تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الفَصل الأوَّل | رُوح وحِيدة
في كل مرة حاولت فيها تجاهل كوني نَكرة، شعرت بتسلل الكره تجاه نفسِي المُحطمة، لا أعرف كيف أجعل من الناس يحبونني رغم أنني أسعى لتحقيق رغباتهم و أن أكون طالبة مجتهدة ومطيعة.
فِي حين أن الطلاب في صفي محبوبُون وناجحون حتى إن لم يحاولوا الحصول على ذلك، يتحدثون بغير اكتراث ويعبرُون عن آرائهم.
عكسي أنا، التي تخاف أن تفتح فمها خشية مِن أن ينعتها أحد بالثرثارة والمتطفلة ... وذلك يجعلني أتسائل إن كنت أستحق ما يحدث لي، وإِن كُنت السبب في ضعفي.
أشعر بالتعب من حياتي المعلقة بينَ خيوط تحيكها أيادي الأشخاص الذين يكرهونني، ولا أعلم إن كنت سأكمل ما تبقى لي من سنين عمري باليأس الذي يستهلك كل طاقتي، ولا يجعلني التفت إلى أي شيءٍ آخر أُصلِح به من نفسِي.
" أُوريليا، انتبهي للدرس! ".
جفلت من صوت الأستَاذ الغاضب الذي جعلني أخرج من فكري، بذعر أمسكتُ خافقي المضطرب وتأرجحت عيناي بقلق تنظر لملامح وجهه المستاءة، شفاهه العابسة ونظراته الحادة التي انعكست من زجاج نظارته كانت كافيةً بأن ترغمني على إنزال رأسي بخجل بينما أسمع همسات ساخرة تمزق نياط قلبي.
قبضت على تنورتي وأنا أشعر بالضيق من نفسِي التي تضعني في مواقف محرجة، أبيت أن تخرج دموعي كي تظهر ضعفي لتلك العيون التي تنظُر لِي وتنتظرُ سقوطي.
رن الجرس ليتردد صوته في عقلي كطبولِ الحرب، ذلك إعلانُ الحرية لهم، لكنه بداية معاناة أخرى لي.
استمعت لكلمات الأستاذ وهو يحث الطلاب على الاجتهاد في الدراسة حتى لا يخيب ظنه بهم، ترددت تلك الكلمة الأخيرة في فكري وخفت أن لا أبذل جهدًا كافيًا بِجعله غاضبا مرة أخرى.
كنت أعرف بأنه يقصدني في حديثه، لكنه لم يكن يحبني حتى عندما كانت درجاتي مرتفعة، لذا لا أعرف مالذي علي فعله حقا في هذا الوضع.
نَهضت وَاضِعة يدَاي على طَاوِلتي وأنا أحدِق في النَافِذة التي يَدخل مِنها نَسِيم بارد، أرى فتيَانًا يَركضون وشعورهم تتطاير والحماس يعتلي ملامِحهم، ثم نَظرت إلى نَفسِي من إنعكاس النَافِذة لملامِحي الذابِلة وعيناي الزرقَاء التي تَمرد فيهَا لون رمادِي كئِيب.
وأتسَائل كَم مِن طَاقة أحتَاجها لأركض مِثلهم، لكِنني أكتفي بالسؤال ولا أبحث عن جَواب يُرضي خافِقي … رُغم أن لا أحد يَعترِف بِي، إلا أن هُناك شبحًا صَغِيرًا يُود المحاولة لتَجربة الأمر.
تلك المشاعر التي تجتاحني في كل مرة أرى فيها شخصًا يحاول، تجعلني أرغب في النهوض وأن أثبت أنهم على خطأ … وأنني لست نكرة كما يعتقدون، لكنني أخاف من الفشل وأن أصبح مُجرد أضحوكة.
تَنهدت أشيح بصِيرتي وأبتعد بِخطوَات ثَقِيلة، أخرج مِن الصَف بعد أن عادت إلي نفس المشاعر ببطء، مع زِحام زُملائِي وهم يتسَارعون للخرُوج بإستثنائي.
أشعر بأنهم يتقدمون في حياتهم بينما أقف في نفس البقعة وأغرق بصمت، وأود حقا أن أصبح مثلهم لكنني لا أعرف من أين أبدأ في إصلاح نفسي.
حديثهم وضحكاتهم تشعرني بأن هناك من ينتَظرهم فِي المَنزل وهو يُعد طعَامًا لذِيذًا، وربما أتوهم ذلك لأنني أرِيد تجربة هذَا الشُعور، لكنه إحساسُ بسيط أريده . .
