أين أبي؟!
على السكون الاندماج مع الظلام لكي يكون مهيباً، وإلا فإنه سيكون مصدراً للسكينة .
وفي الوقت الذي ظن السكون أنه مهيمناً على تلك الليلة متحداً مع عتمة منتصف الليل، باغتته أصوات أنفاس لاهثة مضطربة وترددت أصوات احتكاك أقدام مسرعة على الأرض لحفار أربعيني يحمل معه أدواته عدا المعول كان مفقوداً.
تجاوز حقول العنب، والعرق يتصبب منه فاغراً فاهه لعله يدخل مزيداً من الهواء لرئتيه المنهكتين اثر المسافة التي تجاوزها، تقدم متعثراً بين الحين والآخر، إلى أن بدأت المنازل تظهر نصب عينيه، ثم توجه مباشرةً صوب أحد المنازل، رمى أدواته أرضاً ثم صدح بصوته منادياً مع طرقه العنيف للباب:
- يا أبناء يزن، يا إيهاب، قيس، استيقظا .
لم يكتفِ بالإجهاز على سكون المكان وحسب، بل قضى على نوم أهل يزن وحتى أهل البيوت المجاورة.
بدأ الناس بالتجمع حوله وخرج إيهاب عاقداً حاجبيه من هذا الذي يصيح في هذا الوقت من الليل:
- مالذي قد يجعل المرء مزعجاً إلى هذا الحد؟
خرج بعده قيس، ولفت نظره صدره الذي يعلو ويهبط بسرعة :
- كنت بصدد توبيخك، لكن حالك تبدو مثيرة للشفقة
التفت إيهاب يجلس على عتبة المنزل يفرك عينيه محاولاً طرد ماتبقى من نعاس ثم رفع رأسه متنهداً:
- قل ماعندك، وإن كان أمراً تافها أقسم عندها أنني سأرميك لوادي الضباع
اقترب الحفار خطوتين نحوه لتتضح معالم وجهه أكثر بسبب المصباح المضاء فوق باب المنزل، ثم قال محاولا إخراج صوته ثابتاً بسبب المسافة التي تجاوزها جرياً:
- ماذا لو قلت لك أنني أتيت للتو من ذاك الوادي؟
استقام إيهاب بروية ينفض ملابسه من الغبار ثم ركز نظره إلى عينيه رافعاً إحدى حاجبيه قائلاً بنفاد صبر وقد هم بالعودة للمنزل:
- إذن ، مبارك لك خروجك حياً
- لكن والدك لم يفعل
تسمر بأرضه ثم التفت ينظر لقيس الذي كان ينظر بدوره إليه وفي رأسيهما ذات السؤال، ماهذا الذي يهذي به ؟
لاحظ الحفار استغراب الجميع ليكمل وقد احتدت عيناه بشكل غير متوقع:
- والدكما، كان في الوادي أيضاً .
صدح صوت ضحكات عالية ثم تلاها صوت جارهم الذي حمل بين طياته شيئاً من التهكم:
- مابك ياجاسر تهذي؟ لقد كنت مع يزن ورأيته يدلف لمنزله قبل دلوفي لمنزلي .
نادوه إذن ، تأكدوا إن كان متواجداً في المنزل
ضيق قيس عينيه محاولاً التماسك قدر الإمكان بعد أن شعر بثقل ساقيه ثم التفت مسرعاً للمنزل واستقبلته أمه واخته بوجيهن متوجسين:
- مابه؟ مالأمر؟ ماكان كل ذاك الصراخ؟
تنهد وثبت نظره على والدته يسألها بهدوء:
- أين والدي؟
تسلل القلق لقلب أخته تسأله بتوجس:
- ما الغاية من هذا السؤال؟ ألم يخرج معكما؟
بذات التوجس أكملت والدته:
- عندما استيقظت لم أجده وظننته قد استيقظ قبلي وخرج معكما!
