بيتٌ ونار
«ونجني من جهنم. رباه»
.
☼
.
أبصرت الحريق ولم تحاول إخماده،
اعراضك جعل منك مساهمًا في اشعاله!
والحريق هنا لا يقصد به النار الفعلية!
أنت تفهمني، لا تدعي الغباء!
لم تذر للخبثاءِ رزيلةً.
.
☼
.
العبث بالنيران كان من اختصاصي
ولا أقصد المخاطر بل النار الفعلية تلك، التي تخشى أن تتقد وتلتهم بيتكَ على حين غفلةٍ منك.
تنحيت جانبًا أتفدى قطعة السقفِ التي سقطت وكادت تسحلني أسفلها لولا أن تنحيتُ، تخطيتها.
حرارة الجو تلسعني.
«هنا! نحن هنا!»
صراخٌ من حلقٍ جاف وجسدٍ متألم،
وروحٌ مكثت على أعتاب الجحيم بالأرض.
ركلت الباب الشبه محترق بقدمي أقفز متفاديًا حلقة النار التي تحاوطه.
وأخيرًا، أضحيت داخل الغرفة والتي تصاعدت ألهبة النار على جدرانها، وبالمنتصفِ أبٌ مصابٌ يضم ابنهُ الذي يصارع الإختناق،
اندفعت نحوه دون تأخير ثانيةٍ أنتشل الصبي منه أسند الأبَ ليقف؛
إلا أن تلك بدت له غاية في الصعوبة ورغم ذلك وقف!
وقف على قدمٍ أتلفتها النيران وأحلتها رمادًا!
خطوتُ به.
الطريق الذي أتيتُ منه أكثر أمانًا وإن كانت النيران تعج به،
اطفاء هذا المبنى يكاد يكون مستحيلًا رغم اجتهاد الفريق،
«تبدو شابًا.. عرفتُ من عيناك.»
نبذ السيد بينما نهبط السلالم.
وقد كان محقًا في ظنه فلم أكن أتتمت ربيعي الثامن والعشرين بَعد.
«اي ما كان سيحدث تاليًا، اسعْ لانتقاذ ابني وفقط. وإن عنى ذلك تركي هنا من الآن.»
«سأنقذ كلاكما،»
إن لم يعترض القدر،
في لحظات النهاية هذه يظهر ما خُفي من ترابط عائلي وتضحية للأبناء..
لم أعِ شيئًا كهذا الشعور حتى غدوتُ أبًا.
وفي الحين الذي يموت فيه الأباء تضحيةً ليحى أولادهم.
كنت أجابه أنا الموت لاحيا لأجل ابني الذي بنتظر بشوقٍ عودة أبيه.
والغرق في أفكاري لأكثر من هذا لم يكن مسموحًا لي،
إذ تهاوت قطعةٌ من السقفِ علينا،
تشوشت الرؤيا وشعرتُ بثقلٍ فوقي يحطم عظامي!
ضممتُ المراهق بين يدي أفتح عيناي،
كان والده فوقي!
حين أدرك ألا نجاة من الخطرِ تلقى القطعة المشتعلة على ظهره يحميني ويحمي ابنه!
أنينٌ مكتومٌ انفلت منه، وتوقدتِ النيران تلتهم ملابسه وجلد ظهره بنهمٍ!
بمطفأة الحريق الصغيرة سارعتُ باطفاء ما حل بظهره،
أعود لاسناده مجددا وقد غدت مهمتي أصعب الآن، بعد أن بات بالكامل لا يقوى على السير.
ما فائدة حياةٍ لابنٍ دون السند؟
لاهثت، بل لهث كلانا.
المراهق حملته على كتفي وسعالهُ اشتدَّ.
«ابني أولًا، ثم الدنيا بِجُلِّ فحواها.»
قال بصوتٍ متقطعٍ يحاول انتزاع جسده من جواري،
إلا أنني كنت عنيدًا وأبيتُ افلاته.
قفزنا من فوق حفرةٍ، تفادينا تساقط قطعٍ محترقة، اختنقنا حتى بات فقدان الوعي قريبا، ألهبتنا الحرارة، حرارةٌ مهما مضيتُ فيها لا أعتادها أبدا أبدا.
ثم..
حِجرةٌ فوقي، شيءٌ حارقٌ بقدمي، ثقلٌ يعلو صدري، غشوةٌ تغبش رآياي..
دخانٌ دخانٌ...
