وضع القراءة:

معركة أستيريا

في قلب العتمة الساكنة، لم يكن هناك ما يكسر صمت الممر الأرضي المظلم سوى وقع خطوات متباعدة، ينبعث من مشعل وحيد يقبض عليه الجد بيده الهرمة القوية.
سار ليون خلف جده بخطوات حذرة. كان فتى تميز بعينين زرقاوين كصفاء السماء، وشعر بني فوضوي، يلف جبهته بعصابة قماشية يرتديها دائماً. التفت يميناً ويساراً بنبرة وجلة وقال متسائلاً:
- "ما هذا المكان يا جدي؟ إلى أين تأخذني؟ ولماذا لم نصطحب أياً من أفراد عائلتي معنا؟"
لم يلتفت الجد، بل ظل ينظر إلى الأمام وهو يجيب بنبرة هادئة ورخيمة:
- "سأخبرك حين نصل يا بني.. كن صبوراً"
تأفف ليون بضيق وهو يفرك ساقيه المتعبتين:
- "جدي، نحن نمشي منذ فترة طويلة جداً.. لقد بدأت رجلاي تؤلماني حقاً!"
توقف الجد فجأة، والتفت ببطء و قال :
- "لقد وصلنا"
نظر ليون حوله بحيرة، وبدأت نبرة التوجس والخوف تتسلل إلى حنجرته. فالظلام هنا لا يزال يلف المكان كلياً، وهو يرى عتمة كابوسية تعيد إلى ذهنه تلك الأيام القاسية التي قضاها وحيداً في غابة الوحوش. اقترب خطوة أخرى من جده، واعتصر أطراف ثيابه هامساً:
- "ولكن يا جدي.. المكان مظلم تماماً، أنا لا أرى شيئاً على الإطلاق.."
لاحظ الجد تلك الرجفة الخفيفة في صوت حفيده، فالتفت إليه بكامله، وخفض المشعل قليلاً حتى تقع أضواؤه الدافئة على وجه ليون القلق. قال بصوت يفيض بالحكمة الأبوية:
- "ليون... تذكر دائماً، مهما كان مدى الخوف والعجز الذي تشعر به الآن، فهذا الخوف طبيعي يا بني... بالرغم من اختلافنا ، إلا أن الجميع يخاف من شيء ما، وتمر على كل منا فترات في حياته يصل فيها إلى أقصى درجات العجز.. لكن إياك، إياك أن تدع الخوف والعجز يسيطران عليك "
رفع ليون عينيه الزرقاوين نحو وجه جده المحفور بالتجاعيد، وبدت عليه المفاجأة الذهول وهو يهمس بطفولية:
- "حتى أنت يا جدي"
ابتسم الجد ابتسامة خفيفة حملت وقار السنين
وقال:
- "بالطبع يا ليون"
اتسعت عينا الصغير فضولاً وتساءل:
- "وتخاف من ماذا ؟"
مد الجديده الحانية والتقط خصلات متناثرة من شعر ليون البني، يربت على رأسه برفق ويجيبه بنبرة دافئة لكنها جادة:
- "أخاف على من أحبهم.. أخاف أن يصيبهم أي مكروه، وأن أجد نفسي واقفاً عاجزاً لا أستطيع حمايتهم أو مساعدتهم. لكني مع ذلك لن أدع هذا الخوف يكبّل يدي، و سأساعدهم بكل ما أوتيت من قوة لأجلهم.. لأنني تقبلت فكرة أن هناك أموراً في هذا العالم لا يمكننا منعها أو السيطرة عليها، لكننا نقاتل على أي حال"
صمت الجد للحظة، ثم نظر بثبات إلى عيني حفيده وأردف بصرامة هادئة:
- "والآن يا ليون.. انزع عصابتك "
رغم تردد الخوف في صدره، مد ليون يده المرتجفة ببطء وحلّ العصابة عن جبهته. وما إن سقط القماش حتى ظهرت في منتصف جبهته علامة غريبة بيضاء ناصعة تشبه النجمة الخماسية.
في تلك اللحظة، مد الجد يده اليمنى، ونزع القفاز الجلدي السميك عنها، لتتسع عينا ليون ذهولاً؛ فقد ظهرت على ظهر كف جده علامة مطابقة تماماً لعلامته، لكنها كانت تتوهج بلون أحمر قاني كالدماء!
صاح ليون متلعثماً ومندهشاً:
- "جدي! منذ متى ولديك نفس علامتي؟!"
لم يجب الجد شفهياً، بل التفت نحو الجدار الصخري وضغط على حجر غائر مخفي بدقة.
دوت أصوات تروس حجرية قديمة، وفجأة اشتعلت المشاعل المثبتة على الجدران واحداً تلو الآخر في حركة تتابعية سريعة، لتكشف عن طبيعة المكان.
كانت غرفة بيضاء واسعة للغاية، جدرانها مغطاة بكتابات ونقوش بلغات قديمة مجهولة، وفي المنتصف تماماً برزت رسمة عملاقة لقائد عسكري شاب ذو لياقة بدنية مذهلة وملامح حادة مهيبة رأسه مائل قليلاً بنظرة تفيض بالكبرياء والعمق وشعره كثيف ومموج، ويمسك في قبضة يده رمحاً طويلاً يتحدى به الأفق.
اقترب ليون من الرسمة كأن قوة ما تجذبه إليها،وامتدت يده لتقترب من الرسمة وهو يهمس لنفسه بذهول:
- "غريب.. برغم أنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا الشخص.. إلا أنني أشعر كأنني أعرفه.. أشعر برابط غريب يشدني إليه" التفت إلى جده بلهفة: "ما كل هذا يا جدي؟ ولماذا أشعر بهذا الرابط؟"
تنهد الجد وقال وهو يتأمل الجدارية:
- «قبل أن تولد يا ليون، وبعد إحدى المعارك الضارية التي قادها والدك الملك "فيليب"، عثرنا على هذه الجدارية. وفور أن وقع نظري عليها، أدركت الثمن الباهظ الذي سندفعه لتحرير ما بها ، والخطر الأكبر الذي سيهدد العالم إذا انفك الختم المحبوس بداخلها. ولذلك، وبمساعدة والدك، أخفيتها في هذا المكان. ولأنني أشعر بدنو أجلي، ولأنك الابن الوحيد للملك "فيليب" الذي ورث هذه التقنية، فقد قررت أن أورثك كل ما أعرفه» . ثم ا . الحد من حفيده،و قال: «يا ليون... أنت أحد المستدعين».
