موقر البحار
موقر البحار
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

الشروق 01

"في الماضي البعيد، لم تكن إلا الحرب، وفي المستقبل البعيد لن تكون إلا الحرب، وبين الماضي والمستقبل، وقفت الجزائر... محمية بالله"

مدينة وهران سنة 1792، الملك الإسباني كان قد سئم من عناد الجزائريين لاستعادة مدينتهم فأرسل أسطولاً بحرياً مكوناً من سفن الغاليون، ضخامة السفن ومدافعها الثقيلة جعلت كل من رآها راكعاً من الرعب، قوة غازية لإخضاع الجميع، ولكن في فجر ذلك اليوم حيث كانت الأمطار تهطل بغزارة مرعبة والصواعق في أوج غضبها، بينما الريح تغذي الأمواج لتزداد عنفاً، تقدمت سفن شراعية صغيرة، مجابهةً العاصفة والأمواج التي تقسم الجبال، مستخدمين ضوء الرعد كمرشدهم، لقد فعل الجزائريون ما لم يخطر على بال أحدٍ، لقد هاجموا أسطول الغاليون، لقد هاجموا الإسبان قبل أن يشحنوا مدافعهم، لقد هاجموهم قبل أن يلتفوا ويتجمعوا، ومن هو مهندس هذه الخطة المجنونة؟
بحار شاب،
رجاله يلقبونه بـ "حميدو".
قبل ست سنوات...
"السعي لنا" كان يمشي بين الطاولات ويردد
"والرزق من الله" كانوا يردون عليه بينما القصيص يهمين على الورشة
حيث في كل طاولة كان يجلس أربعة رجال، منهم من كان يقيس طول الأقمشة ويرسم الحدود عليها بالطباشير، ومنهم من كان يستعمل المقص على القماش كأنه يمشي على أنامل قدميه، كان محمد الذي بدأ الشيب يمشي في رأسه يتفقد ورشته وعماله طاولة بطاولة ولكن جل تركيزه كان على الطاولات التي في الخلف حيث لا يُسمع صوت مقص ولا كلمات. هناك أين كانت تجري زخرفة وتطريز الأقمشة والألبسة، كانت أصابع حميدو الصغيرة ترتجف بينما يقوم بإدخال إبرة الخياطة في القماش ويسحب الخيط بسرعة، بينما كان العرق ينزل من على جبينه
"لم يتبق الكثير... فقط قليلاً بعد" كان يقول في نفسه
وبينما أراد أن يدخل إبرة الخياطة مجدداً إذ أحدهم يمسكه من يده، رفع حميدو رأسه وإذا به محمد صاحب الورشة
"أبي؟"
"ماذا تفعل يا حميدو؟" قال بنبرةٍ باردة بينما يحدق في السترة التي بين يدي حميدو
"أنا.. أنا.. يجب.. أن أنهي هذا" رد حميدو بتلعثم حيث كانت نظرات أبوه قد جعلته يشعر أن جسمه قد تخدر.
وقف محمد للحظة وارتسمت أمارات البرود على وجهه، ثم مدَّ يده وأخذ اللباس من على طاولة حميدو
"ستفسد القفطان إذا واصلت هكذا"
"لكني.. وعدت السيدة.. لقد وثقت بي"
"وكنت على وشك أن تخون تلك الثقة بتسرعك" رد محمد بملامحٍ جامدة
ثم التفت إلى الرجال في الورشة ونادى فيهم
"اسمعوني يا شباب"
توقف صوت المقص وصوت الطباشير على الطاولات والتفتت العيون إلى محمد
"قال نبينا الكريم" قال محمد بنبرة حادة
وضع الجميع يدهم على صدرهم وعقبوا
"صلى الله عليه وسلم"
"إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" قال محمد بصوت هادئ ثم واصل
"إن إتقان وحسن عملكم سوف يكون شاهداً لكم في الآخرة، فمن أراد حب الله فالسبيل بيّن"
فرد عليهم الشباب بصوتٍ واحدٍ
"على العين والراس"
فأشار بيده لهم أن يواصلوا عملهم ثم التفت إلى حميدو، الذي بدوره كان ينظر الى إبرة الخياطة بعينين فارغتين، وضع محمد يده على كتف حميدو وتهللت أسارير وجهه
"لا تشرد كثيراً ولا تلم نفسك"
"لكن.." رد حميدو
"انسَ أمر القفطان، لدي مهمة لك"
استدار محمد وسار بين الطاولات واضعاً يديه وراء ظهره
"اتبعني يا حميدو"
مرر حميدو يده على القفطان وتأمل ملمسه الحريري وخيوطه الذهبية لمرة أخيرة، مسح العرق من على جبينه وتبع أباه إلى مكتبه.