كنا أسفل الركام هذه المرة ولا أعرف كيف.
لكننا،
كنا.
وهذه المرة لم أملك رفاهية انقاذ كليهما،
وكان عليّ الاستدارة له وكأنه ليس روحٌ هشمته الصخور وإلتهمته النيران.
فقط..
بخطى مترنحة حملت ابنه أكمل الطريق بوصية والده.
لم أملك فرصة النظر للجحيم حولي ووصفه بدقةِ فنان، رغم ذلك كان بامكاني تخيل المشهد،
شيءٌ برتقاليٌّ ذو حُمرٍ ويتخلخله الاصفر،
لا يذر على بالبناء ذرةَ حياةٍ إلا وأحالها رمادًا حُطامًا.
منذ النعومة وأنا اخشاها خشيةً توقف الحياة على اعتاب ذكرها.
تلك، قبسُ النار المتأجج كان مكنونها وحشًا بنظري.
ضممتُ المراهق أشقر الشعر -يطمث السواد لونه- أعمق وأقوى،
كنت أشعر أني أضم جمرةً إلى قلبي،
جمرةً أشعلتها أنا للتو..
أنا المُخفق في انقاذ والده.
أنا جزءٌ من عمليةِ تيتيمه.
سحابةُ أفكاري العاتمة بدأت تحجب رؤيتي، تذكرني كم مرةً شاهدتُ نهاية انسانٍ.. يحترق.
إلا أنها دُنيا،
لا جنة.
من فردوسٍ وجحيم ولدت الدنيا،
تحملُ من الجنةِ نسيمٌ عابرٌ كل حينٍ،
ومن السعيرُ قظٌ يتوقد آنًّ ويخبو.
تمامًا في المنتصف بينهما توجد حياة
إلا أن داخل الحياة نفسها،
تلك الحياة الرمادية التي تمزج الشقيين
يوجد شقٌ يَغْمِسُ النعيم بالهنا
وشقٌ آخر يتجرع الجمر يبلعهُ بالكدر.
والمعادلة هنا عكسية،
لأجلك ذلك اخترتُ أن أكون بين ألسنة اللهيب، وأن أنتشل الأنفاس الراجفة من بطن النيران.
ربما إن أنْجَيْتَ أكبر قدرٍ منها أنجُ يوم العرضِ منها..
ثمُّ روحٌ آخرى، حياة، متجسدة بذلك الصغير بين يدي، أضمها وادرء عنها ما استطعتُ من ألسنة النيران
حتى استقرت أخيرًا على عتبة آمانٍ..
«ياروم، لدينا!»
المسعف هتف بفخرٍ ينتشل مني الصبي
«لقد أصبح لدينا الآن، أبليت حسنًا، كل شيءٍ بك بخيرٍ؟»
نطق أخيرًا متفحصًا جسدي طمئنته بينما عيناي تتبع يداه إذ وضع الصبي على سريرٍ وسارع بوضع قنلع اكسجين..
وعيه يتنرح بين غفوةٍ لثوانٍ ووعيٍّ لدقيقة،
عيناه ُ دامعتان معلقتان بي
أرى السؤال واضحًا: «والدي؟»
عيني لم تغادره والإعتذار معلقٌ بأهدابي ينتظر رمشتي ليصيب قلبهُ بألمٍ كالزمهرير.
أغمضتُها لثوانٍ وودت لو تتغير الدنيا لجنةٍ حينها،
إلا أن التمنى ليس إلا استحالة،
ودربي بالدنيا ليس إلا خيارًا مع سَبق الإصرار.
«فشلت بانقاذ والده، بقي بالداخل..»
همست للمسعف
«نحن لن نمنع الموت ياروم،
كان ليموت ولو كان على فراشٍ من ريش النعام!»
همس بصدقٍ.
وابتعدت بخطاي غير راضيٍ بالمواساة،
من يحتاج كلماتٍ حنينة الآن هو ذلك الطفل على فراشِ الإختناق.
المعاناة الأكبر من نصيبة.
أما أنا فسأعود أعانق طفلي،
ويومٌ ثم آخر وأنسى جمرة الشعور حين
تمسني لسعات اللهبِ وتلهب جلدي.
اليوم احترق بيتُ صبيٍّ بوفاةِ والده.
البيتُ قد يكون شعورًا، أو شخصًا،
أو بالاحرى هو شخصٌ يمنحكَ شعورٌ كما البيت.