مرت السنوات سريعة كمر السحاب، وتبدلت أحوال الصبي الصغير ليصبح قائداً عسكرياً يافعاً
في مدينة أستريا الحدودية، كان البؤس يخيم على كل شبر. المدينة تعاني من مجاعة طاحنة نهشت أجساد شكانها الذين باتوا كأشباح هزيلة، بعد أن اندلعت حرب جديدة طاحنة بين تحالف ملوك الشرق ضد ملوك الغرب. أرسل تحالف الشرق جيشاً جراراً لإخضاع أستريا، ولم يكن يحمي المدينة سوى حامية صغيرة مكونة من ستة آلاف مقاتل صامد، يقودهم ليون وإخوته وعمه، يدافعون بقلوب مستميتة على أمل أن يرسل ملوك الغرب جيشاً ليفك الحصار قبل فوات الأوان.
داخل غرفة القيادة التابعة للحامية، كان ليون يجلس على مقعده الخشبي العتيق، وقد استسلم لنوم عميق من شدة الإرهاق وتحت وطأة التفكير المستمر في الحصار والجوع الذي يفتك بشعبه.
فجأة، امتدت يد قوية لتهز كتفه بعنف، وجاءه صوت شقيقه الأصغر ثيودور يهمس بمرح وخفة:
- "استيقظ يا أخي!"
فتح ليون عينيه بتثاقل غريب، وما إن تشتت غبش النوم عن رؤيته حتى وجد وجه ثيودور قريباً منه. كان ثيودور فتى قصير القامة، نحيل البنية للغاية بقوام ممشوق خال من الدهون تمنحه رشاقة القطط وخفتها، يتحرك بخطوات صامتة وسريعة كأنه يطفو فوق الأرض ولا يلمسها. أما ميزته الأكثر غرابة.
فكانت شعره الأخضر الفوسفوري الفاتح الطويل الذي يصل لمنتصف رقبته، وتتدلى خصلاته على جبهته لتكاد تلامس عينيه الزرقاوين الفاتحتين البراقتين كقطع الجليد. يمتلك وجهاً طفولياً حاد الذقن ترتسم عليه دائماً ابتسامة مريبة تشع بالمكر الخبيث والمرح.
كان ثيودور يرفض تماماً ارتداء الدروع الحديدية الثقيلة حباً في السرعة، مكتفياً بملابس جلدية سوداء فوقها سترة قماشية مرنة، مع حزام جلدي متقاطع على صدره يحمل غمدي سيفيه القصيرين المتطابقين.
اعتدل ليون في جلسته ونظر إلى أخيه باشتباه واضحقائلاً:
- "لماذا تبتسم هكذا؟ أجبني بسرعة، فأنا متأكد
تماماً أنك فعلت شيئاً غبياً كعادتك!"
لم ينطق ثيودور بحرف، بل اتسعت ابتسامته وهو يشير بسبابته نحو المرأة الكبيرة المعلقة في زاوية الغرفة.
نهض ليون وتوجه للمرأة، ليتسع جفناه ذهولاً وغيظاً؛ لقد استغل ثيودور نومه العميق ورسم على وجهه بألوان الفحم الأسود، محولاً ملامحه الجادة والمهيبة إلى شكل مضحك وهزلي للغاية
التفت ليون نحو أخيه بغضب طفولي وصاح حانقاً:
- "أيها الوغد الحقير لماذا فعلت هذا؟! هل نحن في وقت للمزاح والدعابة؟!"
تراجع ثيودور خطوة إلى الوراء متظاهراً بالبراءة والذعر، ورفع يديه مستسلماً :
- "المعذرة يا أخي، فقط أردت تجربة مهاراتي الفنية في الرسم" " ثم أضاف بضحكة مستفزة وهو يقدم كوباً نحو وجه ليون: "لا تقلق يا أخي، فهذا الرسم على وجهك يزول بالماء سريعاً."
لكنه قلب الكوب فجأة ليظهر أنه فارغ تماماً من أي قطرة ماء وتابع بخبث متهكم:
- "حسناً .. بما أن الوضع هكذا ولا نملك قطرة ماء واحدة أقترح أن تضع خوذتك الحربية على رأسك ولا تخلعها أبداً إلى أن ينتهي الحصار!"
اشتعل ليون حنقاً، وبحركة خاطفة وسريعة مستغلاً غفلة أخيه، انتزع الكوب الخشبي الفارغ من يده، وبحركة ارتدادية سريعة ودقيقة، رمى الكوب مباشرة في وجه ثيودور وهو يصيح:
- "حسناً .. إذا في هذه الحالة خذ هذه..!"
ارتطم الكوب الخشبي الخفيف بمنتصف جبهة ثيودور بدقة مذهلة، فتراجع الأخير خطوتين وهو يتظاهر بالألم الشديد ممسكاً بوجهه وصاح درامياً:
- "آه! تباً.. لماذا فعلت هذا يا أخي؟!"
مسح ليون جبهته وقال بنبرة انتصار باردة متهكمة:
- "المعذرة يا أخي.. فقط أردت تجربة مهاراتي في التصويب!"
وفي لحظات، اشتبك الشقيقان في عراك خفيف بالأيدي، يتدافعان ويضحكان وسط الغرفة. متناسيين للحظات قسوة الحصار.
وفي زاوية الغرفة المظلمة، كان هناك جبل بشري ضخم الجثة بشكل مرعب يجلس صامتاً. إنه العم باران رجل ذو عضلات مفتولة ناتئة في ساعديه ورقبتة كأنها جذور أشجار معمرة،وبرغم انحناءة خفيفة في ظهره بسبب تقدم السن إلا أنه يطغى بحجمه الهائل على كل من في الغرفة. كان أصلع تماماً من الأعلى وتحيط بجوانب رأسه وخلفه خصلات خشنة من الشعر الأبيض الثلجي، وتتدلى على صدره لحية بيضاء كثيفة وطويلة تتحرك مع كل زئير أو ضحكة يطلقها. كانت تجاعيد وجهه العميقة تحت حواجب بيضاء كثيفة تظلل عينيه الغائرتين الحادتين. يرتدي سترة جلدية سميكة بلا أكمام ليترك ساعديه الضخمين حرّين، ويلف معصميه بأربطة قماشية خشنة، ولا يفارق فأسه العملاق ذو النصل الفضي العريض كتفه أبداً.
كان باران يجلس متكئاً على فأس العمالقة، يراقب شجارهما بنظرات دافئة وحانية، وتنهد في سره قائلاً:
«آسف يا أخي.. لم أستطع تربية هذين الصبيين على الانضباط العسكري .. ولكن، هذا لا يمنع من كونهما رجلين يعتمد عليهما تماماً في أحلك المواقف.»
