وضع القراءة:

الفصل الاول:

الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، ومقر العمليات الخاصة مكنش فيه صوت غير رنات التليفونات، وخطوات الضباط المستعجلة، وصوت الأجهزة اللي بتنقل معلومات متلاحقة عن عملية محدش كان يعرف تفاصيلها كاملة.
على الشاشة الرئيسية، ظهرت صورة مستودع ضخم في منطقة صناعية معزولة، حواليه عربيات مراقبة، وكاميرات، ونقط حراسة متوزعة بشكل يوضح إن المكان مش مجرد مخزن عادي.
وفوق الصورة ظهرت كلمة واحدة:
الشبح.
الاسم اللي بقاله شهور بيتكرر في تقارير سرية، وورا كل تقرير منه خيط جديد لقضية أكبر، وشبكة محدش قدر يوصل لقلبها لحد دلوقتي.
جوه قاعة الاجتماعات، كان الوزير واقف قدام الشاشة، وحواليه مجموعة من كبار الضباط. محدش فيهم كان بيتكلم كتير؛ طبيعة الاجتماع لوحدها كانت كفاية توضح إن اللي جاي مش مهمة روتينية.
أحد الضباط حط ملف على الطاولة وقال:
— المعلومات الأخيرة بتأكد وجود تمانية محتجزين جوه المستودع. أربع بنات وأربع شباب. وفيه مؤشرات إن الشبح بنفسه متابع المكان.
الوزير بص للصورة شوية، وبعدها سأل:
— وأي محاولة سابقة للوصول له؟
الضابط رد:
— كل المحاولات فشلت يا فندم. الراجل بيسبقنا بخطوة، وكل مرة بنوصل فيها لمكان، بنكتشف إنه كان مجهز خروجه من قبلها.
الوزير قفل الملف بهدوء.
— المرة دي مش هنسمح له يختفي.
في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح.
مراد السيوفي وصل.
دخل بخطوات ثابتة، مرتدي بدلته الرسمية، وملامحه مفيهاش أي تعبير ممكن يتفسر بسهولة. طويل، عريض الكتفين، ونظرته حادة لدرجة إن اللي يقف قدامه يحس إنه بيتوزن من أول ثانية.
الضباط اللي كانوا بيتكلموا سكتوا بالتدريج.
مراد السيوفي، اسم لو اتذكر في مقر العمليات، الكل بيحسب كلامه قبل ما ينطقه. قائد صارم، ذكي، وصعب تتوقع خطوته الجاية. نفوذه مش بس في رتبته أو اسم عيلته، لكن في تاريخه اللي أثبت فيه إنه مش بيدخل معركة إلا وهو عارف إزاي ينهيها.
لكن أصعب حاجة في مراد مكنتش قوته… كانت قدرته على إخفاء اللي جواه.
ضابط شاب مال ناحية زميله وهمس:
— هو السيوفي بنفسه اللي هيمسك العملية؟
زميله رد من غير ما يرفع عينه عن مراد:
— لو موجود هنا في الوقت ده، يبقى الموضوع أخطر بكتير من اللي وصلنا.
مراد سمع الهمس، لكنه متوقفش عنده. اتقدم ناحية الوزير، وأدّى له التحية العسكرية باحترام واضح.
— تحت أمرك يا فندم.
الوزير رد التحية، وأشار له يقف في المكان المخصص.
— اتفضل يا سيادة العقيد.
مراد وقف قدام الشاشة، وبدأ يراجع صور المستودع من غير ما يفوّت تفصيلة.
وقبل ما الوزير يبدأ كلامه، باب القاعة اتفتح مرة تانية.
دعاء الأنصاري.
دخلت بخطوات ثابتة، وملامح هادية، وعينين بتبص لقدام بثقة من غير ما تحتاج تلفت انتباه حد.
دعاء الأنصاري… اسم كفيل يغيّر نبرة الكلام في أي مكان تدخله. شخصية استثنائية، حضورها طاغي، ونظرتها وحدها كفيلة توصل رسالة من غير حرف واحد. مابتخضعش للضغط، ومابتتراجعش عن قرار مقتنعة بيه، وفي الميدان خصم محدش يتمنى يقف قصاده.
هيبة دعاء مكنتش في رتبتها… هيبتها كانت في اسمها.
همس أحد الضباط:
— الأنصاري كمان؟!
