قصة بعنوان وقعت في فخ حبه
لم تكن كمثيلاتها من الفتيات؛ لبست رداء العفاف، وأسْدلت فوقه وشاحًا رُصِّع بالحياء. لم تكن غافلة عن أعين العاشقين، ولكنها لم تُبالِ بأي محاولة لغزو محرابها المصنوع من عقيدتها، فهو منهج اعتنقته عن اقتناع. حجبت عن نفسها ملاذ الدنيا، واختزلته في شخص واحد ستأتمنه يومًا، إن جاء ترضاه خُلُقًا ودينًا.
أما هو، فبات يحلم بصغيرة حملها يوم مولدها، ونبض لها قلبه دونًا عن غيرها، ووعدها بأن يكون لها عاشقًا أبديًّا وسندًا فولاذيًّا، حتى وإن لعبت بينهما الأقدار. أبعدتهما المسافات، ولكنه لم ينسَ عطرها الهادئ ووجهها البريء يومًا، ليقرر أن تكون هي، لا غيرها، شريكته في الحياة.
فهل ستكون له؟ أم سترفضه لمجرد أنه شخص غير معلوم بالنسبة إليها؟
بيت الطالبات
مكان كبير مخصص للطالبات المغتربات، يُعرف باسم «بيت الطالبات». سور عالٍ وحديقة خضراء، وباب كبير يفضي إلى صالة واسعة تتسع للفتيات عند تجمعهن لمشاهدة التلفاز. وهناك، على الجانب، سُلَّم يأخذنا إلى الطابق العلوي، حيث الرواق الطويل الذي تضيئه إضاءة خافتة، فتظهر أبواب مغلقة لحجرات مصفوفة على ضفتيه.
وخلف كل باب منها حكايات لمجموعة من الفتيات اللاتي تتفتح زهورهن، فهن في مقتبل العمر، يناشدن النجاح، ولكن بين أضلاعهن قلوب نابضة تخفق مع نسمات الفجر المحمَّلة بعبير الحياة.
تجلس شروق بجوار زميلتيها اللتين تتشاركان معها الغرفة، وتراجع دروسها استعدادًا لاختبارات آخر العام، قبل أن تأتيها مكالمة هاتفية من شقيقتها.
تركت كل واحدة منهن ما بيدها بملل، ليأخذن فترة من الراحة ويتبادلن الحوار والثرثرة، اللذين انقطعا فور دلوف ثالثتهن بوجه باكٍ.
— خير، في حاجة حصلت عندكم في البيت؟
أجابت شروق ببكاء، بعدما دلفت في حال غير الذي خرجت عليه:
— أختي بتعرفني إن بابا وعمي قرروا جوازي من ابنه بعد الامتحانات.
سألتها إحدى المستمعتين بتركيز:
— طب وإنتِ رافضاه ليه؟ في حد في حياتك؟
أجابتها في حيرة، وهي تعتصر عقلها لعلها تتذكر ملمحًا واحدًا لهذا الشخص:
— مش كده، لكن ابن عمي ده أنا مشفتهوش، ولا أعرفه من زمان، ومعرفش حاجة عن أخلاقه. يعني زيه زي الغريب بالنسبالي.
تحمست الأخرى، وهي تضع إصبعها بجانب رأسها في تفكير:
— طب ما يمكن يطلع كويس، وطالما مش مرتبطة، يبقى أحسن من غيره.
تدخلت الأخرى، الصامتة منذ بداية الحديث، لكنها كانت متابعة لكل كلمة، لتقول بدهاء:
— أنا عندي الحل.
انتبه الجميع إليها بإصغاء كامل وترقب لما تود قوله، لتهتف إحداهن:
— طب اشجينا يا أم العريف!
حركت كتفيها بتعالٍ، ودون اكتراث لسخريتهن:
— بصي يا ستي، أظن مفيش حد ملوش صفحة على الفيس. فإنني زي الشاطرة كده، أعملي أكونت جديد واعملي له أَد، وحطي أي صورة يكون فيها غموض علشان تجذبه ويقبل الصداقة بتاعتك، ويا حبذا لو ننزل شوية بوستات مشابهة لمنشوراته، وده طبعًا على حسب هو بينشر إيه.
قالت حديثها، وهن جميعًا يتعمقن في الفكرة، لتردف شروق في شرود:
— تقصدي إني أتواصل معاه وأعرف كل حاجة عنه؟ طب ما هو كل الشباب دلوقتي بيعتبروا المواضيع دي عادية، وهيقبل علشان يتسلى بنفسه. وأنا برضه بخاف من الحوارات دي، وخصوصًا إنها تعتبر حرام؛ لأني هدخله خاص وأحاول أستدرجه.
قاطعتها أماني، صاحبة الفكرة، لتكمل حديثها:
— أنا عارفة برضه إنك هتقولي حرام، بس ممكن يا ستي تدخلي على إنك واحد مش واحدة، يعني رجالة مع بعض، وتتكلموا على أساس تبادل خبرات، وأكيد هو هيبيِّن أخلاقه من غير تحفظ مع واحد زيه!
لمعت الفكرة في عقل شروق، ونظرت إلى صفاء، زميلتها التي شجعتها على السير في هذا الطريق، فربما تصل من خلاله إلى ما يطمئن قلبها.
فهي لم تشاهد مصطفى منذ زمن بعيد، ولا تتذكر أي شيء بينهما، برغم أنهم يخبرونها بأنه كان دائم الشجار معها، وكان يفرض سيطرته عليها؛ مما جعلها تخشى لقاءه، وتتخوف من أن يكون شخصًا جافًّا.
