تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة للكبار +18 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
Whisper in the Asylum
Whisper in the Asylum
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

01_ناءٍ

ـ إهِداءٌ إِلي مَن سَكنَتَ فُؤاديَّ ، تَربعتَ عَلي عَرشَّهُ دونَ أدني فِعلٍ مِنها ، لِمَن إِخَتارتَني عِندمَا كَانتَ لَحظهٌ مُمتلئُه بِالكَثيرينْ ، إلي مَلاذيَّ ومأمَنيَّ
الي وِسَّامِ رُوحي ، اليَّ مُشجعتيَّ التي لوَلاها لَمَا
كَانَ هَذا العَملُ يُبصر العَالمَ .
السَّلَامُ.
​ـــ
​هَمَسَاتٌ بِمَصَحٍّ نَفْسِيّ
​الفصل الأول: نَـــــاءٍ
​"يَلُوذُ بِالصَّمْتِ إِنْ ضَاقَ البَيَانُ بِهِ
وَالرُّوحُ إِنْ تَعِبَتْ بِالصَّمْتِ تَعْتَصِمُ!"
​ـــ
​-أماه، أين أنتِ؟
​يُنادي في مَمَرِّ المَشْفَى، الأبيضُ يَكْسُو كُلَّ مَكَانٍ عَدَا جَسَدَهُ المُمْتَلِئَ بِآثَارِ النُّدُوبِ؛ البَعْضُ مِنْهَا حَدِيثٌ، وَالآخَرُ مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الوَقْتِ. صَمْتٌ يَأْكُلُ الرُّوحَ، وَالأَرْجَاءُ تَبْدُو كَسِجْنٍ لَا مَصَحَّةٍ عِلَاجِيَّةٍ.
​يَمْشِي مُتَّكِئًا عَلَى مِقْبَضٍ صَدِئٍ فِي إِحْدَى المَمَرَّاتِ، يَئِنُّ بِخُفُوتٍ يَكْسِرُ الصَّمْتَ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ كَانَ يَجُرُّ قَدَمَيْهِ عَلَى الأَرْضِيَّةِ البَارِدَةِ.
​فَتَحَ بَابَ غُرْفَتِهِ بِتِلْكَ المَصَحَّةِ، مُرْتَمِيًا عَلَى سَرِيرِهِ المَعْدَنِيِّ. الخَرَابُ يَمْلأُ الغُرْفَةَ كَامِلَةً، تَكَادُ تَكُونُ فَارِغَةً تَمَامًا سِوَى مِنْ مَكْتَبٍ خَشَبِيٍّ مُتَهَالِكٍ يَتَوَسَّطُهُ كِتَابٌ، وَعَلَى الجَانِبِ إِضَاءَةٌ صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ، وَذَاكَ السَّرِيرُ المَعْدَنِيُّ الذِي نَال مِنْهُ الصَّدَأُ، وَخِزَانَةٌ صَغِيرَةٌ تَعْلُوهَا بَعْضُ أَقْرَاصِ الدَّوَاءِ. إِنَارَةٌ مُرْتَعِشَةٌ بِالسَّقْفِ، وَبَعْضُ قَطَرَاتِ الدِّمَاءِ الحَدِيثَةِ المَنْثُورَةِ عَلَى الأَرْضِيَّةِ مِن جُرُوحِ الذِي يَجْلِسُ هُنَاكَ
.
​أَلْقَى بِذَاتِهِ عَلَى السَّرِيرِ بِإِهْمَالٍ، خَلَعَ قَمِيصَهُ المُمَزَّقَ بِهُدُوءٍ مُتْعَبٍ، وَتَمْتَمَ:
"أُمَّاهُ، لِمَاذَا ذَهَبْتِ؟ أَوَلَمْ تَعِدِينِي بَعْدَمَا تَتْرُكِينِي؟ نَظْرَةُ وَدَاعِكِ المُبْتَسِمَةُ لَا تُوحِي سِوَى بِالسَّعَادَةِ.. أَلِهَذِهِ الدَّرَجَةِ كُنْتُ ثَقِيلًا؟"
​كَلَامٌ خَرَجَ مِنْ فَمِ طِفْلٍ لَمْ يَتَخَطَّ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، تُرِكَ بِمَكَانٍ لَا يَعْلَمُ مَاهِيَّتَهُ، مَهْمَا قَضَى بِهِ الوَقْتُ لَا يَعْتَادُهُ أَبَدًا. الأَلَمُ وَالوَحْدَةُ يَعْتَصِرَانِهِ، وَالهُدُوءُ المُلْتَفُّ بِالمَكَانِ يَأْكُلُهُ، فَهَذَا لَيْسَ مَكَانَهُ الصَّحِيحَ.