أن يكون لدي بيت دافئ ووالدان محبان، لكن ربما لا أستحِق ذلك، لذا مات وَالِدَاي وتركانني في مَيتم كَئِيب . . رغم أنهم أكثر ما احتاجه الأن لأصبح شخصا محبوبًا من قبل الآخرين.
فتحت عيناي بتفاجئٍ عندما دُفِع كتفي بقوة ليختل توزاني فَلتفتُّ لأرى فتاة ذات شعر كستنائي تمثل الغضب وفي داخلها حب للسخرية، أردَفت بحنق وصوتٍ عالٍ جعل بعض الطلاب ينظرُون بحيرة : " انتبهي لخطواتك كدت أقع! ".
**
**
بلعت ريقي والخوف قد تمكن مني، شعرت بساقاي تتَجمدانِ في مكانها بينما تسارعت نبضات قلبي، ابتسامتها الساخرة ونظراتها المتعالية جعلتني أشعر بخيبة أمل من نفسي، هل أنا سهلة لتلك الدرجة؟
أنبست بخفوت أحاول أن لا أتلعثم كالعادة رغمَ شعوري بالإهانة من نظراتها : " أعتذر لإهمالي ".
**
**
هذه الكلمات التي خرجت مني، لم تكن تشبهني على الإطلاق، لكنني كنت خائفة من الرد، مذعورة من أن يتفاقم الموضوع إلى أن يصل للآنسة وحينها سأكون في موقف لا يحسد عليه …
عقدت حاجبي وأنا أراها ترحل مبتعدة عني، شعرت بضرباتٍ ثقيلة في خافقي لأمسكه بألم، كنت أريد أن أطلب المُساعدة لكن رؤيتي تشوشت والأصوات قد اختلطت في فكري وطنين أشبه بإنذارات الحرب تعلق في أذني.
شعرت بشيء لم أستطع كبحه كما أفعل دائمًا، وكأنني أحترق حية من الغضب والضيق، أحسست بلهب أزرق يتراقص في جسدي يشعل نار الإنتقام فيها.
مَشيت خَارِج سور المَدرسة وأنَا أنظر لِمن يَذهب مع والِده فِي سيَّارة فَاخِرة، وآخر مع أحد إخوته بينما يتبادلون أحاديثًا دافئة تشعرني بِوحدة موحشة تقطع داخلِي لأجزَاء.
رُبما لأن ما قالته لِي الآنسة صبَاحًا، أن أستَعِد للرحِيل قَبل التَخرج لأنَنِي سأبلُغ الثَامِنة عَشر بِشكل قانونِي، لذَا بدأت بالتَفكِير فيمَا سأفعله.
للعثور عَلى عَمل وسكَن يأوِيني، فخفت أن لا أستَطِيع فِعل شيء سوى المُكوث فِي الشَارِع طِيلة الشِتَاء القَادِم، وذلِك جعلني أشعر بالإستيَاء من نفسِي.
أخذت نفسًا عمِيقًا وأنَا أبتَعِد وأحاول مَحِي أحادِيث يصيغُها عَقلِي، فالوقت يَمضي وأنا عَلى وَشك التَخرج ولا أملِك سكنًا، وهذا يُصيبني بالتوتر بِشكل مُقِيت للغاية.
رفَعت رأسِي نَحو السمَاء أتَأمل جمال الغُيوم التي تتسلل مِنها أشِعة الشمس الدافِئة، فَرفعت يدي بَغية إمسَاكها … أريد التَحلِيق عاليا عَبر السحب كمَا يَفعل الصَقر بِثبات دون أن يُحرك جِناحيهِ لِفترة من الوقت، وذلك مُذهل بالنسبة لي.
لن أستطِيع فعل ذلك ابدًا، هذَا مُستحيل!
نعم، لا يجب علي التفكِير فِي شيء لا أستحِقه حتى إن كان مُمكنًا، لن يحدث شيء سوى أنني سأتأمل كثيرًا، وبعدها سيتكسر سقف توقعاتي فوقي تاركًا حطامه عليِّ.
خرجت من فكري عندما تَوقفت أمَام بَاب المَيتم الذِي يتَألف من طَابِقين، يَحوي نوافِذ صَغِيرة مَصنوعة مِن الخَشب، وفِي الجانب الأخر بَاحة صَغيرة نَلعب فيها .. أو بالأحرى يلعبون في وقت الفرَاغ، وهي المكان المُفضل لي من حيث المسَاحة ورَائِحة العُشب عندما يَختلِط مع قطرَات الندى في الصباح، والكرَاسِي الخشَبية الوسِيعة.
هذا المكان الساحر يُبقي أملا ضئيلًا في داخلي بأن الأمور لَا زالت بخير.
" أورِيليا، وصلتِ فِي الوقت المُناسب، الآنسة تُنادِيكِ! ".