واليوم أنا عدتُ لبيتي،
عانقتُ ابني أناند أقبل وجنتهُ المنتفخة،
مسحتُ شعره الرامد؛ لون شعره كان شيئا بين الاشقرِ والرمادي، وعيناهُ رماديتنان.
أناند هو جائزتي،
هو رماد النيران التي كواتني ليالٍ،
كان دومًا رغم كل شيء أفضل ما بقى
وأحسن ما وجد.
رفعته عاليًا بينما استلقي على الأريكة وهو ضحك ماددًا يداه الصغيراتين نحوي
لأضمه مجددًا ابقيه مستلقيًا على صدري.
«لا أدري كيف استطاع قلب أمٍ ترك طفلٌ كما الشمس والاستدارة لحياتها بهكذا سرعة وبملئ ارادتها!»
أمي تذمرت تجلس لجواري تنظر بآسى للصغير بين يدي والذي يبتسم لها بودٍ.
«حقيقةً، هي لم تترك أو تستدر بملئ ارادتها، أنا مَن تشبث بأناند ورفضت أن يتربى بعيدًا عن كنفي ولم ارضى بانفصالٍ لا يضمن حضانتي له.»
اخبرتها مِرارا،
يومها خلت نفسي أنانيا بينما أطالب بشيء كهذا،
إلا أنني الآن اكتشفت أنه كان حقا لي،
كمان هو حقٌ لها
كما هو حقٌ لأي فردٍ أن يضم لجناحهِ أحبته.
والبقاء للأصدق.
للمتشبث أكثر.
«بُني.
لقد ولدته وسافرت، لا تتصل حتى إلا مراتٍ تُعد على اليد الواحدة، إن لم يكن تخلي، فما هذا؟ ألم تفكر لو ترضعه مرة؟»
بهذهِ كانت محقة،
«اعتذر.»
همست لأناند على سماعه لهكذا كلمات عن والدته..
ولأنني لم أوفر له بيتًا متكاملا.
لأنني قنعتُ يوم حملته بين يدي أن البيت قد يكون شخصًا واحدًا،
يكفي.
إن كان أناند سكفيني بضئالة جسده،
هل سأكفيه أنا؟!
«أعملها أهم من فلذة كبدها؟
ألم تُطقه طيلة حملها لثمانِ أشهر!»
أمي عادت للتذمر مجددًا رُغم مرور سبعة أشهرٍ على الانفصال.
«ربما، وذلك كان من ضمن أسباب الانفصال، هي تملك طموحًا عاليًا ولن تهمد حتى تقف على نهايته، فلمَ التعجب؟»
«التعجب لأنها تركت طفلًا ملفوفًا في قماطه خلفها!»
بدأت أندم داخليًا لأني طلبت مساعدتها في الاعتناء بأناند فترة عملي.
«أمٌ مهملة!»
«لم أشهد اموميتها لاحكم»
رددت بملل ألاعب ابني، وضحكاته تنفلت منه بين ثانيةٍ واخرى
«تارةً تدافع عنها وآخرى تذمها،
ألازلت تُكن لها شيئًا؟»
لم أعلم كيف وصل الحديث لهذا المنطلق، إلا أنها أمي فلا عجب.
«لا ذمٌ ولا مدحٌ، فقط أخبركِ الحقائق.
عن اذنك.»
ردت ناهضًا أحمل أناند وعلى ظهري حقيبته،
عائدًا نحو شقتي.
«فلتبق الليلة!»
أمي هتفت من خلفي إلا أنني شكرتها هاربًا بابني حيث منزلي.
بيتي، بيتي الذي لم يكن أكبر مني ليضمني،
بيتي الصغير الذي أحمله على يدي الآن،
هو وحده كان كافيًا ليأويني.
.
☼
.
يومٌ آخر، نيرانٌ أخرى.
كل شيءٌ في هذا الكونِ متجددٌ،
التجدد هو لُب الاستمرار للحياة،
يومك: يُعاد ويتكرر.
مشاكلك: تُصاغ وتحدث مجددًا.
ومجددًا ومجددًا تتولى الأشياء بشكلٍ مختلفٍ أو متشابه وكأنها تنضج وتكبر معنا، تتعلم من نقاط قوتنا فتزيد من بأسها لتكون أشد علينَا.