رد عليه زميله:
— واضح إن الوزير مش ناوي يسيب حاجه للصدفه .
دعاء عدّت من قدامهم من غير ما تلتفت للهمسات، لحد ما وصلت لمكتب الوزير. أدّت له التحية العسكرية، والوزير ردها باحترام.
— اتفضلي يا سيادة العقيد.
— شكرًا يا فندم.
وقفت دعاء قدام الشاشة، وبدأت تراجع الصور المعروضة. وبعد لحظات، عينيها اتقابلت بعيني مراد.
نظرة قصيرة، باردة، مفيهاش أي ترحيب.
مراد رجع بعينه للشاشة كأنه مشافهاش، ودعاء عملت زيه.
لكن اللي حصل في اللحظة دي مكنش غريب على الموجودين.
الغريب كان إن الاتنين واقفين في نفس القاعة من غير ما حد فيهم يعلن حربه على التاني.
العداوة بين مراد السيوفي ودعاء الأنصاري مكنتش سر، ولا خلاف مهني بسيط بين اتنين اختلفوا على خطة.
دي حرب بقالها فترة طويلة، والكل في مقر العمليات عارفها.
من يوم ما بدأت المواجهة بينهم، وكل واحد فيهم بقى ليه موقف واضح من التاني. قرارات مراد كانت بتقابلها قرارات من دعاء، وتحركات دعاء كانت بتفتح باب لمواجهة جديدة مع مراد. وكل محاولة من اللي حواليهم لتهدئة الأمور كانت بتنتهي من غير نتيجة.
في اجتماعات سابقة، مجرد اختلافهم على تفصيلة واحدة كان كفاية يقلب النقاش لمواجهة حادة، وفي مهام اتطلب فيها إعادة توزيع الفرق عشان يتجنبوا العمل تحت قيادة واحدة.
ومع الوقت، بقى وجود اسم واحد في تقرير مرتبط باسم التاني سبب كافي يخلي الضباط يتوقعوا مشكلة.
مش لأنهم مش أكفاء؛ بالعكس، كل واحد فيهم كان من أقوى القيادات في الجهاز.
لكن لأن الحرب بينهم بقت أكبر من خلاف على شغل، ومحدش كان عارف إيه اللي ممكن يحصل لو اتحطوا في موقف يفرض عليهم يتعاونوا.
عشان كده، لما الوزير رفع عينه عن الملف وقال:
— دلوقتي بعد ما الكل وصل، نبدأ.
الكل سكت فورًا.
الشاشة اتغيرت، وظهرت صور تانية للمستودع من زوايا مختلفة، وبعدها صور لأشخاص مجهولين ولقطات لحراسة مسلحة بتتحرك في محيط المكان.
الوزير أشار للشاشة.
— الشخص اللي قدامكم معروف باسم الشبح. لحد دلوقتي، هويته الحقيقية مش مؤكدة، لكن عندنا أدلة تربطه بشبكة كبيرة مسؤولة عن جرائم خطيرة وعمليات اختطاف وتهريب معلومات. التمانية الموجودين في المستودع ممكن يكونوا مفتاح مهم جدًا للوصول لباقي الشبكة.
قلب صفحة في الملف، وكمل:
— المهمة مش هتكون سهلة. المكان مؤمّن، والمعلومات اللي عندنا ناقصة، وفيه احتمال كبير إن الشبح يكون عارف إننا قربنا منه. المطلوب تحرير المحتجزين، وتأمين خروجهم، والوصول لأي أدلة ممكن تساعدنا نحدد مكانه الحقيقي.
مراد كان مركز في الصور، بينما دعاء بتتابع التفاصيل اللي بتظهر على الشاشة.
الوزير كمل:
— بعد مراجعة التقارير، قررت إسناد القيادة المشتركة للعملية لكل من سيادة العقيد مراد السيوفي، وسيادة العقيد دعاء الأنصاري.
ثانية واحدة من الصمت… وبعدها القاعة كلها اتغيّر حالها.
ضابط رفع عينه للوزير بسرعة، والتاني بص لزميله كأنه مستني منه يقول إنه سمع القرار غلط.
حتى اللي حاولوا يفضلوا محافظين على هدوئهم، ملامحهم فضحت صدمتهم.
