤِيشوُس بدنَهِ علىَ الأرِيكَة مُتجاهِلًا حمَاسهَا الدرَامِي أثنَاء مَا تُكمِل تجَهُزهَا، قبلَ أن يَسنِد كأسُ شرَابهِ علىَ فَخِذه، ثمَ يَمُدَ كفَهُ مُحضِرًا جهَاز التحَكُمِ مِنْ جوَارهِ وسُرعَان مَا ضغطَ علَيهِ، لتُنِيرَ شاشَة التِلفَازِ مُباشرةً، حَيثُ عُرِضَ عليهَا قنَاةُ الأخبَارِ المحلِيَة التِي ترأستهَا مُذيعَةٌ ببيَانٍ عاجِل قائِلَه:
"—معكُم كريستيّن آمانبور، مِن نشرَةِ 'مِيركُورِي' الإخبَاريَة، أراسلكُم مِن قلبِ الحدَث حيثُ عُثرَ ظَهيّرُ هذَا اليومِ علىَ جيّفةِ كليّث ديموُ، وَزيّرُ الخَارجيّةِ الأسبَق، داخلَ جِنَاحٍ حُجِزَ لأربَعِ أيَامٍ فيّ فندُقِ لَانجهَام المُترَف ووِفقًا لأحدثِ تصريحٍ مِنَ الشُرطَة أُكُدَ مكوثُ جثمانهُ لِـ—"
"بمَا يُمكنُنِي مُساعدتُكَ؟." أدارَ كاثَانْ رأسَهُ برويَة نحوَ صاحِبَة السؤَال، مُزِيحًا اهتِمَامَهُ عَن شاشَةِ التلفَازِ المُعلقَه لَيَرسوُ بحَدقتِيهِ علىَ إحدى عامِلاتُ مشفىَ القديِس تومَاس، "ابتَغِي زيَارَةُ مَريِضٍ مَا لدَيكُم هُنَا." قَبلَ أنَ يَصُبَ تركُيزَهُ علىَ شاشَةِ التِلفَازِ لمرَةٍ آخرىَ
"─يُزعَمُ أنَ مصرَعُ دِيموُ لَم يَكُن حَادِثًا كمَا صُرحَ عَنهُ سابِقًا، بَل جريمَةٌ معَ سبقِ الاصرَارِ والترصُد؛ لذَا وحتىَ توضَعُ النقَاطِ علىَ الأحرُف تمَ الإستعانه بجهَازِ الاستخباراتِ البريطَاني بُغيَةِ الحدِ من التساؤلاتِ المؤرقَه، لِيطُلقَ بعدهَا رئِيسُ القسمِ رَايّ غلَام تصرِيحًا يُفِيدُ بِـ—"
"عُذرًا، سَيدِي، زيَارَاتُ اليَومِ إنتهَت بالفِعل." أجَابَتهُ العامِلَةَ بعَدَ هُنيهَةْ مِنَ السكُونْ، ليعقِدَ كاثَان حَاجِبيهِ فيمَا يرسوُ ببصرَهِ علىَ السَاعَةِ المُعَلقَهِ ورَائِهَا، "إنهَا لَاتزَالُ الثَامِنَة، تبقىَ ساعتَانِ أو مَاشابَه"
"هذَا كانَ سَابِقًا،" ردَت الشَابَةُ فيّ تملُلٍ مُبيّن، قبلَ أن توَضِح، "عُدلَت الموَاقيّتُ منذُ يومَان، حَيّثُ أضحَت الفترَاتُ المُتاحَة منَ الثَامنَةِ صباحًا وحتىَ السَادِسَة مسَاءً."
"مكتوبٌ خارجًا أنَ الزِيارَاتُ تَنتَهِي فِي تمَامِ العَاشُرَة مسَاءً."
تنهدَت العامِلَة وَهِىَ تستَنِدُ علىَ وجنتهَا بقبضَةِ كفِهَا، "إنهَا لافتةٌ قديمَةٌ سَيِد إلِيسوُنْ. مَا ذُكِرَ بِهَا غَدىَ باطِلًا بعدمَا فُرِضَ حَظرُ التِجوَالِ وَإِثرَ مَا نُجَابِهُ مِن إنحلَالٍ أمن هَذهِ الأيَامْ."