السؤال: هل نواكب نحن البشر تجدد الأشياء من حولنا واستمراريتها؟
شُعلة المعضلة في التوقف،
إن توقفت أنت، إن اكتفيت أنت؛
فهذا خيارك، شيءٌ يخصك وحيدًا،
وحتمًا الدنيا من حولك لا توافقك الإكتفاء،
لذا تزداد وتزداد، لن ترحم كبرك، لن ترحم ضعفك، لن تشفق عليك وإن أذاب الإرهاق جلدك!
وكذلك النيران،
تنطبق عليها ذات قواعد التجدد،
إلا أنها بوتيرةٍ أسرع، وأبطش!
تمسكت في ساعد الكرسي أثبت جسدي بينما تميل بنا الطائرة بسبب عتو الرياح،
حريق آخر.
يحتاج منقذًا.
يريد اطفائي متطور ومتخصص.
مكافح حرائق بالمظلات!
ونعم أعني القفز في الهواء الطلق.
لأن الحريق قرر أن يبطش بنا من حيث لا نحتسب، فنشب في إقليم كراسنويارسك تحديدًا بمناطق التايغا الشمالية، إثر عصفةٍ برقية وكم هذا مضحك تخيل أن اعصارًا يحوي مطرًا ورياحًا، اي بردٌ وثلجٌ، يُخلف بعده شُعلًا من النيرانِ والدخانِ.
ربما تكون زمهريرًا..
ورغم ذلك، يبقى هذا من عَجب العُجاب،
فسبحان من سواهم.
«مستعدودون؟!»
القبطان تسأل بنبرةٍ واثقة، إلا أني أبصرت في عيناهُ قلقًا دفينًا.
فُتح باب الطائرةِ أمامنا ولطم الهواء البارد وجوهنا.
«مستعدودن!»
صرخنا، كُنا اثنتى عشر رجلًا،
وحدًا تلو الآخر بدئنا بالقفز.
فردت يداي أقفز،
الهواء يقاومني، يرفعني،
كنت أخترقه كما النسر نحو وجهتي،
نحو النيران.
لطالما كان ملمس الريح غريبًا،
تلمس شيئًا وتسمع صوته،
لكنك لا تراه،
تلك الرياح منعشة، مداعبة، لكنها حتمًا تشكل رعبًا إن باتت ضدنا يومًا،
تمامًا كما جلبت اعصار حرائق بالغابة،
هي ذاتها الريح التي تدفعني نحوها لاطفأءها،
ورغم حرارةِ جمرة النيران وحُرقتها،
تبقى عدوًا هينًا لي مقارنةٍ بريحٍ كالشبح لا تُرى، تأجج النيران، وتهجم من حيث تشاء.
إن كان للنيران مشعلٌ ومنتهى،
فما هاويتكِ أنتِ يا ريحُ؟
كلكِ في لُج التأججِ داهيةٌ بلا مَقيد!
زئيرٌ الريح ناداني، يحجب صوت أفكاري،
من أسفلي التلال والجبالُ، طُرقٌ وعرةٌ،
أماكن خضراء يتخلخلها اللون البني،
وآخرى صخريةٌ،
وهناك في الشمالِ نيرانٌ متهيجة تأكل كل ما يقابلها وتحيله رمادًا أجدبًا، فوقهم يتصاعد دخانٌ كثيفٌ اعلانِ وفاةٍ.
الأرض أسفلى تدور وتتسع، تكبر الأشياء من فوقها تمامًا كما يكبر أي ضئيل يومًا ما،
الفرق أنها كانت تكبر في دقيقةٍ وليس يوما.
ثبتُ ذراعيّ وساقي أقاوم طيار الهواء،
مدّت يدي اليمنى بحركة خاطفة، مدربة، وعثرت أصابعي على الكرة الصغيرة المثبتة أسفل حقيبة ظهره.
قبضت عليها بقوة، ثم ألقيتها في الفراغ.
في جزء من الثانية، طارت المظلة المرشدة الصغيرة، والتقطت الرياح الهابطة كبساطٍ طائر.
شعرت بنفضةٍ عنيفةٍ بدأت من كتفي واهتز لها عمودي الفقري بالكامل.
وكأني سجادةٌ نفضتها شابةٌ ببأسٍ.
كان ذلك صوت تمزق أحزمة الأمان القماشية (الفيلكرو) وهي تتحرر من الحقيبة خلفي.
تلا ذلك صوت خفقانٍ وكأنك ضربت في الهواء بسوطٍ.
شعورٌ أشباه بالمستغربين،
أليس الانسانُ المُهجنُ من غرابٍ يُدعى مستغرب؟
أيا كانت هذه السخافة الخيالية، فهكذا كان الشعور،
جناحٌ يرفرف لي، وسقف مظلةٍ ظللني.