وهذا ما جعلها تهتف برجاء إلى صديقتها:
— صفاء، عليكي إنتِ الحوار ده، إنتوا عارفين إني مليش في المواضيع دي.
أومأت بالموافقة:
— طب هاتي الفون بتاعك.
ثم أكملت، مشيرة إلى أماني:
— وإنتِ اعملي سيرش على الأكونت بتاعه.
قالت أماني بحماس:
— تمام، هاتي اسمه.
— اسمه...
كادت أن تتفوه باسمه، لتقاطعها صفاء قائلة:
— شوشو، في حد باعت رسالة بتقول: «أريد التواصل للأهمية».
سحبت شروق هاتفها باستغراب، وضمّت شفتيها دون فهم لتلك الرسالة التي تأتيها في مثل هذا الوقت. قررت أن تضع صاحبها على قائمة الحظر، ولكن الفضول دفعها إلى فتح الرسالة، بعدما شجعتها زميلتاها على ذلك، وأخبرتاها أن بإمكانها حظر هذا الشخص إذا احتوت رسالته على أي تجاوز.
فتحت الرسالة، لتتفاجأ بأنها ليست الرسالة الوحيدة من هذا الشخص، الذي لم تتوقع أن يكون هو... مصطفى!
سحبت الشاشة إلى أعلى كي تستعرض الرسائل، وبدأت تقرأ بصوت عالٍ حتى تسمع صديقتيها المترقبتين:
— السلام عليكم ورحمة الله.
— أنا مصطفى، ابن عمك.
— عايز أتواصل معاكي للأهمية.
ها هو قد أتاها دون عناء، ودون أن تضطر إلى الدخول إليه بصورة ملتوية. ولكنها، قبل أن تجيبه، قررت أن تدخل إلى صفحته الشخصية أولًا، لعلها تستشف من خلال ما يبثه من منشورات شيئًا يطمئنها من جهته.
فهو بالنسبة إليها شخص غامض، خاصة أن العلاقات الأسرية انقطعت بينهم منذ زمن، بسبب مشاجرات حدثت قديمًا بين الإخوة، وغيرة النساء من بعضهن، مما جعلهم يفترقون.
ولكن عند حد معين، حدثت الصحوة بعد تلك الوصية التي جمعتهم من جديد، وأوصتهم بأن يجتمعوا على تنفيذ أمر واحد، وهو ترابطهم بهذه الزيجة التي أتت على رأسها هي.
أما هو، فمن الواضح أنه يحاول الوصول إليها من أجل هذا الأمر. ولكنها ستتفقد شخصيته من خلال تنقلها بين سطور منشوراته، التي لم تكن سوى بعض الأدعية والصور المتعلقة بالأجهزة الطبية المتنوعة.
فهي صفحة ذات طابع عملي، لا يوجد عليها سوى أشياء متعلقة بالعمل، وتدل على مهنته كمهندس أجهزة طبية.
صفحة هادئة لشاب رزين، فحواراته كلها هادئة مع بعض الأصدقاء، وهناك فتيات يعملن في المهنة نفسها، وتلك التعليقات المتبادلة هي التي أخبرتها بذلك.
ولكن الصفحة العامة تأتي دائمًا كواجهة صورية متجملة، ولا تمثل الحقيقة بشكل كبير.
لا بأس، فهو أولًا وأخيرًا ابن عمها، ولن يحدث شيء إذا تواصلت معه بشكل بسيط، لعلها تصل معه إلى نقطة تفاهم.
— بقولكم إيه يا بنات، أنا هرد عليه، الكلمة على قد السؤال.
— تمام يا روقة، يلا بسرعة، الواحد عنده فضول يعرف هو عايز يقول إيه!
قالتها صفاء بمزاح، ثم أضافت:
— مش عارفة ليه حاسة إني شايفة فيلم شادية وفريد الأطرش بتاع «يا سلام على حبي وحبك، مبنمش الليل من حبك»!
وأخذت تكمل الأغنية، وترددها خلفها أماني.
شردت شروق في مستقبلها المجهول. أمعقول أن يكون تواصله معها من أجل الاتفاق على أمر كهذا، حتى يلتئم شمل العائلة، ويتم توزيع الميراث الخاص بجدهم، والعمل على تنفيذ وصيته؟
زفرت بضيق، وتحدثت بامتعاض إلى هاتين اللتين خرجتا عن صلب الحوار معها، واتخذتا منه مزحة بينهما:
— تصدقوا إنكم بايخين؟ وأنا مش هاخد رأيكم في حاجة بعد كده!
تهافتت الفتاتان لاسترضائها، لتقول صفاء:
— حقك علينا، قلبك أبيض. معلش، القفشة هي اللي حكمت. وعلى العموم يا ستي، حقك علينا، واللي تخافي منه ميجيش أحسن منه.
— فعلًا، «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم». اتوكلي على الله واتواصلي معاه، واضح إنه أون لاين.
قالتها أماني بتفاؤل، فهي تتمنى لصديقتها كل خير، وخصوصًا أنها مختلفة عنهما؛ إذ إن أماني معقود قرانها على ابن عمتها، وتنتظر إتمام الزفاف، أما صفاء فقد خُطبت لجارها الذي تربطها به علاقة عاطفية منذ الصغر. أما شروق، فليس لها في هذه الأمور.