مراد السيوفي ودعاء الأنصاري؟
مع بعض؟
القرار مكنش مجرد مفاجأة بالنسبة لهم؛ ده كان آخر حاجة ممكن يتوقعوها.
واحد من الضباط همس للي جنبه:
— هو حضرتك استوعبت القرار ده؟
التاني رد بصوت واطي:
— استوعبته… بس مش قادر أتخيل اللي هيحصل لما الاتنين دول يقفوا قدام بعض في الميدان.
— دي مش مجرد عملية يا باشا. ده كأنه حط عود كبريت جنب برميل بنزين.
— اسكت، الوزير سامعك.
الهمسات اختفت فورًا.
مراد كان ثابت في مكانه، ملامحه مابتكشفش حاجة، لكن عينه اتحولت ناحية الوزير.
أما دعاء، ففضلت واقفة باستقامة، ونظرتها مستقرة على الشاشة، كأنها بتدي نفسها لحظة تستوعب القرار قبل ما تتكلم.
الوزير كان متوقع رد الفعل ده، ويمكن كان متوقع أكتر منه كمان.
بص لمراد وقال:
— عندك أي ملاحظات يا سيادة العقيد؟
مراد رد باحترام:
— عندي ملاحظة بخصوص طبيعة القيادة يا فندم. العملية بالحجم ده محتاجة خط قيادة واضح، وتحديد دقيق للصلاحيات من البداية، عشان أي اختلاف في التقدير ميتحولش لتعطيل وقت التنفيذ.
الوزير هز راسه، وبعدها بص لدعاء.
— وسيادتك؟
دعاء ردت بنبرة ثابتة:
— أتفق مع ضرورة وضوح الصلاحيات يا فندم. خصوصًا إن طبيعة المهمة محتاجة قرارات سريعة، ومفيش وقت في الميدان لإعادة ترتيب المسؤوليات.
محدش فيهم رفض القرار صراحة، لكن تحفظهم كان واضح، والكل في القاعة فهم إن موافقتهم على التكليف مش معناها إن الحرب بينهم انتهت.
الوزير قفل الملف قدامه، وقال:
— أنا عارف طبيعة العلاقة المهنية بينكم، وعارف إن القرار ده مش هيكون سهل. لكن أنا مش جمعتكم لأنكم متفاهمين، أنا جمعتكم لأن كل واحد فيكم عنده قدرات محتاجينها في العملية دي.
نقل نظره بين الاتنين.
— الشبح خصم مختلف، والمعلومات اللي عندنا بتقول إننا قدام شبكة أكبر من مجرد مجموعة مجرمين. أنا محتاج أفضل تخطيط، وأقوى تنفيذ ميداني. وده السبب اللي خلاني أختاركم أنتم الاتنين.
سكت لحظة، قبل ما يكمل بنبرة مفيهاش مجال للنقاش:
— توزيع الأدوار هيتحدد قبل التحرك، وكل واحد فيكم مسؤول عن الجزء المكلف بيه. لكن القيادة مشتركة، والقرار ده نهائي. مش هسمح لخلافاتكم تأثر على المهمة، ولا هقبل إن أي حد فيكم يتعامل مع التكليف على إنه اختيار شخصي.
مراد أدّى التحية العسكرية.
— مفهوم يا فندم.
دعاء أدّت التحية بعده.
— تحت أمرك يا فندم.
الوزير رد التحية، وأنهى الاجتماع.
لكن الصدمة فضلت موجودة في عيون الضباط حتى بعد ما بدأوا يخرجوا من القاعة.
لأنهم كانوا عارفين إن مراد ودعاء ممكن ينجحوا في أصعب عملية، وممكن يرجعوا منها بنتيجة محدش يقدر يحققها غيرهم…
لكن إنهم ينجحوا وهما شغالين جنب بعض من غير ما الحرب القديمة بينهم تنفجر؟ دي كانت الحكاية اللي محدش عارف يتخيل نهايتها.
في الممر الطويل اللي بره قاعة الاجتماعات، الضباط بدأوا يتفرقوا، وكل واحد عنده تفسير مختلف لقرار الوزير.
مراد خرج بخطوات ثابتة، وراه واحد من أفراد فريقه، لكن قبل ما يوصل لمكتب تجهيز الفرق، سمع صوت خطوات جاية من وراه.
دعاء كانت بتقرب.
وقف مراد والتفت ناحيتها.