​عَذَّبُوهُ تَحْتَ مُسَمَّى عِلَاجِهِ، فَامْتَلأَ جَسَدُهُ بِالنُّدُوبِ بَدَلًا مِنْ حِضْنٍ دَافِئٍ يَغْمُرُهُ.
​تَمْتَمَ بِخُفُوتٍ يُحَدِّثُ كِتَابَ مُذَكَّرَاتِهِ بَيْنَمَا يُدَوِّنُ دَاخِلَهُ بِهُدُوءٍ:
"تَخَيَّلْ أَنْ تَشْرَحَ لِلنُّجُومِ كَيْفَ ضَاعَتْ مِنْكَ السَّمَاءُ، وَأَنْتَ تُحَدِّقُ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ نَافِذَتِكَ الصَّغِيرَةِ! ثُمَّ قُلْ لِي، كَيْفَ يُشْفَى الذِي مَرَّتِ الأَحْلَامُ مِنْ جِوَارِهِ دُونَ أَنْ تَلْمَسَهُ؟ كَيْفَ يَنَامُ مَنْ نَامَتْ أَمَانِيهِ عَلَى أَرْصِفَةِ "رُبَّمَا"..
رُبَّمَا قَدْ أُنْتَشَلُ مِنْ عَتَمَةِ أَفْكَارِي، مِنْ ظِلَالِ الصَّمْتِ التِي التَهَمَتْنِي، إِلَى أَنْ غَطَّاهَا الغُبَارُ؟ هُنَاكَ مَنْ لَا يَبْكُونَ لِأَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ، بَلْ لِأَنَّ الوَجَعَ تَجَاوَزَ حَوَاجِزَ البُكَاءِ. صَارَ الوَجَعُ يَسْكُنُ فِي الصَّمْتِ المَكْسُورِ بِأَنِينٍ أَوْ بِهَمْسَةٍ مُثْقَلَةٍ، فِي نَظْرَةٍ سَارِحَةٍ، فِي يَدٍ تَرْتَجِفُ دُونَ سَبَبٍ.
​أَإِنَّهُ الخِذْلَانُ؟ هُوَ أَنْ تُغْلِقَ الحَيَاةُ أَبْوَابَهَا فِي وَجْهِكَ، لَكِنَّكَ تَبْقَى وَاقِفًا تَطْرُقُ أَبْوَابَهَا بِيَدٍ، وَتَمْسَحُ دَمْعَكَ بِالأُخْرَى. أَنْ تَحْفُرَ نَفَقًا فِي الظَّلَامِ،
لَا لِأَنَّكَ مُتَأَكِّدٌ مِنَ الضَّوْءِ، بَلْ لِأَنَّكَ لَا تَمْلِكُ تَرَفَ الوُقُوفِ فِي العَتَمَةِ. بَعْضُهُمْ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُشْبِهُونَ الصَّبَاحَ.. لَا لِأَنَّ الفَجْرَ يُحِبُّهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ اخْتَارُوا أَلَا يَكُونُوا لَيْلًا حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ تَنَامُ فِي المَقَابِرِ.
فَلَا تَسْأَلْنِي لِمَاذَا صَمْتِي ثَقِيلٌ.. أَنَا فَقَطْ أَحْمِلُ دَاخِلِي مَدِينَةً هُدِمَتْ عَلَى مَهْلٍ، وَلَا أَحَدَ غَيْرِي سَمِعَ صُرَاخَهَا. أَصْبَحَتْ رُوحِي كَحُطَامٍ نَاءٍ مَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ دَاعِسًا فَوْقَ شَظَايَاهَا بِلَا مُبَالَاةٍ".
​طَرْقٌ قَوِيٌّ مَلأَ المَكَانَ بِصَدَاهُ، فَذُعِرَ الفَتَى مُنْتَفِضًا مِنْ مَضْجَعِهِ، مُتَكَوِّرًا حَوْلَ نَفْسِهِ مُحَاوِلًا بِنَاءَ دِرْعٍ بَشَرِيٍّ لِإِنْقَاذِ نَفْسِهِ وَمُذَكَّرَاتِهِ؛ فَلَوْ شَاهَدَهَا أَحَدُهُمْ لَأَخَذَ مِنْهُ مَلْجَأَهُ الأَخِيرَ.
