أثر لا يموت
أثر لا يموت
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

الفصل الأول - النور

الفصل الأول - النور
يُقال دائما ، هناك نور ينتظرك في آخر النفق المظلم، ضوءاً دافئ.
يُلامسنا بعد نفقِ طويل مظلم وبارد ، وحتى في الجحيم سيكون هناك بصيص نور مثلهُ .
طالما كان هناك ظلمًا في الأرض سيكون هناك خير يقضي عليه .
مهما طال حكم الدكتاتور لبلدهِ
مهما طال قمعهُ للناس وقتلهم
سيكون هناك في نهاية الأمر ثورة لا تسكتها بعض رصاصات رشاش
ولا قطع رؤوسهم أو دفنهم احياء .
مهما زُرِع الخوف في صدورهم.
في آخر النفق سيكسرون الخوف والسلاسل التي تُقيد اعناقهم ويرفعون الرايات ضدك، سوف يجرونك الى الشوارع يراقبونك من كل صوب تُجر في الشوارع وبدلتك الراقية تتلطخ بالتراب والطين إن لم يفعلوا اسوء من هذا، هذه ستكون نهاية كل ديكتاتور في التاريخ .
…..
….
..
.
بعيدا في الصحراء الحارة في الجنوب الغربي
في قرية تبدو وكأنها منذ قرنين قد بُنيت.
بيوتها قديمة ومهترئة، لا توجد شوارع محدثة جميعها ترابية.
كأن الزمن قد توقف عندها منذ قرنين، لا يُبان عليها أي ملامح التطور، أصوات الماشية تختلط مع أصوات الرجال و الاطفال.
القرية في قلبها ( أي في منتصفها) يوجد بناء بيت أكبر من البقية واحدث بقليل، موضعه كأن القرية تتمركز عليه.
ملابسهم قديمة وبالية وأجساد اغلبيتهم نحيفة وضعيفة كأنهم جميعا مرضى بمرض خبيث، جميعهم شاحبين، لا أحد يبتسم ولو ابتسامة باهتة ، الأطفال هادئين وجميعهم لديهم مشاكل في النمو يجلسون خلف اقرب ظل يرونه ، قرية أشبه بأن الحياة قد سُلبت منها .
في إحدى الأزقة ، تجلس امرأة وابنها بالقرب منها كانت الأم ضعيفة جداً كتلتها لا يتعدى 45 كيلوغرام وابنها الذي لا يتجاوز الخامسة من عمره ضئيل الحجم والبنية وقليل الكتلة وملابسه ممزقة.
يتمسك بثوب والدتها بيده اليمنى ويضع يده اليسرى على بطنه.
يخاطب والدتهُ قائلا " أمي أنا جائع ، ارجوكِ أعدي شيء لنأكله "
تجيبهُ والدموع تنهمر من عيناها " انا اسفة انا اسفة، ليس لدينا شيء من أجل طبخه "
" يا إلهي انهُ اليوم الثاني لنا ولم نأكل أي شيء ، حتى المياه لا نستطيع الحصول عليها "
بهذهِ الأثناء ، كان هناك شاب يمشي في نفس الزقاق.
يلبس قميص قصير الأكمام مصنوع من قماش نباتي رخيص وخشن لونه سمائي فاتح مُغبر و سراول ذو لون اسود عليه بقع طين وتراب ، لون بشرته وضّاح ليس بالشخص الطويل ، شعره اسود مائل الى البني بقليل وطويل القامة بعض الشيء، لحيته ليس بالمكتملة ويوضح بأنها لم تُحلق منذ فترة.
ظل يمشي بخفه حتى وصل للام وابنها وتوقف امامهم واستدار.
ووضعه يده في جيبه الأيسر في السروال أخرج منها كيسًا بلاستيكي شفاف يملئهُ بعض الارز الذي لا يزيد عن 200 غرام .
انحنى وأعطاه للام بأدب وهدوء وتظهر على وجههُ ملامح ابتسامة بسيطة قائلا " سيدتي هذا كل ما استطيع تقديمه لكِ ولهذا الطفل، اصنعي بعض الارز لكِ وله "
بدأت المرأة تبكي فرح وتشكره ومن ثم رحل الرجل بهدوء واكمل طريقه.
بعد ساعات - في الظهيرة .
في نفس بيت المرأة كانت تطبخ الارز في قدر والسعادة تعلو ملامحها.