تباطأت السرعة من مئتي كيلومتر في الساعة إلى بضعة كيلومترات في ثوانٍ معدودة،
ثم أخيرًا هدأ زئير الرياح وحل محله حفيفٌ هادئ للنسيم يمر عبر قماش المظلة المشدود.
تدليتُ في الهواء مستقرًا، تتأرجح ساقاي بحرية فوق السحاب.
مدّت يديي إلى الأعلى، وقبضت على مقابض التوجيه.
تنفست الصعداء، وها أنا ذي أرنو من الأرض حتى لامستها قدماي، وتم الهبوطُ.
بدأ السير نحو وجهتي وقد اتفقتُ مع رفاقي على التوجه نحو نقطةِ إلتقاءٍ ومنها نبدأ في اطفاء الحريق..
مكافح حرائق الغابات بالمظلات كانت شيئا منفصلا، مختلفا، يستدعى مهاراتٍ عدة على خلاف اطفاء الحرائق المدنية،
كنت قد تلقيت عددة تدريبات في دورةِ مكافحة حرائق الغابات، ومن الجيد أن جسدي رياضي يتحمل كل ما شق عليه من طُرقٍ وعرةٍ وجبال.
مشيتُ بحذرٍ وسرعةٍ في الآنِ ذاته،
متيقظًا متنبهًا، في نهاية أنا في الغابة!
البعض يظن أن الامر سيستغرق ساعات، وياه أسفاه،
الأمر قد يصل إلى خمسين يومًا!
استغرق الأمر مني ليلتان، أسير فيها في تلك الأرض الوعرة وكلما تباطئت خُطاي تذكرت أناند، واعتصر الشوق قلبي رغم أنها مجرد ليلتان،
كان ذلك يدفعني للاسراع وشحذ همتي.
سأعود يا بُني،
سأطفأ هذا الحريق لأجل البلاد وسلام البشر،
ستقف شامخًا بصنيعي،
سأعود للبيتِ أضمك وأبرد حُرقة صدري،
تلك الشغلة التي تتقدُّ حتى تخلف بجوفي زهريرًا كلما ابتعدتُ عنك.
أنا عائد.
«ياروم! يا صاح!»
هناك كان رفاقي الخمسة:
إيغور، ألكسندر، بوريس، ليون،
وأخيرًا رفيق دربي رومان.
الشمس من خلفهم أشرقت على استحياءٍ،
كانوا يجتمعون ويبدو أنهم وصلوا في وقتٍ قريب.
«اين البقية؟»
سألت أتقدم نحوهم ورومان ألقى عليِّ نظرةً مطولة أخالهُ يتأكد من سلامتي لذا اومأت له بابتسامةٍ ليبادلني بآخرى.
كانت هذه طريقتنا في الاهتمام منذ نضجنا معا في الثانوية، نتبدل النظرات ويتفحص كل وحدٍ منا حال الآخر بصمتٍ دون سؤالٍ صريح.
رغم أن كلانا يعلم بأي قدرٍ الاخر يهتم له.
«كانوا أقرب للحريق من الجهة الخلفية،
تغير اتجاه الريح وازدادت النيران اشتعالًا،
لذا آخر اتفاق بيننا أن يحاولوا هم من الخلف ونحاول نحن من الأمام فنكون حاصرنا النيران. ثم نسحبها إلى نهر.»
تفهمت الخطة وبدت جيدةً، إلا أنَّ على وجهوههم ارتسم قلقٌ،
جميعهم كانوا يفوقونني عُمرًا،
عدا رومان كان بذات عمري.
إلا أنهم امتلكوا روح شبابٍ وشجاعة عارمة.
«استعدوا لتكتيك التوجيه نحو خط الاحتواء الطبيعي!»
بوريس قائدنا أعلمنا الخطة، كان علينا توجيه النيران نحو نهر ينيسي الضخم،
ومحاصرة رأس الحريق في عنق الزجاجة قبل أن يلتهم الجانب الشرقي من الوادي.
منافسنا هذه المرة كان الوقت أكثر من كونه اللهب، أو ربما كلاهما ضدنا،
ركضنا وكانت وجهتنا الضفة القريبة لنهر ينيسي.