​" بَارْك جِيمِين، تَعَالَ إِلَى هُنَا..
المُدِيرُ يَرْغَبُ بِرُؤْيَتِكَ."
​تَقَدَّمَ الأَصْغَرُ بَعْدَ أَنْ تَبَدَّلَ حَالُهُ فِي ثَانِيَةٍ مِنَ الذُّعْرِ وَالخَوْفِ بَعْدَمَا اطْمَأَنَّ عَلَى مُذَكَّرَاتِهِ
إلَى جُمُودٍ وَبُرُودٍ، مِمَّا أَثَارَ اسْتِغْرَابَ الطَّبِيبِ الذِي نَادَاهُ.
​رَفَعَ الطَّبِيبُ كَتِفَيْهِ بِلَا مُبَالَاةٍ، وَجَرَّ الفَتَى مِنْ سَاعِدِهِ بِقَسْوَةٍ شَدِيدَةٍ، رَامِيًا إِيَّاهُ أَمَامَ مَكْتَبِ المُدِيرِ.
​تَعَدَّلَ الفَتَى فِي وَقْفَتِهِ، مُقْتَرِبًا بِبُطْءٍ مِنَ الطَّبِيبِ، وَبِلَا خِيَانَةٍ مِنْ حَوَاسِّهِ،
طَعَنَهُ بِمِسْمَارٍ كَانَ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ. اسْتَقَرَّتِ الطَّعْنَةُ فِي مُؤَخَّرَةِ عُنُقِهِ، مِمَّا جَعَلَ الطَّبِيبَ يَصْرَخُ بِقُوَّةٍ
مُسْتَنْجِدًا،
لَكِنَّ قَبْضَةَ الصَّغِيرِ تَمَوْضَعَتْ فَوْقَ فَمِهِ حَابِسَةً أَنْفَاسَهُ، بَعْدَ أَنْ أَجْبَرَهُ عَلَى الرُّكُوعِ بِرَكْلَةٍ قَاسِيَةٍ أَسْفَلَ بَطْنِهِ.
​بِنَبْرَةٍ كَالفَحِيحِ، وَبِعُيُونٍ يَمْلأُهَا الحِقْدُ وَالكُرْهُ وَالانْتِقَامُ، لَا عُيُون طِفْلٍ تَلْمَعُ بِالبَرَاءَةِ، قَالَ:
- هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ بَارْك جِيمِين.
​انْتَشَلَ المِسْمَارَ مِنْ رَقَبَةِ ضَحِيَّتِهِ، وَبِرَغْبَةٍ سَادِيَّةٍ فِي تَشْوِيهِهِ، طَعَنَهُ فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ تَارِكًا المِسْمَارَ مَغْرُوسًا، بَيْنَمَا بَحَثَ فِي جَيْبِ سُتْرَةِ الطَّبِيبِ فَلَمْ يَجِدْ سِوَى حُقْنَةٍ طِبِّيَّةٍ.
​نَزَعَ غِلَافَهَا بِسُرْعَةٍ، ثُمَّ أَزَالَ الغِطَاءَ البَلَاسْتِيكِيَّ الذِي يَحْمِي سِنَّهَا المَعْدَنِيَّ، وَبِعُنْفٍ غَرَسَهَا فِي شَفَتِهِ السُّفْلِيَّةِ، مُحَرِّكًا إِيَّاهَا يَمِينًا وَيَسَارًا لِتَوْسِيعِ الجُرْحِ وَتَمْزِيقِ الأَنْسِجَةِ.
​بَعْدَ أَنْ انْتَهَى مِنْ فَقْعِ حَدَقَتَيْهِ وَتَشْوِيهِ وَجْهِهِ، تَرَكَ الطَّبِيبَ جُثَّةً هَامِدَةً دُونَ أَنْ يَرِفَّ لَهُ جَفْنٌ، مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكْتَبِ المُدِيرِ.
​طَرَقَ البَابَ طَرْقَتَيْنِ، فَأَذِنَ لَهُ المُدِيرُ بِالدُّخُولِ.
​مَا إِنْ وَلَجَ حَتَّى جَحَظَتْ أَعْيُنُ المُدِيرِ مِن هَيْئَتِهِ؛ فِالدِّمَاءُ كَانَتْ مُتَنَاثِرَةً عَلَى وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ العَارِي.