1
انقطع الشجار فجأة وساد الصمت عندما فتح باب الغرفة الثقيل بصرير قوي.
دخل هيكتور، الأخ الأكبر والقائد الأعلى للحامية. كان يمتلك هيبة طبيعية تأسر القلوب رجل فارع الطول عريض المنكبين بجسد ضخم وممتلئ يعكس سنوات طويلة من التدريب العسكري الشاق والتجارب الدامية، مما يجعل مشيته الثقيلة والثابتة مصدر أمان مطلق لجنوده. يتميز بشعر كستنائي كثيف يميل للاحمرار الناري، يتركه طويلاً ليتدلى حتى منتصف رقبته ويتطاير خلفه أثناء المعارك، ويؤطر وجهه المربع ذو الفك العريض لحية خفيفة مهملة بسبب انشغاله الدائم بالتخطيط والقتال، وعيناه تحملان عبء المسؤولية الكبرى. يرتدي درعاً فولاذياً ثقيل الوزن يغطي صدره وأكتافه مليئاً بالخدوش و وجهه المربع ذو الفك العريض لحية خفيفة مهملة بسبب انشغاله الدائم بالتخطيط والقتال، وعيناه تحملان عبء المسؤولية الكبرى. يرتدي درعاً فولاذياً ثقيل الوزن يغطي صدره وأكتافه مليئاً بالخدوش والضربات القديمة، مع عباءة حمراء داكنة ممزقة الأطراف عند كتفه الأيسر، وسيف عريض معلق على خصرة في غمد جلدي متآكل.
بمجرد دخوله، جلس الجميع بهدوء ونظام صارم حول طاولة التخطيط، وترقبت الأعين ملامحه الحادة المعرفة ما يحمله من أنباء.
تقدم هيكتور بخطوات ثقيلة وضغط بكلتا يديه على حافة الطاولة مستعرضاً الخريطة الجلدية للمدينة والسهول والغابات المحيطة بها. نظر في أعين الحاضرين واحداً تلو الآخر بنظرات حازمة مغلفة بمرارة الواقع، وقال:
- "أسمعوني جيداً.. لقد وصلنا إلى الحافة تماماً.
شعبنا الآن يتعرض لأزمة غير مسبوقة، والمؤن المتبقية لدينا لن تكفي الحامية لأسبوع آخر حتى لو قمنا بتقنينها لأقصى درجة ممكنة. حلفاؤنا في الغرب لم تصل لنا منهم أية أخبار عما سوف يفعلونه أو إن كانوا سيرسلون إمدادات.. ولذلك، فإن قرار تنفيذ هذه الخطة الجديدة التي سأعرضها عليكم و لن يتم إلا بإجماعنا جميعاً"
وبعد أن بسط هيكتور تفاصيل خطته العسكرية الجريئة والخطيرة على الخريطة، استقام في وقفته وتلاقت نظراته بنظرات إخوته وعمه، ثم قال بنبرة يملؤها الجلال والتقدير لرفاقه
- "هذه الخطة ستكون مخاطرة كبرى.. ولأنها كذلك، ولأنني لا أقود مجرد جنود غرباء، بل أقود عائلتي وإخوتي فلن أفرض هذا القرار بصفتي القائد الأعلى و أعيد كلامي الموافقة على هذه الخطة لن تتم إلا بإجماعنا جميعاً دون استثناء أحد. إن كان هناك أحد بينكم يرى خطة أفضل فليتحدث الآن"
ساد صمت مؤقت ثقيل، قطعه ثيودور بابتسامته الحماسية المعتادة وهو يصيح:
- "خطة مجنونة يا أخي! ولكن فلنفعلها، ولنقتل هؤلاء الأوغاد!"
أما العم باران، فقد أطلق ضحكة خفيفة اهتزت لها لحيته البيضاء، وقبض على فأس العمالقة بقوة قائلاً بلامبالاة عسكرية وخشونة تليق به:
- "لا أهتم كثيراً لتفاصيل الخطة المعقدة.. بفأسي هذه، سأسحق أي شخص يقف في طريقي"
التفتت الأنظار نحو ليون، الذي صمت قليلاً وهو يتأمل الخريطة، ثم قال بنبرة جادة وصادقة تملؤها المسؤولية:
- "رغم كوني غير مرتاح تماماً لهذه المخاطرة العالية، ولكن بما أن الجميع قد وافقوا على المضي قدماً .. فأنا معكم بقلبي وسيفي، ولن يقف شيء في طريقنا!"
في صباح يوم المعركة، تفتحت بوابات أستريا الحديدية الضخمة لتخرج قوات الحامية بقيادة هيكتور. في السهل الفسيح المقابل للمدينة، كان جيش تحالف الشرق ينتظرهم كالبحر الزاخر. اصطف الجيشان وجهاً لوجه، والهواء مشحون برائحة التراب.
قام هيكتور بتقسيم قواته بذكاء وتوزيع المهام بدقة: جعل ثيودور قائداً على الميسرة لخفته وحركته السريعة، وعينه العم باران قائداً على الميمنة لصلابته وسحق جبهة الأعداء، بينما تولى هيكتور قيادة القلب بنفسه ليكون صخرة الدفاع والهجوم. ولضمان ألا يطوقهم جيش العدو نظراً للفارق العددي الشاسع لصالح الأعداء، أمر هيكتور بتمديد صفوف الجيش على أقصى اتساع ممكن لتغطية السهل.
تحرك جيش الأعداء بقيادة جنرالهم الشرس فاليريك الذي قرر الهجوم بأقوى ما لديه مستغلاً كثرة أعداد جيشه لسحق الحامية دفعة واحدة.
رأى جنود أستريا تلك الموجة البشرية الهائلة من المقاتلين الشرسين تقترب نحوهم، فدب الرعب والتردد في صفوفهم. هنا، تدخل القائد هيكتور الرفع الروح المعنوية وتحويل الخوف إلى غضب عارم.
وفي القلب، تقدم هيكتور بفرسه ودرعه اللامع، وصرخ بصوت يفيض بالقوة والجلال الأخوي
- "اسمعوا يا إخوتي نحن عشنا معاً، وحربنا معاً وتضورنا جوعاً معاً، واليوم نواجه هذا السيل الهادر معاً! أنا لن أكون خلفكم أقودكم بالكلمات، بل سأكون أول من يستقبل ضربات سيوفهم، وسيفي سيكون أمام سيوفكم دائماً! إذا سقطت صريعاً فتقدموا فوق جثتي وتابعوا القتال، وإذا تراجعت فاقتنلوني لن يترك جندي منكم وحيداً في هذه الساحة.. نحن جسد واحد، إن ثرتنا نجونا جميعاً، وإن انكسرنا فبأيدينا. دعونا نريهم كيف يقاتل الإخوة كتفاً بكتف!"