كل وحدٍ منا بيده منشارٌ جنزيري،
وبدأنا العمل، المنشار يزمجر بصويتٍ يلومنا على نخر الفروع السفلية للأشجار،
بدأت الاشجار تسقط تلو الاخرى وألقينا الاشجار الجافة كجسرٍ لنهر،
المنشار الجنزيري يصدر صريرًا قويًا،
وعند احتكاك أسنان السلسلة المعدنية السريعة بالألياف الخشبية الصلبة، مبلغًا صوت تشقق وكأن الأغصان تئنُ بألمٍ تلومنا على قطعها، وكان لهذا الصوت مردودٌ مُلهبٌ في نفسي.
تجردت الغصون، ألقينا بكل الخشب الجاف نحو مجرى الماء، قشرنا الأرض حتى ظهر الصخر العاري.
الدخان الأسود يعمي أبصارنا
«ما حال الفريق الآخر؟»
الحرارة تزداد وجسدي يقشعر من قطرات العرق المناسبة على وجهي وظهري،
«للأسف انقطع الاتصال بيننا.»
أجابنا القائد،
واستتمررت بالعمل أضع أناند غايتي حتى لا يوقفني التعب،
ابتسمتُ أستذكر ملامح أمي المغتاظة عندما يزعجها أناند ولا يكون لها حيلةٌ في للصراخ عليه، تتحدث وتتحدث معه بكلمات غاضبة وهو يفجر ضحكاته، يذكرها أنه لا يعِ أيًا مما تقوله فتجد نفسها تضحك معه.
ثم تلقي لي بابني وتوبخني على تأخري، تعريضي نفسي للخطر، والعديد من الأمور...
أتسأل، ألم تدري أمي أنَّ من كل اسم نصيب؟!
ياروم فاتروسلاف.
هذا هو اسمي، ياروم حرارة الربيع ووهج الشمس،
فاتروسلاف يعني النار.
إلا أنه لا لوم على أمٍ أبدا،
لربما أرادتني دافئًا داخليا، إلا أن نصبي من اسمي وقع على مواقف حياتي وطريقة عيشي أكثر من كونه في طبعي.
ومن وقتها والنار تحاوطتني وجلدي ساخنٌ دوما.
«سحقًا!»
بوريس صرخ بارتيابٍ دون وعيٍّ يجربني على التوقف ورفع رأسي،
الكارثة التي خشيناها...
حدثت!
عصفت الريحُ لاهبةً مقطلعةً جذعًا مشتعلاً بالكامل من قلب الحريق الرئيسي، ليطير في الهواء عابراً فوق رؤوسنا،
يجعلني أكتم نفسي لوهلةٍ وقد شعرت بروحي بَرِئَتْ من الحياة،
وعلى الجهة الآخرى خلف خط دفاعنا، وتحديداً في بقعة أعشاب جافة لم نصل لتنظيفها بعد، ألقت الريح الغصن المشتعل!
أي هواءٍ أنتِ يا ريح،
أخشاكِ وأخشى انقلابكِ المباغت!
حقيقةً ليس السعيرُ عدونا،
بل عصف الهواء.
لربما كلمة الهوى مجرد اشتقاقٌ من كلمة هواءٍ كلاهما في الهاويةِ يذرونا!
انطلقت شرارة «القفز الحراري»، في ثوانٍ تلوت ألسنة لهب جديدة خلف ظهورنا، مهددة بمحاصرتنا ونسف الخطة بأكملها!
رومان كان أسرعنا استجابةً ومخاطرةً كما كان يومًا،
كان الأقرب للخطر، كما كان يومًا، إلا أن هذه المرة أشد وأقصى بشكلٍ قبض قلبي بألمٍ،
كان يحمل المضخة الظهرية القماشية،
صوب المضخة نحو مصدر النيران يبدأ في باطفائها يبرد صدورنا ورغما عني تسارعت أنفاسي كلما لمحت النار تتطاول عليه إلا كان شديد البأس،
حاولت التركيز على عملي والاسراع،
اصمد رومان، انتبه من فضلك.
«اااآه!»
صرخت لاسعةٌ تتلوي ألمًا رغم قصرها إلا أنني شعرتها في قلبي،
رومان!
جذوةٌ من النار طالت قدما رومان، غالبا الريح هي مَن رجمته بها!
تركت ما بيدي أهرع نحوه،
وتشبث إيغور بي يمنعني من التقدم.
«لا تندفع بتهورٍ!
لقد أصبح في حلقة خطرٍ الآن!»
«رومان!»