​حَاوَلَ المُدِيرُ إِخْفَاءَ صَدْمَتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى الرَّجُلِ الآخَرِ الذِي كَانَ يُشَارِكُهُ الجُلُوسَ، ثُمَّ عَادَ بِنَظَرِهِ مُجَدَّدًا
تِجَاهَ جِيمِين نَاطِقًا:
" لِمَاذَا تَأَخَّرْتَ؟ ثُمَّ مَا كُلُّ هَذِهِ الدِّمَاءِ التِي تَمْلأُ وَجْهَكَ وَجَسَدَكَ يَا جِيمِين؟"
​رَدَّ جِيمِين بِلَا مُبَالَاةٍ بِأَيِّ شَيْءٍ حَوْلَهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُنْهِ حَيَاةَ شَخْصٍ لِلْتَّوِّ:
" قَتَلْتُ الطَّبِيبَ لِأَنَّهُ أَحْضَرَنِي بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَرُقْ لِي البَتَّةَ."
​بَيْنَمَا كَانَ المُدِيرُ مُنْصَدِمًا بِشِدَّةٍ، كَانَ الرَّجُلُ الجَالِسُ قُبَالَتَهُ يَبْتَسِمُ بِإِعْجَابٍ نَاظِرًا إِلَى الفَتَى:
" هُوَ المُنَاسِبُ.. أَحْسَنْتَ الِاخْتِيَارَ يَا آرْثُر."
​ـــ
بَعْدَ مُرُورِ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ..
سُوِيسْرَا، جِنِيف.
​عَلَى إِحْدَى الشَّوَاطِئِ الرَّاقِيَةِ، يَجْلِسُ شَابٌّ أَشْقَرُ الشَّعْرِ، بِقَمِيصٍ مَفْتُوحَةٍ أَزْرَارُهُ بِكَامِلِهَا، وَبِنْطَالٍ قَصِيرٍ خَاصٍّ بِالسِّبَاحَةِ، يَرْتَدِي نَظَّارَةً شَمْسِيَّةً وَبِيَدِهِ كَأْسٌ مِنْ عَصِيرٍ بَارِدٍ. يُنَاظِرُ الأُفُقَ حَوْلَهُ مُسْتَمْتِعًا بِالمَنَاظِرِ الخَلَّابَةِ بِهُدُوءٍ.
​اقْتَرَبَتْ مِنْهُ إِحْدَى الفَتَيَاتِ، جَلَسَتْ بِقُرْبِهِ، وَاتَّكَأَتْ عَلَى كَتِفِهِ بِهُدُوءٍ وَكَأنَّهَا حَبِيبَتُهُ. هَمَسَتْ بِشَيْءٍ مَا دَاخِلَ أُذُنِهِ، ثُمَّ اسْتَقَامَتْ مُتَبَخِّرَةً وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً أَصْلًا.
​"سَأَفْعَلُهَا.. تِلْكَ الجَوْهَرَةُ سَتَكُونُ البِدَايَةَ لِكُلِّ شَيْءٍ".
​فَجْأَةً، بَدَأَتِ الشُّرْطَةُ بِالتَّجَمُّعِ حَوْلَ إِحْدَى المِنَصَّاتِ، حَيْثُ حَلَّقَتْ مُرَوَّحِيَّةٌ تَحْمِلُ صُنْدُوقًا مَعْدَنِيًّا صَلْبًا تَعْلُوهُ جَوْهَرَةٌ بَنَفْسَجِيَّةٌ ثَمِينَةٌ. بَدَأَ النَّاسُ يَتَجَمَّعُونَ حَوْلَهَا؛ فَهِيَ جَذَّابَةٌ بِشِدَّةٍ، تَلْمَعُ بِقُوَّةٍ تَعْكِسُ ضَوْءَ شَمْسِ الغُرُوبِ البَهِيِّ.
​ابْتِسَامَةٌ خَبِيثَةٌ ارْتَسَمَتْ فَوْقَ شِفَاهِ أَشْقَرِ الشَّعْرِ، ثُمَّ تَمْتَمَ بِهَمْسٍ:
"سَتَكُونُ لِي.. وَلَكِنْ لَنْ أُشَارِكَ فِي المَزَادِ".
​نَطَقَ أَحَدُ رِجَالِ الشُّرْطَةِ عَبْرَ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ:
سَيَبْدَأُ المَزَادُ خِلَالَ رُبْعِ سَاعَةٍ مِنَ الآنَ، مَنْ يَرْغَبُ فَقَطْ فَلْيَتَقَدَّمْ
​"هَذِهِ فُرْصَتِي".