اشتبك الجيشان بعنف مرعب، وتعالت أصوات صليل السيوف.
على الميسرة، كان ثيودور يقاتل بخفة ومهارة كأنه يلعب وسط شلال من الدماء، حتى انشقت الصفوف وظهر من بين صفوف الأعداء قائد ميسرتهم المدعو رودرا.
تلاقت الأعين، وبدأ الصدام النفسي قبل صدام الحديد. نظر رودرا إلى ثيودور بابتسامة ثقة ساخرة وقال مستهزءاً:
- "تقاتل دون درع يحميك ؟ ألا تخاف أن تتعرض للإصابة وأنت الأضعف والأصغر بين أخويك؟"
نظر ثيودور إليه بعينين باردتين كالموت، ورفع نصليه بوضعية هجومية قاتلة ومتربصة:
- "ومن يخاف من أن يتعرض للإصابة من أوغاد مثلكم؟ ثم يكفني استمتاعي بقطع رؤوسكم !"
بدأت المواجهة الشرسة حين سحب رودرا بحركة خاطفة حزاماً معدنياً من خصرة، ليتضح أنه ليس نصلا عادياً، بل كان سلاح الأورومي المتطور: سلاح مرن تنبثق منه سبعة نصال فولاذية حادة دفعة واحدة
شرع رودرا في تدوير السلاح بحركات دائرية سريعة وهائجة. لم تكن النصال السبعة تتحرك في مسار واحد منتظم، بل كانت تصنع شبكة عشوائية مرعبة من القطع الفضي حوله، تصدر صوتاً مرعباً يشبه حفيف أفاع حديدية هائجة تلتهم الهواء والتراب، مما جعل الجنود المحيطين يتراجعون رعباً.
اندفع ثيودور بخفته المعهودة محاولاً اختراق تلك العاصفة الحديدية. قفز جانباً وتفادي النصل الأول ببراعة، لكن عشوائية السلاح كانت فوق الحسبان ارتطمت الشفرات ببعضها لترتد في مسارات غير متوقعة تماماً. وفي أجزاء من الثانية، التف أحد تلك النصال المرنة كالسوط حول مسار تراجعه الخاطئ ليشق اللحم الأعزل!
صر ثيودور على أسنانه وهو يشعر بنصل يخدش صدره، يليه آخر يجرح ذراعه اليسرى بغزارة. حاول صد هجوم رأسي قادم مستخدماً سيفيه القصيرين معاً، لكن الشفرات السوطية المرنة انثنت عند نقطة التصادم، لتلتف حول حديد سيوفه وتندفع أطرافها الحادة مباشرة نحو كتفه لتغرس فيه!
تراجع ثيودور بقوة للتخلص منها، لكن التوازن خانه تحت وابل الضربات المتلاحقة القاطعة التي لم تترك له مجالاً لالتقاط أنفاسه تعثر بجسد أحد الجنود القتلى وسقط بقوة على الأرض الترابية، والدم يتدفق من عدة جروح متفرقة في جسده النحيل.
بينما كان مستلقياً على ظهره والتراب يختلط بدمائه، غاب وعيه للحظات وتراجع عقله إلى الوراء.. إلى شريط دافئ من ذكريات الماضي.
كان ليون وثيودور يخوضان قتالا محتدما بسيوف خشبية، حتى انفلت سيف ثيودور وسقط أرضًا. نظر ثيودور إلى سيفه المطروح، ثم أطلق صغير إعجاب
وقال: "لقد تطور مستواك حقا يا أخي!"
ليون: "يعود الفضل إلى نصائح جدي"
ثيودور: "مثير للاهتمام.."
وفجأة، استشعر ثيودور حركة ما، فالتفت مباغتا وقال:
"هل تسمع هذا؟"
ليون (متأهبا للقتال): "ماذا؟ هل تشعر بوجود
أعداء؟"
ثيودور: "اتبعني!"
تبعه ليون حتى اختباً خلف شجيرة، وأشار ثيودور بنظراته نحو أخيهما الأكبر "هيكتور"، الذي كان غارقًا في قراءة كتاب تحت ظل شجرة وارفة.
ابتسم ثيودور وقال: "يبدو أنه مستغرق في قراءة
هذا الكتاب"، ثم بدأ يتسلل بخفة نحو هيكتور
لكن ليون أمسك به بقوة زاجرا: "ما الذي تنوي فعله بالضبط؟ فأنا أعرف هذه الابتسامة جيدًا!"
ثيودور: "حسنا، سأشرح لك.."
بعدما استمع ليون إلى ما يخطط له ثيودور، استشاط غضبا وقال: "لن تفعل هذا!" ثم تنهد بقلة حيلة
وسأله: "لماذا تفعل هذا يا ثيودور؟"
ثيودور: "لأجل المتعة بالطبع"
ليون: "وما الممتع في إزعاج الآخرين؟"
ثيودور (باستغراب): "إزعاج ؟"
ليون: "بالطبع إزعاج ألا تتذكر كم مرة أزعجتني
وتسببت لي بالمشاكل ؟ ورغم كل شيء لا تزال كما أنت، لا يهمك سوى متعتك حتى لو كانت على
حساب الآخرين من حولك!"
أطرق ثيودور برأسه، وقال بنبرة خافتة: "أنا آسف.."
ليون (باندهاش): "ماذا؟"
ثيودور: "كما سمعت، أنا آسف إن كنت قد أزعجتك أو سببت لك المتاعب... ولكنني... خائف"
ليون بتعاطف): "ثيودور.."
ثيودور: "قد تبدو حياتنا كقادة سهلة، لكننا في كل معركة نضع أرواحنا على المحك، لا نعلم إن كنا سننجو أم سنفقد عزيزا. وأتعلم ما الذي ستندم عليه أشد الندم في كلا الحالتين؟" "..":
ثيودور: "سنندم على لحظات العمر التي لم نستغلها معا. لقد رأيتُ أعز أصدقائي يقضون نحبهم أمام عيني... لذا أردت فقط أن أقضي معكم أمتع الأوقات. أما إن كنتم لا ترغبون بوجودي، فأنا أعتذر عن كل ما بدر مني"
استدار ثيودور مُحِنا خطاه للرحيل، لكن ليون استوقفه بنداء: "ثيودور" فالتفت ثيودور: "ماذا الآن؟" رمى ليون العصوين الخشبيتين نحو ثيودور وهو يبتسم: "لن تستمتع من دوني" تلقفهما ثيودور، والابتسامة تتسع على محياه.