كادت أن تقوم بالرد عليه، لتتفاجأ به يراسلها من جديد:
— أنا استأذنت عمي، ياريت تردي عليا.
— السلام عليكم.
هكذا خطّت أول رسالة، وبعد أن قامت بالبسملة في سرها، لعلها تكون بداية خير عليها.
— وعليكم السلام، إزيك يا بنت عمي؟ أخبارك إيه؟
— الحمد لله، وإنت؟
— أنا بخير طول ما إنتِ بخير.
ترددت في الرد، فجعله ذلك يستشف أنها خجلت، أو ربما أغضبتها كلماته، فأرسل:
— مش إنتِ برضه حتة مني؟ فأكيد لما تبقي بخير، هكون أنا كمان بخير.
كانت رسالته كفيلة بأن تزيدها حيرة وتعجبًا؛ فهي ذات معانٍ كثيرة، ومن المؤكد أنه يريد شيئًا آخر خلف هذا الكلام المعسول.
شعرت بالغضب، وأرسلت:
— ممكن حضرتك تدخل في الموضوع؟ أظن مش معقول تكون بتتواصل معايا وإنت متعرفنيش من الأساس، علشان تقولي كلام زي ده.
رد مصطفى بجدية، وقد راق له ردها الجاد هذا، فهو يعرفها، ولكن بالنسبة إليها هو مجهول:
— طب يا ستي، متزقيش، لينا رب اسمه كريم.
أضحكتها رسالته، رغم غموض شخصيته، مما جعلها تلين في حوارها معه، خاصة بعد تشجيع زميلتيها اللتين لامتاها على تشددها معه في الحديث، فهو لم يُخطئ حتى الآن.
— أظن برضه إنك مش جاي تهزر، وإن في أمر مهم خلاك تكلمني، فياريت تكون واضح.
أجابها مصطفى بالجدية نفسها، فهي محقة، وقد شجعه حديثها على قول ما يريد.
— أنا عارف إنك بتقولي: إيه اللي حدفه بعد السنين دي كلها؟ شروق، أنا يمكن أكون بعدت زمان بسبب المشاكل اللي حصلت ما بين أهالينا، لكن عمري ما كنت بعيد. أنا حواليكي ومتابعك وعارف أخبارك، يعني إنتِ مش مجهولة بالنسبة لي.
وأكمل:
— أنا أول مرة شلتك فيها، وأنا كنت مشدود ليكي، ودائمًا كنت بحرسك، وكمان كنت على طول بتخانق بسببك؛ لأني كنت متملك. ولما كبرت، مكنش ينفع أبوح بالكلام ده، وجه موضوع الفراق اللي حصل بين أهالينا زوّد الفجوة، وقررت إني أسافر على أمل إن ربنا يحلها لما أرجع.
— لكن خلال الفترة دي، وأنا متابعك، كنت دائمًا معاكي من خلال سنتر الراعي. أنا اللي كنت بتابع معاكي اللغة الإنجليزية، وكنت بتعامل كصديق، وبصراحة دي كانت أكتر حاجة مريحاني؛ إنك بتلجئي ليا من غير تحفظ.
— أنا آسف، لكن حبيت أوضح لكِ إني كنت قريب منك، وإني مكنتش أقدر أفصح لكِ عن هويتي الحقيقية؛ لأني كنت متخوف من رد فعلك، ورفض مرات عمي، وإنتِ عارفة العلاقة المتوترة بينها وبين أمي.
فغرت فاها من الصدمة. إلى هذا الحد كان قريبًا منها!
فمنذ أن كانت في المرحلة الثانوية وحتى الآن، تتواصل معه من أجل تحصيل معلومات دراسية وأمور عامة، ولم تتطرق معه إلى أي شيء خاص.
أفمن المعقول أن تكون تلك الشخصية الهادئة التي لم تدخل معها في أي حوار خاص، واكتفت بالتعامل معها كمعلم، هي نفسها شخصية ابن عمها مصطفى؟
تهدلت كتفاها من أثر الصدمة، وكأن خدرًا أصاب جسدها. حثتها صديقتها على الاستيعاب، وناشدتها الحديث، فهو ألقى بكل ما في مكنونه، معبرًا عن مدى اهتمامه بها.
وهي لن تنكر أن شيئًا أصاب قلبها وجعله ينبض على غير عادته. سحبت الهواء إلى رئتيها لتقوى على الرد، وراحت تنقر فوق الأحرف لتنقش كلماتها بخوف:
— بصراحة، أنا مش متخيلة. ليه معرفتنيش بنفسك من زمان؟ مش مبرر إن أهالينا بينهم مشاكل، يبقى إحنا كمان زيهم. ده شيء مش سليم.
— أنا عارف إني غلطان، ومستعد لأي عقاب يا ستي، بس أظن إني متجاوزتش حدودي، ومتأكد إني لو حاولت أتواصل معاكي وقتها، كنتِ هترفضي. فده كان أسلم حل علشان أكون قريب منك.
— طب وليه كنت عايز تكون قريب مني؟ ومتقولش لمجرد إنك تحميني والكلام ده.
— ماشي، هقولك. لأني كنت مشدود لبنت عمي الصغيرة، وبعدها لقيتها بتكبر وبقت شقية، وكنت بخاف عليها. ومرة واحدة اختفت، ورحت أشوفها من بعيد، لقيتها بقت عروسة جميلة. وقتها معرفتش أشيلك من دماغي، لغاية ما أصريت على إنك تكوني ليا، طبعًا لو معندكيش مانع.