​اخْتَفَى أَشْقَرُ الشَّعْرِ لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى مُبَدِّلًا ثِيَابَهُ لِبِدْلَةٍ رَسْمِيَّةٍ سَوْدَاءَ، أَسْفَلَهَا قَمِيصٌ أَبْيَضُ، يَعْلُوهَا قُبَّعَةٌ سَوْدَاءُ، وَقُفَّازَاتٌ جِلْدِيَّةٌ كَانَ لَهَا مِنَ السَّوَادِ نَصِيبٌ هِيَ الأُخْرَى.
​مَعَ اخْتِفَاءِ ضَوْءِ الشَّمْسِ تَمَامًا، كَانَتْ تِلْكَ البِدَايَةُ الفِعْلِيَّةُ لِمَزَادِ شَاطِئِ جِنِيف.
​تَقَدَّمَ بِحَذَرٍ وَرُقِيٍّ كَيْ لَا يَجْذِبَ الأَنْظَارَ حَوْلَهُ، حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى سَطْحِ إِحْدَى البِنَايَاتِ القَرِيبَةِ مِنَ المَوْقِعِ. بَدَأَ بِرَسْمِ خُطَّةٍ مُتْقَنَةٍ؛ فَهُوَ عَازِمٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ الجَوْهَرَةُ مِلْكَهُ وَحْدَهُ.
​بَعْدَ عِدَّةِ دَقَائِقَ، كَانَ جَاهِزًا تَمَامًا لِانْتِشَالِ جَوْهَرَتِهِ كَمَا يَزْعُمُ.
​"وَالآنَ حَانَتْ سَاعَةُ الصِّفْرِ.. سَأَنْتَهِي خِلَالَ ثَلَاثِينَ ثَانِيَةً".
​أَطْلَقَ شُعَاعًا مِنْ لَيْزَرٍ أَحْمَرَ عَلَى جِهَازِ الإِنْذَارِ الخَاصِّ بِأَحَدِ رِجَالِ الأَمْنِ، فَبَدَأَ الجَمِيعُ حِينَهَا يَتَكَدَّسُونَ قُرْبَ المَخْرَجِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الخَطَرَ مُتَرَبِّصٌ بِهِمْ.
​بِحَبْلٍ كَانَ يَلْتَفُّ حَوْلَ خَصْرِهِ، وَبِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ رَشِيقَةٍ، هَبَطَ مُلْتَقِطًا الجَوْهَرَةَ، مُسْتَغِلًّا الفَوْضَى التِي أَحْدَثَهَا. وَبِذَاتِ الحَبْلِ المَعْقُودِ فَوْقَ سَطْحِ البِنَايَةِ، ارْتَدَّ صَاعِدًا مُجَدَّدًا،
وَلَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ كَانَتْ رِفْقَتَهُ جَوْهَرَتُهُ الثَّمِينَةُ.
​نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ المُلْتَفَّةِ حَوْلَ سَاعِدِهِ:
"اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ ثَانِيَةً.. جَيِّدٌ".
​فَكَّ عُقْدَةَ الحَبْلِ حَوْلَ خَصْرِهِ رَامِيًا إِيَّاهُ بَعِيدًا. تَوَجَّهَ إِلَى دَرَّاجَتِهِ النَّارِيَّةِ سَرِيعًا مَا إِنْ سَمِعَ صَوْتَ أَحَدِ
رِجَالِ الشُّرْطَةِ يَقْتَرِبُ مِنْ مَوْقِعِهِ:
"لَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَهُمْ لَمَحَنِي وَبَلَّغَ عَمَّا أَبْصَرَهُ!".
​لَا خِيَارَ سِوَى الهَرَبِ أَوْ سَفْكِ الدِّمَاءِ
​رَكِبَ فَوْقَ دَرَّاجَتِهِ السَّوْدَاءِ الغَيْرِ مُرَخَّصَةٍ، أَدَارَ المِقْبَضَ بِقُوَّةٍ لِتَنْطَلِقَ الدَّرَّاجَةُ بِسُرْعَةٍ قُصْوَى، رَاجِعًا إِلَى الخَلْفِ قَلِيلًا لِيَزْدَادَ زَخَمُ الِانْدِفَاعِ.
أَطْلَقَ العَنَانَ لِمُحَرِّكِهَا الذِي زَأَرَ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ، وَانْدَفَعَ كَالسَّهْمِ نَحْوُ حَافَّةِ السَّطْحِ.