في هذه الأثناء، كان هيكتور يجلس تحت ظلال الشجرة يستمتع بنسيمها البارد، أغلق كتابه وابتسم وهو يتلو السطر الأخير بصوت مسموع: "من لا يستفيد من ماضيه، لن يدرك حاضره، وسيخسر مستقبله"، ثم همس لنفسه: "مهما قرأت هذا الكتاب، أجدني أعاود قراءته من جديد"
وفجأة، انبثق ثيودور من بين الأشجار شاهرا عصاه الخشبية وانقضّ على هيكتور لكن هيكتور تفادي الهجوم بسرعة خاطفة وهو يبتسم: "أتظن أن هذه الحيلة ستنجح معي؟"
ابتسم ثيودور، وفي اللحظة ذاتها ظهر ليون مباغثا وهجم بعصاه ورغم عنصر المفاجأة، استطاع هيكتور ببراعة أن يلتف حول ليون وينتزع عصاه، فسارع ثيودور بإعطاء ليون إحدى عصاويه.
تأهب الجميع للقتال قبض ليون على عصاه بصلابة، بينما ابتسم ثيودور بحماس وقال: "فلتبدأ المتعة!" كان ثيودور مبادرًا بالهجوم، فوجه إلى هيكتور ضربات متتالية سريعة استهدفت البطن، فالوجه فالصدر، لكن هيكتور كان يروغ منها جميعًا برشاقة فائقة. ولم يلبث أن لمح ثغرة في دفاع ثيودور، فوجه إليه ضربة قوية ورغم أن ثيودور صدها بعصاه، إلا أن شدتها دفعت به بعيدًا.
انتقل القتال إلى ليون، فانهال عليه هيكتور بضربات متلاحقة كالصواعق، غير أن ليون اكتفى بالدفاع والتراجع استغرب هيكتور من دفاعه المستمر. فأتبع بضربة أعتى لإبعاده، لكن ليون اندفع فجأة نحو هيكتور مباشرة.
هنا أدرك هيكتور الخطة فورًا: كان ليون يلهيه ليتيحلثيودور فرصة مباغتته من الخلف في اللحظة ذاتها!
أثنى هيكتور على دهاء خطتهما في سره قائلاً: "يا لهما من ثنائي رائع"، ثم قفز في الهواء عاليا متفاديا اندفاعة ليون وهجوم ثيودور الخاطف فتصادم الأخوان وسقطا أرضًا.
هبط هيكتور بسلاسة وغرس عصاه في الأرض، ثم اقترب منهما متفقدًا: "هل أنتما بخير؟"
حاول ثيودور النهوض كابحًا آلامه وقال: "نحن... بخير!
فالقتال الحقيقي لم يبدأ بعد!"، لكن جسده خانه وكاد يسقط، فسارع ليون لشد أزره ومساعدته على الوقوف وهو يبتسم : "هيا، ألم تكن ترغب في بعض المتعة؟"
ابتسم ثيودور، واستعاد كلاهما عصاه، ليتخذا وضعية القتال من جديد.
عدل هيكتور وقفته وقال والابتسامة تغمر وجهه: "حسنا، استعدا يا أخواي، فلن أتساهل معكما هذه المرة!"
تبادل الثلاثة الابتسامات، وانطلقت بينهما جولة قتالية ملحمية جديدة... وبعد سجال طويل، استلقى الإخوة الثلاثة على الأرض منشدين الراحة، لتتعالى ضحكاتهم الدافئة في الأجواء، متأملين معا زرقة السماء وجمالها.
عدنا للحاضر الموحش.
فتح ثيودور عينيه وسط الغبار والدماء التي تغطي وجهه، وتنفّس بصعوبة بالغة والألم ينهش جسده. لكن عينيه لم تكن عيون رجل مهزوم يستسلم للموت بل تحولتا فجأة لتصبحا كعيني صقر يراقب فريسته بدقة متناهية. بينما كان رودرا يستعرض ويستمر في تدوير سيفه السبعة النصال بغطرسة، كان عقل ثيودور السريع يفكك شفرة هذا الإعصار الحديدي وتوقيت حركات النصال وتصادمها المتبادل.
ضغط ثيودور بقوة على قبضتي سيفيه، ونهض ببطء دافعاً نفسه من على الأرض المغبرة. مسح الدم السائل من فمه، ونظر إلى رودرا بابتسامة باردة متوعدة عادت لتشق وجهه الطفولي.
ثار جنون رودرا من ثقة ثيودور وثباته، وأطلق صرخة هائجة وهو يوجه ضربة أفقية كاسحة بكل قوته، لتندفع النصال السبعة كأفاع حديدية جائعة لقطع رأس الفتى الأخضر.
لكن هذه المرة، لم يتراجع ثيودور خطوة واحدة.
بدلاً من الصد الصلب الذي يفشل أمام مرونة السلاح، رفع ثيودور سيفه الأيمن بزاوية مائلة دقيقة، وضرب مسطح النصال السوطية بضربة خاطفة محسوبة غيرت مسار الإعصار الحديدي بأكمله، ليندفع السلاح ويضرب الأرض بعيداً عنه، مثيراً موجة عاتية من الغبار الكثيف.
وفي اللحظة التي وصلت فيها الشفرات لأقصى امتداد لها واصطدمت بالأرض عاجزة عن الحركة السريعة المرتدة، انطلق ثيودور كالسهم الانفجاري مخترقاً سحابة الغبار.
اتسعت عينا رودرا رعباً وهلعاً حين وجد وجه ثيودور الماكر يظهر أمامه على بعد إنشات قليلة. حاول رودرا التراجع للخلف بيأس لاستعادة مسافة السلاح، لكن ثيودور كان أسرع بكثير وبحركة دائرية خاطفة ونظيفة بسيفه الأيسر، قطع معصم رودرا تماماً، ليتطاير السيف الأورومي في الهواء ويسقط بعيداً بلا حراك.
وقبل أن يطلق رودرا صرخة ألمه، كان نصل ثيودور الأيمن قد استقر في عنقه بنفاذ تام، ليتوقف كل شيء في هذا الجزء من الميدان.
