الفصل [١]
بلدة جمرة. عام ١٣٩٧ هجريًا.
تلك الصبية بلغت عامها السابع عشر، ولكنها لا تزهر بل تذبل، وكان الغسق في وجنتيها أشد حمرة من ذاك الذي في السماء. وكانت قد خرجت من دارها مسرعة تفر إلى خلاص بعيد كنور لم يتقد بعد في نفق حياتها.
وإلى تحت شجرة دردار ضخمة في أعلى التل صعدت بعجلة وغضب تحاذر كي لا تتعثر بأغصان بارزة من التربة الجافة. ولما بلغت العلو إذا بها تركل سلة حصير لامرأة سبقتها إلى ظل الشجرة، لكنها انهارت إلى الجذع وأخذت تبكي بحرقة تفرغ دموعها من عينيها بغزارة مزن أمسكت مئة عام، فلما أفاضت أغرقت روحها.
وصاحبة السلة فغرت فاهها بصدمة بعدما رأت خيوطها الصوفية تتدحرج حولها.
رفعت طرفها باستنكار تُحملق في كتلة الغضب التي ارتمت عن يمينها فوق عشب أصفر، وهي تضم ركبتيها لصدرها وتطوقهما بذراعيها، وتلك اللآلئ المالحة تنهمر بإفراط.
أرخت المرأة يديها البضتين القابضتين على عيدان خشبية فوق حجرها، ثم مدت بصرها لفضاء البادية حائرة، أعادت عينيها ذواتي لون الزمرد إلى الباكية تذمها قائلة: "ما علتك؟ ثم ألا تلقين السلام أو تبسملين قبل الاندفاع كالثور؟ لقد ركلت سلتي. أيحسب بنو آدم أن كل بقعة في الأرض خلقت لهم وحدهم!"
فما لقيت من البنت غير البكاء جوابًا، ما رقّق قلبها وثلمَ راحة بالها. فلفلفت الشال الذي كانت تشتغل فيه حول عيدان الحياكة، ثم انحنَت بجذعها المنحوت وأخفضت رأسها إلى هذه الباكية كثكلى ترثي فقيدها؛ فتحرّرت بضع خصلات دجناء من معقل خمارها الكحلي. مرة أخرى رمشت بجفنيها الناعسين تسترق لمحةً لوجه البنت المتغضّن والذي صار لونه كلبّ الرمان. استقامَ جذعها كالوتد، وتناثرت على ملامحها قطع القلق. قالت بانزعاج شديد: "يا بنت، كفكفِي دمعكِ! ما هذا النحيب المرير!"
لم تجبها، فكيف تجيب سائلةً محجوبة لا تسمع لها حسًّا ولا تلمح لها ظلًّا.
تنهدت المرأة التي ازدانت جفناها بالكحل. لملمت كرات الصوف وأرجعتها إلى السلة عازمة على الرحيل مصطحبة ما بقي من مزاجها الرائق قبل أن تجهز عليه ابنة الطين بنحيبها. وإذ بالفتاة ترفع وجهها الملتهب كجمرة حمراء لتلفظ فيح قلبها المحترق بقهر فراحت تنوح قائلة:
"لماذا علي أن أقبل به؟ وإن كان ابن العمدة أو رئيس البلد أنا لا أريده!! إنه مخيف، وأخرس، وبليد أيضًا! من أي داهية خرج لي ابن الناصر هذا؟! ما يهم أبي شيء بقدر همه بالمهر وأنا لن أكون سلعة ولو حز السيف رقبتي. أريد أن أكمل دراستي وأتحمل أعباء حياتي إن لم يكن هناك من يريد تحملها، لا أريد أن أُؤسر بزوج بغيض يراني خادمة في بيت أهله المنحوسين، كما حصل لأختي البائسة...". وقطع النحيب أوصال كلماتها.
استقام جذع المرأة فبرز طولها الرفيع، وخصر ممشوق يكسوها قفطان كلون الجوري الأزرق من الكتان، حواشيه مذهبة بنقوش نباتية وخمارها الكحلي يفترش ظهرها يتصل بمشبك لوتس يثبته على جانبي رأسها. لوت هذه الحسناء شفتيها الكرزيتين في زاوية فمها اليمنى. أومأت برأسها ثم همست: "فهمت، فهمت! يا أم الدمعة، أهذا ما بعثكِ إليّ فأفسدتِ به خلوتي؟ لا تريدين الزواج."
***
بعد يومين. في الأصيل والشمس تُغمد نصلَ وهجها. أقبلت تلك المرأة بحلّة هرة مليحة، ثلجية الفراء، رأسها مزين بصبغة بنية ضاربة للسواد، كأنها تاج مقوس.
وكانت قد اهتدت إلى دار الفتاة الباكية عبر رائحة عطرها. وثبت على سور حجري لفناء دارهم المفتوح، خطواتها وئيدة ناعمة. تُميل ذيلها الأنيق الرفيع بلون بني. وكانت تتجنب خلال سيرها بخفة أغصان شجرة الليمون المتكئة على الحافة. مدت عينيها المشرقتين باخضرار باهر إلى صحن الدار الحجري في قلبه نافورة تنضخ بالماء.
"همممم، هذا دار أبي سليمان الفخاري. هممممم". أخذت تُهمهم وهي تقعد على قائمتيها الخلفيتين هازة ذيلها الرشيق. تساءلت وهي تضيق جفنيها: "متى سكنت هذه العائلة بلدة جمرة؟ قبل خمسين.. لا ربما ستين سنة. على أي حال لنرى بنتهم هذه التي أفسدت علي جلسة حياكتي".
وبينما هي تتفحص صحن الفناء وتستجم برائحة زهور الليمون، أجفلها صوت انفراجٍ عنيف لبابٍ خشبي، فتنبّهت أذناها الكبيرتان وتوسع بؤبؤها الأسود، تتابع موجة محتدمة تخرج للفناء، وإذ هي تلك البنت تفرّ كمن يفرّ من قسورة، ثم خرج شاب يمسك شيخًا غليظًا عابس الوجه يصرخ مريدًا تلك الهاربة المرتعدة، ثم برزت عجوز مفجوعة وهرعت إلى الفتاة تحميها بضمّها.
شهدت على الخلاف الحاد، الشاب الذي بدا أنه قريب، ربما شقيقها، حميّته هيّجت حمرة وجهه، يحاول السيطرة على غضبه وهو يكلم الشيخ المنفعل، فما لقي منه غير الغلظة بل دفعه وتولى ابنته بصيحة لؤمٍ نزقة: "ابن عمدة البلدة، رجل واسع الجيب ذو حسب ونسب، ترفضينه طاعة لتفاهاتكِ المعشعشة في رأسك يا رسيل! والله العظيم إن لم تنتهي عن عنادكِ أدفنكِ ولا أبالي!!".
عبسَت ولوّحت بذيلها مستاءةً تُتمتم: "لولا الرقيب في السماء يطّلع على كل خافية وظاهرة لصرعتك أيها الشيخ الجاهل!".
ثم قلبت طرفها للفتاة المرتجفة بين أحضان العجوز. غمرتها بإشفاقها قائلة: "إذن اسمك رسيل!". ثم أضافت ولمعةُ استمتاع تُومض في عينيها: "همممممم. ابن عمدة البلدة. دار الناصر إذن.
تذرت في الهواء وانبعث رذاذها لامعًا حول زهور الليمون.
***
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!