توقفت شروق قليلًا أمام رسالته، تحاول استيعاب أن ذلك الطفل الذي بالكاد تتذكر ملامحه، ظل محتفظًا بكل تلك التفاصيل عنها، لتدفعها حيرتها إلى سؤاله:
— مصطفى، هو إنت فعلًا فاكرني من وأنا صغيرة؟ ولا دي مبالغة منك علشان تكسبني في صفك؟
— يا بنتي، ده أنا فاكر حاجات إنتِ نفسك نسيتيها.
— زي إيه يعني؟
— فاكرة لما كنتِ بتيجي عند جدي، وكنتِ بتزعلي لو مشيت من غير ما أسلم عليكي؟ كنتِ تفضلي تعيطي، وأنا أرجعلك مخصوص علشان أصالحك.
ضحكت شروق وهي تكتب:
— لا، دي شكلها كانت طفولة سوداء بالنسبة لك!
— سوداء إيه بس؟ ده أنا كنت بعتبر نفسي صاحب إنجاز عظيم لما أعرف أضحكك. بس متفتكريش إني كنت ملاك، أنا كنت بغير عليكي من أي حد يقرب منك.
— أهو ده اللي مخوفني منك لحد دلوقتي!
تبدلت نبرة حديثه قليلًا، وجاء رده أكثر جدية:
— بصي يا شروق، أنا عارف إن الغيرة لو زادت عن حدها ممكن تبقى تعب للي قدامي، ومش هقولك إني ملاك ومش بغلط. بس أنا مش عايز أكون سبب في إنك تخافي مني أو تحسي إنك محاصرة. أنا عايزك تبقي مطمنة معايا، وده اللي هحاول أثبتهولك بأفعالي، مش بكلامي.
هدأت ابتسامتها وهي تقرأ رسالته، فلم تتوقع أن يعترف بعيوبه بهذه الصراحة، ثم كتبت بمشاكسة:
— أهو كده بدأت تتكلم كلام معقول يا هندسة!
— استني بس، متفرحيش أوي. لسه عندي ذكريات تانية هفضح نفسي بيها!
ضحكت من جديد، وشعرت أن الحديث معه لم يعد مجرد اكتشاف لشخص مجهول، بل بداية للتعرف على إنسان يحمل ذكريات عنها أكثر مما تحمل هي عنه.
لكنها سرعان ما عادت إلى حيرتها، وكتبت:
— طب لو أنا مرتبطة بغيرك، كان إيه رد فعلك دلوقتي؟
أصابه القلق، لكنه لم يشأ أن يكون أنانيًّا معها.
— عارفة، كلامك ده أتمنى يكون مجرد رد للنقاش، وميكنش حقيقي؛ لأنه وجعني قوي. بس برضه هقولك إني وراكي وسندك، ولو في حد غيري، لا قدر الله، صدقيني أنا كفيل إني أنهي أمر ارتباطنا مع أهلينا، وهكون أول واحد يبارك. بس وقتها مش هنزل مصر تاني، وهفضل إني أستقر هنا.
— يعني إنت هترجع بس لو أنا وافقت على الارتباط؟
— أيوه، بس.
— طب هترجع إمتى؟
— يا فرج الله! أفهم من كده إنك وافقتي؟
— اهدا، أنا قلت برضه ناخد فرصة. أنا معرفكش شكليًّا، ولا إنت كمان.
— بقولك إنتِ شكلك محفور جوايا، وأدي يا ستي صوري علشان تعرفي شكلي.
أرسل إليها بعض الصور بمفرده، وأخرى برفقة أصدقائه، وكانت من بينهم فتيات؛ مما جعلها تغتاظ.
فكيف لشاب أن يسمح لنفسه بالتصوير مع فتيات لا تحل له؟ وبرغم أنه بعيد عنهن، وأنها صور جماعية، فإنها شعرت بالضيق.
— إنت بعتلي صورك مع البنات يا ابن عمي؟ إنت منهم ولا إيه؟
— أبدًا والله، أنا بريء! حتى بعيد عنهم، لو تلاحظي، دي صور رحلة تبع العمل، وأنا عمري ما دخلت في علاقة مع أي بنت، وربنا شاهد.
— خلاص، عفوت عنك، بس توعدني متتصورش مع بنات تاني في أي رحلة؟
— أفهم من كده إن زوجتي المستقبلية بتغير؟
— مش مسألة غيرة، ده مبدأ! وطالما اتفقنا ناخد فرصة، يبقى كل واحد يراعي مشاعر التاني ويحترمها.
— ماشي يا قمر، موافق وبشدة!
— مفيش الكلام ده، أنا مليش فيه.
— طب والله ما بعاكس، أنا بوصف بس، وعلى فكرة إنتِ أحلى من القمر كمان.
— يووه، أنا قلت إيه!
— خلاص يا ستي، متزقيش. أنا هأجل كل الكلام الحلو لغاية ما نكتب الكتاب، وبعدها مش هتقدري تفتحي بقك معايا.
ضحكت شروق، ثم عادت إلى الحديث بجدية:
— مصطفى، أنا عايزة أكون صريحة معاك في حاجة.
— قولي يا شروق، سامعك.
— أنا مقدرة كلامك، ومش هأنكر إن اعترافك أثر فيا، لكن مش معنى إني وافقت أديك فرصة إننا بقينا مرتبطين رسمي. أنا لسه محتاجة أعرفك، وأشوف إذا كنا فعلًا مناسبين لبعض ولا لأ.