دخل رجل الى بيتها وقال بنبرة خائبة "عزيزتي لقد عدت، انا اسف ولكنني لم احصل على اي مال اليوم "
بدأ بالمشي قليلا وقال مرة اخرى " ما هذه رائحة الطعام"
جاءت زوجته اليه وقالت " عزيزي لقد حصلنا على غداء والحمدلله "
أجابها الزوج بصدمة وقال " من أين؟ "
ردت قائله " كنت جالس امام البيت مع ابني ومن ثم جاء رجل كأنهُ ملاك مُنزل على الأرض أعطاني بعض الأرز واعتذر لي بسبب قلة الأرز الذي يقدمه، يا عزيزي هو حقا كأنه ملاك يمشي على الأرض لولاه لما كنا نأكل اليوم "
في نفس القرية، إحدى البيوت الصغيرة
بيت صغير الحجم ومتهالك بعض الشيء مصنوع من طين مثل اغلب البيوت.
في داخله كان هناك أثاث بسيط وقديم ، كرسي خشبي قديم بجانب الجدار الأيسر و بساط في منتصف البيت محاك يدويا يبدو عليه القُدم وبقع التراب الصغيرة.
وفراش نوم بجانب الجدار الأيمن و وسادة بيضاء .
كان يجلس الرجل الذي قدم الارز للمرأة في منتصف البيت على البساط ، مغمض عينيه كأنه يتأمل شيئا غير موجود.
بعد لحظات ، فتح عينيه وقال بنبرة خافتة " لقد تأخروا من المفترض أن يأتوا قبل خمس دقائق "
تنهد وبدأ بالتحدث مع نفسه أثناء تمديد جسده
" اذًا اليوم الخامس عشر من مايو "
" لقد مضت خمسة عشر سنة منذ تلك الحادثة "
" لقد كانت 24 ساعه دموية، في هذا اليوم يضحك الحاكم ويفرح، بينما الشعب يبكي دمًا "
اثناء تحدثه والتمدد فتح الباب الخشبي للبيت واحدث صوتاً عالي.
دخل من الباب رجل من ذوي البشرة السوداء ضخم الحجم وطويل الارتفاع جسمه مفتول العضلات و أصلع يلبس ملابس ذات قياس خاص له ، طوله بحدود المترين .
وقف الرجل على قدميه وتوجه نحو الرجل الاخر وصافحه وعلى وجهه ابتسامة بشوشة قائلا " انتَ أول الحاضرين يا كارغون الضخم " أجاب كارغون إنزال رأسه للأسفل ورفعه بهدوء.
ومن ثم جلسوا.
بعد نصف دقيقة فتح الباب ودخل رجل آخر، طوله 175سم نحيف بعض الشئ ويلبس ملابس عصرية قميص اصفر و بنطال رصاصي وشعره مصبوغ للون الاشقر الفاتح وشعره كان فوضوي وعيناه منتفختان ويوجد اسفلهن هالات سوداء ويحمل معه شنطة سوداء جلدية خاصة بحاسبة محمولة.
نظر لكل من الرجلين الجالسين بهدوء وتنهد وادى تحية بسيطة رفع يده وقال " هيلوو ، كيف حالك يا ريِبِل، وانت أيضا ما زلت حيًا يا كارغون؟ "
رد كارغون قائلا بنبرة صوت غاضبة " اخرس واجلس لولا ريبل لما كنت اجلس معك في نفس الغرفة! "
حاول ريبل تهدئة الوضع " يا سيفر اجلس بهدوء ولا تحاول افتعال المزيد من المشاكل! "
تنهد سيفر وجلس قائلا " حسنا حسنا كما تريدون سأصمت واجلس"
بعد أن جلس وجه سيفر سؤالا لريبل " لماذا طلبت منا القدوم في هذا اليوم الحار ؟ "
أجاب قائلا " لا داعي للاستعجال، انتظر بقية رفاقنا "
بعد دقيقتين من الزمان دخل من الباب رجلان بنفس الوقت ، وكلاهما يلبسان بدلة رسمية للغاية وغالية الثمن أحدهما شعره ابيض وبدلتهُ بيضاء وبشرتهُ فاتحة اللون وشعره طويل قليلا وعيناها زرقاء، اما الرجل الاخر يلبس بدلة سوداء وشعره اسود ونفس مواصفات شعر الرجل الأول حتى البشرة نفس درجة اللون ولكن عيناه بنيتان غامقة اللون ، لقد كانوا مختلفين في اللون فقط كأنها نفس الشخص.