**
**
شَهقت بِخفوت أخرج من فكري والتفت لها بإرتباكٍ حين وصل حدِيثهَا إلى أذني وعلمتُ أنها جادة، أومأت بغير تفكير وأسرعتُ بِخطوَاتي التِي يُصدر وقعُهَا صوتًا خفِيفًا تجَاه غُرفتِها، أعقِدُ حاجِبَي بِقلق، بالأمس قالت؛ يجب علي الإستعداد للرحِيل والآن لا أعلم مالذي سَتقوله لِي.
تبَاطئت قدمَاي وأنا أحدق فيها من بَعِيد، ترتدي تنورة كسمَاء الليل تناسب حدقتيهَا البنية، وقميصًا أبيض اللون يُناقض لون شعرها القَاتِم، تنتظرني بِفارغ الصَبر لأتنفس بتوتر مَلحوظ، فأردفَت بنبرة مستاءة وهي تبتسم، لكنني علمت بأنها تخفي غضبها مني :
" هل فَكرتِي فيمَا قلته لكِ؟ ".
" نعَم، لكِنني أحتَاج بعضًا من الوقت للعثور على عمل ".
شددت بِقبضتي على قميصي حتّى لا أتلعثم رغم أن صوتي كان خافتًا.
" هذا جَيد لكن يَجب أن تسرعي فأنا لا أريد سماع المَديرة تثرثر بشأنك قائلة أنني لم أربِيك جيدًا للأعتماد على نَفسك " إقتربت مني بِسرعة حال حدِيثها بنبرة لطيفة كاذبة، وحدَّجت بعينيَّ بحدة واضِعة يدها على خُصرها تَرفع حاجبًا واحِدًا بإستصغَار.
بَلعت رِيقي أردِف مُحاولة استجماع قوتِي فهي لا تُحب الضُعفاء أمثَالِي :
" سأحَاول أن لا أخِيب ظَنك بِي ".
تنهَدت وهِي تبتعِد عنِي محركة رأسها بغير تصديق، فأردفَت قائِلة بفتور :
" أرحَلِي الأن لقد قُلت ما أرِيد ".
**
**
أنزلت رأسِي أخُذ خطواتي مُبتعِدةً من مجَال رؤيتها وأتجِه نَحو غُرفة الطعَام، لأنني من يَطبخ لهم العَشاء، وهذَا الشَيء الوَحِيد الذي يُحبونه! على الأقل هُناك شيء واحِد يَجعلهم يَعترفون بما أجيد فِعله بدلًا مِن التَقليل من شأني وكأنني جَرذ يريدونه أن يموت.
بالطبَع لا قيمة لي في هذا العَالم الكبِير، هو فقط لا يُريد تقَبل وجودي في دَاخله، ولن يَلحظ أحدٌ خفُوت صوتِي وإختنَاق أنفَاسِي وذبول أهدَابي التي أرهقهَا البُكاء وحِيدة . . .
أمسَكت مِقبَض باب غُرفة الطعام التي أعِيش فيهَا مع فتيات الميتم مُنذ أكثر من عَشر سِنين، ومع صدور صوت فتحه تدفقت ذِكريَات كثيرة جعلت مِن خَافِقي يَرتجِف.
" أنظروا لتلك التَعِيسة تبدو وكأنها شَبح ".
" أوريليا، أنتِ لا تستحقين المُكوث في نَفس الغُرفة معنَا ".
" خَطِيئة أنجبهَا شخصَان غبيَان ".
كلِمَاتهم ترددت في أذنِي بِطريقةٍ مُزعجة، مع أصوَات ضحِكاتهم والتي تُعبر عن كرههم لي، تأرجحت في مكاني أغرق في تلك الشباك مرة أخرى، أشعر بأن الزمن يتوقف من حولي بينما الأصوات تتشوش وتصبح طنينًا مؤلمًا.
أتمنَى فقط … أن يكون لدي والِدَان يمنحانني الحب الذي أحتاجه، كنت حينها سأكون جَمِيلة وذكِية وأيضًا محبوبة وناجِحة، وسيكون لدي مَنزل دافِئ! لكِن ذلك لن يَحدث أبدًا، رُغم بُكائي المُستمر في الليل إلى أن تَنفَذ دُموعي وتجِف على وجنتِي المُحمرة وأنا أتمنى.
أرِيد فقَط وجود معنىً للحيَاة التي أعيشَها ولا شيء آخر.
بلعت ريقي أحاول استرجاع أنفاسي المتسارعة، ثم دَلفت أنظر لوجوه الجَالِسات وهم يتحدثُون عن أمور مُمتعة وأنا الوحِيدة التي ستذهب للطَبخ ولن يتحدَث معها أحد.