قاومت،
إلا رومان كانت الاسرع دوما انقلب على ظهره يضرب قدمه بالأرض مخمدًا النار المشتعلة به يحرك قدمه بحفرٍ ليغطي الرمل ساقه وكأنه يدفنها،
لكنه لم يكتفي بهذا بل وهو على ظهره ضوب المضخضة لفوق رأسه حيث النار وبدأ بالضخ،
قدمه تضرب الارض حتي قتلت النيران ويداه تضخ الماء حتر ردمت النيران...
ومن جهتنا أطفأنا النار التي كان حاجزًا بيننا،
«لا فائدة، فرصة النجاة معدومة! فما بالك بالاطفاء؟!»
أليكسندر نطق يوسع عيونه ننظر خلفنا النيران كانت تعدوا بسرعة تلتهم كل شيءٍ حولنا تتقدم نحونا!
«اركضوا!»
القائد أمرنا يشير لنا للمسارعة وترك المعدات،
وبالفعل بدأوا في العدو سريعا،
رومان لم يستطع النهوض يبدو أن قدمه أصيبت بشدة،
بقيت متجمدًا لم أتحرك،
الركض لم يكن حلا أبدا الهروب ليس حلا!
الطريق وعرة والنيران سريعة نحونا ستلتهمنا حتما!
ورومان مصاب وأجسادنا مرهقة لن نفلح!
«لا تركضوا! لن يفلح الأمر! سنحترق حتما!»
كانوا بالعفل قد ابتعدوا مسافةً صغيرة، وبقيت أنا ورومان في الخلفية،
عيونهم التفت نحوي باستعجابٍ،
«بُني! إنها محاولتنا الأخيرة تعال!»
إيغور صرخ بي وليون بدى قادما ينوي سحبي معه عنوةً!
لم يكن هناك وقتٌ للشرح ولا للجدال، الموت خلفنا لا محالة،
أخرجت ولاعةً أقترب من رومان وأحرق ما حاولنا من أعشابٍ وحشائش وغصون صغيرة،
«تعالوا إلى هنا!»
نظرتهم ازدادت رعبا وبدأت خطواتهم تبتعد أكثر متمتمين بعبارات اعتذارٍ،
ولم يكن أمامي خيارٌ سوى المتابعة!
«أدرك أنك انتحاريٌّ، إلا أنني أثق أن هذه محاولة انقاذٍ لا انتحار، رغم أني لا أعلم ما تفعله.»
رومان قال بأنينٍ ولا زال مستلقيا على الأرض الألم يعجز جسده عن الحراك.
كنت اطفأ ما اشعله فورا، أحيل الأرض جدباءً عاريةً دون شيءٍ يُؤكل من عليها،
حتى أحرقت حلقةٌ حولي وفي منتصفها تمركزت وسحبت رومان نحوي،
النيران اقتربت بما يكفي لتكون على بعدٍ قليلٍ من إدراكِ!
اقتربت من رومان أقلبه على بطنه،
وحفرت له حفرة صغيرة،
«ضع وجهك هنا، دون أن تكتم نفسك.»
رومان نفذ دون اعترضٍ،
وكذلك أنا حفرت آخرى لي، أضع بها وجهي،
الهواء الأكثر برودة ونقاوة والأغنى بالأكسجين يتركز دائماً في السنتيمترات القليلة الملاصقة لسطح الأرض مباشرة، بينما يرتفع الدخان الساخن والغازات السامة للأعلى،
كذلك كان عليَّ تجنب حروق الرئة،
استنشاق هواءٍ ساخن حتما سيحرق الرئة ومجرى الهواء فورا، وستكون هذه أيضا ناتجها الوفاة،
لكنها ستكون نتاج حرقٍ داخلي قبل الخارجي.
النيران التفت حولنا،
مكونةً جدارًا من اللهب،
اجتاح الحريق الرئيسي المنطقة بسرعة فائقة بسبب الرياح القوية، ومرت النيران من فوقنا وحولنا كإعصار ناري وصل ارتفاع ألسنته إلى عدة أمتار!
«السماء تحولت لسوادٍ دامس،
والدخان خانق.»
رومان نطق بتقطعٍ، ويبدو أنه رفع رأسه يستعلم الاجواء،
كان ذلك حتما بفعل الدخان الكثيف.
كنت أشعر بجسدي ينصر.