قالوا كلاهما بنفس الوقت " نعتذر على تأخيرنا يا سيد ريبل ، لكن التهرب من الأعمال صعب جدا خصيصا نحنُ من عائلة نبيلة لذا نعتذر على التأخر "
أجاب ريبل بنبرة عالية قليلا وبابتسامة جميلة تعلو وجههُ " لا داعي للقلق يا ڤوراس و يا نوتوس، تفضلا بالجلوس كلاكما "
انتقل سيفر للجلوس على الكرسي وجلسا كل من ڤوراس ونوتوس على الأرض في اليسار .
في هذه اللحظات قال سيفر وهو يتأرجح من على الكرسي " ولكن يا رجل لا استطيع التفريق بينكما لا اعرف لمن اقول ڤوراس ولمن نوتوس ، ولدي سؤال اخر هل انتم حقا توأم؟ "
اجاب كلاهما بنبرة واحدة وبنفس الوقت " أيها الاحمق ، ببساطة نحن توأم عندما ولدنا كنا مختلفين في لون الشعر والعينان فقط ولقد كان أحدنا هادئ والآخر صاخب ويبكي كثيرا، لذا قرر والدانا أن يسمي ذو الشعر الابيض الهادئ بـ ڤوراس ( والتي تعني باللغة اليونانية الشمال) والاخر ذو الشعر الاسود الصاخب بـ نوتوس ( والتي تعني باللغة باليونانية الجنوب) لذا ببساطة نحن الشمال والجنوب على هيئة بشر "
نظر كلاهما الى سيفر فوجدوهُ يحدق بهم وعيناه فارغتان ، تنهد كلا من الاخوين وقالوا " لم تفهم أليس كذلك؟ "
اشر لهم برأسه بإشارة نعم ، ثم قالا " لن نعيد شرح هذا لك مهما فعلت "
بعد دقائق دخل شخصاً مثلم بالكامل لا شيء واضح منه إلا عيناه العسليتان ومباشرة نزع اللثام الذي على وجه والوشاح الذي يغطي جسده بالكامل، لقد كانت امرأة سمراء وشعرها اسود وطويل تلبس ملابس بسيطة ولكن خفيفة وسوداء تتكون من قميص أسود ملتصق بالجسد و وبنطال وحقيبة صغيرة مصنوعة من جلد موضوعة على خصرها.
قال سيفر بنبرة صوت مرتفعة " والآن لقد جاء الشخصية الاخيرة تصفيق حار للسيدة سما تصفيق حار يا سادتي "
أجابت سما بنبرة صوت عادية وهي تنظر نحو سيفر نظرة اشمئزاز " انتَ ما زلت حي؟، لقد كنت أدعو ألهي كل ساعة من اجل ان تموت بأكثر طريقة ألمًا !! "
قال سيفر وفي صوتهُ حزن " لماذا انتِ هكذا يا عزيزتي سما ، انتِ تعلمين انكِ أكثر امرأة اعشقها؟ "
جلستْ سما بجانب الباب وقالت " اخرس والا اسكتك بوضع التراب بفمك أيها العاهر " ومن ثم سألت ريبل " لماذا جمعتنا هنا في هذا اليوم؟، لقد كان عبور الصحاري في مثل هذا اليوم صعب جداً! "
وقد سألوا البقية نفس سؤال سما، لماذا طلب اجتماعهم اليوم.
صفق ريبل صفقة واحدة وقال " جمعتكم اليوم في ذكرى الخامسة عشر لانتفاضة الشعب في الخامس عشر من مايو "
ساد الحزن في الغرفة بعد قول ريبل لهذهِ الكلمات .
" هذه الذكرى المأساوية ، تقشعر الأبدان لها، وما حدث خلال 24 ساعة في ذلك اليوم لن يُمحى من تاريخ هذهِ البلاد "
بعد دقيقة من الصمت
استكمل ريبل كلامه قائلا بنبرة حازمة وثقة " سأقود ثورة ضد الحكم!! "
كل من في الغرفة انصدم، كأن صاعقة نزلت عليهم من السماء.
كارغون فتح كلتا عيناه من الصدمة ، أما سيفر سقط من الكرسي الذي كان يتأرجح به على وجههِ وبدأ أنفه بالنزيف دم .