جاءها رده هادئًا:
— عندك حق، وأنا مقدر ده.
تابعت بحذر:
— وكمان أنا مش بحب الكلام اللي فيه تجاوز، ومش عايزة علاقتنا تبقى سبب في إني أتنازل عن حاجة أنا مقتنعة بيها.
أجابها بجدية واضحة:
— شروق، أنا حبيتك علشان إنتِ كده، مش علشان أغيرك وأخليكي واحدة تانية. ولو أنا فعلًا عايزك شريكة حياتي، يبقى أول حاجة أعملها إني أحترمك وأحترم مبادئك. مش هطلب منك حاجة تخليكي مش مرتاحة، ولا هعتبر موافقتك إنك تسمعيني وعدًا منك بالجواز.
شعرت بالارتياح، لكنها أرادت أن تتأكد من نقطة أخرى:
— يعني مش هتزعل لو طلبت إن كلامنا يبقى في حدود التعارف، ولما ترجع نتكلم مع أهلنا ونشوف هنعمل إيه؟
— أزعل ليه؟ أنا عايزك تيجي لي وإنتِ مقتنعة بيا، مش مكسوفة ترفضي علشان خايفة تزعليني. ولو ربنا كتب لنا نصيب، هكون أسعد واحد في الدنيا، ولو احتجتي وقت، هحترم ده.
ثم أضاف بروحه المرحة التي بدأت تعتادها:
— بس عندي طلب صغير.
— إيه هو؟
— متحرمينيش من فرصة إني أثبتلك إني أستاهلك، دي كل الحكاية.
ابتسمت شروق، ثم كتبت:
— ماشي يا مصطفى، هنشوف بقى إذا كنت قد كلامك ولا لأ.
— الأيام بينا يا بنت عمي، وأنا مستعد أخوض الاختبار ده.
أغلقت المحادثة قليلًا، وهي تشعر أن شيئًا ما قد تغير بداخلها. لم يعد الأمر مجرد اعتراف بحب قديم، بل بداية فرصة حقيقية للتعرف على رجل ربما يكون يومًا شريك حياتها.
بداية الحكاية على أرض الواقع
سحبت شروق هاتفها بسعادة بعدما أنهت المحادثة، وجلست بعيدًا تحاول استيعاب ما هي فيه.
أهي حقيقة عاشتها معه من خلال سطور كلماته الجذابة؟ هل هو نفس الشخص الذي كانت تتحاور معه بكل جدية؟ فكم اختلف الآن في الحوار!
باتت ليلتها تعاود قراءة الرسائل مرارًا، حتى غفت وهي تحتضن هاتفها، تحت أعين صديقتيها اللتين باتتا هما الأخريان سعيدتين من أجلها.
فقد وعدها بالقدوم سريعًا، بعدما بدأت مشاعرها تتغير تجاهه، وراحت تكتشف خلف كلماته المرحة جانبًا آخر من شخصيته، جانبًا أكثر جدية واحتواءً مما توقعت.
لكنها، رغم سعادتها، لم تنسَ ما وعدت به نفسها؛ فالكلمات مهما بلغت عذوبتها لا تكفي وحدها لبناء حياة كاملة. كان عليها أن تمنحه الفرصة التي طلبها، وأن ترى بنفسها إن كان الرجل الذي تعرفت عليه عبر الهاتف هو ذاته الذي تستطيع أن تأتمنه على قلبها ومستقبلها.
ومرت أيام قليلة، جاءها خلالها اتصال من والدها يخبرها أن مصطفى قد عاد إلى مصر، وأنه سيأتي مع عمه لزيارتهم في اليوم التالي.
ما إن أنهت المكالمة حتى التفتت إليها صفاء، التي كانت تراقب تغير ملامحها بابتسامة ماكرة.
— مالك يا عروسة المستقبل؟ وشك اتقلب ليه؟
تنهدت شروق وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:
— مصطفى رجع، وبابا بيقول إنه جاي بكرة.
صفقت أماني بحماس، ثم قالت:
— أخيرًا! هنشوف بقى صاحب الحكايات ده على أرض الواقع. يا ترى هيطلع بنفس خفة دمه في الشات، ولا كان عامل فيها مؤلف رومانسي؟
ضحكت شروق رغم توترها، لكنها سرعان ما عادت إلى جديتها.
— أنا خايفة يا بنات. مش من شكله، ولا من إني أكون مش عاجباه، لكن من فكرة إني أختار إنسان وأكتشف بعد الجواز إنه مختلف عن اللي عرفته.
ربتت صفاء على يدها بحنان:
— وعلشان كده لازم تدي نفسك فرصة تعرفيه. مش كل واحد كلامه حلو يبقى كويس، ومش كل واحد هادي يبقى مناسب. شوفيه وهو بيتعامل مع أهلك، واسمعي كلامه، والأهم راقبي أفعاله.
هزت شروق رأسها موافقة، فقد كانت تلك هي الإجابة التي تبحث عنها.
وفي اليوم التالي، جلست إلى جوار والدتها في غرفة الاستقبال، بينما دخل مصطفى بصحبة عمه.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى شعرت بارتباك شديد؛ فها هو الشخص الذي اعتادت قراءة كلماته خلف شاشة الهاتف يقف أمامها الآن، بملامحه الحقيقية وصوته الذي لم تسمعه من قبل.
ألقى السلام باحترام، وصافح عمها، ثم جلس قبالة والدها، ولم يحاول أن يختطف منها نظرات أو يضعها في موقف محرج أمام أسرتها.