قَبْلَ الِارْتِطَامِ بِالهَوَاءِ بِأَجْزَاءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَقَفَ نِصْفَ وَقْفَةٍ فَوْقَ المَقْعَدِ مُثَبِّتًا قَدَمَيْهِ بِقُوَّةٍ لِتَخْفِيفِ الحِمْلِ عَنِ العَجَلَاتِ،
ثُمَّ حَلَّقَتِ الدَّرَّاجَةُ فِي الهَوَاءِ رَاسِمَةً قَوْسًا خَاطِفًا بَيْنَ البِنَايَتَيْنِ.
أَمْسَكَ المِقْبَضَ بِإِحْكَامٍ حَابِسًا أَنْفَاسَهُ حَتَّى هَبَطَتِ العَجَلَةُ الأَمَامِيَّةُ بِعُنْفٍ فَوْقَ سَطْحِ البِنَايَةِ المُجَاوِرَةِ، لِيَسْتَعِيدَ تَوَازُنَهُ بِأُعْجُوبَةٍ.
​تَرَجَّلَ مِنْ فَوْقِ دَرَّاجَتِهِ تَارِكًا إِيَّاهَا، مُتَّخِذًا السَّلَالِمَ كَوَسِيلَةٍ لِلْهَرَبِ بَعْدَمَا لَمَحَ ضَوْءَ كَشَّافِ مُرَوَّحِيَّةٍ تُلَاحِقُهُ.
​ظَلَّ يَنْزِلُ السَّلَالِمَ لِعِدَّةِ طَوَابِقَ، جَهَّزَ سِلَاحَهُ بِيَدٍ، وَخَنْجَرًا بِغِمْدٍ يَلْتَفُّ حَوْلَ فَخِذِهِ.
​كَانَ رِجَالُ الأَمْنِ يُحَاصِرُونَ المَكَانَ بِأَكْمَلِهِ،
وَبِنَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ خَارِجًا، تَعَمَّدَ جَعْلَ أَحَدِ الرِّجَالِ يَرَاهُ، وَقَدْ حَدَثَ مَا أَرَادَ، وَلِحُسْنِ حَظِّهِ لَمْ يُخْبِرِ الرَّجُلُ زُمَلَاءَهُ عَمَّا شَاهَدَهُ رَغْبَةً فِي الِاسْتِفْرَادِ بِهِ.
​الْتَفَّ الشُّرْطِيُّ بِحَذَرٍ كَيْ يَتَأَكَّدَ مِمَّا شَاهَدَهُ، وَفِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ، وَضَعَ أَشْقَرُ الشَّعْرِ كَفَّهُ فَوْقَ فَمِ وَأَنْفِ الشُّرْطِيِّ،
ثُمَّ انْتَشَلَ خَنْجَرَهُ وَذَبَحَهُ بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ.
​دَقَائِقُ مَضَتْ، وَخَرَجَ يَرْتَدِي رِدَاءَ رَجُلِ الشُّرْطَةِ، يَتَحَرَّكُ وَسْطَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَا كَمَنْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ.
​اتَّخَذَ عِدَّةَ أَزِقَّةٍ مُظْلِمَةٍ، إِلَى أَنْ سَمِعَ وَقْعَ خُطُوَاتٍ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ. اخْتَبَأَ خَلْفَ الجِدَارِ، مُجَهِّزًا سِلَاحَهُ بِيَدِهِ، مُسْتَعِدًّا لِأَيِّ شَيْءٍ سَيِئٍ قَدْ يَحْدُثُ.
​اخْتَفَتِ الأَصْوَاتُ حَوْلَهُ، حَتَّى اسْتَشْعَرَ فُوَّهَةَ سِلَاحٍ بَارِدَةٍ تَتَمَوْضَعُ عَلَى مُؤَخَّرَةِ رَأْسِهِ!
​يُتْبَعُ...
To Be Continued
تنويه
الروايهُ مُشبعهَ بالاختلالِ والامراضِ النفسيهُ ،
يتخللها الدماءِ والاجرامِ مِن كُل جوانبهِ لذا
مِن لا يحتمل مَشاهدَ العُنفِ أو الدماءِ
يُرجي عَدم إكمالها لِصحتك.
ـ جَميعَ الحُقوق مَحفوظه للكاتبه ڤَاليِريِا
لا أسمحَ بالتحَويلِ الي صيغهِ pdf أو الاقتباس
مَن يُخَل بأي من هذا سيتعرضَ للمُسائَلهِ
القانونيهُ .
_ دونوا تَاريخَ بدايتكَمَ بقراءِه الروايهُ
Insta ,tik and YouTube
_ VAILYYJM _
24 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.