وقف ثيودور أمام جثة رودرا والدم يقطر من نصليه الصغيرين، ثم رفع رأسه نحو جنود الأعداء المذهولين ويطلق صيحة حرب مجنونة هزت أركان الميدان، ليندفع خلفه جنود الميسرة بحماس مرعب بعد رؤية قائدها يفكك أشد أسلحة العدو فتكاً.
على جبهة الميمنة، كان الوضع مأساوياً ومختلفاً.
كان جنود أستريا يتراجعون عاجزين ومذعورين أمام محارب أسطوري في صفوف الأعداء رجل ضخم الجثة مدرع بالكامل يملك كرة حديدية عملاقة مليئة بالأشواك، متصلة بسلسلة فولاذية غليظة. وأي جندي تلمسه تلك الكرة الحديدية أو تقترب منه كان يسحق فورا وتتطاير أشلاؤه.
تدخل العم باران منقذا الموقف بخطواته الثقيلة وفأسه العملاق. صرخ باران وهو يتقدم:
- "تراجعوا أيها الرجال اتركوا هذا الوحش المعدني لي"
نظر المحارب المدرع بقناع حديدي وقال بصوت
- "أنا اسمي غاروس.. وسأجعل فأسك هذه حطاماً تحت قدمي!"
هاجم غاروس بوحشية وبحركة دائرية هائلة قام برمي الكرة الحديدية الضخمة مباشرة نحو باران.
استعمل باران درعه الحديدي الضخم المثبت في يده اليمنى كي يصد الهجمة العنيفة، لكن القوة الاندفاعية للكرة كانت أقوى بكثير مما توقع باران لدرجة أنه بالرغم من صلابته واستعماله لدرعه لصد الهجمة، إلا أن الدرع الفولاذي تحطم إلى أشلاء متطايرة، وشمع صوت طقطقة عظام يد باران اليمنى التي كسرت من شدة الارتطام، لينتشر ألم فظيع في جسده.
تراجع باران خطوتين وهو يقبض على يده المصابة وقال متألماً:
- "تباً.. إنه أقوى مما ظننت!"
وعلى غير المتوقع، وبدلاً من التراجع لحماية نفسه، اندفع باران بسرعة خاطفة وجسارة مذهلة نحو غاروس مستغلاً المسافة الفاصلة.
لكن غاروس استغل الموقف بدوره، وبدأ في تدوير كرته الحديدية الضخمة في الهواء بسرعة متزايدة استعداداً للهجوم النهائي الساحق، وصرخ بوجه باران بنبرة غطرسة وانتصار:
- " انتهى أمرك أيها العجوز الفاني! استسلم.. سوف تهزم الآن وتلحق بقائدك الهالك!"
وقع باران على ركبة واحدة تحت وطأة الألم الشديد.
وكانت أنفاسه متلاحقة والدماء تسيل بغزارة من يده المكسورة. نظر إلى الفأس الملقى بجانبه على الأرض، وفي تلك اللحظة الحرجة، تراءت له في الأفق صورة ابنته الصغيرة الرقيقة التي تركها في منزله بأستريا تنتظره بقلق وشوق، واختلط صوت غاروس الصاخب بصوت ضحكاتها البريئة وهي تناديه.
في تلك اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أنها النهاية الحتمية لعملاق أستريا، ضغط باران على أسنانه بقوة حتى كادت تتهشم، وارتسمت على وجهه ملامح غضب مرعبة أشبه بزمجرة وحش كاسر. قبض على فأس العمالقة بيده الأخرى اليسرى السليمة وهو ينهض ببطء وعزة كالجبل الأشم الذي لا تفتته العواصف، وصاح بصوت هدر كالرعد زلزل قلوب الأعداء وأرعبهم:
- "لاااا! لن أهزم فابنتي تنتظر عودتي!"
وعندما تقربت الكرة الحديدية الضخمة الملقاة بكل قوة من باران لتهشم رأسه، تحرك باران كالإعصار وضرب الكرة الحديدية الطائرة بضربة رأسية ساحقة بفأسه الفضية بكل ما تبقى له من قوة خارقة.
تحطمت الكرة الفولاذية الضخمة وتناثرت قطعاً مكسورة تحت قوة الفأس الأستيرية الأسطورية!
ولم يعط باران غاروس فرصة لالتقاط أنفاسه، بل اندفع كالسيل الهادر ووجه هجوماً وحشياً بفأسه نحو غاروس. استعمل غاروس درعه الفولاذي الضخم بكلتا يديه مستميتاً لصد هجوم باران، لكن باران صرخ وهو يهبط بالفأس كالقضاء المحتوم:
- "تظن نفسك الوحيد القادر على اختراق الدروع ؟! خذ هذه!"
دمر هجوم باران الساحق درع غاروس تماماً، واختلفت الفأس الفضية لتبيد خودته وتشج رأسه شقين، ليسقط العملاق المدرع جثة هامدة وسط التراب.
وبعد أن رأى جنود الميمنة هذا المنظر الأسطوري وقائدهم العجوز يقهر المستحيل، اندفعوا كالمجانين للقتال خلف باران واجتاحوا خطوط العدو بيسر وسهولة
في جبهة القلب، كان هيكتور محاطاً بالأعداء من كل جانب، يحاولون قتله بأي ثمن لكسر معنويات جيشه. كان يمسك بسيفه العريض ودرعه بقوة خارقة وهو يصرخ فيهم بوجه ملطخ بالدماء :
- "تظنون أنكم تستطيعون قتلي ؟! أنتم واهمون!"
كل من كان يحاول الهجوم عليه، كان هيكتور يصده ببراعة بدرعه القوي، وقبل أن يستوعب الجندي المهاجم حركته، كان سيف هيكتور العريض يقطع رقبته بضربة واحدة دقيقة ونظيفة. وصاح هيكتور محفزاً جنوده:
- "لن تستطيعوا قتلي أبداً.. فأنا أقاتل لأجل شعبي!"
لكن قائد جيش الأعداء، فاليريك، كان يراقب المعركة بخبث وذكاء عسكري. وبعد فترة من القتال العنيف الطويل، ظهرت نقطة الضعف القاتلة في تشكيل جيش أستريا فرغم أن تمديد الصفوف منع تطويقهم الفوري، إلا أنه جعل الخطوط الدفاعية رقيقة ومجهدة لا تصمد أمام المعارك الطويلة والموجات البشرية المتتالية للعدو.
بدأ جيش أستريا المنهك في التراجع شيئاً فشيئاً تحت الضغط الشديد، حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من التراجع التام إلى أسوار المدينة.
..