وبعد تبادل الأحاديث العائلية، التفت إلى عمها قائلًا بجدية:
— يا عمي، أنا جاي النهارده علشان أطلب إيد شروق منك ومن خالتي، على سنة الله ورسوله. أنا عارف إنكم أصحاب القرار في تربيتها ورعايتها، وعارف كمان إن موافقتها هي أهم حاجة. مش عايز حد يضغط عليها بسببي، ولا عايزها توافق لمجرد إننا أولاد عم.
نظر إليه والد شروق باهتمام، ثم سأله:
— وإنت ضامن إنك تقدر تسعد بنتي يا مصطفى؟
أجابه دون تردد:
— مقدرش أقول لحضرتك إني ضامن إن حياتنا هتخلو من المشاكل، لأن ده مش حقيقي. لكن أقدر أوعدك إني هحترمها، وأحافظ على كرامتها، وأحاول أحل أي خلاف بينا بالعقل. أنا مش داخل الجوازة علشان أكسب شروق يومين، أنا داخل أبني معاها بيت يكمل عمر.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يبتسم والدها ابتسامة خفيفة.
أما شروق، فكانت تستمع إليه في هدوء، وقد بدأت تدرك أن حديثه أمام أهلها لا يقل جدية عن كلماته التي كتبها لها.
وحين سألها والدها عن رأيها، شعرت أن جميع الأنظار قد اتجهت إليها، فأخذت نفسًا عميقًا وقالت:
— أنا موافقة نبدأ فترة تعارف رسمي، وندي نفسنا فرصة نفهم بعض أكتر، وبعدها ناخد قرارنا وإحنا مطمنين.
ابتسم مصطفى، ولم يحاول أن ينتزع منها وعدًا أكبر من ذلك.
— ده كل اللي أنا طالبه يا شروق، فرصة أثبتلك فيها إن كلامي مش مجرد رسايل.
وهكذا بدأت أولى خطواتهما على أرض الواقع، بعيدًا عن شاشة الهاتف التي جمعت بينهما، وقريبًا من حياة حقيقية لا تكشف معادن أصحابها إلا بالمواقف.
أول اختبار حقيقي
مرت الأيام التالية في هدوء، وبدأت الأسرتان تتفقان على تفاصيل الخطبة، بينما حرص مصطفى على أن يكون تواصله مع شروق واضحًا ومحترمًا، بعلم أهلها، من غير إلحاح أو محاولات لفرض وجوده عليها طوال الوقت.
كان يطمئن عليها، ويسألها عن دراستها واستعداداتها للاختبارات، وإذا وجدها مشغولة، ترك لها الوقت الكافي لإنجاز ما عليها دون أن يحول اهتمامه إلى عبء.
وبمرور الوقت، بدأت شروق تتخلص من رهبتها الأولى، وأصبحت أحاديثهما أكثر تلقائية، وإن ظلت حريصة على الحدود التي اتفقا عليها.
وفي إحدى الزيارات العائلية، دار الحديث حول مستقبل شروق بعد انتهاء دراستها، فسألها مصطفى عن خططها، وما إذا كانت ترغب في العمل بعد التخرج.
أجابته بحماس:
— طبعًا، أنا نفسي أكمل وأشتغل في المجال اللي بحبه. تعبت في دراستي، ومش عايزة أكتفي بالشهادة وخلاص.
ابتسم والدها بفخر، بينما قال أحد الحاضرين مازحًا إن الزواج ومسؤوليات البيت قد يجعلان الأمر صعبًا.
راقب مصطفى ملامح شروق التي خفت حماستها قليلًا، ثم قال بهدوء:
— وليه نفترض إنها لازم تتنازل عن حلمها؟ إحنا المفروض نتفق من البداية على شكل حياتنا، ونشوف إزاي نوزع مسؤولياتنا بما يناسبنا إحنا الاتنين.
التفتت إليه شروق بدهشة، فأكمل:
— أنا مش هقولك إن الحياة هتبقى سهلة، ولا إن الشغل والبيت مش محتاجين مجهود. لكن لو ربنا كتب لنا نصيب، يبقى واجب علينا نتعاون، مش إن واحد فينا يلغي التاني علشان يرتاح.
ثم نظر إليها مباشرة، وأضاف:
— وطبعًا تفاصيل حياتنا هنقررها مع بعض، ونتفق على اللي يناسب ظروفنا. أنا عايز شريكة ليا، مش حد يعيش على هامش حياتي.
لم تعرف شروق بماذا تجيبه، لكنها شعرت براحة حقيقية؛ فهو لم يكتفِ بإبداء إعجابه بطموحها، بل تحدث عن مسؤولية مشتركة، وعن حق كل منهما في أن يكون له رأي في مستقبلهما.
وفي وقت لاحق من الزيارة، دار بينهما حديث حول تنظيم الوقت بعد الزواج، فاختلفا في وجهة النظر بشأن أمر بسيط. تمسكت شروق برأيها، ورد مصطفى موضحًا وجهة نظره، ثم سكت قليلًا قبل أن يقول:
— خلينا نفكر فيها تاني، مش لازم نطلع من كل نقاش بواحد كسبان وواحد خسران.
ابتسمت له بمشاكسة:
— أمال يا هندسة، فين بقى السيطرة اللي كنت بتمارسها عليا وإحنا صغيرين؟
ضحك وهو يهز رأسه:
— أهو ده اللي بحاول أتوب منه! زمان كنت فاكر إن خوفي عليكي يديني الحق أقرر عنك. دلوقتي عرفت إن اللي بيحب حد لازم يسمعه، حتى لو مش عاجبه كلامه.