" أسرعِي يا أوريليا، نحن جَائِعات ".
أردَفت ذو الشَعر الأشقَر الحريري بِصوتها النَاعِم جاعِلة منِي أومأ لها ثم أبدَأ في فعل ما أفعله من سنتين تقريبًا دون أن أجيبها، فأنا لا أرِيد أن تنزِل دموعِي أمامهم حتى لا أبدُو ضَعيفَة ونَكرة أكثرَ مما أنا عليه بالفعل .. سيبدأون في رمي حَدِيثٍ يجعلني أرغبُ في البُكاء والهرب من كُل شِيء، لأنني جبَانة.
حركت رأسي أنفض هذه الأفكار بأخذ سكِينة والبدء بتقطِيع البَصل واضِعة إياه في المقلاة مع الزيت ليبدأ بإصدار صوت غريب، لكنه يعجبني بطريقة ما.
تنهدت بتعب وشعرت أن أنفَاسي ثقِيلة للغاية لدرجة أنني أحس أن هُناك جبلًا وضعه أحدُهم على صدري يجعلُني مُرهقة.
رغم أنني أشعر بالسعادة لأنني أطهُو إلا أن هذا الحملَ الذي يحاوط جسدي يجعل كل عملٍ كشيء ثقيل.
انتبهت لرائحة البصل لأضيف الجزر والفلفل الحلو بألوانه السَاطِعة، ثم ذهبت إلى الخِزانة التي تفوقني طولًا، مصنوعة من خشبٍ ذو لون مُحترِق، وأخذت الأرز فغسلتهُ ووضعتهُ حتَّى ينضج مع الخضروات والبَيض في الأخِير.
" رَائِحة الطعَام شَهية " بدأ ضجيجهم وهذا ما كُنت أنتظِره منهم عندما بدأت بتجهِيز الأطبَاق على الطاوِلة حتَّى أستشعِرتُ حركتهُم وهم يجلسون.
شعرت بدِفئ المكان رُغم قَلبي الذي يَتجمد بردًا ورأسي الذي لا يتوقف عن التَفكِير فيمَا لا أستحقه، تقوست شفتَيَّ حين أدركت أنني لن أكون معهم عندما أخذت صحني مُبتعِدة عنهم لأن لا كُرسي لي حتى أجلِس عليه، أو شخص يُريد أن يأكل معي … لذلك سأتناول ما طَهوتُهُ في البَاحة الخَلفِية.
وذلِك يجعل من رؤيتي تتشوش، تبًا . . لِم الدُموع تتدفق الأن للخروج رغم أنني لم أسمح لها؟ حتى هي بدأت فِي خيانتِي والأن تبقى الكُتمان، صَدِيق قَديم لم يفكِر بِمثل ما فعلته قطرَات المطر هذه بي.
حتى أنا لا أفهم ذاتي، تارة تتمنى وتريد وتارة أخرى تأبى ذلك وتنكر استحقاقها للأشياء التي تحبها، وكيف ذلك وأنا نفس واحدة في جسد واحد.
جَلست على الكُرسِي الخشبي البارد ووضعت طَبقِي على الطاوِلة الفَارِغة، رفعت يدي بوهنٍ أتناول ما أعددته بصمت وحزن عميق إجتاح جوفي بينما قلبي مقيد بقفص لا يُرى وبات الرحيل ملجأ.
لكِن هل سأجِد مسكنًا أشعر بِه بالدِفئ؟ هل سأجِد شخصًا يُحبني ويسأل عني عندما أكون مريضة؟ رُبما لن يَحدث ذلك مطلقا، وسأموت وحدي غارقة في هذه الأماني ولن يأتي أحد لجنازتِي …
ذلك إن دُفنت أصلًا، لأن لا أحد يُرِيد لمس هذا الجَسد الملوث.
مسحت دمعة خرجت سَاخِنة لدرجة أنها تحرِق وجنتي، فأكملت تناول الطعام أمسح تلك الأفكار بينما أشعر بِرغبة عارِمة فِي الإختفَاء مِن الوجود :
" تبًا، تبَا لكِ يا أور لِمَ أنتِ ضعيفَة هكذَا ".
**
**
عضضت على شفتي بِغضَب أغلق عيناي وأسند رأسي على الطاوِلة البَاردة ولا أعلم ما الذي على فِعله ، أنا مُتعبة للغاية، مرهقة لدرجة أن الموت قد يكون راحة لي، تتسَاقط الدموع واحِدًا تلو الأخر والشهقَات أطلقت العنان لنفسها، تجعل من أنفَاسي مُضطربة وضائِعة …
أشعُر كأنني جُندِي بيد مقطُوعة يَحمِل سيفًا ليواجِه جيشًا بمُفرده، رُغم أنه يَعلم بِخسارته مُسبقًا لكِنه يأبى الاستسلام لسبب يجهله، فقَط رُوحه لا تُريد الهَرب حتَّى لا يتأذى أحد بسببه.