ثَقُل الهواء حولهم وتجمد قيس لثوانِ يحلل الأمر في رأسه ثم انتفض مسرعاً للخارج وما إن ظهر الحفار أمامه حتى قفز يجر ياقته بعنف
- أين والدي؟ أين والدي أيها الملعون؟
تصنم إيهاب من قوله مستنكراً:
- والدي؟ أين هو؟!
توسعت عينيه عندما أدرك معنى ذلك وأسرع نحو قيس يفصله عن الحفار ثم وجه حديثه له وقد خرجت كلماته مبعثرة:
- أهذا يعني أن ماتقوله صحيح؟ أحدث له مكروهاً ما في الوادي؟
تنهد الحفار مطرقاً رأسه يرتب حديثة ثم رفعه يحرق أعصابهم بصمته لثوانٍ ثم نبس وأخيراً:
- ماسأقوله لن يعجبكم
تحدث أحد الحاضرين وقد نفد صبره:
- هيا تحدث، أهلكتنا بمماطلتك
- جميعنا نعلم بالشائعة التي تقول أن هنالك كنز مدفون في وادي الضباع، وجميعنا نعلم بمدى حب يزن للمغامرة وتجربة المحضور هو وصديقه ياسر من قرية اللوز، وبناءً على ذلك قرر يزن مع ياسر الذهاب للوادي للتأكد من صحة الشائعة .
وهنت قدما إيهاب يجثو على الأرض عند توقعه لما حدث، ارتعشت مقلتاه يخرج صوته بضعف الموشك على الموت:
- أنالت الضباع منهما ؟
شعر قيس بتأرب أحشائه عند تخيله للمشهد، وبذل جهداً لإسكات الضجيج الذي دب بداخله
- طلبا مني الذهاب معهما لكي أحفر لهما ووعداني بحصة معينة إن وُجد الكنز وبالطبع وافقت .
صمت وكل الأبصار متوجهة ناحيته بصمت الإصغاء تنتظر منه إيضاح الصورة أكثر وبالأخص ولدي يزن اللذان يكاد يُسمع صوت ضربات قلبيهما، بلع ريقه بصعوبة ثم أكمل:
- سرنا وسط الوادي، وأثناء ذلك حدثت مشاحنة بين يزن وياسر بسبب من سيأخذ الحصة الأكبر، وكبر الشجار بينهما حتى بدآ بالعراك، عندها باغتني ياسر بأخذ معولي واخترق به ظهر يزن .
استنكر الجميع كلامه وتعسر عليهم تصديقه وتداخلت أصوات الإستنكار ومُلئ المكان بالضجيج ، ووسط هذه الضجة لم يسمع منها ولديّ يزن شيئاً، فالصخب الذي دُب بداخلهما أعلى من الضجيج في الخارج .
قطع الضوضاء صوت طه الصاخب الذي تردد في الأرجاء:
- فليهدأ الجميع
هدأت الأصوات تدريجياً حتى حل الصمت، ثم التفت للحفار بحزم:
- وأين ياسر؟
هنا بردت ملامح الحفار بشكل غير متوقع وأخرج صوته بذات برودة وجهه متجنباً النظر لعينيه:
- اثر الضجة التي أحدثاها أثناء شجارهما، وأيضاً رائحة دماء يزن، انتبهت لنا الضباع وبدأت بالتجمع، وما إن شعرت بالخطر حتى فررت بروحي، ولا أعلم مالذي حدث بعدها.
حل صمت ثقيل كثقل الهواء في المكان وبدأ إيهاب بالهمس بعشوائية وقد سيطر التيه على عقله:
- محال، أنت تكذب لايمكنني تصديقك
حول بصره الجاحظ لجاسر ثم ضيق عينيه يسأله بريبه:
- لماذا لم تتدخل لفض النزاع؟ ولماذا هربت أنت ولم يهرب ياسر؟
تعلثم الحفار ثم صمت عندما عجز عن إخراج جملة مفيدة، لكن الأنظار المترقبة لم تتزحزح عنه فاضطر للدفاع عن نفسه
- وما أدراني أنا لماذا فضل ياسر البقاء، إن كنتم جميعاً لاتصدقونني فلتأتوا معي للوادي، ولتتأكدوا من ذلك بأنفسكم .