رفعَ كاثَان حاجبًا. "وكيفَ تتركونَ اللافتة خارجًا إن كانَت قديمة؟."
"سَيدِ إلِيسوُن، هَذَا شيءٌ يَجدرُ بِكَ مُناقشتهُ معَ مسؤولوُ اَلـ─" بُترَ حديثُها بُغتةً حينمَا ترددَ صوَتٌ خشِنٌ عَبرَ أروِقةِ المَشفىَ، مُقاطِعًا سكوُنَ المَكَانْ بسؤًالِه، "ما الذي يحدثُ هُنا؟!."
رسىَ كَاثَانْ ببصرَهِ عَلىَ صَاحِب الحَديّث، ليتصلبَ بدنهُ فورَ لَمحهِ للعجوُزِ الوَاقِف قُبالتُه. العَجوزُ الذيّ كانَ لايزَالُ يحدَجُ العَاملةُ بنظَراتٍ ثَاقِبَة، قبلَ أن يَرسوُ بحدَقتيهِ علىَ كاثَان وتَرتخَي تقَاسيمَهُ بُغتةً، حَيثُ لَاحَ علَى وَجههِ أمَاراتُ عدَمِ الإرتِيَاحْ.
"كَاثان، مَا الذيّ تفعلهُ هُنَا فيّ هَذهِ السَاعة؟،" تسألَ الطَبيّبُ فيّ نبرَةٍ هَادئَة، مَالبُثَت حتىَ إحتدَت وهوَ يرجعُ بصَرهُ صوبَ العامِلَة، "ماذَا حدثَ مُجددًا مَارثَا؟، ألَم أحَادثُكِ صبَاحًا عَنْ أهميَةِ إحترَامِ الزوَار، هَذهِ رَابِعُ مَرةٍ لهَذَا الإسبوُعْ."
إعتدَلت عامِلَةُ الإستقبَال— مارثَا، بتوترٍ فيّ مجلسهَا، "لَا شيءّ يدعوُ للقلَقِ سَيد ريكَارد، كنتُ فقَط أنَاقِشُه حَولَ موَاقِيت الزيارَاتِ المُتاحَةِ حَالِيًا، حيثُ يمكنهُ العودَةُ غدًا لـ—"
رفعَ كفهُ فِي وجهِهَا، باتِرًا حديثهَا، "فهِمت، ولكِن مَا تدعيّهِ أنتِ بنقَاشٍ وصلَ ليّ حتىَ الطَابِقُ الَرَابعِ،" تنهدَ ريكَارد فيمَا يطالِعُ شاشةَ التفَازِ المُعلقَة علىَ الحَائِط بدورِه، مُردفًا دونَ أن يُقابِلَ بصرُ كاثَان، "مُثلِ هَذهِ القَوَاعِد لَاتُثنَ علىَ هذَا الشَاب، حينمَا يزورُ المشفىَ مرة آخرىَ فقَط دعيّهِ يَدلُف."
ودونَ الإنغمَاس فيّ لَغوٍ لَا طَائِلَ مِنهُ إلتفَ ريكَارد مُعلنًا عَن رَحيّلهِ، دوُنَ أنَ يَنبُسَ بكَلمةٍ آخرىَ، ليرَمُق كَاثَان العامِلَة بنظرَةٍ مُحذرَه أخيرَة، قبلَ أن يتنهدَ ثُمَ يشق َسبيلهُ نحوَ المصعدِ الذيّ انتَصفَ مُدخلَ المشفىَ، مُترقبًا وصولَهُ لطابِقهْ.
فُتحَ الباب ببطء بعد برهةٍ وجيزة مصدرًا صريرٌ شبهُ مسموع، ليدلفَ كاثان بتأنٍ داخلَ المصعَد فيمَا يراقبُ انعكاسةِ عبرَ المرآة العريضة، قبلَ أن يمررَ يدةُ في خصلاتةِ الفحمية ضاغطًا على زر الطابق الثامِن.