" ساعِدني أرجوك، أصلحني لأكون مَحبوبة ".
**
**
رفعت رأسِي أستنجِد باكِية فرُبما يَصل صوتي عنان السمَاء، استنجد وأنا أعلم أنني لا أستحِق ذلك، لكنني لا أستطيع أن أكمل حيَاتِي وأن لا أفعل شيئا، لذا سأحاول طيلة ما حييت، وسأقاتِل من أجل أن أسعِد الاشخاص الذِين أحبهم لكِن … ذاتِي مُرهقة وخائفة، تُرعبني فكرة أن أكون هكذا إلى أن ألقى حتفِي دون إنجاز.
تنهدت أحدق إلى الفتيات مِن النافِذة وأنا أفكِر فيمَا سأفعله بعد الرَحِيل من هذا المَكان الذي يزدحِم بالأشخاص …
ما الذي سأشعُر به عندما أكون وحيدة من الخارج؟ لن أكون مُجبرة على إخفاء ضُعفي وجرُوحي التي بدأت تُصبح ندبَات لن تُمحى، ستُعذبني فأتذكر كُل شيء حاولت نِيسانه في محاولة المضِي قُدمًا …
أغلقت عينَاي وتغلب النُعاس علي لأُصبح ضحيته الوحِيدة، فتركت الطعام وأسندت رأسي على الطاولة، وفَكرت مُجددُا … لن يستطِيعو تناول طعامي ورُبما لن أراهم مرة أخرى وللأبد، لكنني لِمرة واحِدة أردت التَحدث عن كون قلبي مُحطمٌ كالزجاج، وعن وروحي التي أصبَحت كرمَاد بدأ بالاختفاء مع النسيم الجمَيل الذِي أحبه.
رُبما فِي حياة أخرى ومكان مُختلف، سأعِيش بِسعادة مع أشخَاص دافِئين يُحبونني وينتظرون عَودتِي لأحكي لهم ما مررت به في الخارج مِن حروب بائِسة وحدِي .. وأنني دائمَا فكرت بالهرُوب ولكنني لم افعل وكنت شجاعة.
رُغم تَحطم قدماي، أكملت الزَحف فقَط لأصِل لهم.
ثم عِندما أرادوا إحتضاني تبَخروا في الهواء، وتبَقى الظلام الدامِس لي، فبتُّ وحِيدة مُجددًا وكأنني عدت للواقِع المرير، رُبما ستَمر الأيام لكِن لن أتقَدم معها وسأبقى فِي بُقعتِي الزَرقاء بِصُحبة الأشبَاح.
نقرَات أنَامِل ناعِمة جعَلت من النَائِمة ذو الشَعر الغُرابي تفَتح أعينهَا الزرقَاء التِي امتزج بِها دُخان رمادِي، ففتحت عينيها بانزعاج أثر ضوء الشمس ثم نظرت إلى التِي تَقِف أمَامهَا، فتاة صغِيرة ذو شَعر أشقَر وعينان كَالعشب الأخضر تميل رأسها بِشفَاه مقوسة.
" أستيقِظي، ألا يَجب عليك الذَهاب إلى المَدرسة اليوم؟" أردفَت تلك اللطيفَة بِمرَح عكس القَابِعة أمَامها : " صحيح! شكرًا لكِ ".
**
**
أسرَعت أورِيليا بالنُهوض رغم أنها كانت تشعر بالألم في جسدها بسبب نومها في الخارج، ربتت على شعر الصَغِيرة بينما أبتسَمت بِحنان تجاهها، حدَقت بِها الطفلة وهِي تَركض للدَاخِل بَهلع، حكت شعرها الأشقر مُتنهِدة وأردفت عابِسة :
" إنني أحسُدها، لها إبتسَامة جَمِيلة رُغم ذبُولها "
ركَلت حصَى كانت أمَامها تهم بالدُخول لأن الطَقس بَارِد والشَمس ليست ساطِعة لتُدفِئها.
أخذتُ أنفَاسًا مُتقطِعة وأنَا أقِف أمَام سُور المَدرسة بمشاعر غريبة باغتتني فجأة، ويَبدو أنني تأخرت قليلًا لأنني سمِعت عِتاب الأستاذ، مشيت نحوه بِخطواتٍ سرِيعة على أمل أن لا يرَانِي وبالفِعل لم يلتَفت لي ولو للحظة وذلك جعلني سعِيدة، بداية مُوفقة!
