اركايوجيا .
اركايوجيا .
جزء 2 من 1
وضع القراءة:

الفصل الثاني: بداية كل شيء

****
توقفت سيارة الأجرة أمام بوابةٍ قديمة تحيط بها الأشجار من الجانبين.
لم تقل أليثيا شيئًا.
كانت تحدّق من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها، وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذا المكان أصبح الآن جزءًا من حياتها.
قال السائق:
«وصلنا.»
رفعت أليثيا عينيها ببطء.
نظرت إلى العنوان المكتوب على الورقة مرةً أخيرة، ثم إلى المكان أمامها.
كان كل شيء هادئًا.
هادئًا أكثر مما توقعت.
دفعت أجرة الطريق، ثم فتحت الباب ونزلت.
لحقتها كليو، وأغلقت باب السيارة خلفها.
ابتعدت السيارة شيئًا فشيئًا، حتى اختفى صوت محركها خلف الأشجار.
بقيتا وحدهما.
نظرت كليو حولها.
«حسنًا...»
انتظرت أليثيا أن تكمل.
«هذا المكان لا يشبه بيت جد عادي.»
«لم أقل إنه عادي.»
«صحيح.»
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
«لكن كان بإمكان أمكِ أن تترك لكِ عنوانًا لمكانٍ فيه جيران على الأقل.»
لم تجب أليثيا.
كانت عيناها معلقتين بالمنزل.
كان كبيرًا، قديمًا، تحيط به حديقة واسعة امتلأت بالأشجار والنباتات التي نمت بحرية، حتى بدا المكان وكأنه لم يعرف يدًا بشرية منذ سنوات.
الجدران الخارجية حملت آثار الزمن بوضوح.
أما النوافذ، فكانت مغلقةً خلف ستائر داكنة.
تقدمت أليثيا.
خطوة.
ثم أخرى.
كانت تحمل حقيبتها بيد، بينما تمسك الورقة باليد الأخرى.
وقفت أمام البوابة.
نظرت إلى القفل.
ثم أخرجت المفتاح الذي تركته لها أمها.
قالت كليو:
«هل أنتِ متأكدة أنه لهذا المكان؟»
«لا.»
«جواب مطمئن.»
أدخلت أليثيا المفتاح.
دار القفل.
صدر صوتٌ خافت.
فتحت البوابة.
دخلتا.
كانت الحديقة أكبر مما بدت من الخارج.
سارت أليثيا ببطء، وكليو إلى جانبها.
لم تتحدثا.
كان هناك شيء في المكان يجعل الكلام يبدو زائدًا.
حين وصلتا إلى الدرج المؤدي إلى الباب، توقفت أليثيا.
رفعت رأسها.
كان الباب خشبيًا ضخمًا، وقديمًا بدرجة جعلتها تتساءل كيف بقي واقفًا حتى الآن.
قالت كليو:
«افتحيه.»
نظرت أليثيا إليها.
«بهذه السهولة؟»
«ماذا تريدين أن ننتظر؟ دعوةً رسمية؟»
تنفست أليثيا ببطء.
ثم رفعت المفتاح.
أدخلته في القفل.
دار بسهولة.
فتحت الباب.
صريرٌ طويل خرج منه، وتردد صداه داخل المنزل.
توقفت أليثيا عند العتبة.
كان الداخل مظلمًا.
ولم يكن هناك صوت.
دخلت أولًا.
تبعتها كليو.
أغلقت الباب خلفهما.
وقفت أليثيا في القاعة الواسعة، تنظر حولها.
لم يكن المنزل فارغًا تمامًا كما توقعت.
كانت هناك أثاثات قديمة، وستائر طويلة، ورفوف مليئة بالكتب.
الكثير من الكتب.
اقتربت أليثيا من أحد الرفوف.
مررت أصابعها فوق الكتب المغطاة بطبقةٍ رقيقة من الغبار.
سحبت أحدها.
قرأت الاسم المكتوب على الغلاف.
ليوس دوريون.
توقفت.