استندَ علىَ حَائطِ المصعَدِ الأيمَن بتنهيدَةٍ مُثقلَة، مُغمضُ العيّنِ وسَاكِنُ التعَابيّر، حيثُ تشعبَ الإرهَاقُ عَبرَ سَائِر بَدنِه، بِدايَةً مِنْ أرِوقَهِ ذهِنهِ وَحتىَ كَعبِي قَدمِه. مِنْ وِجهَةِ نظَرهُ الإنهَاكُ الذِي يَعتِريه يُمَاثِلُ ضرَاوَة النَارَ فِي الهَشيِمْ حِينَ تَشتَعِل؛ لَنْ تَخمدَ سوَا بَعدمَا تُهِلك مَا يُحِيطُهَا.
القىَ كاثان نظرةً سريعة نحو الأسفَل، قبل أن يمررَ إبهامه علىَ اللطخة فوقَ زجاج ساعتة الباهظة، عيناةُ الرماديتان تخترقانِ الأرقامُ وعقاربُ الساعة بتركيز.
١٥ : ١٥
نَفثَ كاثَان زَفِيرًا سَاخِرًا؛ فلم يَكُن امِرؤٌ يَهوىَ العِشقَ ومَا يقرنهُ مِن مُفردَاتٍ آخَرى. ما مَرَ بهِ سَابِقًا أكَد له أن الحُبَ لَيس سِوَا خُرافَةٌ مُغرِيَه تتنَاقَلُ عَلىَ ألسُنَةِ الأغبياء، لِيتنهَدَ تزَامنًا مع توَقُفِ المصعد بُغتَةً، حَيث انتَشِلهُ صَرِيرهُ من شَريِط ذِكريَاتِه، قَبلَ أنَ ينضمَ شيءٌ آخَرٌ إليه، شَيءٌ رنتهُ مُغريَة..
دَقُ كَعبٍ صاخِب عَلىَ الأرِضيَة المَعِدَنيَة.
حَدَ كَاثَانْ بَصرَهُ إِلىَ المرَأةِ الَتِي دَلَفتْ نَاوِيًا تَفحُصهَا بُسَطحِيَة، لَكِنَه سُرعَان مَا أدرَك أنَهُ قَد يَعلَق فِي شِبَاكِ فِتنتهَا. كَانَتْ مَلِحَيةٌ كالحُورِيات، وَكَان لَعيَنيهَا درَجَةٌ لَانَظِيرَ لَهَا مِنَ الزُرقَة.. دَرجَةٌ لَم يَقوىَ على وَصِفهَا، لَكِنهُ شك بأنَهَا قَادِرَةٌ عَلىَ إغِرَاق مَن يَلمحهَا حيًا.
وإضافَةٌ إلىَ هذَا، كَادَ يُرَاهِن بمُدَخرَاتهِ أنَ مَلبَسِهَا المُترف ذَاكَ قَدْ يَدفَع مَلكَتهم –إليزَابِيث الثَانِيَة– إلِىَ الإفلَاسِ إن فَكرَت فِي شِرَاء مَا يُمَاثِله.
إذًا هِىَ من ذَاكَ النوَع، ارجَعَ كاثَان رَأسَهُ خَلفًا فِيمَا يَسدِل جَفنِيه لِمرَةٍ آخرىَ، مُكَتفِيًا بِمَا رَآه.. نَقِيضُ لِيلِيثْ التِي سرِعانَ مَا استندَت عَلىَ الجِدَارِ الصُلبِ جورَاه، مُعلقَه بَصرَهُا علَيه.
لم يَكُن حضُورَهُ هَيِنًا أبَدًا، ووجب عَليهَا الإعتِراَفُ بِهَذا؛ إذ كانت تَلُفَهُ هَالَةٌ من الهدُوءِ التي دفعت نَبِضهَا للإختِلاج.
تفَرَست مِحيَاهُ عَنْ قُربٍ أكَثرَ بِلَا حيَاء رَيثمَا تَعقِدُ ذِراعَيهَا عَلىَ صدَرِهَا؛ وقَد انهمَلت خصلَاتهُ الحَرِيرِيَة عَلىَ جَبينِه فِي تَموُجَاتٍ رَقِيقَه، ابرزت بُحلكهَا هَالَاتهُ الشَاحِبَة وَرموُشهِ الَتِي طوَقَت جَفنِيه كِستَارٍ مُقدَس.