«اصمد رومان، لطفا»
شددت على يده،
منت أملك طفلا يحتاج ظل أبٍ يكبر فيه،
إلا أني لم أكن الوحيد الذي يمتلك ابنًا يرغب في العودة إليه،
رومان أيضا امتلك طفلان وزوجة،
كان علينا الصمود،
رغم الحرارة رغم الألم، رغم الاشتغال، رغم الانصهار، كان الصمود اجبارا لا خيرا ولا رفاهيةً.
مر جدار اللهب من فوقنا وحولنا،
لربما استغرق الأمر دقائق إلا أنها مرت كدهرٍ، كل نفسٍ كنت أشعر أني روحي تخرج معه،
كنت دوما قريبا من الاحتراق إلا أنني هذه المرة كنت وشيكا من الموت نفسه لولا أن شاء خالقي.
انقلبت على ظهري وكذلك رومان نتنفس بعمقٍ بينما النيران تبتعد وتهرع خلف رفاقي!
حيث الوادي!
«فكرةٌ بها من الجنون شيئا لاحت لي.»
رومان نطق يشير نحو النهر ونحو صخرةٍ كبيرة، وصلت فكرته دون أن يطنق بها.
«أنت حتما داهية.»
«ساعتبره اطراءًا.»
من حقيبته أخرجت قنبلة، ولا يسأل أحدٌ من أين أتى بها ولمَ يحتفظ بها،
رومان كان دوما صندوق مفاجآت منقذة.
ألقيت القنبلة حيث الصخرة الكبيرة،
وانفجرت تحيل الصخرة إلى رمالٍ مسببةً دوي يصم الأسماع،
ثم انهمرت مياه النهر على النيران تخمد ما استطاعت منها!
ووقتها لاحظت فقط، النيران كانت أقل عندما مرت من فوقنا، كانت أخف،
مما أتاح لسيلان النهر عليها لدثرها.
«أأنتم بخيرٍ؟»
جهاز الاسلكي تذكر أن يعمل الآن فأمسكته بيد مرتجفةٍ، كان هذا الفريق الاخر الذي حاول اطفا الحريق من الخلف وانقطع به ارسالنا لفترة.
«أنا ورومان نعم، بقية الفريق لا أعلم؟»
أجبت هالعًا،
«لقد أخمدنا النيران من الخلف، نجحنا في توجيهها نحو النهر،
خسرنا أربعةً منا.»
صمت كحداد، وأغمض عيناي بآسفٍ،
«الا أنه خرج عن سيطرنا ونقلته الريح عليكم بعصفٍ»
كان هذا ما حدث إذن،
لأجل ذلك كانت النيران أقل وأخف.
«لقد أطفأت ما بقي بماء النهر.»
أعلمته ليطمأن قلبه،
في حين اعتصرت أنا، بنسبةٍ كبيرةٍ فقد خسرت فريقي،
«رومان؟»
ناديت أقترب منه بدى مغيبا عن الوعي، ولعل ذلك سببه ألم قدمه
«شيفال.
رومان اصيب بشدة»
«منذ تدهور الوضع كنت قد حدثت الجهات، يفترض أن طائرة هليكوبتر بمسعف على وشفى دقائق من الوصول.»
مرت الدقائق، لا أعلم كيف، وصل الطائرة دون أن اسمعها، انتشلنا مسعفان، لم أشعر بشيء، لم أرى شيء كل شبءٍ بات سريعا،
هكذا حتى أفقت لأجد نفسي بالمشفى،
وأناند مستقرٌ فوقي متشبثُ بي يأبى تركي وكأن حلقة النار التي أحاطتني ارتدت في قلبه الصغير جمرةً، ليدرك ما كان ليحدث.
فما كان مني إلا ضمه معتذرًا،
رومان أصيب بقدمه بشدةٍ وقد لا يقوى على السير مجددًا،
أما قائدي ورفاقي فقد التهمتهم النيران بلا هوادةٍ،
هذا ما أخبرني به فورما أفقتُ.
تلك النيران التي تحرقنا، حين أعدت استخدامها أنجنتي،
تلك التي كانت عدوتي اللدود،
خصيمتي ومصدر رهبتي، تهديدي الأزلي في الحياةِ والموتِ،
حين أشعلتها ضد نفسها أنقذتني.
عاية الرب فوق كل هذا،
هذا مؤكدٌ.
وإدراك لا بل معرفةٌ ويقينٌ استقر بقلبي،
كل ما يؤذي إن قلبناه لربما.. ربما.. يكون مصدر نجاةٍ وربما نضرب الشر بالأشرِ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!