بينما كان محمد يقوم بإرجاع القطارة فوق خزانة من الخشب، دخل حميدو ولكن فور دخوله أخذ نفساً عميقاً بسبب المئات من الأقمشة التي تنقع في طين القصارين ومزجت رائحته برائحة مئات الكتب الموجودة على الرفوف، حيث شعر حميدو بالدفء غصباً عنه، وتوقف شرود حميدو بصوت رنين الأساور، حيث وضع محمد كيساً أسود صغيراً محكم الإغلاق فوق الطاولة أمام حميدو، الذي بدوره كان ينتظر كلمات أبيه
"هذه أساور خالتك الزوهرة، أنا مقيد بالعمل اليوم" تحدث بهدوء بينما يعدل عمامته، ثم واصل
"هذه أمانة لك، هل تستطيع إيصالها؟"
نظر حميدو إلى الكيس للحظة ثم تشكلت في وجهه رصانة بالغة
"بالطبع أبي"
"عد إلى المنزل قبل صلاة الظهر" رد محمد بنبرة هادئة ونظرة حادة.
فور خروج حميدو إذ به يضع يده أمام عينه ويدير رأسه بسبب الانعكاس الشديد لضوء الشمس من الجدران المطلية بالجير الأبيض الناصع. وقف للحظة وبدأ يتفقد قميصه
"هل أنا أتعرق؟"
ثم نظر إلى كلتا يديه حيث بدأت ترتطم بهما قطرات خفيفة متلاحقة من الماء، نظر إلى السماء إذ بدأت تمطر وكأنها تهمس. وقف حميدو ينظر إلى السماء وإلى الشمس وعلامات الاستفهام على وجهه، ونظر بعينين فارغتين للحظة قصيرة
"إذن هذا ما كانت تعنيه أمي، هذا هو عرس الذئب"
ثم وضع كلتا يديه على خصره
"بالتفكير في الأمر، هل هناك حقاً ذئاب في مدينة القصبة؟"
"لا يهم، علي ألا أخيب ظن أبي"
بينما انطلق حميدو مسرعاً، كان محمد يتفقد القفطان الذي أوكله من قبل لحميدو، حيث مرر أصابعه على تطريزاته غير المكتملة وكان يومئ برأسه ويقول في نفسه
"برغم أنه ناقص ولكنه عمل ممتاز بالنسبة لطفل مبتدئ، أحياناً عناده يعود بالمنفعة عليه"
ثم رفع القفطان وتأمله للحظة
"أظنه يمتلك الموهبة"
أشعة الشمس التي حجبها حميدو بيده من قبل، لم تعد تجد طريقاً مستقيماً إلى الأرض، بفضل الساباط الذي كان عبارة عن قوس حجري يربط بين بيتين وجدرانهما المتراصة، وفي نفس الوقت يرمي بظله الأسود على الأرض. كان حميدو ينزل بتأنٍ من على الدرج الحجري الأملس، ولكنه توقف عند منعطف بجانب من الخشب الداكن ومؤطر بالرخام، نظر إلى الأرض بعينين فارغتين للحظة ثم واصل مشيه بخطوات بطيئة وقصيرة بينما يتلفت يميناً وشمالاً، يتفقد الزقاق الملتوي والدرابزين الخشبي الذي يزين شرفات المنازل،
"يا ولدي، أأنت ضائع؟"