ضحكت شروق، لكن عبارته بقيت عالقة في ذهنها. فقد اعترف بخطئه القديم، ولم يحاول تبريره أو تحويله إلى دليل على الحب.
وكان ذلك، بالنسبة إليها، أهم من عشرات عبارات الغزل.
لم يكن مصطفى كاملًا، ولم تكن شروق تنتظر رجلًا لا يخطئ، لكنها كانت تبحث عمن يستطيع الاعتراف بخطئه، ويقبل أن يتعلم ويتغير. وبدأت تكتشف أن خلف شخصيته المرحة رجلًا يفكر في معنى المسؤولية، ولا يرى الزواج مجرد امتلاك لقلب فتاة أحبها منذ الطفولة.
حين اطمأن القلب
بعد مرور فترة قصيرة من التعارف الرسمي، أصبحت شروق أكثر ارتياحًا في وجود مصطفى، لكنها كانت لا تزال تتذكر غيرته التي حكى عنها، وتخشى أن تتحول مع الأيام إلى قيود لا تستطيع تحملها.
وفي إحدى الزيارات، وجدت الفرصة مناسبة لتتحدث معه بصراحة، بعدما ابتعد أفراد الأسرة قليلًا وتركوهما يتبادلان الحديث في وجود والدتها بالقرب منهما.
قالت شروق بتردد:
— مصطفى، ممكن أسألك سؤال، وتجاوبني بصراحة من غير ما تزعل؟
اعتدل في جلسته، وأجاب مبتسمًا:
— اسألي يا ستي، هو أنا كل يوم بعمل امتحان عندك؟
ابتسمت، ثم عادت إلى جديتها:
— إنت قلت لي إنك كنت بتغير عليا من وأنا صغيرة، وإنك كنت متملك. وأنا مقدرة إنك بتحبني، لكن أنا بخاف من الغيرة اللي تخلي الواحد يشك في اللي قدامه، أو يتحكم في خروجه وعلاقاته وقراراته.
اختفت ابتسامته قليلًا، وأخذ لحظة يفكر قبل أن يجيب:
— عندك حق تخافي من ده، وأنا مش هطلب منك تصدقي إني اتغيرت لمجرد إني قلت لك. الثقة مش بتتطلب بالكلام، الثقة بتتبني مع الوقت.
نظرت إليه باهتمام، فتابع:
— أنا ممكن أغير، وممكن أضايق من موقف، لكن ده مش معناه إني أتهمك أو أفرض عليكي حاجة. لو في حاجة مضايقاني، المفروض أتكلم معاكي ونفهم بعض. وإنتِ كمان من حقك تقولي رأيك وترفضي اللي مش مناسب ليكي.
سألته بهدوء:
— وحتى لو اختلفنا؟
— حتى لو اختلفنا. أنا مش عايز واحدة توافقني في كل حاجة علشان ترضيني، أنا عايز واحدة أقدر أختلف معاها ونفضل محترمين بعض.
ثم ابتسم وأضاف:
— بس متفتكريش إنك كده كسبتي كل القضايا من دلوقتي، يا بنت عمي. ممكن أطلع أنا اللي عندي حق في بعض المرات!
ضحكت شروق، وقد زال شيء من ثقل السؤال عن صدرها.
ثم سألته سؤالًا أخيرًا:
— طب لو بعد كل ده اكتشفنا إننا مش مناسبين لبعض؟
لم يتغير هدوء ملامحه، وقال:
— هنكون عرفنا الحقيقة بدري، وده أحسن من إننا ندخل جوازة وإحنا مش مقتنعين. أنا نفسي نكمل، ونفسي تبقي مراتي، لكن مش على حساب راحتك أو اقتناعك. الجواز عشرة عمر، مش قرار ناخده علشان نرضي أهلنا أو نثبت إننا كنا صح.
خفضت شروق عينيها، وقد شعرت للمرة الأولى أن بإمكانها أن تتحدث معه عن مخاوفها دون أن تخشى غضبه أو أن تتحول صراحتها إلى مشكلة بينهما.
لم يكن مصطفى رجلًا بلا عيوب، ولم تكن هي قد عرفت عنه كل شيء في تلك الفترة القصيرة، لكنهما بدآ يكتشفان طريقة للتفاهم، قائمة على الصراحة والاحترام، لا على الوعود وحدها.
وحين عاد والدها إلى المجلس، وجدها أكثر هدوءًا مما كانت عليه في الزيارات السابقة.
سألها لاحقًا عن رأيها، فأجابته بعد تفكير:
— أنا مرتاحة يا بابا، وحاسة إننا بنفهم بعض. لسه قدامنا حاجات كتير نتعلمها، لكن أنا موافقة أكمل معاه بإرادتي.
ابتسم والدها وربت على كتفها بحنان.
— ربنا يكتب لك الخير يا بنتي، ويجعل حياتك كلها مودة ورحمة.
ومن هنا، بدأت ترتيبات الزواج تأخذ طريقها، لا باعتبارها نهاية قصة حب قديم فحسب، بل بداية حياة اختارها اثنان بعد أن منح كل منهما الآخر فرصة حقيقية.
لم تعد شروق ترى مصطفى ذلك الطفل الذي لا تكاد تتذكر ملامحه، ولا مجرد الشاب الذي أغرقها برسائل الحب والذكريات. أصبح أمامها إنسانًا تعرف بعض صفاته، وتدرك أن ما لم تعرفه بعد يحتاج إلى عشرة ومواقف وأيام.