الأمر الجَيد فِي كون الشَخص منبُوذًا هو أن يَكون غير مرئِي، لكن فِي بَعض الأوقَات يكون الأمر مؤلمًا بِشكل مُقِيت.
صعدت على الدَرج مُهرولة لأتوقف أمام الفَصل، أفتح البَاب بِهدوء حتَّى لا أزعج أحدًا وإذا بِضجيج الطُلاب يزعج أذني، أسرعتُ إلى طَاوِلتي التي بجانب النَافذة المُفتوح فجلست قبل أن يأتي الأستَاذ ويعاتبني معهم وهذَا آخر ما أتمناه، تنهدَت عِندما فُتح البَاب مُعلنًا وصوله لتهدأ الأصوات من حَولِي ويبدأ الجمِيع بأخذ مقَاعدهم بينما المُعلم يفتح الكِتاب : " سيكون درس اليَوم من أخر دروسنا في هذا العام! ".
**
**
" لِذَا أتمنَّى التوفِيق للجميع في دراستهم ".
همهم الأستاذ بِقليل من الإحبَاط، وربما لأن هذا أخر أسبوع سنكون معه، والأمر مُحزن قليلًا عِندمَا أفكِر به، إذ يَعتني بِنا طِيلة العَام ونُصبح كأبنائه ثم نَرحل وكأن شيئًا لم يَكن.
لكِن أعتقِد أن ذلِك لا يُهمني، لأنه لم يهتم بي قط لذا لن يحزن لِفُراقي.
طَرق الأستاذ على الطَاوِلة لأنتَبه له كالعَادة ولا أعلم إن كُنت سأنجح في الإختبار النهائِي، الكثِير يَشغل فِكري من حيث العثور على عمل وبعدهَا سكنٌ يأويني وذلِك صعب!
شعرت مرة أخرى بالطنين في أذني وضربات قلبي المتسارعة، شعرت بأن هناك شيء خاطئ ..
لم يحصل لي هذا من قبل إلا هذه الفترة، أمسكت خافقي أعقد حاجبي بألم وأفكر في ما إن كان ذلك يعني أنني سأموت، ما إن كان هذا الصوت هو آخر شيء أسمعه .. لكن صوت رنين الجَرس قد أخرجني من تلك الحالة، وكانت هذه أول مرة أشعر بالسعادة لسماعه.
لكن … كَيف مر الوقت بسرعة ولم أنتَبِه له وهو يَمضي؟
عادة ما اكون منتبهة للساعة وأشعر بالملل بسبب بطء اليوم، ما الذي يحدث لي؟ سألت من بِجانبي وكان القلق يتسلل إلى جوفي ببطئ :
" كم السَاعة ؟ ".
**
**
" يَبدو أنكِ شارِدة الذِهن اليوم، لقَد حان وَقت الراحة " ماذَا؟! مالذِي يَحدث لِي، لِمَ لم أنتبه لخروج المُعلم وحتى بَدء الدروس الأخرى، اعتقدت أنني شردت لفترة وسعدت برن الجرس لكنني مخطئة!
أمسكت رأسِي أفكِر فيما كنت أفعَله، لكنني لم أكن أفعل شيئًا سوى أنني كنت أنظر لكِتابِي، وأعتَقدت أني أنتبه لدرس الأستاذ لذا ما الذي يحدث معي؟ مهلًا، هل أعَانِي من فقدَان الذَاكِرة أو ما شابه؟
لا .. لا لا من المستحيل أن يكون لدي شيء كهذا .. إذا هل أعاني من مرض نفسي؟ لا أعرف .. مهلًا، لم لا أعرف ما الذي يحدث لي؟!
نَهضت وأنا أرتَجِف أنظر ليدي التي تهتز، حاولت أخذ أنفَاسًا سريعَة عندما شعرت بالقَشعريرة تجمد جسدي وكأن هناك شيء ثلجي يقترب مني، أختل توازني فوضعت يدي على الطاولة اتكأ عليها كي لا أقع.
كانت هناك ومضات غريبة تمر أمامي ببطء، ومع كل ومضة كان السواد يبتلع كل شيء أمامي وشعرت بأن هناك كيان يحاول الدخول في جوفي … صوت طبول غريبة دقت حولي، لأشعر بأن عقلي يدور حول نفسه عدة مرات قبل أن يتوقف.
جعدت عيناي أحاول الرؤية، إلا أن الظلام كان يحاوطني من كل صوب، حاولت الصراخ لكن ثغري أبى التحرك كجسدي، تسارعت أنفاسي وغرقت في مشاعر الخوف وفكرت في أن تلك هي نهايتي، لكن للحظة توقف كل شيء، صوت الطبول وحركة عيناي وحتى نبضات قلبي المتسارعة . .