قاطعته كلمات رجل ظهر من ورائه، التفت حميدو له ونظر إلى برنوسه ناصع البياض وإلى عمامته المطرزة باللون الذهبي، ثم استدار وواصل مشيه ولكن الرجل قاطعه مرة أخرى
"هل تحتاج مساعدة؟ هذا الطريق يؤدي إلى باب الواد يا بني"
رفع حميدو يده وكفها مفتوح في وجه الرجل ونظر إليه بملامح باردة، ثم أشار بإصبعه إلى طريق باب الواد متبسماً
"إنه قادم يا عمي" رد حميدو بينما كشفت ابتسامته العريضة جميع أسنانه
"ما خطب هذا الشقي، هل ضرب رأسه بشيء ما؟" قال الرجل لنفسه
"لكن مهلاً" تجمد الرجل في مكانه
"هل يمكن أن رجال كارا لاحقوني حتى القصبة؟"
ثم نظر إلى حميدو بحدة وحذر وتفحص بعينيه سترته القصيرة وسرواله الفضفاض
"في تلك المرة استعمل كارا راهبات لقتل رجالي، إنه مجنون، لا أستبعد أنه يمكن أن يستعمل الأطفال"
كشف الرجل عن الخُدمي وهو خنجر مثبت في غمده المطرز بكلمات عربية، المغروس بين طيات حزام عريض حول خصره
"من قادم؟" سأل الرجل حميدو بينما نظر حوله بدقة وبملامح صارمة
في تلك اللحظة ظهر من وراء المنعطف طفل، لا يتجاوز العاشرة، على رأسه طاقية صوفية قرمزية مائلة، وفي يده سلة من القش وفوقها قطعة قماش قرمزية تتصاعد منها أبخرة بيضاء رقيقة وكان ينادي بصوت عالٍ
"خبز ساخن، خبز باب الواد ساخن، هيا، هيا خبز ساخن"
فتح حميدو ذراعيه كأنه يريد عناق الطفل
"وأخيراً، كدت أن أموت من الجوع"
"هذا الشقي حقاً ضرب رأسه بشيء ما" قال الرجل لنفسه بعدما خفض كتفيه المشدودين وأطلق زفيراً طويلاً بينما أخفى الخنجر تحت برنوسه مجدداً.
تجمدت عينا حميدو في تفاصيل أرغفة الخبز الذهبية المستديرة، واتسعت حدقتاه، فمه مفتوح بشكل طفيف بينما ابتلع ريقه ببطء. انتزع حميدو نظراته المتعلقة بقطعة الخبز بسرعة وأطبق فمه بعدما قاطعته كلمات الطفل يسأله إن كان يريد الشراء
"ما باله؟ يبدو كشخص استيقظ للتو من حلم عميق" قال الطفل لنفسه بينما أمال رأسه إلى الجانب قليلاً دون أن يزيح عينيه عن حميدو، تفقد حميدو جيوب سرواله سريعاً، ثم جيوب قميصه فلم يجد سوى الأمانة التي أوكلها له أبوه، تجمد في مكانه وغاصت عيناه في الأرض
"لقد نسيت نقودي..."
وقبل أن يدرك حميدو كان كل من الرجل والطفل قد رحلا، وبقي هو واقفاً عند المنعطف بكتفين منحنيين ويديه مرتخيتين على الجانبين ويستمع إلى صوت القرقرة المتصاعد من بطنه
"آه يا أبي، لماذا اخترت وقت الغداء لتكلفني..."