كَانَ آسِرٌ عَلىَ الرَغمِ من أنَهُ بَدَا بَاهِتًا مُقارنَةً بِمَا يُحِيطهُ.. تمَامًا كَالظلال، يَلُفَهُ الديجُور، ضبَابِيٌ وليس سِوَا صَدىَ لضيِاءٍ خَفُت وَهَجهُ.
لكنه يظل فَاتِنًا بطرَيقَةٍ مَا.. بطرَيقَةٍ أشعرَتَهَا أنهَا حُورِيَةٌ وَهُوَ غَرِيقُهَا الَذِي يُنَادِيهَا من عُمِقِ المِحِيطَاتْ، وَلِوهَلهٍ وفِيمَا تُحِدق بِه، ابتَغت أنَ تُدَاعِبَ فَكَهُ المَقبوُضِ بإمتِعَاضٍ قُبَالَتهَا، فقط حَتىَ تُحِس بحِدتهِ تَحتَ أنَامِلهَا.
"يُمكِنُكِ التِقَاطُ صُورَةٌ مَا إن كُنتِ يائسَة، سَتدوُم أطول." تَمتَمَ كاثَان بِنَبرَةٍ يَحُدهَا الاِنزِعَاج، فَكَهُ يَنبِضُ فِيمَا يَنزَاحُ بَبِدنهُ عَنهَا لَتَوسيِعِ المَسَافَةِ بينَهُمَا، كمَا وإن كَانَ قُربهَا هَذَا قد يَحرِقُه.
وقتذَاكْ تَفَشىَ السكون بَعدَ جُمَلتِه بُغتَةً مِثلما آمَل، لِيُرخِي كَاثَانْ بدَنهُ برِضَى، مُتَكَهِنًا أنَهَا لم تُعقِب علىَ تعليقِه مِن شِدَةِ حَيَائهَا، إِلَا أنَ ليلِيثْ سُرعَانَ مَا ضربت بِتَوَقُعَاتهِ عَرضِ الحائِط فَورَمَا استَشعَرَ ثُقِل هالتها جواره، مُقترَبةْ مِنهْ أكَثَر عَنْ السَابِق.
تَنَهَدَ كاثَان بقِلَةِ صَبرٍ ثُمَ رَسىَ بِنظَرهِ عَلَيهَا –حَيثُ لَاحَ وهَجٌ مِنَ الحِيرَةْ عَبرَ حَدَقتِيه–، وَأوَلَ مَا قَابَلهُ كَانَتْ بَسمَتُهَا المَاكِرَه، مِمَا أعلَمَهُ أنهَا لَمْ تَكُنْ خَجِلَه مِنْ إجَابِتهْ، بَلْ كَانَتْ تَنتَظِرُه لُيقَابِلَ بَصَرِهَا.. تَتَرقَبُ تَحدِيقَهُ بِهَا، فَقَط حَتَىَ تُطَالِعَهُ بهَذهِ النظرَات— نَظرَاتٍ آسِرَه، وَاثِقَه.
مَالَت لِيلِيثْ برَأِسهَا نَحوَهْ، قَبَلَ أنَ تُجِيبَهُ بهدوُءٍ فِيمَا ترِسمُ بَسمَةً عَذبَة عَلىَ فَاهِهَا، "يَصعُبُ عَلىَ أَحَدٌ لَومِي؛ فَمَعرِضِ صُوَرٍ كَامِل لَنْ يُنصِفَ فِتنَتَكْ."
عَقَدَ كَاثَانْ حَاجِبَيهِ بِتَشوُشٍ مُبِينْ رَيثَمَا يَتَجَهَزُ لِلَردِ عليهَا، إلَا أنَهُ سُرعَانَ مَا عدل عَنْ رأيِه، مُختَارًا الصَمتْ. هُوَ لَم يكُن علىَ درايةٍ تامَة بالسبَبِ الَذِي مَنَعهُ مِنْ تَمطِيطِ حَديثَهُمَا أكَثَرْ، لَكِنَهُ وَخِلَالَ لقَائِهُمَا القَصِيرُ هَذَا، دَقَتْ هَذهِ المَرأةْ جُلَ نوَاقِيسِ الخَطَرِ فِي ذهنِه، عِظَامهُ كَانَتْ تُحَذرِهُ مِنهَا، وَغَرِيزَتهُ لَم تُخطِئ يومًا.