عندما ظهر بريق قاني .. يشبه الدم و يخالطه لون آخر يشبه النبيذ، كان مثل .. الكرة التي تحمل صعقات كهربائية داخلها، يتحرك بسلاسة كشيءٍ ينبض بالحياة، ويلتف حول نفسه بدوائر منظمة، تلك الخطوط التي كانت كالبرق بدأت تخرج منه .. ماهذا؟!
بدأ يقترب مني ببطئ ويحاول أن تصل خيوطه إلى جسدي . . كانت دقات قلبي تتسارع لدرجة أنني شعرت بها في حلقي، لم أستطع التحرك من الخوف الذي اجتاحني وكأن أحدهم سكب الشمع علي
وفجأة تراجع بسرعة غريبة مثل دوامة زمنية، وكأن أمرهُ قد فُضح ليختفي من أمامي ويتركني في ريبة وتخبط من أمري!!
" أوري.. ".
" أورِيليَا! ".
صَرخت بهلع عِندما إهتز كتفي، وانقشع الظلام من حولي فرأيت الجمِيع يُحدقون بي، وحينها اعتقدت أن ذلك الكيان قد أمسك بي!
جعدت عيناي بسبب الضوء وكنت أرى بشكل غير واضح مما جعلني أتساءل عن سبب اهتمام الفتيات بي .. حتى عندما كنت أتأذى لم يكن يبدين اهتمامًا ..
هل هذا يعني أن ما رأيته كان حقيقة؟ أم أنني تجمدت فقط في مكاني؟
" أنَا . . . أعتذِر " قُلت للفتاة بحرج أخرُج مُسرِعة مِن الصَف، شعرت بالإعيَاء بسبب ما حدَث ولا أعلم إن كان ما رأيته حقيقيًا، لكن كان شعوره أشبه بِعين تنظر لِي دون شيء أخر، تراقبني وتفكر فيما إن كان عليها اختياري ..
ورُبمَا فقط شيء دَاخِل فِكري لا أفقهه، لكن الأمر المؤكد أنني رأيته بوضوح .. و ربما يكون وهمًا، لكن كيف؟
مَشيت في الرُواق وَحدِي أعقِد ذِرَاعي وكأنني أحاول أن أطمئن نفسِي بأنهُ لا شيء، أنَّ كل ما رأيته كان وهم صاغه عقلي ليهربَ من واقعه المؤلم.
أسرعت حالَ أن رأيت الدَرج كي أهرب من أفكاري، فتَطاير شَعري مع كُل خطوة إلى أن وصلت إلى الكَافِيتيريا، رأيت الطُلاب يأكلون، وأصوات حديثهم أشعرتنِي بالأمان، لذا ذهبت لأفعل مِثلهم وجَلست في مكَان فارغ، واضعة طعَامِي الجَمِيل على الطَاوِلة.
" يا لها مِن رَائِحة لذِيذَة ".
هممت بأخذ مِلعقَتي لأبدأ بالأكل فِي هُدوء وحدِي أحاول أن أخر نفسِي من تلك المشاعر التي اجتاحتني، مِن ذلك الخوف الذي يسري داخلي، ومن كل الأفكار الغريبة التي بدأت تروادني مؤخرًا، لكِن ذلك لم يَدم طَوِيلًا لأنني سَمِعت سقوط طَبقِي على الأرض.
انكسرَ الطبقُ وتناثر الطعام على الأرض، نظرت جاحظة عينايَ بصدمةٍ إلى الذِي افتعل ذلِك وإذا بنفس الفتاة التي اصطدمت بي، تضع يدها على خُصرها وتُحدج بسُخرية لعوبة.
" هَل أصبَح الكَلب يَأكل معنَا؟ ".
كلب؟ هل نعتَتني بالكلب توًّا، لكنني … لم أفعل شيئًا، ما السبب إذا؟ وأيضًا لِم تضحك بطرِيقَة غريبة؟ عقدت حاجبي بغضب وأنا أحاول فهم ما يحدث لأشعر بصوت حاد يخترق أذني.
وضَعت يدي عَلى وجنتِي التي صُفعت بِقوة فضحوتُ على الأرض وأنا أحدق بِصدمَة لم أشعُر بِها من قَبل، أحسست بالحرارة تجتاح وجهي الذي احمَّر، كان قلبي يخفق بجنون وكأنه سيخرج من حلقي، بينما أنفاسي المضطربة تضيق على صدري .. شعرت بالغضب وبأن هناك شيئًا قد كسر، ولم يجب عليه ذلك .. ربما عزة نفسي!