أما مصطفى، فقد أدرك أن الوصول إلى قلبها لم يكن أصعب ما في الأمر؛ الأصعب والأجمل أن يحافظ على ثقتها، وأن يظل جديرًا بها.
وهكذا، وبعد أن اطمأن قلبها، ووافقت بإرادتها، بدأت الأسرتان في الاستعداد للزفاف.
فخ العشق
وها هي تقف كملكة متوجة، بيد أبيها، تمشي على استحياء؛ فهو اليوم سيسلمها لرجل من دمه، يتمنى أن يكمل معها ما بدأه هو، وأن يكون كما عاهده، سندًا لها من بعده.
تقدم مصطفى نحو عمه، يعانقه بمودة، ويقابله الأخير بقلب مفطور، يوصيه بابنته من خلال عناقه وربتته الحنونة، ليمسك بيدها ويقدمها له.
رفع مصطفى الوشاح الشفاف الذي يدنو من وجهها، ذلك الوجه الذي طالما اشتاق إليه، ليقبل جبهتها بمحبة ظاهرة، وتحت أعين الحضور الذين أتوا من أجل مشاركتهم الاحتفال وتقديم التهاني والتبريكات.
مال عليها ليسمعها بعضًا من كلماته التي تسعدها دومًا، فهي منذ أن وقعت في فخ العشق، باتت تحلم بهذا اللقاء الشريف.
تقدم بها ليفتتح الحفل بالرقصة الهادئة، ويحتويها بين أحضانه، لترتمي عليهما ستائر بيضاء تحجب عنهما أعين الجميع، وتفصلهما عن الواقع، على أنغام هادئة، ليشجيها بهمس:
— مبروك علينا يا أجمل حلم اتحقق في حياتي.
— الله يبارك فيك.
قالتها بخجل، مما جعله يميل عليها ليقول هامسًا:
— إنتِ مرتبكة كده ليه يا قلبي؟
— أنا مش مصدقة إني هتجوز النهارده، وأنا يدوب مشفتكش غير من فترة قصيرة. إحنا لازم نأجل الدخلة فترة كده، لغاية ما ناخد على بعض.
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة، ثم قال ضاحكًا:
— أوبا! هو أنا لسه هبدأ حياتي الزوجية بطلب تأجيل؟ طب اديني فرصة أفرح إني أخيرًا بقيت جنبك، وبعدها نتفق على كل حاجة براحتنا!
تحدثت من بين ضحكاتها:
— للدرجة دي؟
أجابها وهو يشدد عليها بين أحضانه برفق:
— وأكتر كمان يا حبيبتي.
ثم ابتعد قليلًا، ونظر إلى عينيها بابتسامة ماكرة، قبل أن يقول:
— بس طبعًا كل حاجة بالاتفاق، مش هنتجوز بالعافية يا بنت عمي!
رفعت حاجبها بمشاكسة، وأجابته:
— أهو كده بدأت تعقل يا هندسة، وأنا هفكر في الموضوع!
— تفكري إيه بس؟ ده أنا مستني القرار ده من أيام الحفاضات!
انفجرت ضاحكة، ثم قالت وهي تهز رأسها:
— ربنا يصبرني عليك!
ضحك معها، ثم خفتت نبرته قليلًا، وهو ينظر إليها بمودة:
— بعيدًا عن الهزار يا شروق، أنا عارف إننا لسه بنتعرف على بعض، وإن الحياة مش مجرد كلام حلو وصور ووعود. بس أوعدك إني هفضل أحاول أكون الشخص اللي تطمني معاه، واللي تقدري تتكلمي معاه من غير خوف، وتختلفي معاه من غير ما تخافي من رد فعله. مش هقولك إني مش هغلط، لكن أوعدك إني لما أغلط هحاول أصلح غلطتي.
نظرت إليه وقد غمرتها مشاعر لم تعرف كيف تصفها، ثم همست:
— وأنا كمان هحاول أكون ليك الزوجة اللي تستاهلها، ونتعلم مع بعض إزاي نكمل حياتنا.
ابتسم وهو يشدد على يدها برفق:
— كده أنا اطمنت.
لتندس بين ثناياه وهي تتمايل معه، وتقول في رضا:
— الحمد لله، لقد وقعت في فخ العشق بكامل إرادتي.
ابتسم مصطفى، ثم مال عليها هامسًا:
— وأجمل حاجة في الفخ ده إنك دخلتيه برجلك، وأنا كل اللي عليَّ إني أفضل أخليكي مبسوطة إنك اخترتيه.
ضحكت وهي تضربه بخفة على كتفه:
— ماشي يا سيدي، هنشوف الكلام ده على أرض الواقع!
— وده المطلوب يا شروق. خلينا نثبت لبعض كل يوم إن اختيارنا كان صح.
نظرت إليه بحب واطمئنان، فقد أدركت أن الزواج ليس نهاية الطريق الذي جمعهما، بل بدايته الحقيقية؛ بداية تحتاج إلى صبر وتفاهم ومودة، وإلى قلبين يعرفان أن الحب لا يُقاس بكمية الوعود، وإنما بالقدرة على الوفاء بها.
لتبدأ معًا حياة جديدة، بمودة بُنيت على أساس من الصراحة والاحترام، وشُيِّدت بميثاق غليظ.
تمت بحمد الله.
بقلم: إيمان فاروق
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!