توقَفَ المِصعَد لمرةٍ آخرىَ، ثم شرعت أبوَابهُ فِي الإنْفِتَاحْ، تزَامُنًا مَعَ وقوُفِ ليليِث بإعتدِاَل عَلىَ قَدمَيهَا، مَوعِدُ رَحُيلَهَا حَانْ وَتحتَمَ عَليهَا الخُروجْ الآنْ، لَكِنْهَا لَنْ تُنهِي لقَائهُمَا بهَذهِ السهُولَةْ.. لَا، وَجَبَ عَلَيهَا أنَ تَسكُنَ ذهِنَهُ لأسَابِيعٍ بَعدَ مُغَادَرتِهَا.
لِذَا وَحَتىَ تَتُركَ انطِبَاعًا يَصعُبُ نِسيَانُه؛ مَالَتْ لِيْليّث نَحوَهْ حتىَ تلامسَ كتفيهمَا، قَبلَ أنَ تَهمِسْ جِوَارَ فكِه رَيثَمَا تَلفحَهُ أنفَاسُهَا كنَسِيمٍ رَبِيعِيْ لَيِنْ، "يَبدوُ أنَ لِقَائُنَا يَنتهِي هُنَا، يَا مَلِيحُ الطَلَة." ثُمَ سُرعَانَ مَا شَقتْ سَبِيلُهَا مُتَخطِيه بدَنهْ إِلىَ الخَارِج.
حِينَهَا فَقَطْ تَصَلَبُ بَدَنُ كَاثَانْ كما وإن سُكِبَ عَلِيهِ دَلوٌ مِنَ المَاءِ البارِد؛ إِذْ ظَلَ ثَابِتًا كَالصَنم فِي مَوضعهِ مُحَاِولًا تَشَرُب حرَكِتهَا تِلك، وَلَيسَ لأنَهَا أثرَت عَلَيه— أَو حَتَىَ بِمَا نَادَته، بَل لشَيءٍ آخَرَ تمَامًا، شَيءٍ سَلَبهُ أنفَاسهُ لمرَةٍ آخَرىَ وبالحِدَةِ ذَاتِهَا.
عَبُقهَا الشَذِي؛ عَبقُ الزَهِرِ، الزِنبَقِ وَالشَاي الَأرِجْ، الَذِى جَاشَ عَبرَ أنَفهِ كَعَقَارٍ مُخَدِرْ فَورمَا جَاورَتهُ ببَدِنهَا، وَفَاحَتْ رَائُحتُهَا مُخدِرَه حوَاسُه.
اعِتدلَ كاثَانْ فِي وقَفتهِ كمَنْ صُعِق، لتتلاقىَ أنظَارُهُمَا بُغتةً، حَيثُ وقَفتْ هِىَ علىَ الجَانبِ الآخَرْ فِي سكوُن بغدما خَرَجت مِنَ المَصعَدِ، كمَا وإنْ كانت علىَ علمٍ بمَا يَدورُ فِي ذهنِه.
حَدَجَهَا ذِي الخصُلاتِ الفَحميَة بنظرِه، ليرتسِمَ علىَ ثغرهَا بسمَةٌ أخِيرَة قبلَ أَنْ تَختَفِي فِي طُرفَةِ عَينٍ كَالفرَاشَة، مُتوَارِيَه خلفَ بابَ المصَعدِ الذِي اُقفِلَ كُليًا.
تَنهَدَ كَاثَانْ مُمَسِدًا جِسرَ أنفِه بإرهَاق، هِىَ –أيًا من كانَت تِلكَ المرَأةْ– لُغزٌ تعذرَ عَنه، وإنْ صَدُقَ القَول لن يسَعىَ لحَلِه.
5 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.