إقتربَت مِني فأمسكت رأسي لِتضرِبَه في البَلاط الذي سُكب عليه الطعَام، شعرت بجسدي يتهاوى إلى الأسفلِ ويصطدمُ وجهي في الصينية، تأوهت بألم وإذا بِها تتحدَث بنبرَة غرِيبَة تحمل فيها حقدا وغلا لا أعرف سببه :
" كُلِي الطعَام من الأرض أيتهَا القَذِرة ".
تجمَعت الدُموع فِي مِقلتَيَّ وأنا أرى بَعض الوجوه تضحك وتنتظرني أن أفعل مَا قالته، وكأنهُ ليس لِي كِبريَاء أو كرَامة، بدأت تضغُط على رأسِي الذي يأبى النُزول، لِذا أخذت المِلعقَة وحشرتهَا فِي فَمِي لأختَنِق بالقَرف الذي وضعته، لقد داست عليه قبل أن تفعل ذلِك عمدًا لإهانتِي أكثر.
ذلِك جعَل مِن كُرة اللهب تُعاود الظُهور في خافقي مُجددًا لكنها بدأت تَثور وكأنها تريد أعلان الحرب عليهم كلهم … لكنني لم أرد أن يَحدث شَيء سَيء حتَّى لا تغضب الآنسة مني أكثر من الأمس.
لم أرد أن أتحول لوحش يخاف منه الناس، فأبعدتُها عنِي ورَكضت مُسرِعة للحمام وأنَا أترنَح جاعِلة مِن الطُلاب يَبتعدون وهم يَضحكون، كافحت لأكون هَادِئة كِي لا يَلحظ وجودي أي شخص، لكِن لا أحد يُرِيد تَركي بِسلَام ولا أعلم السَبب!
لِماذا … لِماذَا … لِماذا يحدُث هذا لِي مُجددًا، لِمَاذا … لِمَاذا؟ حركت رَأسِي وأنا أتقيَّء ما بَلعته، تساقطت دموعي الحارة من عيناي الخائِفَة والذي غطَاها سَحابٌ رمادِي شوش رؤيتها، مسحت فَمِي بُعنف وانا اصطنعُ الغضب لتتقوس شِفَاهي بعدما تكسر كذبي.
" تبًا لهم جمِيعًا ".
خرجت من ثَغرِي تلك الكلمات من غير وعي مِني عندما نَهضت خارِجة من دورة المِيَاه وأنا أشتعِل قهرًا، أشعر بالظلم مما يحدث لي ونفسي لا تطيق كل ذلك الذل.
مشيت خَارِج المدرسِة لأنني لن أستَطِيع إكمَال الدُروس بهذه الحالة ولا أريد أن أرى نظراتهم لي بعد هذه الحادثة، فجلست على الرَصيف أحتضِن نفسِي بِصمت.
لا أفهم شيئًا مما حدَث سابِقًا، أعنِي أنني لم أرى هذه الفتاة من قَبل إلا الأمس، ولم أفعل لها شيئًا يجعلها مُنزعِجَة مني.
بلعت ريقي بصعوبة بينما بكيت وحدِي لأن لا أحد حولي، أشعر بأن الأشَياء السيئة فقط تترَاكم على ظَهري فبَات الوقوف صعبًا أيضًا، أنا أكره كل شيء، أكرههم كلهم، تبا لتلك النفوس التي تستمتع بإهانة الآخرين!
شعرت بالخوف لوهلة عندما شعرت بأن هناك من يتنفس خلفي فتلفتُّ بهلعٍ أبحثُ عن أي شخص حولي، لكنني لم أجد أحدًا.
تجمد جسدي كالشمع وجحظت حدقتاي حين سمعتُ صوت تلك الطبول مرة أخرى، تدق ترانيم الموت خاصته على قلبي المُرتعب، ومضات بطيئة قشعت النور وبدلته إلى ظلمات كئيبة تجعل من عقلي يجن، لماذا يحدث ذلك مجددا وبشكل متكرر؟!
بلعت ريقي وعيناي تتأرجحان بقلق تحاول أن تجدَ شيئا يطمئنهَا، لكن كالعادة؛ كل شيء ضدي.
شعرت بتلك الأنفاسِ مرة أخر، تقتَربُ مني وكأنَّ ذلك الكيان قد تمكن من الدخول إلى فكرِي، وأُدرك … أن ذلك الغضب والشعور بالسخرية كان منه ولم يكن مني.
جفلت عندما ظهر صوتٌ ترددَ فِي داخل رأسي، تردد صداه الذي همسُ بنبرةٍ مختلة تسعى للإنتقامِ وتجعلُ من جسدي يقشعر :
" أشعلِي النَار وحدِقي فِيهم وهم يذُوقون الحرِيق! ".
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!