لم يبدي الإخوان اي ردة فعل ، اما سما وقفت على كلتا قدميها وقالت " هل انتَ مجنون؟، هل تريد اسقاط النظام بحق؟ ، انتَ صغير على ان تصاب بالخرف !! "
" هل تريد إعادة إحياء مأساة الخامس عشر من مايو مجددا وتُزهق المزيد من الأرواح؟!! "
اجاب ريبل بكل هدوء قائلا " اجلسي يا سما أرجوك"
اعترضت سما وقالت " لن أسمع المزيد من هذا الهراء، أنا مغادرة"
انحنى ريبل لها وقال " ارجوكِ اسمعي كلامي للنهاية وان لم يعجبك لكِ حرية المغادرة والذهاب أينما أردت "
تنهدت سما وجلست مره اخرى.
استكمل ريبل كلامه بسؤال للحاضرين " هل تعلمون لماذا اسم بلدنا بانتيرا؟ ، اريد اسمع اجابتكم جميعكم"
سيفر أجاب بعدم المعرفة وكذلك كارغون وسما.
أما الأخوين اجابوا اجابة غير صحيحة.
في النهاية أجاب ريبل عن سؤاله الذي طرحه " اجابة هذا السؤال حصلت عليها من خلال بحثي في الثانوية في كتب التاريخ، في الأساس المعنى من هذا الاسم (( الأرض الجامعه لكل شيء)) ، لماذا؟ لأن بلادنا تجمع جميع انواع الجغرافيا في الشمال الشرقي جبال وأرض غنية بالمعادن والموارد الطبيعية والشمال الغربي هضاب ومرتفعات مليئة بالنبات الطبيعي من أجل رعي الحيوانات أما الشرق والغرب والعاصمة أراضي منبسطة وسهول غنية للزراعة وجميع المواد اللازمة للزراعة متوفرة ، اما الجنوب الشرقي أراضي غنية بالغاز الطبيعي والجو المعتدل و الأراضي الخضراء كما في الشمال، أما الجنوب الغربي الذي نحن فيه حاليا هو الثروة الحقيقة الجميع يعتقد بأنها مجرد اراضي صحراوية قاحلة وغير قابلة للعيش ولكن ما تحت هذه الصحاري هي الثروة الحقيقية "
" دعوني أطرح عليكم سؤالاً اخر، لماذا بلدنا من أفقر البلدان رغم هذهِ الثروات؟ "
الجميع سكت ولم يجيب على السؤال، لم يكونوا يجهلون الجواب، جميعهم يعلمون الجواب ولكن يرفضون الإفصاح عنه.
" سأجيب بدلا عنكم، بسبب نظام الحكم بسبب الدكتاتور الذي ينهش بلحم هذا البطل منذ خمس وثلاثون عاما! "
" لقد سألتني سما هل اريد إعادة إحياء مأساة الخامس عشر من مايو؟ كلا ، لا أريد أعيد إحيائها، ولكن النظام والبلد هذه المرة أضعف من أي زمن فات "
" أما نثور هذه المرة أو نعيش هكذا للأبد! "
سألته سما سؤال " هل لديك خطة لقيامة ثورة؟ "
سكت ريبل للحظة ثم قال بهدوء " لدي ولكنها ليست كاملة "
قالت سما وهي تنهض " لقد علمت ، انتَ تتكلم بالهراء فقط سأرحل "
" اعدكِ يا سما واعدكم كل شخص جالس في هذه الغرفة ، غدا في الحادية عشر ظهرا سأكون قد اكملت الخطة وستكون خطة محكمة غير قابلة للخطأ اقسم لكِ ! "
قبلوا جميعهم بكلام ريبل مشروط ان تكون الخطة جاهزة بحلول الغد.
رحلوا الجميع لتأدية أعمالهم لحد الغد ثم يعودون .
رحل الجميع الا الأخوين بقوا جالسين.
قال ريبل " هل جلبتوا ما طلبته منكم؟ "
أومأ كلاهما رأسهما للاسفل بمعنى نعم ثم قال نوتوس وهو يخرج من سترته بعض الأوراق في ملف شفاف " لقد من صعب جلب مثل هذه المستندات والاخبار الداخلية للدولة حتى مع نفوذنا لقد تطلب مني الكثير الجهد لجلبهن لك ، لا أعلم لما تحتاج مثل هذه المستندات والمعلومات والأخبار ، ولكن اتمنى ان تستفاد منهن بحق "
بعد اعطاء الملف وهم مغادرين قالوا " أصنع خطة جيدة ايها القائد، كل ثقتنا بك "
في منتصف الليل.
بعدما عم الهدوء في كامل القرية.
خرج ريبل من بيته وبيده حزمة من الأوراق والملفات وأقلام ، جلس أمام البيت وكان ينظر إلى القمر في أعلى السماء .
" القمر جميل الليلة ".
انتهى الفصل .
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.