نظرت إلى كليو.
«هذا كتابه.»
اقتربت كليو.
«جدكِ كان يكتب الكثير.»
أعادت أليثيا الكتاب إلى مكانه.
ثم بدأت تنظر إلى بقية الرفوف.
كانت كتب ليوس موجودة في كل مكان تقريبًا.
على الرفوف.
فوق الطاولات.
وفي خزانةٍ زجاجية قريبة من النافذة.
شعرت أليثيا بشيء غريب.
لم تكن تعرف جدها.
لم تسمع عنه إلا القليل.
ومع ذلك، كانت آثاره موجودة في كل زاوية.
كأنها دخلت فجأة إلى حياة شخصٍ قضت عمرها وهي لا تعرف أنه كان جزءًا منها.
جلست كليو على إحدى الكراسي القديمة.
أصدرت الكرسي صريرًا مزعجًا.
نظرت إليها أليثيا.
قالت كليو:
«لا تنظري إليّ هكذا. الكرسي هو الذي قرر إصدار هذا الصوت.»
«لم أقل شيئًا.»
«لكن عينيكِ قالتا.»
ابتسمت أليثيا ابتسامةً صغيرة.
ثم تابعت السير.
وصلت إلى منتصف القاعة.
رفعت رأسها.
كانت هناك لوحة كبيرة معلقة على الجدار.
اقتربت منها.
رجلٌ شاب يقف أمام خلفيةٍ داكنة.
كان يرتدي ملابس قديمة، وملامحه هادئة، لكن نظرته كانت حادة.
حدقت أليثيا فيه طويلًا.
كانت تعرفه.
ليس لأنها رأته من قبل.
بل لأن أمها كانت تحتفظ بصورةٍ قديمة له.
همست:
«ليوس.»
وقفت كليو خلفها.
«هذا هو؟»
أومأت.
«أظن ذلك.»
ظلت أليثيا تنظر إلى اللوحة.
ثم قالت:
«غريب.»
«ماذا؟»
«كنت أتخيله مختلفًا.»
«كيف؟»
«لا أعرف.»
نظرت كليو إلى اللوحة.
«أنا كنت أتخيله عجوزًا.»
«كان جدّي.»
«أعرف.»
«إذن من الطبيعي أن يكون أكبر سنًا.»
«لم أقصد هذا.»
ضحكت أليثيا بهدوء.
ثم عادت لتنظر إلى اللوحة.
للحظة، شعرت بأنها لا تنظر إلى صورة شخصٍ ميتٍ أو غائب.
بل إلى شخصٍ ترك خلفه شيئًا ينتظرها.
شيئًا لم تفهمه بعد.
أخفضت نظرها.
قالت:
«لنستكشف المنزل.»
وقفت كليو فورًا.
«هذه الجملة كنت أنتظرها.»
«لماذا؟»
«لأنني بدأت أشعر أنني جئت إلى هنا لأجلس على كرسي.»
«يمكنكِ الجلوس.»
«لا، الآن أصبحت مغامرة.»
رفعت أليثيا حاجبها.
«أنتِ لا تعرفين حتى إن كانت هناك مغامرة.»
«إذن سنبحث عنها.»
تقدمتا نحو الدرج.
كانت خطواتهما هادئة.
وكان المنزل، من حولهما، لا يزال ساكنًا.
صعدتا الدرج ببطء.
وفي الأعلى، امتد ممر طويل تحيط به الأبواب من الجانبين.
توقفت أليثيا.
نظرت إلى الأبواب.
ثم إلى كليو.
قالت كليو:
«أي واحد؟»
نظرت أليثيا إلى الممر.
«لا أعرف.»
«رائع.»
ابتسمت ابتسامةً صغيرة.
«لنبدأ من الأول.»
ومضتا في الممر.
لم تعرف أليثيا في تلك اللحظة ماذا ستجد في هذا البيت.
ولم تكن تعرف لماذا تركت لها أمها المفتاح.
كل ما كانت تعرفه أنها لم تأتِ إلى هنا عبثًا.
وأن بيت ليوس دوريون يخفي شيئًا لم تكن مستعدة بعد لمعرفة حقيقته.
أما الآن...
فلم يكن أمامها سوى أن تبدأ البحث.
35 قراءة
2 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ أسبوعين
فلم يكن أمامها سوى أن تبدأ البحث.
كملي

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.