وفجأة، التفت هيكتور وأرسل إشارة ضوئية سريعة متفقاً عليها إلى أخيه ليون المتواجد على أسوار المدينة يقود رماة السهام النخبة.
فور أن تلقى ليون الإشارة، صرخ بأعلى صوته أمراً
فور أن تلقى ليون الإشارة، صرخ بأعلى صوته أمراً رماة السهام ببدء الهجوم. وفي لحظات، أمطر رماة أستريا جيش العدو بوابل كثيف وهائل من السهام كالمطر الأسود، مما تسبب في خسائر فادحة وإرباك كبير في صفوف الأعداء المتقدمين.
استغل هيكتور الموقف والارتباك الحاصل، وأمر جميع القوات بالهجوم العام الشامل. بدأ جيش أستريا بالاندفاع بعنف عكسي، وبدأ جيش الأعداء بالتراجع تحت وطأة المفاجأة.
ولإنهاء المعركة بضربة قاضية، استغل هيكتور الموقف وقاد شخصياً مجموعة مختارة من نخبة المحاربين الأستيريين، يتقدمهم أخوه ليون الذي نزل من الأسوار ليقاتل إلى جانبهم، وشكلوا معاً تشكيل "الإسفين" الهجومي وهو تشكيل على شكل مثلث حاد مدبب يترأسه أقوى المقاتلين وأشرسهم.
اخترق هذا المثلث قلب جيش الأعداء المخلخل كالسكين الدافئ في الزبد، محققاً تفوقاً عددياً واخترق هذا المثلث قلب جيش الأعداء المخلخل كالسكين الدافئ في الزبد، محققاً تفوقاً عددياً محلياً مذهلاً في نقطة الاختراق، حتى نجحوا في الوصول لمركز القيادة حيث يتواجد قائد الأعداء فاليريك.
بدأ قتال ثنائي شرس وملحمي بين هيكتور وفاليريك. ضربات سيوف متبادلة أشعلت الشرر في الهواء، حتى تمكن هيكتور بذكائه القتالي الفذ وخبرته من توجيه ضربة بمسند سيفه أسقطت فاليريك أرضاً مجرداً من سلاحه.
وقف هيكتور فوقه ورفع سيفه العريض لينهي حياته قائلاً بثقة:
- "انتهى الأمر يا فاليريك.. سأقتلك الآن، وفور سقوط رأسك سيفر جنودك الجبناء هاربين!"
لكن فاليريك، برغم هزيمته تحت أقدام هيكتور أطلق ضحكة خبيثة مرعبة خالية من أي خوف وهو يقول بنبرة ساخرة:
- "هل تظن حقاً أن لعبتك السخيفة هذه قد انطلت علي؟!"
اتسعت عينا هيكتور باشتباه وتوجس
"!ماذا؟" -
وفجأة، ومن بين الصفوف العميقة جداً لجيش الشرق التي عادت لتطبق على تشكيل الإسفين من الخلف في أندفاع مرعب .
أطلق فاليريك رمحاً فضياً غادراً كاد أن يفتك بليون، لولا أن افتداه هكتور بنفسه فتلقى الطعنة النافذة التي اخترقت ظهره بقوة مرعبة لتخرج من صدره، ويتدفق الدم بغزارة من فمه. وهنا قال فاليريك بسخرية: «كنت أنوي إصابة الذيل، لكنني أصبت الرأس!»
صرخ ليون برعب دمر قلبه وهو يرى المشهد:
- " هيكتووووووور"
على الجانبين، كان باران وثيودور يلمحان المشهد
بقلوب تعتصر غضباً ورعباً، وحاولا جاهدين الاندفاع لمساعدته والوصول إليه، لكن آلاف الجنود من الأعداء أطبقوا عليهم يحولون بينهما وبين أخيهما الأكبر، ليعلقا في قتال مستميت دفاعاً عن حياتهما. وقف فاليريك ببطء والابتسامة الخبيثة لا تفارق وجهه، وسحب سيفه، وبضربة واحدة غادرة وقاسية قطع رأس البطل الأسطوري هيكتور أمام أعين إخوته وجنوده، ورفعه عالياً وسط الساحة وهو يصرخ بأعلى صوته لتبديد عزيمة الأستيريين:
- "لقد مات قائدكم استسلموا الآن"
انهارت معنويات جيش أستريا عند رؤية رأس قائدها الحاني يتطاير في الهواء.
ولكن، في غمرة انتصار فاليريك وغروره، دوت صيحة غضب مكتومة من جهة ليون، الذي سحب قوسه بيده المرتجفة غضباً وحزناً، وبتركيز فولاذي أطلق سهماً خارقاً انطلق كشعاع من ضياء.
استقر السهم بدقة متناهية في عين فاليريك اليمنى، لينفذ في جمجمته ويسقطه أرضاً يتلوى من الألم الشديد والدماء تغرق وجهه. صاح فاليريك بصوت يملؤه الرعب والألم وهو يتشبث بوجهه:
- "انسحاب! انسحاب عام فوراً!"
تراجع جيش الأعداء مضطرباً وخائفاً على حياة قائدهم المصاب، لينقذوا ما يمكن إنقاذه وينسحبوا بعيداً عن الأسوار، مخلفين وراءهم ساحة معركة تعج بالدماء والدمار والجثث.
عاد ليون من أرض المعركة وعيناه الزرقاوان منكسرتان بظلال الحزن الأبدي والخسارة. كان مصاباً بعدة جروح في جسده، لكن الألم الأكبر كان في روحه. كان يحمل بين ذراعيه جسد شقيقه الأصغر ثيودور، الذي تلقى إصابات شديدة للغاية وجروحاً بالغة كادت تودي بحياته في تلك الملحمة الدامية، يئن بضعف وهذيان.
برحيل هيكتور البطل، أصبح ليون رغماً عنه حاكماً وقائداً للمدينة المحاصرة المدمرة.
داخل المعسكر المظلم، جلس ليون محاطاً برفاق سلاحه، معبراً عن حزنه البالغ واستيائه الشديد ويأسه من تحسن الأوضاع، وانعدام الأمل في وصول أي إمدادات من ملوك الغرب. كان هذا الحزن الصادر منه يثير دهشة وذهول رفاقه فقد كان ليون دائماً الشخص الأكثر تفاؤلاً وضحكاً ومنحاً للإرادة والأمل لجنوده في أحلك الظروف.