— أتمنى إننا نقدر نفصل بين اختلافاتنا الشخصية ومتطلبات المهمة يا أنصاري.
دعاء بصت له بثبات.
— طول ما كل واحد ملتزم بدوره يا سيوفي، مش هيكون فيه مشكلة.
— كويس. لأن العملية دي مش مكان لإثبات مين فينا يقدر يفرض رأيه على التاني.
دعاء رفعت حاجبها قليلًا.
— وأنا مش محتاجة أثبت حاجة لحد.
مراد ثبت عينه عليها لثانيتين.
— نشوف ده وقت التنفيذ.
دعاء ردت من غير ما تتردد:
— وقت التنفيذ هو اللي هيحكم.
لفت ومشيت، وسابته واقف مكانه.
مراد تابعها بنظرة جامدة، وبعدها اتحرك في الاتجاه التاني.
مفيش كلمة زيادة اتقالت.
لكن اللي شاف المواجهة القصيرة دي فهم إن احترامهم لقرار الوزير مش معناه إن العداوة بينهم اتغيرت.
هم وافقوا على التكليف.
إنما التعاون الحقيقي، لسه محدش يقدر يضمنه.
في مكان بعيد عن مقر العمليات، كان فيه مكتب واسع غارق في إضاءة خافتة.
راجل قاعد ورا مكتب أسود، قدامه شاشات بتعرض صور المستودع، ومداخل المنطقة الصناعية، وتحركات العربيات في الشوارع المحيطة.
على الشاشة الرئيسية ظهرت صورتان جنب بعض.
مراد السيوفي.
دعاء الأنصاري.
الراجل فضّل باصص للصورتين، وبعدها ابتسم ابتسامة باردة.
— أخيرًا… جمعوكم في عملية واحدة.
الباب اتفتح، ودخل واحد من رجاله.
— كل حاجة جاهزة يا باشا. التمانية موجودين في مكانهم، والرجالة مستنيين الإشارة.
الراجل اللي قاعد رفع عينه.
— والمعلومات اللي وصلتنا عن تحركاتهم؟
— مؤكدة. الاتنين اتكلفوا بالعملية، والتحرك غالبًا هيكون الليلة.
ابتسامته اختفت للحظة، وحل مكانها تعبير غامض.
— يبقى مفيش حاجة هتتغير في الخطة.
— أوامرك يا شبح؟
الشبح رجع بضهره للكرسي، وفضل باصص لصورة مراد، وبعدها نقل نظره لصورة دعاء.
— سيبوا لهم الطريق لحد المستودع. عايزهم يوصلوا بنفسهم، وعايز كل واحد فيهم يفتكر إنه مسيطر على الموقف.
الرجل اتردد قبل ما يسأل:
— ولو حاولوا يخرجوا المحتجزين بسرعة؟
الشبح ابتسم من جديد.
— خليهم يحاولوا.
مد إيده، وكبّر صورة دعاء على الشاشة.
— أنا مش مستني أشوف مين فيهم هيكسب العملية.
وبعدين كبّر صورة مراد جنب صورتها.
— أنا مستني أشوف إيه اللي هيحصل لما الاتنين دول يلاقوا نفسهم في مواجهة حاجة أكبر من شغلهم… وأكبر من العداوة اللي بينهم.
رفع عينه لرجالته، وقال بنبرة باردة:
— جهّزوا المستودع. الليلة، السيوفي والأنصاري هيدخلوا لعندي برجليهم.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— وأنا هكون مستنيهم.
الشبح قام من مكانه، واتجه ناحية الشباك اللي بيطل على المدينة، بينما الصور فضلت منورة وراه.
— كل واحد فيهم فاكر إنه عارف عدوه كويس…
ابتسم ابتسامة غامضة.
— بس الليلة دي، الاتنين هيفهموا إنهم لسه مبدأوش الحرب الحقيقية.
وفي مقر العمليات، كان مراد ودعاء بيجهزوا فرقهم لمهمة اعتقدوا إنهم داخلينها عشان يوصلوا للشبح… من غير ما يعرفوا إن الشبح نفسه هو اللي اختار لهم بداية اللعبة.
8 قراءة
1 إعجاب
2 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (2)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ ساعة
عاااش تحفه الفصل التاني بقا❤️❤️❤️
منذ ساعة
♥️🫰🏻

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.