تراجع إيهاب ببطء يتساءل في ذهنه مالذي قد يجده مثلاً في الوادي؟ جثة؟! دماء؟! قطع خياله صوت طه المستفهم:
- لقد هربت للتو، ألا تمانع العودة؟ ألا تخاف مصادفة الضباع مرة أخرى؟
شعر الحفار انه حوصر في الزاوية وهذا جعله يصيح بانفعال كرد فعل دفاعي
- لماذا تصرون على التشكيك بي؟ بالطبع سأعود معكم لأن عددكم أكثر وستذهبون بالأسلحة اللازمة
- وأنتم لماذا لم تأخذوا معكم أسلحة لازمة؟
تقدم قيس نحوه ينظر في عينيه بثبات ثم أكمل
- مالذي يجعل المرء يدخل وادي الضباع أعزل؟ ومالذي يجعله يختار منتصف الليل للبحث عن كنز مزعوم؟
تسارعت أنفاس الحفار وحاول إخراج صوته ثابتاً قدر الإمكان:
- كان لدى ياسر ويزن فأسين لكنها لم تكن كافية تجاه عشرات الضباع و..
صرخ قيس مقاطعاً إياه
- توقف عن استغفالنا ياجاسر، لماذا لم يأخذا بندقية مثلاً، هل من عاقل سيكتفي بفأس لمواجهة الضباع؟
تهرب يدنو للأرض يلملم عدته ثم استقام تزامناً مع قوله بصوت جاهد ليجعله واثقاً:
- يمكنكم سؤال ياسر إن وجدتموه حيا في الوادي، أما أنا فقد قمت بما وجب علي القيام به وأبلغتكم بما حدث وأنتم أدرى بشأن تصديقي من عدمه، سأذهب الآن، الطريق لمنزلي معروف، يمكنكم إيجادي هناك.
رحل تحت صدمة الجميع وحيرتهم، مرت ثوانِ من محاولة الإستيعاب ثم التفت إيهاب بغتةً للمنزل لكي يجلب سلاحه
قابلته والدته تسأله وقد أنهكها الغموض ونهشت الأسئلة والإحتمالات فكرها:
- أخبرني أين والدك؟ مالذي حدث؟ ولمَ ستأخذ السلاح معك؟
لم يجبها متجهاً صوب أقرب بندقية في المنزل، وعندما ألحت عليه لم ينطق سوى بثلاث كلمات:
- سأخبركِ فورعودتي
خرج بعد أن أخذ السلاح تاركاً إياها بين براثن القلق .
ناول قيس السلاح ثم ركبا السيارة ومعهما طه، أما بقية الجيران فقد عاد كل لمنزله، فمن سيجرؤ على الذهاب للوادي في هذا الوقت إن لم يكن أمراً جلل بالنسبة إليه.
سارت السيارة بين غياهب الليل حتى وصلت لمدخل الوادي، وادٍ ضخم بين جبلين شاهقين لاتكاد تُرى نهايتيهما، لاشيء يسكنه سوى الظلام والضباع، تقدموا ببطء وصمت ولاصوت يُسمع سوى صوت الرياح واحتكاك الإطارات بالحصى تحتها إضافة إلى أصوات بعض الأنفاس المضطربة.
تقدموا يبحثون بأعينهم عن شيء ملفت،وكان كل تقدم بالنسبة لقيس وإيهاب كجبل يُحط على قلبيهما، مالذي سيجداه في هذا المكان؟ أحقاً لوالدهما دمٌ هنا؟
وصلوا لوسط الوادي، ثم أوقفوا السيارة مترجلين منها للبحث عن شيء يدلهم، لكن فور وطأة أقدامهم للأرض أبت التقدم أكثر
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!