داخل المعسكر المظلم، جلس ليون محاطاً برفاق سلاحه، معبراً عن حزنه البالغ واستيائه الشديد ويأسه من تحسن الأوضاع، وانعدام الأمل في وصول أي إمدادات من ملوك الغرب. كان هذا الحزن الصادر منه يثير دهشة وذهول رفاقه فقد كان ليون دائماً الشخص الأكثر تفاؤلاً وضحكاً ومنحاً للإرادة والأمل لجنوده في أحلك الظروف.
وسط هذا اليأس والوجوم، وقف أحد رفاق ليون المخلصين، محارب ذكي وهادئ يدعى كاتاي، ونظر إلى الخريطة بتمعن ثم قال بصوت واثق:
- "ليون.. اسمعني جيداً. اليأس لن يعيد هيكتور ولن ينقذ أستريا .. لدي خطة قد تكون فرصتنا الوحيدة والأخيرة للبقاء"
عرض كاتاي خطته على الجميع؛ ومن خلال مراقبتهم الدقيقة والمستمرة لخطوط حصار تحالف الشرق في الأيام الماضية، أدركوا أن هناك ثغرة دفاعية ونقطة ضعف قاتلة في الحصار من جهة
عرض كاتاي خطته على الجميع، ومن خلال مراقبتهم الدقيقة والمستمرة لخطوط حصار تحالف الشرق في الأيام الماضية، أدركوا أن هناك ثغرة دفاعية ونقطة ضعف قاتلة في الحصار من جهة الغابة الكثيفة المحيطة بالمدينة، حيث يعتقد العدو أن وعورة الغابة ووجود الوحوش المفترسة فيها يكفيان لمنع أي تسلل.
وبعد نقاش طويل، وافق الجميع على الخطة المصيرية.
وفي جنح الليل والظلام الحالك، تسلل أربعة مقاتلين بخطوات هادئة وحذرة عبر جدران أستريا ونحو الغابة الكثيفة ليون، وكاتاي، وصديقاهما المخلصان كايل وإيدن.
كانوا يعبرون الأحراش المظلمة بحذر شديد، خائفين في كل خطوة يخطونها فمن جهة لا يريدون أن تكشف قوات الحصار مكانهم، ومن جهة أخرى يخشون إيقاظ أي من وحوش ، الغابة الضارية التي كانوا يعبرون الأحراش المظلمة بحذر شديد، خائفين في كل خطوة يخطونها فمن جهة لا يريدون أن تكشف قوات الحصار مكانهم، ومن جهة أخرى يخشون إيقاظ أي من وحوش الغابة الضارية التي قد تفتك بهم جميعاً في ثوان.
وفجأة، تجمد الأربعة في أماكنهم رعباً؛ فقد تفاجؤوا بوجود فرقة استطلاع كاملة من جيش الأعداء تعسكر وسط الغابة في طريقهم المباشر.
وقف ليون ورفاقه في حيرة وتوتر شديدين. يتجادلون بهمس فيما يجب عليهم فعله والوقت ينفد منهم بسرعة، وبدأ التردد يشل حركة ليون الحاكم الشاب.
هنا، تبادل كايل وإيدن نظرات سريعة مليئة بالتضحية والوفاء، وقبل أن يمنعهما أحد، تسللا بخفة نحو الجانب الآخر من الأعداء. وبحركة شجاعة، أطلق كايل سهماً نحو أحد جنود الفرقة مصيباً إياه، ثم صرخا معاً لإثارة الفوضى و جلب، انتباه جنود العدو هنا، تبادل كايل وإيدن نظرات سريعة مليئة بالتضحية والوفاء، وقبل أن يمنعهما أحد، تسللا بخفة نحو الجانب الآخر من الأعداء. وبحركة شجاعة، أطلق كايل سهماً نحو أحد جنود الفرقة مصيباً إياه، ثم صرخا معاً لإثارة الفوضى وجلب انتباه جنود العدو نحو جهتهما، ليندفع خلفهما جنود الفرقة بالكامل في مطاردة صاخبة بعيداً عن مسار التسلل لكن ما فعلاه أثار انتبه الوحوش أيضا التي اعتباراتهم وليمه شهيه و
شهدت الغابة في تلك اللحظات مجزرة دموية مروعة، حيث تحولت الساحة إلى مسرح إعدام جماعي تفننت فيه الوحوش بإنهاء حياة الجميع بلا
رحمة.
بنسبة لكايل انقضت عليه مجموعة من الوحوش وثبتت أطرافه بقوة، وبدأت في تمزيق جسده والتهامه وهو لا يزال على قيد الحياة، لتردد أصداء صرخاته المليئة بالألم والرعب في كافة أرجاء الغابة كإنذار مرعب للبقية.
و كان مصير إيدن أسرع ولكن ليس أقل بشاعة، حيث أطاح أحد الوحوش الضخمة برأسه بضربة واحدة قاطعة، ثم رفع الجسد عالياً ليتجرع كل قطرة دماء تتدفق منه، تاركاً إياه جثة هامدة شاحبة وخالية تماماً من الحياة.
أما جنود الفرقة الذين كانوا يطاردونهم، فقد واجهوا أساليب قتل مبتكرة في وحشيتها حيث استخدمت بعض الوحوش ضخامتها لدهس الجنود تحت أقدامها الثقيلة حتى تحولت دروعهم وأجسادهم إلى حطام، بينما قام آخرون بالإمساك بالجنود من أطرافهم وشقهم إلى نصفين بقوة مفرطة و تعرض المشاة لحصار سريع، حيث كانت الوحوش تطوق المجموعات الصغيرة وتلتهمهم فرداً تلو الآخر، وسط محاولات يائسة وفاشلة من الجنود للدفاع عن أنفسهم بأسلحتهم التقليدية التي لم تؤثر في جلود الوحوش السميكة و تحول الهاربون منهم إلى أهداف سهلة، حيث اصطادتهم المخالب الطويلة من الخلف واقتلعت أحشاءهم قبل أن يتمكنوا من قطع أمتار قليلة نحو الأمان.
و وقف ليون وعيناه متسعتان من الهول، يمسك بقبضة سلاحه دون القدرة على رفعه، بينما يتردد صدى صوت تمزيق اللحم في مسامعه ليجمد الدماء في عروقه
و فجأة أحس ليون بيد تمسكه ليلتفت الى الوراء ويجد صديقه في كاتاي و كتم ليون دموعه وانطلق رفقة كاتاي بسرعة خاطفة وهربا عبر الممر الأمن وسط جنح الليل، يركضان بكل ما أوتيا من قوة وإصرار، متوجهين نحو معسكر ملوك تحالف الغرب لطلب النجدة وإنقاذ شعب أستريا.
16 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.