"لكن.. مهلاً.. لماذا لا زلت أشم رائحة الخبز؟"
"حميدو؟ ما الذي تفعله هنا؟"
التفت حميدو نحو امرأة تقترب منه بخطوات بطيئة وعيناها مثبتتان على الأرض بينما انعكست أشعة الشمس من على قماش الحرير ناصع البياض الذي لُف حول رأسها وكتفها بينما ترفع يدها اليمنى لتحكم قبضتها على العقدة عند خصرها، حجب العجار المطرز ملامح وجهها ولم يظهر منها سوى لمعان عينيها وسط بياض طاغٍ
"خالتي فاطمة؟" رد حميدو بينما ارتسمت بسمة على وجهه وعدل كتفيه
"كيف حالك يا بني؟ كيف حال أهل الدار؟"
"بخير يا خالة، الحمد لله" رد حميدو بينما عيناه مثبتتان على القفة التي تحملها الخالة فاطمة
"الحمد لله يا بني، هل تحتاج ال..." قاطعت كلمات الخالة فاطمة قرقرة صادرة من بطن حميدو
"أظنك حقاً تحتاج إلى المساعدة" ضحكت الخالة بينما احمر وجه حميدو وانحنى رأسه
أزاحت القماش الأخضر الذي كان يغطي ما في قفتها، اتسعت حدقتا حميدو حيث لمح أرغفة الخبز الذهبية المستديرة والمزينة بحبة البركة وأخذت نصف رغيف
"لا عليك يا خالة، سأعود إلى المنزل و..." رد حميدو حيث وضع كفه على صدره ووجهه محمر مع ابتسامة خفيفة
"خذها يا حميدو، لا تحرجني، علي أن أذهب مريم تنتظرني" ردت الخالة بينما عدلت عجارها
"شكراً يا خالة أطال الله عمرك"
"لا تنسَ أن تبلغ سلامي لأهل الدار" ردت الخالة بينما ابتعدت عن حميدو بخطوات سريعة

"سحقا على أن أُسرع ، سيوبخني المعلم مجددا"
كان منطلقا بسرعة بين الأزقة الضيقة و المتعرجة لمدينة القصبة و يخفف وطأة قدمه في أخر لحظة ليتيح لعابرٍ فرصة الخطو
"لماذا علي أن أعمل و جميع الفتيان في سني يدرسون و يلعبون؟" فكر مصطفى بينما قفز بمرونة متجاوزا ستة درجات دفعة واحدة ليلمح البحر للحظة قصيرة و هو في الهواء قبل أن تصطدم قدماه بالأرض و يواصل إندفاعه ’ تجاوز ببراعة عربة حصان كانت مركونة على جانب الممر و إنسل بين رجلين كانا يتحدثان ، و استدار بنصف لفة سريعة ليتفادى رجل عجوز عابر
" لا تجري يا هذا ، أخ الأطفال هذه الايام " وبخه العجوز بنبرةٍ حادة
" أسف يا عم " رد أمير بينما عيناه مثبتتان على الممر
" أحتاج الى المال الكافي حتى استطيع أن ألتحق بمدرسة مازونة ، علي أن أثبت للجميع عكس ما يقولون عني "
زاد مصطفى من إندفاعه
" هذا المنعطف المؤدي الى باب الواد ، إقتربت من شارع النجارين "
الارض تحت قدميه كانت تنحذر، راى حميدو و رغيف الخبز في يده ، أراد أن يتجاوزه كما فعل من قبل مع العجوز لكن لم يستجب جسده له، لم يستطع أن يبطأ من وتيرته و في تلك اللحظة إصطدم الإثنين ، كان رغيف الخبز قد طار في الهواء ، رأئ حميدو السماء ثم الساباط ، كان الحجر المقوس يتحرك فوقه بينما هو يتحرك تحته قبل أن يسقط على ظهره و يتجمد جسده من الصدمة و في الجهة الأخرى سقط مصطفى على كتفه و شعر كأن الهواء خرج من رئتيه دفعة واحدة ، و لكن سرعان ما دفع الارض بكفه و نهض بسلاسة ، بينما حميدو حاول أن يرفع نفسه ، لكن جسده كان ثقيلا و رؤيته مشوشة، ضوء الشمس الذي تسلل من حافة الساباط جعل مصطفى يمد يده دون إرادته ، تحرك نحو كيس اسود كان بجانب حميدو ، حيث إنفتح قليلا عند طرفه ليلمح مصطفى أساور من ذهب، بينما إستعاد حميدو رؤيته و حاول الوقوف إتسعتا حدقتي عنيه حيث رأى مصطفى يحسب عدد الأساور في الكيس
" أعده إنه لي " صرخ حميدو بنبرةٍ حادة
نظر إليه مصطفى يعينين باردتين ثم إلتفت و إندفع باقصى سرعة ممكنة
" سأقتلك يا هذا" قال حميدو بينما ضغط بشدة على اسنانه حتى برز عرق على جبينه قبل أن ينطلق مسرعا وراء مصطفى.

6 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.